عوامل الانحراف الفكري (6)
إهمال فقه المآلات… عندما تفسد النتائجُ المقاصدَ!
ليس كلُّ من أراد الخير أصاب طريقه، وليس كلُّ من رفع شعار نصرة الدين أحسن نصرة الدين، وليس كلُّ تصرُّفٍ يبدو صحيحًا في ظاهره يكون صائبًا عند النظر في عواقبه.
فقد ينطلق الإنسان من نية حسنة، ويتحمَّس لقضية يعتقد أنها حق، ثم ينتهي به الأمر إلى نتائج تخالف مقصوده، أو تُلحق بالدين وأهله أضرارًا كان يمكن تجنُّبها لو أحسن النظر والتقدير.
وهنا يظهر أحد أهم أسباب الانحراف الفكري: إهمال فقه المآلات، وتقديم الحماس والاندفاع على الحكمة والبصيرة.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
أولًا: ما المقصود بفقه المآلات؟
فقه المآلات هو النظر في النتائج والآثار التي يُتوقَّع أن تترتب على الأفعال والتصرفات، قبل الإقدام عليها، مع تقدير المصالح والمفاسد في ضوء أحكام الشريعة ومقاصدها.
فالشريعة الإسلامية لا تنظر إلى الأفعال من جهة صورها الظاهرة وحدها، ولا تكتفي بالنوايا التي تقف وراءها، بل تراعي أيضًا ما قد تؤدي إليه من نتائج وآثار.
وقد يكون الفعل مشروعًا في أصله، لكن الإقدام عليه في ظرف معين، أو بطريقة معينة، يفضي إلى مفسدة أكبر من المصلحة المرجوة؛ فيكون تركه أو تأجيله أو تغيير وسيلته هو التصرف الأرجح شرعًا.
وفي المقابل، قد يتوهم بعض الناس أن ترك فعلٍ ما تفريطٌ في الدين، مع أن تركه في ظروف معينة قد يكون هو عين الحكمة ومراعاة مقاصد الشرع.
وقد قرر الإمام أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله هذا الأصل العظيم في كتابه الموافقات، فقال:
«النَّظَرُ فِي مَآلَاتِ الْأَفْعَالِ مُعْتَبَرٌ مَقْصُودٌ شَرْعًا».
ثم بيَّن أن المجتهد لا ينبغي أن يحكم على الأفعال بالإقدام أو الإحجام قبل النظر فيما تؤول إليه.
وهذا أصل بالغ الأهمية؛ لأن الحكم على التصرف لا يكتمل بالنظر إلى صورته وحدها، بل لا بد من مراعاة ظروفه ونتائجه وما يترتب عليه من مصالح ومفاسد.
فليس السؤال دائمًا: هل هذا الفعل مشروع في أصله؟ بل قد يكون السؤال الأهم: هل الإقدام عليه بهذه الصورة، وفي هذا الوقت، يحقق المقصود الشرعي أم يفضي إلى نقيضه؟
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
ثانيًا: من هدي النبي ﷺ… مراعاة المآلات قبل الإقدام على الفعل
من أبلغ الأمثلة النبوية على فقه المآلات موقف رسول الله ﷺ من عبد الله بن أُبيّ بن سلول، رأس المنافقين.
فقد عُرف ابن أُبيّ بمواقفه المعادية للمسلمين، وصدر عنه من الأقوال والتصرفات ما أثار غضب بعض الصحابة رضي الله عنهم.
وفي إحدى الوقائع، طلب عمر بن الخطاب رضي الله عنه من النبي ﷺ أن يأذن له بقتله، فقال:
«دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ».
فأجابه النبي ﷺ:
«دَعْهُ، لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ».
📚 متفق عليه: رواه البخاري ومسلم.
تأمَّلوا هذا الموقف العظيم!
لم ينظر النبي ﷺ إلى الواقعة من زاوية الغضب من الإساءة وحدها، بل نظر إلى ما قد يترتب على قتل ابن أُبيّ من آثار أوسع؛ فقد يسيء الناس فهم الأمر، ويظنون أن محمدًا ﷺ يقتل أصحابه، فينفر بعضهم من الإسلام أو يسيء فهم دعوته.
فراعى النبي ﷺ هذه المآلات، وامتنع عن الإقدام على ما طلبه عمر رضي الله عنه، لما قد يترتب عليه من مفسدة أعظم.
وهنا درس عظيم: قد يكون الامتناع عن فعلٍ في موقف معين أقرب إلى تحقيق مقاصد الشرع من الإقدام عليه بحماسة واندفاع.
وهذا لا يعني أن كل حق يُترك خوفًا من كلام الناس، أو أن كل حكم شرعي يُعطَّل بحجة المصلحة؛ وإنما يعني أن تنزيل الأحكام على الوقائع يحتاج إلى علم وحكمة، ومعرفة بالظروف والآثار المتوقعة.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
ثالثًا: كيف يؤدي إهمال فقه المآلات إلى الانحراف الفكري؟
1️⃣ التهور باسم الجهاد ونصرة الدين
من مظاهر الخلل الفكري أن يندفع بعض الناس إلى أعمال عنيفة أو مواجهات غير محسوبة، تحت شعارات الجهاد أو نصرة الدين، من غير تقدير حقيقي لما قد تجرُّه هذه الأفعال من نتائج.
فتقع الدماء، وتتدمر الممتلكات، ويُشرَّد الأبرياء، وتتسع دائرة العداوة، وقد تُستغل هذه التصرفات لتشويه صورة الإسلام والإضرار بالمسلمين.
والخلل هنا ليس في مبدأ نصرة الحق، وإنما في توهُّم أن صدق النية يكفي لتصحيح كل وسيلة، وأن رفع الشعار الشرعي يجعل الفعل صائبًا مهما كانت عواقبه.
إن نصرة الدين لا تكون بمجرد الحماسة، بل تحتاج إلى علم وبصيرة، وتقدير للقدرات والظروف، وموازنة بين المصالح والمفاسد، والرجوع إلى أهل العلم والاختصاص.
فكم من تصرف رُفعت فيه راية الحق، لكن طريقة تنفيذه ألحقت بالحق وأهله أضرارًا جسيمة!
والعاقل لا يسأل فقط: ماذا أريد أن أحقق؟ بل يسأل أيضًا: ماذا سيحدث إذا فعلت ذلك؟ وهل ستتحقق المصلحة فعلًا، أم ستنشأ مفاسد أكبر؟
2️⃣ إثارة الشبهات باسم حرية الفكر ونشر العلم
ومن صور إهمال المآلات أن تُطرح الشبهات الفكرية، أو المسائل الدقيقة والخلافية، أمام عامة الناس في وسائل الإعلام ومنصات التواصل، بلا تمهيد علمي مناسب، ولا بيان كافٍ، ولا مراعاة لمستوى الجمهور وقدرته على الفهم والتمييز.
وقد يبدأ المتحدث بعرض شبهة مثيرة، أو قول شاذ، أو إشكال معقد، تحت شعار حرية البحث أو التنوير؛ ثم ينتقل إلى جوابه، بينما يكون بعض المشاهدين قد غادروا المقطع قبل سماع الرد، أو ترسخت في أذهانهم الشبهة دون أن يفهموا مناقشتها.
وهكذا قد يتحول المحتوى الذي يُراد به الرد على الشبهات إلى وسيلة لنشرها وتوسيع دائرة انتشارها!
لكن ينبغي التنبيه إلى أن مناقشة الشبهات ليست خطأ في ذاتها، كما أن طرح المسائل الخلافية ليس انحرافًا لمجرد كونه خلافًا؛ فقد تكون المناقشة العلمية ضرورة لحماية الناس من الشكوك، وتصحيح المفاهيم، وكشف الأخطاء.
إنما الخلل في غياب الحكمة والمنهج، وفي تقديم الإشكال بطريقة مثيرة ومضللة، دون ضمان وصول البيان إلى الجمهور المستهدف.
ولهذا كان من هدي السلف مراعاة حال المخاطبين، واختيار ما يناسب عقولهم ومستوياتهم العلمية.
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
«حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؟».
📚 رواه البخاري في صحيحه، كتاب العلم.
فالمقصود ليس كتمان العلم النافع، ولا منع البحث والنقاش، وإنما وضع العلم في موضعه، وتقديمه بالأسلوب المناسب، حتى يؤدي وظيفته في البيان والهداية، لا أن يتحول إلى سبب في زيادة الالتباس والاضطراب.
فالحكمة ليست في أن تقول كل ما تعرفه لكل أحد، وبأي طريقة كانت؛ بل في أن تعرف ماذا تقول، ولمن تقوله، وكيف تقوله، ومتى تقوله.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
رابعًا: فقه المآلات ليس تبريرًا للسكوت عن الحق!
قد يسيء بعض الناس فهم هذه القاعدة، فيظن أن مراعاة النتائج تعني ترك إنكار المنكر، أو التنازل عن المبادئ، أو السكوت عن الباطل خشية ردود الأفعال.
وهذا فهم غير صحيح.
ففقه المآلات لا يعني أن نجعل رضا الناس معيارًا للحق والباطل، ولا أن نتخذ المصلحة ذريعة لتعطيل الأحكام، ولا أن نبرر التنازل عن الثوابت باسم الحكمة.
بل يعني أن نبحث عن الوسيلة الشرعية الأقدر على تحقيق المقصود، وأن نوازن بين المصالح والمفاسد بميزان العلم والعدل، وأن نميّز بين ما يجب فعله، وما يجوز فعله، وما يكون تركه أو تأجيله أصلح في ظرف معين.
كما أن تقدير المآلات ليس أمرًا متروكًا للأهواء والانطباعات الشخصية؛ فلا يصح أن يتخذ كل إنسان من توقعاته الخاصة ذريعة لإصدار الأحكام أو تعطيلها، وإنما يحتاج ذلك إلى علم بالشرع، وفهم للواقع، ومعرفة بالنتائج المحتملة، والاستعانة بأهل الخبرة فيما يتصل باختصاصهم.
فالحكمة ليست في ترك الحق، وإنما في حسن بيانه، وحسن تنزيله، واختيار الطريق الذي يحقق مقصوده قدر المستطاع.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
الخلاصة: لا يكفي أن تكون نيتك حسنة!
إن من أخطر أسباب الانحراف الفكري أن يتحول التدين إلى حماسة مجردة من الحكمة، وأن تصبح الشعارات بديلًا عن التفكير، وأن تُقدَّم النوايا الحسنة وكأنها ضمانة كافية لصحة الأفعال والقرارات.
والحق أن الإنسان قد يريد الخير، لكنه يختار الوسيلة الخاطئة؛ وقد يسعى إلى الإصلاح، فيكون سببًا في زيادة الفساد؛ وقد يريد نصرة الدين، فيتصرف بطريقة تنفّر الناس منه.
ولذلك لا بد من الجمع بين صحة المقصد، وصحة الوسيلة، وحسن تقدير العواقب.
قبل أن تُقدم على أي موقف ديني أو فكري أو اجتماعي، اسأل نفسك:
🔹 هل ما أريد فعله مشروع في أصله؟
🔹 هل طريقتي في تنفيذه صحيحة ومناسبة؟
🔹 ما النتائج المتوقعة من هذا التصرف؟
🔹 هل ستحقق المصلحة المرجوة، أم ستترتب عليه مفسدة أكبر؟
🔹 هل توجد وسيلة أخرى تحقق المقصود نفسه بمفاسد أقل؟
هذه الأسئلة ليست دعوة إلى التردد أو الجبن، بل هي من مقتضيات العقل والبصيرة، ومن تمام الفهم لمقاصد الشريعة.
فليس كل اندفاع شجاعة، ولا كل صدام نصرة، ولا كل قولٍ للحق حكمة في طريقة قوله.
وقد يكون أعظم ما يحتاج إليه بعض المتحمسين للدين ليس مزيدًا من الحماسة، بل مزيدًا من العلم والحكمة وفقه المآلات.
فالحق يحتاج إلى من يحمله بعلم، وينصره ببصيرة، ويعمل له بحكمة؛ لا إلى من يكتفي بحسن النية ثم لا يبالي بما تؤول إليه أفعاله.
ومن هنا كان إهمال فقه المآلات عاملًا من عوامل الانحراف الفكري؛ لأنه قد يجعل الإنسان يسير في طريق يظنه طريق الإصلاح، بينما تقوده تصرفاته إلى نتائج تناقض ما أراد تحقيقه.
والله تعالى أعلم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق