حين تتحول «البدعة» من مصطلح علمي إلى سلاح لتفريق المسلمين!
حسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
من أخطر ما يمكن أن يصيب الخطاب الديني أن يتحول مصطلح علمي دقيق مثل «البدعة» من أداة للتمييز الفقهي إلى وسيلة لتصنيف الناس، وتضييق واسع دائرة المباح، وتحويل مسائل الخلاف والاجتهاد إلى معارك دينية لا تنتهي.
فليس كل أمرٍ لم يفعله النبي ﷺ يكون بالضرورة بدعة محرمة، وليس كل عادة اجتماعية أو وسيلة لجمع الناس على الخير تحتاج إلى نص خاص حتى تصبح جائزة.
وهنا تكمن المشكلة.
🔹 هل كل جديد في الدين بدعة؟
الحديث عن البدعة يحتاج أولًا إلى التفريق بين:
العبادة المقصودة لذاتها، وبين الوسائل والعادات التي يُقصد بها تحقيق مصلحة مشروعة.
فالعبادات التوقيفية لها بابها وأحكامها، ولا يجوز للإنسان أن يخترع عبادة من عند نفسه ثم ينسبها إلى الشرع.
أما العادات والوسائل الاجتماعية، فالأصل فيها أوسع، وينظر فيها إلى مقصدها ومضمونها وما يصاحبها من محرمات أو مخالفات.
ولهذا لا يصح أن تصبح كلمة «بدعة» جوابًا جاهزًا لكل شيء جديد.
🔹 السلام بعد الصلاة… لماذا يتحول إلى معركة؟
لو سلّم المسلم على أخيه بعد الصلاة، أو صافحه، أو سأل عن حاله، فالأصل أن السلام والمصافحة من الأعمال المشروعة في أصلها.
قد يناقش الفقيه: هل تخصيص وقت معين أو اعتقاد فضيلة خاصة لهذا الفعل يحتاج إلى دليل؟
وهذا نقاش علمي مشروع.
لكن الفرق كبير بين أن تقول:
«هذا التخصيص يحتاج إلى دليل»
وبين أن تجعل مجرد السلام والمصافحة بعد الصلاة بدعة محرمة!
فالمشكلة ليست في البحث الفقهي، وإنما في التوسع في إطلاق الأحكام دون التفريق بين أصل الفعل وبين اعتقاد خصوصيته التعبدية.
🔹 مواساة أهل الميت والطعام
ومن الأمثلة التي تحتاج إلى مزيد من التفصيل: اجتماع الناس لمواساة أهل الميت.
الأصل أن تعزية المسلم ومواساته والوقوف إلى جانبه في مصيبته من معاني الأخوة الإسلامية.
أما ما قد يصاحب بعض المجالس من ممارسات غير مشروعة، أو إسراف، أو تكلف، أو اعتقاد أن هيئة معينة سنة لازمة، فهذه مسائل أخرى يمكن نقدها ومناقشتها.
لكن لا يصح أن نضع التعزية نفسها وكل ما يتعلق بمواساة أهل الميت في سلة واحدة، ثم نطلق عليها جميعًا حكمًا واحدًا.
🔹 اجتماع أهل القرآن لقراءة القرآن
وماذا عن اجتماع مجموعة من المسلمين لقراءة القرآن ومدارسته؟
هنا أيضًا ينبغي التفريق بين أمرين:
الأول: أن يعتقد الإنسان أن هناك هيئة مخصوصة وعددًا مخصوصًا ووقتًا مخصوصًا شرعه النبي ﷺ على وجه التعبد، من غير دليل.
والثاني: أن يجتمع المسلمون ليتعلموا القرآن، ويتدارسوه، ويقرأوه، ويتعاونوا على حفظه وفهمه.
فهذا الاجتماع في أصله داخل في تعلم كتاب الله ومدارسته، ولا ينبغي أن تتحول كلمة «بدعة» إلى حاجز يمنع الناس من الاجتماع على القرآن والخير.
🔹 والمولد النبوي؟
أما المولد النبوي فهو من المسائل التي وقع فيها خلاف مشهور بين العلماء.
فمن العلماء من منعه باعتبار أن تخصيص يوم أو مناسبة دينية لم يرد بهذه الصورة عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة.
ومن العلماء من أجازه إذا كان الاجتماع مشتملًا على أمور مشروعة، كقراءة القرآن، والصلاة على النبي ﷺ، وذكر سيرته وشمائله، وإطعام الطعام، والصدقة، ونحو ذلك، مع اجتناب المحرمات.
ولهذا فإن الإنصاف يقتضي ألا نحول المسألة إلى اختبار للإيمان أو معيار وحيد لمعرفة «من هو السلفي ومن ليس سلفيًا».
فالمسألة فقهية خلافية، ومن حق الباحث أن يناقش أدلتها، لكن ليس من الصواب اختزالها في شعار:
«مولد = بدعة = ضلال = قطيعة»
وكأن البحث العلمي قد انتهى قبل أن يبدأ.
🔹 المشكلة ليست في التحذير من البدعة… بل في التوسع في مفهومها
التحذير من البدع أمر له أصل معتبر في الشريعة.
لكن السؤال الأهم هو:
ما الذي يسمى بدعة شرعية؟
وهل كل وسيلة جديدة إلى خير، وكل عادة اجتماعية، وكل صورة من صور التنظيم، وكل اجتماع لم يفعله النبي ﷺ، تدخل تلقائيًا في البدعة المحرمة؟
لو كان الأمر كذلك، لأصبح من الصعب التفريق بين:
العبادة المحدثة،
والوسيلة الجديدة،
والعادة الاجتماعية،
والمصلحة المرسلة،
والتنظيم الإداري،
والمسألة الاجتهادية المختلف فيها.
وهذه أبواب مختلفة عند أهل العلم، ولا ينبغي جمعها في حكم واحد.
🔹 حين يصبح شعار «البدعة» سببًا للفرقة
المشكلة الحقيقية تبدأ عندما تتحول كلمة «بدعة» من حكم فقهي يحتاج إلى دليل وتحرير، إلى سلاح اجتماعي يُشهر في وجه كل من خالفنا.
فيصبح هذا:
صافحت أخاك بعد الصلاة → بدعة!
وهذا:
اجتمعت لتعزية أهل الميت → بدعة!
وهذا:
قرأت القرآن مع إخوانك → بدعة!
وهذا:
أقمت مجلسًا للذكر والسيرة → بدعة!
وهذا:
شاركت في مناسبة للمولد → مبتدع!
ثم لا تتوقف المسألة عند الحكم على الفعل، بل تنتقل سريعًا إلى الحكم على الأشخاص، ثم إلى الهجر، ثم إلى القطيعة، ثم إلى تصنيف الناس إلى:
«سلفي» و«مبتدع» و«حزبي» و«منحرف».
وهنا تتحول القضية من فقهٍ في الأحكام إلى ثقافة في الخصومة.
🔹 السلفية ليست مجرد مظهر
ومن المهم أيضًا ألا تختزل السلفية في:
لحية، وثوب قصير، ومظهر خارجي، وشعارات متكررة عن السنة والبدعة.
فالاقتداء بالسلف أوسع من ذلك بكثير.
هو علم، وعدل، وإنصاف، وفهم للنصوص، ومعرفة بمقاصد الشريعة، واحترام للخلاف السائغ، وحسن التعامل مع المسلمين.
ومن أخلاق العلماء أن يميزوا بين:
ما هو قطعي وما هو ظني،
وما هو متفق عليه وما هو مختلف فيه،
وما هو محرم وما هو مكروه،
وما هو بدعة حقيقية وما هو مجرد وسيلة أو عادة.
🔹 ليس كل من خالفك مبتدعًا
وهذه قاعدة مهمة جدًا:
ليس كل خطأ بدعة، وليس كل بدعة تقتضي تكفيرًا أو تفسيقًا أو هجرًا، وليس كل مسألة خلافية تصلح أن تكون معيارًا لتصنيف المسلمين.
فالاختلاف الفقهي قديم، والعلماء اختلفوا في مسائل كثيرة، ومع ذلك بقي بينهم قدر كبير من الاحترام والإنصاف.
أما أن يتحول كل خلاف إلى معركة على «السنة والبدعة»، فهذا يوسع دائرة الخصومة حتى تصبح الأمة عاجزة عن الاجتماع على القضايا الكبرى.
🔹 كلمة أخيرة
نحن بحاجة إلى إعادة كلمة «البدعة» إلى معناها العلمي.
نحتاج إلى فقهٍ يميز ولا يخلط،
ويناقش ولا يشنّع،
ويختلف ولا يقطع،
وينصح ولا يصنّف.
فالهدف من العلم الشرعي ليس أن نبحث عن أكبر عدد ممكن من الأشياء التي نستطيع أن نصفها بأنها «بدعة»، وإنما أن نعرف حكم الله فيها بدقة وعدل وإنصاف.
وإذا كان الاجتماع على القرآن، والتعاون على الخير، ومواساة المسلم، وصلة الرحم، وإطعام الطعام، وإحياء معاني المحبة بين المسلمين، كلها أمورًا تحتاج إلى النظر في تفاصيلها وأحكامها؛ فإن علاج الأخطاء يكون بالتفصيل العلمي، لا بإطلاق الأحكام العامة.
فالبدعة مصطلح شرعي خطير، ومن الظلم أن يتحول من ميزان علمي إلى مطرقة تُضرب بها كل ممارسة لا توافق ذوق جماعة أو اجتهاد تيار.
ولعل أعظم ما نحتاجه اليوم ليس المزيد من التصنيف والفرقة، وإنما:
علمٌ يجمع، وفقهٌ يفرّق بين المسائل، وأخلاقٌ تحفظ أخوة المسلمين.
والله أعلم، وهو الهادي إلى سواء السبيل.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق