تحريك السبابة في التشهد… خلافٌ فقهيٌّ لا ينبغي أن يكون سببًا للفرقة
بين دلالة الأحاديث، واختلاف اجتهادات العلماء، وأدب الخلاف في الصلاة
من المسائل التي طال فيها النقاش بين المسلمين مسألة تحريك السبابة في التشهد: هل السنة أن يشير المصلي بها دون تحريك، أم يحركها؟ وإذا ثبت التحريك، فهل المقصود تحريكها باستمرار، أم عند مواضع معينة من التشهد والدعاء؟
وقد تناول الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله هذه المسألة في كتابه «صفة صلاة النبي ﷺ»، ورجّح مشروعية تحريك السبابة، مستدلًّا بعدد من الأحاديث والآثار، ومناقشًا الروايات التي ورد فيها نفي التحريك.
وفي المقابل، ذهب علماء آخرون إلى أن السنة هي الإشارة بالسبابة دون تحريكها، واستدلوا بأحاديث وآثار، ونقلوا ذلك عن عدد من أئمة الفقه والحديث.
ومن هنا، فإن تحرير المسألة يقتضي النظر في الأدلة نفسها، والتمييز بين ما تثبته الروايات صراحة، وما يُستنبط منها اجتهادًا.
أولًا: هل كل حديث في الإشارة يدل على التحريك؟
استدل القائلون بالتحريك بعدد من الأحاديث الواردة في صفة صلاة النبي ﷺ، ومنها حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في وصف وضع اليد اليمنى على الفخذ، وقبض الأصابع والإشارة بالسبابة.
وجاء في بعض الروايات وصف وضع الإبهام على الإصبع الوسطى، أو تحليق الإبهام والوسطى، كما وردت روايات في الإشارة بالسبابة عند الدعاء.
لكن السؤال الذي ينبغي طرحه هنا هو:
هل مجرد الإشارة بالسبابة يدل على تحريكها حركة متكررة ومستمرة؟
إن الإشارة والتحريك ليسا لفظًا واحدًا، ولا يلزم من ورود أحدهما ثبوت الآخر في كل رواية.
فقد يثبت الحديث أصل الإشارة، دون أن يتعرض لبيان كيفية أدائها، وقد تأتي رواية أخرى بلفظ زائد يحتاج إلى بحث في ثبوته ودلالته.
ولهذا لا بد من التفريق بين ثلاثة أمور:
ثبوت أصل الإشارة بالسبابة في التشهد.
ثبوت تحريك السبابة في بعض الروايات.
تحديد صفة ذلك التحريك: أهو مستمر، أم مرتبط بالدعاء، أم بموضع معين من التشهد؟
والخلط بين هذه المسائل قد يؤدي إلى نسبة ما لم ينص عليه الحديث إلى السنة النبوية على سبيل الجزم.
ثانيًا: ماذا تفيد الروايات التي ورد فيها لفظ «أشار»؟
وردت أحاديث صحيحة في الإشارة بالسبابة في التشهد، ومنها ما رواه الإمام مسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في صفة جلوس النبي ﷺ في الصلاة، وأنه كان يشير بأصبعه التي تلي الإبهام.
كما وردت روايات في الإشارة عند الدعاء، وفي توجيه السبابة نحو القبلة.
وهذه النصوص تثبت أصل الإشارة، وهي من السنن الواردة في صفة الصلاة.
أما كون الإشارة تستلزم تحريك الإصبع باستمرار، فذلك أمر آخر يحتاج إلى دليل مستقل أو قرينة معتبرة.
فليس من الدقة أن نجعل كل رواية ورد فيها لفظ الإشارة نصًّا في التحريك المتكرر، كما لا يصح أن ننفي كل صورة من صور التحريك لمجرد ورود لفظ الإشارة في بعض الروايات.
وإنما الواجب أن يُفهم كل نص في سياقه، وأن تُجمع الروايات الواردة في الباب قبل الترجيح بينها.
ثالثًا: حديث «كان يشير بأصبعه ولا يحركها»
من أبرز ما استند إليه القائلون بعدم التحريك الحديث المروي عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما، وفيه أن النبي ﷺ كان يشير بأصبعه إذا دعا، ولا يحركها.
وقد أخرجه أبو داود، ونقل المقال تصحيح عدد من أهل العلم له، ومنهم الإمام النووي رحمه الله.
وفي المقابل، ناقش الألباني رحمه الله إسناد هذه الرواية، ولم ير ثبوتها على الوجه الذي يحتج به في المسألة.
وهنا يظهر أن الخلاف ليس فقهيًّا محضًا، بل يتصل كذلك بالخلاف في الحكم على الحديث، والنظر في طرقه ورجاله، ومدى ثبوت لفظة «ولا يحركها».
ومن المهم أن ندرك أن اختلاف المحدّثين في تصحيح حديث أو تضعيفه لا يعني بالضرورة أن أحدهم يتعمد مخالفة السنة، أو أنه لا يعرف قدر الأئمة السابقين؛ فقد تختلف اجتهاداتهم في نقد الأسانيد، أو في الترجيح بين الروايات، أو في فهم دلالاتها.
والحكم على الحديث مسألة علمية لها أصولها، ولا ينبغي أن تتحول إلى باب للطعن في النيات.
رابعًا: هل لفظ «يحركها» ثابت؟ وما وجه الخلاف فيه؟
استدل الألباني رحمه الله برواية وائل بن حجر رضي الله عنه، التي ورد فيها أن النبي ﷺ كان يشير بالسبابة ويحركها.
وقد ناقش المقال هذه الزيادة، وذكر أن عددًا من الرواة الثقات رووا الحديث دون ذكر التحريك، وأن زائدة بن قدامة انفرد بذكرها في الطريق الذي يناقشه المؤلف.
ومن هنا ذهب صاحب المقال إلى أن لفظة «يحركها» زيادة شاذة لمخالفة راويها عددًا من الرواة الذين لم يذكروها.
لكن الحكم على الزيادة بالشذوذ لا يتوقف على مجرد كونها زيادة في رواية راوٍ واحد، ولا على كثرة من خالفه وحدها؛ بل لا بد من دراسة الروايات وأوجه الاختلاف، ومعرفة مراتب الرواة، ووجوه الترجيح عند أئمة العلل.
فقد تكون الزيادة مقبولة إذا استوفت شروط القبول، وقد تُرد إذا قامت قرائن معتبرة على وهم راويها أو مخالفته لمن هو أوثق منه.
ولذلك فإن موضع البحث الحقيقي هو: هل حفظ زائدة بن قدامة هذه الزيادة، أم خالف بها من هم أرجح منه في هذا الحديث؟
وهذا بحث حديثي يحتاج إلى عرض أقوال النقاد وأدلتهم، لا إلى الاكتفاء بمجرد تقرير أحد القولين.
خامسًا: هل المثبت مقدَّم على النافي في كل حال؟
من القواعد التي يذكرها العلماء عند اختلاف الروايات قاعدة تقديم المثبت على النافي في مواضع مخصوصة، لكن تطبيق هذه القاعدة ليس آليًّا في كل مسألة.
فلا بد أولًا من النظر في إمكان الجمع بين الروايات، وفي طبيعة النفي والإثبات، وفي ثبوت كل رواية ودلالتها.
وقد قرر أهل العلم أن الجمع بين الأدلة متى أمكن جمعًا معتبرًا أولى من إهدار بعضها، وأن الترجيح يُصار إليه عند تعذر الجمع أو عدم صحته.
وعليه، فإن وجود رواية تثبت التحريك وأخرى تنفيه يستدعي دراسة أسانيدهما وألفاظهما، والنظر في إمكان حمل كل منهما على هيئة أو حال مختلفة.
وقد نقل المقال عن الإمام الشوكاني رحمه الله وجهًا للجمع بين الروايات، وهو أن يكون المراد بالتحريك الإشارة بالسبابة، لا تكرار تحريكها على النحو الذي وقع فيه الخلاف.
وهذا يبيّن أن المسألة لا تنحصر بالضرورة في تصحيح رواية وإسقاط أخرى، بل قد يكون الجمع بين النصوص أحد مسالك العلماء في فهمها.
سادسًا: ماذا قال فقهاء المالكية والحنابلة؟
نقل المقال أقوالًا عن عدد من علماء المالكية في مسألة تحريك السبابة.
فذكر عن أبي الوليد الباجي رحمه الله نقلًا لاختلاف الروايات والأقوال عن الإمام مالك وأصحابه، وأن منهم من ذهب إلى التحريك، ومنهم من قال بالمد دون تحريك، مع اختلافهم في تعليل ذلك.
كما نقل عن ابن العربي المالكي رحمه الله إنكاره تحريك الأصابع في التشهد، وذكر أن المشهور عند ابن الحاجب هو عدم التحريك.
وهذه النقول تدل على ضرورة التثبت عند نسبة قول واحد إلى المذهب المالكي كله؛ إذ لا بد من التمييز بين الروايات عن الإمام، وأقوال أصحابه، وما استقر عليه المشهور في المذهب.
أما في المذهب الحنبلي، فقد نقل المقال عن ابن قدامة رحمه الله في «المغني» أن المصلي يشير بالسبابة، وأنه لا يحركها، مستدلًّا بحديث ابن الزبير.
وهذا النقل يبيّن أن عدم التحريك قول معروف عند فقهاء الحنابلة، كما أن التحريك قول معروف عند طائفة من أهل العلم.
ومن ثم، لا يصح تصوير المسألة وكأن أحد القولين لا أصل له في التراث الفقهي، أو أن المخالف فيه لا يعرف السنة.
سابعًا: هل الخلاف في التحريك يبرر الإنكار والتبديع؟
هذه هي القضية الأهم التي ينبغي أن نتوقف عندها.
فقد نقل المقال عن الألباني رحمه الله عبارات شديدة فيمن لا يحرك إصبعه مع اعتقاده بثبوت السنة عنده، ورأى صاحب المقال أن في ذلك تجريحًا لمن خالف في المسألة من العلماء.
والأولى في مثل هذه المسائل أن ينصبّ النقد على القول ودليله، لا على نيات أصحابه.
فمن رجّح التحريك بناءً على ما ظهر له من الأدلة، فله اجتهاده، ومن رجّح عدم التحريك بناءً على ما صح عنده من الروايات وفهمه لها، فله اجتهاده.
ولا يجوز أن نجعل مجرد المخالفة في مسألة اجتهادية دليلًا على الإعراض عن السنة أو تعمد مخالفتها.
فالعلماء الذين اختلفوا في هذه المسألة لم يختلفوا في وجوب اتباع رسول الله ﷺ، وإنما اختلفوا في ثبوت بعض الروايات، أو في دلالتها، أو في كيفية الجمع بينها.
وهذا هو الفارق بين الخلاف العلمي الذي يُبحث بالدليل، والتعصب الذي يجعل الرأي الشخصي معيارًا للحكم على الآخرين.
ثامنًا: ما الذي ينبغي أن يتعلمه المسلم من هذه المسألة؟
إن الصلاة أعظم شأنًا من أن تتحول بعض هيئاتها الاجتهادية إلى سبب للتنازع والتباغض بين المسلمين.
فأصل الإشارة بالسبابة في التشهد ثابت في الأحاديث الصحيحة، أما كيفية التحريك ومداه، فقد وقع فيها خلاف بين أهل العلم، بناءً على اختلافهم في الروايات ودلالاتها.
وليس من الإنصاف أن يُتهم من حرّك إصبعه بالابتداع لمجرد اختياره قولًا فقهيًّا معتبرًا، كما لا يصح أن يُتهم من لم يحركها بترك السنة أو مخالفتها عمدًا.
والواجب أن نزن الأقوال بالأدلة، وأن نحفظ لأهل العلم قدرهم، وأن نعلم أن الاجتهاد قد يصيب وقد يخطئ، وأن اختلاف العلماء في الفروع لا يبيح الطعن في إخلاصهم أو اتهامهم في دينهم.
وخلاصة القول:
إن مسألة تحريك السبابة في التشهد مسألة علمية وقع فيها خلاف بين أهل الحديث والفقه، ولا ينبغي اختزالها في اتهام المخالف أو الانتقاص منه.
فمن أخذ بقول التحريك فليعمل بما ترجح لديه من الدليل، ومن أخذ بقول عدم التحريك فليعمل بما ترجح لديه، مع احترام المخالف، والابتعاد عن التشنيع والإنكار الذي يفضي إلى التباغض.
فليس كل خلاف في صفة الصلاة موجبًا للفرقة، ولا كل مسألة اجتهادية تصلح لأن تكون مقياسًا لاتباع السنة.
وما أحوج المسلمين إلى أن يتعلموا من اختلاف أئمتهم أدب الخلاف، كما يتعلمون منهم أحكام الصلاة.
فالاجتماع على الحق لا يعني إلغاء الاجتهاد، واتباع السنة لا يعني التعصب لفهم واحد لها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق