حين يسقط الدليل… وتبقى الرموز!
قراءة في تناقض الخطاب المدخلي
من أكثر العبارات التي تتكرر في الخطاب السلفي المدخلي:
«نحن ندور مع الدليل حيث دار».
وهي قاعدة جميلة في أصلها، ولا يختلف عاقل في أن الحق يُعرف بالدليل، وأن الأشخاص لا ينبغي أن يكونوا معيارًا للحق والباطل.
لكن السؤال الذي يستحق التوقف:
ماذا يحدث عندما يكون الدليل في الجهة التي لا توافق موقف أحد الرموز؟
هنا تبدأ المفارقة.
تقول له:
هذا النص يخالف ما قرره شيخك.
وتذكر له كلامًا من الكتاب والسنة.
وتناقش المسألة من مصادرها.
فإذا لم يجد جوابًا على الدليل، انتقل النقاش فجأة من النصوص إلى الأشخاص:
«احذر من فلان!»
«لا تأخذ عن فلان!»
«هذا يطعن في العلماء!»
«لحوم العلماء مسمومة!»
وهكذا يتحول الشعار من:
«الدليل هو المعيار»
إلى:
«رمزي هو المعيار… ثم ابحث لي عن دليل يوافقه!»
وهنا لا يعود الخلاف خلافًا في الدليل، وإنما يصبح خلافًا حول من يملك حق الكلام في الدليل.
🟥 «لحوم العلماء مسمومة»… ولكن!
عندما ننتقد عالمًا أو داعيةً نقدًا علميًا، يكون الجواب أحيانًا:
«لا تتكلم في العلماء… لحوم العلماء مسمومة!»
لكن الغريب أن القاعدة لا تبدو دائمًا متساوية على الجميع.
فقد يُسمح بتجريح علماء ودعاة ومخالفين، بل وربما إسقاطهم والتحذير منهم بأشد العبارات، ثم تصبح المسألة فجأة «حرمة العلماء» عندما يتوجه النقد إلى أحد الرموز المحبوبين.
وهنا السؤال:
هل حرمة العلماء قاعدة عامة، أم حصانة خاصة لبعض العلماء دون غيرهم؟
إن كانت قاعدة شرعية، فينبغي أن تكون متوازنة.
لا أن تكون سيفًا يُشهر على المخالف، ودرعًا يُرفع لحماية الرمز.
🟥 أخطر من ذلك: صناعة «الغربة» الوهمية
ومن الظواهر التي تستحق التأمل أن بعض الخطابات تقدم صاحبها باعتباره:
الغريب المتمسك بالسنة، القابض على دينه، الذي يصبر على الأذى من أجل الحق.
وهذه صورة قد تكون صحيحة في بعض الحالات، ولا يجوز إنكارها لمجرد اختلافنا مع صاحبها.
لكنها تصبح مشكلة عندما تتحول إلى هوية جاهزة تمنح صاحبها حصانة من النقد:
أنا غريب إذن أنا على الحق.
أنا أُهاجَم إذن أنا مستهدف.
أنا أحذر من المخالفين إذن أنا أنصر السنة.
وهذه طريقة غير صحيحة في الاستدلال.
فالحق لا يُعرف بكثرة الخصوم، ولا بعدد المؤيدين، ولا بحجم الضجيج حول الشخص.
الحق يُعرف بالدليل.
🟥 والسؤال الأهم: أين تكون الغربة الحقيقية؟
إذا كان الإنسان يتحدث كثيرًا عن «الغربة» و«الثبات» و«التمسك بالدين»، فمن المشروع أن نسأله:
ما معيار هذه الغربة؟
هل كل من خالف الجمهور غريبٌ على الحق؟
وهل كل من ناله الأذى صار بالضرورة صاحب منهج صحيح؟
وهل كل من فُتحت له الأبواب صار بالضرورة تابعًا للسلطان؟
بالطبع لا.
لكن في المقابل، لا يصح أيضًا أن يتحول القرب من السلطة أو بعض دوائر النفوذ إلى شهادة تلقائية على صحة المنهج.
فالمعيار ليس:
من طاردوه؟ ومن قرّبوه؟
وإنما:
ماذا قال؟ وما دليله؟ وما موقفه من الظلم والحق والباطل؟
🟥 لا تجعلوا «الدليل» شعارًا موسميًا
المشكلة ليست في أن يختلف الإنسان مع غيره.
وليست في أن يدافع عن عالم يحبه.
وليست في أن يرد على من يراه مخطئًا.
المشكلة تبدأ عندما يصبح الإنسان مع الدليل ما دام الدليل يخدم رمزه، ومع الرمز عندما يخالفه الدليل.
وهنا يتحول المنهج من:
اتباع الدليل
إلى:
تكييف الدليل لخدمة الموقف.
والفرق بين الأمرين كبير.
🔥 كلمة أخيرة
يا أخي الذي ترفع شعار:
«نحن مع الدليل»
لا مشكلة عندنا أن تكون مع الدليل.
بل هذا ما نريده منك ومن أنفسنا.
لكن إذا جئناك بنص، أو بقول عالم، أو بمناقشة علمية لموقف أحد رموزك، فلا تجعل الإجابة:
«احذر من فلان!»
بل ناقش الدليل بالدليل.
ولا تطلب منا أن نتوقف عن التفكير لأنك توقفت عند اسمٍ كبير.
فالرموز ـ مهما علت مكانتها ـ ليست فوق النقد العلمي، والعالم يُحترم ويُقدَّر، لكن لا يُجعل قوله ميزانًا يُوزن به الكتاب والسنة.
فإذا كان الدليل هو المعيار حقًا… فلندُر معه جميعًا، حتى عندما لا يوافق أهواءنا ولا مواقف رموزنا.
لأن أصعب اختبار للإنسان ليس أن يقبل الدليل عندما يؤيد رأيه…
بل أن يقبله عندما يخالفه.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق