الجمعة، 25 سبتمبر 2026

ليس كل خطأٍ يُسقط صاحبه، ولا كل جرحٍ يُقبل، ولا كل مظهرٍ يدل على التقوى

 

ثماني قواعد شرعية للحكم على الناس

الإنصاف قبل الجرح، والتثبت قبل التصنيف

ليس كل خطأٍ يُسقط صاحبه، ولا كل جرحٍ يُقبل، ولا كل مظهرٍ يدل على التقوى، ولا كل كلمةٍ تُفهم بمعزل عن سياقها ومقصد قائلها.

ومن أخطر أبواب الفتن بين المسلمين: التسرع في تصنيف الناس، والحكم على العلماء والدعاة وطلبة العلم، ونقل الكلام عنهم دون تثبت، ثم بناء المواقف والأحكام على أخبار قد تكون ناقصة أو محرّفة أو أُخرجت من سياقها.

ولهذا كان من المهم أن نضع قضية الحكم على الناس والجرح والتعديل في ميزان من العدل والإنصاف، من خلال ثماني قواعد:


القاعدة الأولى: الإنسان يُنظر إلى مجموع حسناته وسيئاته

قال الله تعالى:

﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ۝ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾
[المؤمنون: 102-103]

فالإنسان لا يُختزل في زلةٍ واحدة، ولا تُمحى حسناته بسبب خطأ وقع فيه، كما أن كثرة الحسنات لا تعني عصمة صاحبها من الخطأ.

قال تعالى في وصف المتقين:

﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾
[آل عمران: 135]

فالعبد الصالح قد يقع في الخطأ، وقد يزل، وقد يقع في معصية، لكن الفرق أن المؤمن لا يصر على خطئه، بل يرجع إلى الله ويتوب ويستغفر.

ولهذا قال الإمام الذهبي في مقدمة ميزان الاعتدال:

«ليس من شرط الثقة أن يكون معصومًا من الخطايا والخطأ، فالكامل الذي ليس فيه شيء عزيز نادر الوجود».

وهذه قاعدة عظيمة ينبغي ألا تغيب عنا عند الحديث عن العلماء والدعاة وطلبة العلم.

فلا نغلو في أحد، ولا نجعله معصومًا من الخطأ، وفي الوقت نفسه لا نبخسه حقه بسبب هفوة أو زلة.

ويقول الإمام الذهبي رحمه الله:

«إن الكبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه، وعُلم تحريه للحق، واتسع علمه، وظهر ذكاؤه، وعُرف صلاحه وورعه واتباعه للحق، يُغفر له زلله، ولا نضلله، ولا نطرحه، ولا ننسى محاسنه، نعم ولا نقتدي به في بدعته وخطئه، ونرجو له التوبة من ذلك».

وهذا هو الإنصاف.

نأخذ الحق من العالم، ونرد خطأه، من غير أن نحول خطأه إلى سبب لإهدار جميع فضائله.

وقد قرر الإمام السبكي معنى قريبًا من ذلك فقال:

«من ثبتت إمامته وعدالته، وكثر مادحوه ومزكوه، وندر جارحوه، وكانت هناك قرينة دالة على سبب جرحه من تعصب مذهبي أو غيره، فإنا لا نلتفت إلى الجرح فيه، ونعمل فيه بالعدالة».

فليس هناك إنسان كامل من كل وجه.

فمن ذا الذي سلم من الزلل؟ ومن ذا الذي صفا من كل كدر؟


القاعدة الثانية: التثبت في النقل، ومعرفة الصورة الكاملة

من أخطر أسباب الظلم في الحكم على الناس: نقل الأخبار مبتورة، أو الاعتماد على كلامٍ لم يثبت، أو بناء الأحكام على رواية سمعها الإنسان من طرف واحد.

يقول ابن حجر رحمه الله:

«إن الذي يتصدى لضبط الأفعال والأقوال والرجال يلزمه التحري في النقل، فلا يجزم إلا بما يتحققه، لا يكتفي بالقول الشائع».

فإذا سمعت أن عالمًا أو داعيةً قال قولًا معينًا، فلا تتعجل في نشره والحكم عليه.

ربما لم يقل ذلك أصلًا.

وربما قاله في سياق آخر.

وربما نُقل كلامه بالمعنى فأُفسد معناه.

وربما كان له كلام آخر يفسر كلامه الأول.

ولهذا فإن التثبت ليس ترفًا، بل هو من مقتضيات العدل.

قال الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾
[الحجرات: 6]

فإذا ترتب على الخبر الطعن في إنسان أو إسقاطه أو التشهير به، كان التثبت أولى وأوجب.

لا تجعل «قيل» و«سمعت» و«بلغني» و«يقال» مصادرَ للأحكام على الناس.

بل ابحث عن الدليل، وتحقق من الكلام، وانظر في الملابسات والسياق.

فدلائل الأمور أقوى من مجرد الدعاوى، والوقائع الثابتة أولى بالاعتماد من الأخبار المرسلة.


القاعدة الثالثة: التثبت من كلام الأقران في بعضهم

من القواعد المهمة في هذا الباب: أن كلام الأقران في بعضهم يحتاج إلى مزيد من التثبت.

فقد يقع بين العلماء وطلبة العلم وأصحاب الاتجاهات المختلفة خلافٌ علمي أو مذهبي أو شخصي، وقد يؤثر ذلك في بعض الأحكام التي يطلقها أحدهم على الآخر.

ولهذا اشتهرت عند أهل العلم قاعدة:

«كلام الأقران يُطوى ولا يُروى».

والمقصود ليس إسقاط كلام الأقران مطلقًا، ولا أن كل جرح يصدر من قرين مردود، وإنما المقصود أن كلام المتنافسين أو المختلفين يحتاج إلى فحصٍ ودراسة ومعرفة سببه وملابساته، ولا يُقبل لمجرد صدوره.

فالعداوة قد تجعل الإنسان يرى عيوب خصمه أكثر مما يرى محاسنه.

وقد يجعل الخلاف المذهبي أو الفكري بعض الناس يحمل كلام مخالفه على أسوأ المحامل.

ولهذا ينبغي التفريق بين:

نقدٍ علمي قائم على الدليل، وبين كلامٍ تحركه الخصومة أو التعصب أو المنافسة.

والميزان في النهاية هو الدليل والعدل والإنصاف.


القاعدة الرابعة: فهم الألفاظ في سياقها ومقاصدها

ليست كل كلمة تُفهم بمجرد ظاهرها.

فقد يكون اللفظ شديدًا في ظاهره، لكنه لا يراد به التحقير أو الإساءة.

ومن ذلك قول النبي ﷺ لمعاذ رضي الله عنه:

«ثكلتك أمك يا معاذ...»

فهذا اللفظ في ظاهره شديد، لكنه لا يعني أن النبي ﷺ أراد الدعاء عليه حقيقة، بل جاء في سياق البيان والتعليم والتنبيه.

وقد قال له ﷺ:

«إني لأحبك يا معاذ»

فمعرفة السياق، والقرائن، وعادة المتكلم، والمقام الذي قيلت فيه العبارة أمور أساسية لفهم الكلام فهمًا صحيحًا.

ويقول الإمام السبكي:

«فكثيرًا ما رأيت من يسمع لفظة فيفهمها على غير وجهها، فيغير على الكتاب والمؤلف ومن عاشره ومن استن بسنته، مع أن المؤلف لم يرد بذلك الوجه الذي وصل إليه ذلك الرجل».

وهذه مشكلة تتكرر كثيرًا في عصرنا.

يأخذ شخصٌ جملة من كتاب، أو مقطعًا قصيرًا من محاضرة، ثم يبني عليها حكمًا كاملًا على صاحبها، دون أن يرجع إلى بقية كلامه.

وهذا ليس من الإنصاف في شيء.

فإذا كان الرجل معروفًا بالعلم والاستقامة، فلا ينبغي أن نحمل كلامه على أسوأ الاحتمالات لمجرد احتمالٍ بعيد، بل ننظر في كلامه كله، وفي أسلوبه، وفي سياقه، وفي مقصوده.


القاعدة الخامسة: لا تجرح من لا تحتاج إلى جرحه

من أعظم أبواب السلامة: أن يحفظ المسلم لسانه عن أعراض الناس.

فليس كل إنسان يحتاج إلى أن تبحث عن عدالته أو جرحه.

وليس كل خطأ يحتاج إلى إعلان.

وليس كل زلة تستحق أن تتحول إلى قضية عامة.

قال الله تعالى:

﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾
[الإسراء: 36]

وقال سبحانه:

﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾
[الحجرات: 12]

وشأن المسلم أن ينشغل بما ينفعه، وأن يدعو إلى الخير، وأن يرد الخطأ بالحكمة، لا أن يجعل همَّه الأكبر تصنيف الناس وملاحقة زلاتهم وتتبع عيوبهم.

فكم من إنسان أضاع عمره في البحث عن أخطاء الآخرين، بينما غفل عن إصلاح نفسه!

وكم من إنسان انشغل بالمفضول عن الفاضل، وبالجدل عن العبادة، وبالخصومة عن العلم.

فليس كل ما تعرفه يجب أن تقوله، وليس كل ما تقوله يجب أن تنشره.


القاعدة السادسة: إذا اجتمع الجرح والتعديل فاذكر الأمرين بإنصاف

إذا كان الإنسان معروفًا بخيرٍ وشر، وصوابٍ وخطأ، فلا يجوز أن تنقل جانبًا واحدًا منه وتخفي الجانب الآخر إذا كان المقام يقتضي بيان الصورة كاملة.

فالإنصاف يقتضي أن تقول:

له جهود نافعة، وله أخطاء.

له علم وفضل، وعنده مسائل أخطأ فيها.

له أعمال مشكورة، وله مواقف لا نوافقه عليها.

وهذا أدق من اختزال الإنسان كله في وصف واحد.

ومن الظلم أن يتحول النقد من:

«أخطأ في هذه المسألة»

إلى:

«هو إنسان باطل من جميع الوجوه».

فالعدل يقتضي أن يُذكر للإنسان ما له وما عليه.

ولا يصح أن تكون نظرتنا إلى الأشخاص نظرة انتقائية؛ فنبحث عن أخطاء من نختلف معه، وعن محاسن من نوافقه فقط.

الإنصاف الحقيقي أن ترى الأمرين معًا.


القاعدة السابعة: لا تجعل حسن الهيئة وحده ميزانًا للناس

المظهر قد يكون صالحًا، لكنه ليس وحده دليلًا على صلاح الباطن.

قال الله تعالى عن المنافقين:

﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ﴾
[المنافقون: 4]

فلا ينبغي أن نعطي الإنسان قدرًا أكبر من قدره لمجرد مظهره، كما لا ينبغي أن نحكم على إنسان بالفسق أو سوء الدين لمجرد أن مظهره لا يوافق ما نراه نحن.

الناس لا يُعرفون بالمظاهر وحدها، وإنما بالأقوال والأفعال والمواقف والصدق والأمانة والاستقامة.

فالمظهر لا يكفي وحده للحكم على الإنسان، كما أن مخالفة الإنسان في بعض المظاهر لا تعني بالضرورة الحكم على قلبه أو دينه كله.

والميزان هو العدل، والدليل، ومعرفة مجموع حال الإنسان.


القاعدة الثامنة: إذا جاز الجرح فلا يكن بقصد التحقير والتشفي

حتى عندما يكون الكلام عن خطأ شخص أو بيان انحراف قول أو تحذير من أمرٍ معين، ينبغي أن يكون المقصود:

بيان الحق، وحماية الناس من الخطأ، ونصرة الصواب.

لا التشفي، ولا الانتقام، ولا إسقاط الأشخاص، ولا إشباع الخصومات الشخصية.

ومن لطيف ما ذكره الإمام السبكي عن والده أنه قال له في قصة مشهورة:

«شرط الجواز عدم قصد التحقير».

وهذه قاعدة عظيمة في باب الكلام عن الناس.

فقد يذكر الإنسان وصفًا أو لقبًا للتعريف، ولا يقصد به الانتقاص، وقد يذكره بقصد السخرية والتحقير، فيختلف الحكم باختلاف القصد والسياق.

ولهذا ينبغي أن نسأل أنفسنا قبل أن نتكلم عن شخص أو جماعة:

هل أريد بيان الحق، أم أريد إسقاط الشخص؟

هل أريد التحذير من الخطأ، أم التشفي من صاحبه؟

هل أتكلم لله، أم أنتصر لنفسي ولخصومتي؟

فهذه الأسئلة كفيلة بأن تكشف للإنسان شيئًا كثيرًا من دوافعه.


الخلاصة: العدل قبل الحكم

هذه القواعد الثماني تجمع لنا منهجًا مهمًا في التعامل مع الناس:

لا تختزل الإنسان في خطأ.

ولا تقبل خبرًا بلا تثبت.

ولا تجعل كلام الخصوم وحده ميزانًا.

ولا تقتطع الكلام من سياقه.

ولا تبحث عن عيوب الناس بلا حاجة.

ولا تنقل الجرح وتترك التعديل.

ولا تجعل المظهر وحده معيارًا للصلاح.

ولا تجعل النقد وسيلة للتحقير والتشفي.

فالعدل ليس أن تحب من توافقه وتُنصفه، وتبغض من تخالفه وتظلمه.

العدل أن يكون ميزانك واحدًا مع الجميع.

قال الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾
[المائدة: 8]

وما أحوجنا اليوم إلى هذه الآية في زمنٍ أصبح فيه التصنيف أسرع من التثبت، والجرح أسرع من الفهم، ونشر المقطع أسرع من الرجوع إلى المصدر، والحكم على الأشخاص أسهل من دراسة أقوالهم.

فلنحفظ ألسنتنا، ولنعدل في أحكامنا، ولنفرق بين النقد العلمي والتشهير، وبين بيان الخطأ وإسقاط صاحبه.

فالإنصاف عبادة، والتثبت أمانة، وحفظ أعراض المسلمين من أعظم أبواب التقوى.

اللهم طهّر ألسنتنا من قول الزور، وقلوبنا من الغل والضغائن، وارزقنا العدل فيمن نحب وفيمن نختلف معه، واجعلنا هداةً مهتدين، لا ضالين ولا مضلين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق