-
السلفية المدخلية تعلّقوا بحديث «الفرقة الناجية » وتركوا تعاليم القرآن ليفرقوا بين المسلمين
تعلّقوا بحديث «الفرقة» وقالوا: «نحن الفرقة التي على الحق»… لكن القرآن يضع معيارًا آخر!
من أكثر العبارات التي تتكرر في الخطاب الديني المعاصر:
«نحن الفرقة الناجية»!
«نحن وحدنا أهل السنة»!
«ومن خالفنا فهو من الفرق الهالكة»!
ثم يُستدل بحديث افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، وكأن الحديث أعطى كل جماعة الحق في أن تضع نفسها في خانة «الفرقة الناجية»، وتضع مخالفيها في خانة الفرق الهالكة.
لكن هنا ينبغي أن نتوقف قليلًا ونسأل:
هل هذه الطريقة في تصنيف المسلمين والحديث عن النجاة تنسجم فعلًا مع ميزان القرآن؟
أم أن القرآن يضع أمامنا ميزانًا أوسع وأدق؟
أولًا: القرآن يحذّر من تحويل الدين إلى أحزاب
يقول الله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾
[الأنعام: 159]
ويقول سبحانه:
﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾
[الروم: 32]
فالقرآن لا يقدم لنا صورة مشرقة عن الإنسان الذي يجعل نفسه جزءًا من حزب ديني مغلق، ثم يفرح بما عنده ويظن أن الحق قد أصبح ملكًا خاصًا لجماعته.
بل يلفت النظر إلى خطورة أن تتحول الأمة إلى شيع وأحزاب، وكل حزب يرى نفسه وحده على الصواب. وقد حمل بعض المفسرين هذه الآيات على أهل الكتاب، بينما وسّع بعضهم دلالتها لتشمل أهل الأهواء والبدع من هذه الأمة؛ ولذلك لا يصح اقتطاعها من سياقها أو جعلها حكمًا آليًا على كل اختلاف بين المسلمين.
ثانيًا: القرآن يأمر بالاعتصام… لا باحتكار النجاة
قال تعالى:
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾
[آل عمران: 103]
تأملوا كلمة:
﴿جَمِيعًا﴾
فالخطاب القرآني يتجه إلى جمع المسلمين على أصل الدين، لا إلى أن تتحول كل جماعة إلى محكمة تصدر الأحكام على بقية المسلمين.
فالقرآن يريد:
الاعتصام بحبل الله.
ولا يقول:
اعتصموا بجماعة تحمل اسمًا معينًا.
ولا يقول:
اجعلوا جماعتكم هي المعيار الذي يُقاس به إيمان الناس.
ثالثًا: القرآن يجعل معيار التفاضل التقوى
قال الله تعالى:
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾
[الحجرات: 13]
لم يقل:
أكثركم انتسابًا إلى جماعة.
ولا:
أكثركم إطلاقًا للأحكام على المخالفين.
ولا:
أكثركم ادعاءً لامتلاك «الفرقة الناجية».
بل جعل المعيار:
التقوى.
ولهذا فليس من المنهج القرآني أن يتحول اسم الجماعة إلى صك نجاة، أو يتحول اسم المخالف إلى صك هلاك.
رابعًا: حتى مع الخصومة… القرآن يأمر بالعدل
قال تعالى:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾
أي إن بغضك لمن يخالفك لا يعطيك رخصة في الظلم.
فكيف بمن يجعل الخلاف في مسألة عقدية أو فقهية سببًا لإسقاط المخالف، والطعن في إيمانه، واحتقاره، ثم يزعم أن ذلك كله دفاع عن «السنة»؟
القرآن يطالبك بالعدل مع خصمك قبل أن يطالبك بالانتصار عليه.
خامسًا: وماذا عن حديث «الفرقة الناجية»؟
هنا ينبغي أن نكون علميين ومنصفين.
حديث افتراق الأمة ورد بطرق وروايات متعددة، وأصل خبر الافتراق صححه عدد من أهل الحديث، كما صحح الحاكم بعض طرقه، واستدل به علماء آخرون.
لكن ألفاظ الحديث وطرقه ليست على درجة واحدة.
فالروايات تختلف في بعض التفاصيل:
- هل العدد ثلاث وسبعون على هذه الصورة في جميع الطرق؟
- ما اللفظ الثابت في وصف الفرقة الناجية؟
- هل ثبتت زيادة «كلها في النار إلا واحدة» في كل طريق؟
- وهل ثبتت عبارة «ما أنا عليه وأصحابي» بنفس القوة الحديثية في جميع الروايات؟
ولهذا وجد بين أهل العلم نقاش في تصحيح بعض الطرق والألفاظ، حتى إن بعض العلماء ضعّفوا زيادة «كلها في النار إلا واحدة»، بينما صححها آخرون بمجموع الطرق.
إذن لا يصح أن نتعامل مع كل لفظة وكل رواية وكأنها في درجة واحدة من الثبوت، ثم نبني عليها أحكامًا خطيرة على ملايين المسلمين.
سادسًا: وحتى من صحح الحديث لا يقول إن الحديث رخصة للتفرقة
وهذه نقطة مهمة جدًا.
حتى بعض المصادر التي تصحح حديث الافتراق تؤكد أن الحديث إخبار بما سيقع، وليس أمرًا بتأسيس الفرقة، وأن المطلوب من الأمة هو الاجتماع على الكتاب والسنة وعدم التفرق.
وهنا يظهر الخلل في طريقة استعمال الحديث.
فالنبي ﷺ – على فرض ثبوت الحديث بلفظه المختلف فيه – يخبر عن وقوع الافتراق.
أما بعض الناس فيحولون الخبر إلى:
«إذن نحن الفرقة الناجية، وأنتم من الفرق الهالكة!»
وهذه قفزة تحتاج إلى دليل.
سابعًا: من قال إن جماعته هي «الفرقة الناجية»؟
السؤال الأهم:
إذا كان الحديث يخبر عن فرقة ناجية، فأين النص الذي يقول إن اسمها هو اسم جماعتك المعاصرة؟
وأين النص الذي يقول إن كل من خالفك في مسائل الاجتهاد أو في بعض مسائل العقيدة يدخل تلقائيًا في الفرق الهالكة؟
بل إن بعض أهل العلم أنفسهم يحذرون من التسرع في تنزيل عدد الفرق على جماعات محددة، ولا يرون أنه يمكن الجزم بأن جماعة معينة هي واحدة من تلك الفرق بمجرد الدعوى.
فإذا كان الأمر كذلك، فلماذا يتحول الحديث عند بعض الناس إلى قائمة جاهزة لتصنيف المسلمين؟
ثامنًا: القرآن لا يطلب منا أن نبحث عن «هالكين» بقدر ما يطلب منا أن نكون من أهل الإيمان
القرآن عندما يتحدث عن النجاة لا يجعل الخطاب قائمًا على:
«أنا من الفرقة الفلانية، إذن أنا ناجٍ.»
بل يكرر أوصافًا واضحة:
الإيمان.
التقوى.
العمل الصالح.
العدل.
الإخلاص.
الاعتصام بالله.
اتباع الحق.
قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾
وقال:
﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾
فالنجاة في القرآن ليست بطاقة حزبية.
الخلاصة
لسنا بحاجة إلى إنكار السنة حتى نرفض احتكار السنة.
ولسنا بحاجة إلى رد حديث الافتراق جملةً حتى نقول:
لا يجوز تحويله إلى سلاح لتقسيم المسلمين واحتكار النجاة.
ولسنا بحاجة إلى إنكار وجود الخلاف والفرق حتى نقول:
ليس كل من خالفني أصبح من أهل النار.
فإذا كان القرآن يقول:
﴿وَلَا تَفَرَّقُوا﴾
ويقول:
﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾
ويقول:
﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾
ويقول:
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾
فلا يصح أن نحول حديثًا عن وقوع الافتراق إلى وسيلة لصناعة المزيد من الافتراق.
الحديث – إذا صححناه – يخبر عن واقعٍ سيقع، ولا يمنح أحدًا تفويضًا إلهيًا ليضع نفسه وحده في خانة «الناجين» ويضع ملايين المسلمين في خانة «الهالكين».
فالحق ليس ملكًا لجماعة،
والسنة ليست اسمًا حزبيًا،
**
والنجاة ليست شعارًا يُرفع،**
**
والميزان في النهاية هو: كتاب الله، وهدي رسوله ﷺ، والعدل، والتقوى، والصدق مع الحق.**
فلا تجعلوا حديث «الفرقة» سببًا لمزيد من الفرق… واجعلوا القرآن هو الميزان الذي يجمع ولا يُستعمل لتكريس الخصومة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق