الاثنين، 19 أكتوبر 2026

حين يتعالى بعض المنتسبين إلى السلفية على كبار أئمة الإسلام!

 

حين يتعالى بعض المنتسبين إلى السلفية على كبار أئمة الإسلام!

أئمةٌ كبار يُتَّهمون بالتقليد وعدم تحرير العقيدة، ومعاصرون يظنون أنهم أقدر منهم على فهمها وترجيح مسائلها!

من أعجب المفارقات في بعض الخطابات العقدية المعاصرة أن تجد مَن ينتسب إلى السلفية يتحدث عن عدد من كبار أئمة الإسلام، كالإمام النووي، والحافظ ابن حجر العسقلاني، والإمام القرطبي، والإمام البيهقي، والخطابي وغيرهم، وكأن هؤلاء الأعلام لم يكونوا على قدر كافٍ من التحقيق والتحرير في مسائل العقيدة!

فإذا ذُكرت أشعرية بعض هؤلاء الأئمة، قيل إنهم تأثروا بشيوخهم، أو غلبت عليهم البيئة العلمية التي عاشوا فيها، أو لم يستقلوا بالبحث والتحقيق، بل وقعوا في التقليد وعدم التحرير!

لكن السؤال الذي يستحق الوقوف عنده هو:

كيف يُختزل علم هؤلاء الأئمة، وتُفسَّر اختياراتهم العقدية بأنها مجرد تقليد أو تأثر بالبيئة، بينما يُمنح بعض المعاصرين لأنفسهم حقَّ الحكم عليهم، وتصحيح مسارهم، واتهامهم بالاضطراب في مسائل الاعتقاد؟!

ألسنا هنا أمام مفارقة تستحق المراجعة؟

📌 أولًا: أكان هؤلاء الأئمة مجرّد مقلّدين؟!

إننا نتحدث عن علماء لم تكن مكانتهم قائمة على لقبٍ أو انتسابٍ دعوي، بل على جهود علمية ضخمة في خدمة الإسلام وعلومه.

فالإمام النووي خلّف مؤلفات عظيمة في الحديث والفقه، والحافظ ابن حجر قدّم خدمة استثنائية للسنة النبوية، والإمام البيهقي جمع وصنّف واحتجّ في أبواب الاعتقاد والحديث، وكذلك الخطابي والقرطبي وغيرهم من الأعلام الذين شهدت لهم الأمة بالعلم والإمامة.

وليس معنى ذلك أن هؤلاء الأئمة معصومون من الخطأ، أو أن كل ما اختاروه في مسائل الاعتقاد وغيرها صواب لا يُناقش؛ فالعصمة ليست لأحد بعد رسول الله ﷺ.

ولكن هناك فرقًا كبيرًا بين مناقشة العالم بالدليل، وبين تصويره على أنه لم يفهم ما يقول، أو أنه تابع غيره دون تحقيق، لمجرد أن اختياره لا يوافق رأي الناقد المعاصر!

فهل يُعقل أن تكون المسألة بهذه البساطة: يخالفنا الإمام في اختيار عقدي، فنفسّر مخالفته بأنها تقليد وتأثر بالبيئة، ثم نعدّ أنفسنا نحن أهل التحقيق والتحرير؟!

📌 ثانيًا: مَن الذي منح بعض المعاصرين حقَّ الوصاية على أئمة الإسلام؟!

المشكلة ليست في أن يبحث الباحث مسائل العقيدة، أو يرجّح قولًا على آخر، أو يناقش آراء العلماء؛ فهذا من طبيعة البحث العلمي.

وإنما المشكلة حين يتحول الخلاف العلمي إلى شعور بالتفوق، فيتصور بعض الناس أنهم امتلكوا من التحقيق ما لم يمتلكه كبار الأئمة، وأنهم أقدر على فهم النصوص وتمييز الحق من الباطل من علماء شهدت لهم الأمة بالإمامة والرسوخ.

ثم لا يقف الأمر عند ترجيح رأي على رأي، بل يتجاوز ذلك إلى اتهام المخالف بقلة الفهم، وضعف التحقيق، والتقليد، وعدم التخصص!

وهنا يحق لنا أن نسأل:

هل التخصص العلمي يمنح صاحبه حقَّ التعالي على العلماء، أم يفرض عليه مزيدًا من التواضع والإنصاف قبل إصدار الأحكام؟!

إن العلم الحقيقي لا يجعل صاحبه أكثر احتقارًا للمخالف، بل أكثر إدراكًا لتعقيد المسائل، واتساع الخلاف، وتفاوت المدارك، وصعوبة الإحاطة بكل جوانب القضايا العلمية.

أما أن يتحول التخصص إلى وسيلة لاحتكار الحقيقة، وإسكات المخالف، والحكم على كبار العلماء بأنهم لم يحرروا مسائل الدين، فذلك أقرب إلى الغرور منه إلى التحقيق.

📌 ثالثًا: ليس كل خلافٍ تقليدًا، ولا كل مخالفةٍ تحقيقًا!

من الأخطاء المنهجية أن يُفسَّر اتفاق العالم مع مدرسة علمية بأنه مجرد تقليد، بينما يُفسَّر اتفاق الباحث مع مدرسته هو بأنه اتباع للدليل وتحقيق للمسألة!

فهذا معيار مزدوج؛ إذ لا يكفي أن نقول إن عالمًا تأثر بشيوخه أو ببيئته العلمية لنُبطل اختياراته، بل لا بد من النظر في أدلته، وطريقة استدلاله، ومناقشة ما ذهب إليه مناقشة علمية منصفة.

كما أن الانتساب إلى مدرسة كلامية أو فقهية لا يعني بالضرورة أن كل ما يصدر عن المنتسب إليها مجرد ترديد لأقوال السابقين دون فهم أو نظر.

وقد يخطئ العالم في مسألة، ويصيب في أخرى، ويكون له اجتهاد معتبر في باب، وترجيح مرجوح في باب آخر.

وهذا شأن العلماء جميعًا؛ فلا عصمة للأشاعرة، ولا لغيرهم، ولا للمنتسبين إلى السلفية، ولا لمن يخالفهم.

فلماذا يُطالَب المخالف بتحرير الدليل، بينما يُكتفى في تفسير اختياراته باتهامه بالتقليد والتأثر؟!

إن الإنصاف يقتضي أن نزن الأقوال بأدلتها، وأن نفرّق بين نقد الفكرة والحكم على صاحبها، وألا نجعل الانتماء إلى مدرسة بعينها معيارًا وحيدًا لتقييم العلم والتحقيق.

📌 رابعًا: أئمة الإسلام أكبر من أن تختزلهم تصنيفات المعاصرين!

إن الإمام النووي، وابن حجر، والبيهقي، والخطابي، والقرطبي، وغيرهم من كبار العلماء، ليسوا فوق النقد، لكنهم أيضًا ليسوا أسماء عابرة يجوز تجاوز تراثهم بجملة اتهامية من قبيل: «تأثروا بشيوخهم»، أو «لم يحرروا مسائل الاعتقاد»!

فهؤلاء أصحاب مصنفات واسعة، ومناهج علمية، وجهود امتدت آثارها قرونًا طويلة.

ومن أراد نقدهم فليقدّم الدليل، وليشرح موضع الخطأ، وليناقش الحجة بالحجة؛ أما أن يجعل اختلافهم معه دليلًا على ضعفهم، ثم يجعل موافقته هو دليلًا على التحقيق، فذلك ليس ميزانًا علميًّا منصفًا.

ولا ينبغي أن يُفهم من هذا الدفاع عن مكانة الأئمة أن أقوالهم لا تُناقش، بل المقصود أن تُناقش بقدرها، وبأدواتها، وبالاحترام الذي يليق بمكانتهم العلمية.

فليس من التحقيق أن نرفع أنفسنا فوق العلماء، وإنما التحقيق أن نعرف قدر أنفسنا وقدرهم، ثم نبحث عن الحق بالدليل والإنصاف.

📌 خامسًا: العلم الذي لا يورث التواضع يحتاج صاحبه إلى مراجعة نفسه!

إن أخطر ما يصيب طالب العلم أن يزداد اطلاعًا، ثم يزداد معه إعجابًا بنفسه، حتى يتوهم أنه أصبح ميزانًا تُوزن به عقول العلماء، وأن كل من خالفه إنما خالف بسبب الجهل أو التقليد أو ضعف التحرير.

فالعلم ليس كثرة المصطلحات، ولا القدرة على تصنيف المخالفين، ولا ادعاء التخصص في باب من أبواب الدين.

إنما العلم فهمٌ للدليل، ومعرفة بمناهج الاستدلال، وإدراك لمواضع الاتفاق والاختلاف، وقدرة على التفريق بين المسائل القطعية والمسائل الاجتهادية، مع تواضعٍ يمنع صاحبه من الاغترار برأيه.

وكلما اتسعت معرفة الإنسان، ازداد إدراكًا لما يجهله، وعرف أن المسائل العلمية لا تُحسم بمجرد الشعارات، ولا بالألقاب، ولا بتكرار أحكام مدرسة على أخرى.

أما من جعل العلم سلّمًا للتعالي، واتخذ التخصص ذريعة لإقصاء المخالف، وظن أن أئمة الإسلام لم يفهموا ما فهمه هو، فالأولى به أن يراجع منهجه قبل أن يوزّع أحكامه على العلماء.

✍️ الخلاصة

لسنا مطالبين بتصويب كل ما قاله الأئمة، ولا بتعطيل النقد العلمي، ولا بتسوية الأقوال المختلفة في الصحة والقوة.

لكننا مطالبون بالعدل، والإنصاف، ومعرفة الأقدار، واحترام الخلاف العلمي، والابتعاد عن ازدواجية المعايير.

فإذا خالفنا عالمٌ كبير، ناقشنا دليله؛ وإذا رجّحنا قولًا عليه، بيّنا وجه الترجيح؛ وإذا أخطأ، قلنا أخطأ في هذه المسألة، دون أن نحوّل الخطأ إلى اتهام شامل بعجزه عن التحقيق أو عدم فهمه للعقيدة.

إن أئمة الإسلام ليسوا معصومين، لكننا لسنا أعلم منهم لمجرد أننا خالفناهم؛ والانتساب إلى منهجٍ علمي لا يمنح أحدًا صكَّ احتكار الحق، ولا يعفيه من واجب التواضع والإنصاف.

فليكن شعارنا: الدليل قبل التعصب، والإنصاف قبل التصنيف، والتواضع قبل ادعاء التحقيق.

فالعلم يرفع صاحبه حين يهذّب نفسه، أما إذا أورثه الكبر واحتقار العلماء، فقد تحوّل من وسيلة للهداية إلى باب من أبواب الاغترار بالنفس.

هل حماس مسؤولة عن دماء أهل غزة؟

 


هل حماس مسؤولة عن دماء أهل غزة؟

بين مسؤولية المقاومة وجريمة العدوان

حين تسقط البيوت على ساكنيها، ويُقتل الأطفال والنساء، ويُهجَّر الناس من أرضهم، ويعيش شعب بأكمله تحت القصف والحصار والخوف؛ فمن الطبيعي أن يسأل الناس عن المسؤولية، وأن يناقشوا القرارات التي أوصلت الأمور إلى هذه النتائج.

لكن المشكلة تبدأ حين يتحول السؤال المشروع عن قرارات المقاومة إلى خطاب يُحمِّلها وحدها مسؤولية كل ما يجري، ويُهمِّش دور الاحتلال، بل قد ينتهي إلى تبرير جرائمه أو إعفائه من المسؤولية عن أفعاله.

فهل مجرد وجود المقاومة يبرر للعدو أن يقتل المدنيين؟ وهل يجوز أن يتحول الضحية إلى متهم، بينما يُعامل المعتدي كأنه مجرد رد فعل على أفعال الآخرين؟

دعونا نناقش هذه الشبهة بهدوء، من خلال مجموعة من النقاط.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

أولًا: حماس ليست كيانًا منفصلًا عن أهل غزة

من الأخطاء التي يقع فيها بعض من يحمّلون حماس مسؤولية ما يجري أنهم يتحدثون عنها وكأنها كيان أجنبي منفصل عن المجتمع الفلسطيني، وكأن هناك طرفًا اسمه حماس، وطرفًا آخر اسمه أهل غزة، لا صلة بينهما.

والواقع أن حماس حركة فلسطينية نشأت في سياق القضية الفلسطينية، ولها قاعدة اجتماعية وسياسية داخل المجتمع الفلسطيني، وقد فازت في الانتخابات التشريعية الفلسطينية عام 2006.

لكن هذا لا يعني أن جميع سكان غزة يؤيدونها، أو أن كل موقف تتخذه يحظى بموافقتهم، أو أن الانتخابات تمنح أي جهة تفويضًا مطلقًا في كل قرار.

الخلاصة أن الاختلاف مع حماس لا يجعلها غريبة عن فلسطين، كما أن انتماءها إلى الشعب الفلسطيني لا يمنحها حصانة من النقد والمساءلة.

والأهم من ذلك أن وجود خلافات سياسية داخل المجتمع الفلسطيني لا يبيح للاحتلال معاقبة السكان جماعيًا.

ثانيًا: هل القصف يصيب أهل غزة وحدهم؟

حين يُقال إن حماس تسببت في مقتل أهل غزة، تُقدَّم أحيانًا صورة توحي بأن المقاومة تتخذ قراراتها، ثم يبقى أفرادها بعيدين عن نتائج الحرب، بينما يدفع المدنيون وحدهم الثمن.

لكن الحروب لا تجري بهذه الصورة المبسطة؛ فقد يتعرض المقاتلون والمدنيون معًا للقتل والإصابة والتشريد، وقد تكون الخسائر العسكرية والمدنية فادحة.

ومع ذلك، فإن إصابة المقاتلين لا تجعل استهداف المدنيين مشروعًا، كما أن وجود أهداف عسكرية لا يبيح تنفيذ هجمات عشوائية أو غير متناسبة، ولا يلغي واجب اتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية السكان.

فالمسألة ليست: هل توجد مقاومة في غزة أم لا؟ بل: هل يلتزم كل طرف بالمسؤوليات والقيود التي تحكم أفعاله؟

وهنا يجب ألا نخلط بين تقييم قرار عسكري اتخذته المقاومة، وبين مسؤولية القوة التي تختار أهدافها ووسائلها وتنفذ الهجمات.

ثالثًا: هذه الحجة ليست جديدة في تاريخ الاحتلال

في تجارب التحرر الوطني، كثيرًا ما دار جدل حول العمل المسلح، وحول ما قد يترتب عليه من ردود فعل انتقامية من القوة المحتلة.

وقد استُخدمت في سياقات تاريخية مختلفة حجةٌ مفادها أن المقاومة هي التي تجلب العقاب على السكان، وأن ترك المواجهة كان سيجنبهم الخسائر.

لكن ينبغي هنا التمييز بين أمرين:

  • مناقشة جدوى المقاومة، ونتائج عملياتها، وما إذا كانت قرارات معينة قد خدمت القضية أو أضرت بها.

  • تحميل المقاومة المسؤولية الكاملة عن أفعال المحتل، وكأن هذا الأخير لا يملك إرادة مستقلة ولا يتحمل مسؤولية خياراته.

الأول نقاش سياسي وعسكري مشروع، أما الثاني فيختزل العلاقة بين المعتدي والضحية اختزالًا مضللًا.

فالقوة المحتلة ليست آلة تعمل آليًا وفق أفعال خصمها؛ إنها تتخذ قراراتها، وتحدد أهدافها، وتختار وسائلها، وتتحمل مسؤولية ما ترتكبه.

ولا يكفي أن يقول المعتدي إنه كان يرد على فعل سابق حتى يصبح كل ما يفعله مشروعًا أو معفى من المساءلة.

رابعًا: القرآن الكريم حذّر من منطق لوم المقاتلين على قتلاهم

يقول الله تعالى في سورة آل عمران:

﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.

[آل عمران: 168]

تتناول الآية موقف الذين قعدوا عن القتال، ثم قالوا لإخوانهم الذين قُتلوا: لو أطاعونا لما قُتلوا.

وفي الآية تنبيه إلى خطأ تحويل الموت الذي وقع في سياق المواجهة إلى حجة قاطعة على بطلان قرار من خاضها، وكأن تجنب القتال يضمن النجاة من الموت.

لكن من الضروري أيضًا ألا نحمّل الآية أكثر مما تدل عليه؛ فهي لا تعني أن كل من ينتقد قرارًا عسكريًا منافق، ولا أن كل قرار للمقاومة صحيح لمجرد أنه قرار مقاومة.

وجه الاستدلال هنا أن وقوع الخسائر لا يكفي وحده لإثبات أن قرار المواجهة كان خطأ، مثلما لا يكفي وحده لإثبات أنه كان صوابًا.

فالتقييم يحتاج إلى النظر في الظروف والبدائل والنتائج، أما تحميل طرف واحد جميع المسؤوليات لمجرد وقوع القتلى فليس تحليلًا كافيًا.

خامسًا: هل يُعقل أن يصبح المعتدي بريئًا لأن الضحية حاولت الدفاع عن نفسها؟

لنتصور أن رجلًا مسلحًا اقتحم منزلًا، واعتدى على أهله، وهددهم بالقتل والاغتصاب، ثم حاول أحد أفراد الأسرة مقاومته، فقتل المعتدي بعض أفراد الأسرة خلال المواجهة.

هل يصح أن نكتفي بالقول إن فرد الأسرة هو المسؤول عن موتهم لأنه قرر المقاومة، ونتجاهل الرجل الذي اقتحم المنزل واعتدى عليهم؟

بالطبع لا يصح أن نحسم المسؤولية بهذه البساطة.

قد نناقش ما إذا كانت طريقة الدفاع حكيمة، وما إذا كان هناك خيار أقل خطرًا، وما إذا ارتُكبت أخطاء أثناء المواجهة. لكن هذه الأسئلة لا تجعل المعتدي بريئًا من اقتحامه واعتدائه.

وهنا ينبغي التنبه إلى أن المثال للتقريب الفكري، وليس تطابقًا كاملًا مع تعقيدات الحرب والقانون الدولي.

فالاعتراض على قرار المقاومة، إن كان له ما يسنده، لا يتحول تلقائيًا إلى تبرئة للمحتل من جرائمه.

سادسًا: هل كل هزيمة أو خسارة تثبت خطأ قرار القتال؟

خاض المسلمون وغيرهم من الشعوب معارك كثيرة عبر التاريخ؛ انتصروا في بعضها، وهُزموا في بعضها الآخر، وتكبدوا في أحيان كثيرة خسائر جسيمة.

فهل يكفي وقوع الهزيمة لإثبات أن قرار القتال كان خطأ؟ وهل كان ترك المواجهة سيضمن السلامة، أم كان سيؤدي إلى احتلال أو استسلام أو خسائر من نوع آخر؟

لا يمكن الإجابة عن هذه الأسئلة بمجرد النظر إلى عدد القتلى.

إن تقييم أي قرار عسكري يحتاج إلى دراسة الظروف التي اتُّخذ فيها، والأهداف المعلنة، والبدائل المتاحة، واحتمالات النجاح والفشل، والنتائج التي كان يمكن توقعها.

وقد يكون القرار خاطئًا بالفعل، وقد يكون له ما يبرره في ظروف معينة، وقد تختلف التقديرات بشأنه.

لكن الخسائر وحدها ليست دليلًا كافيًا على خطأ القرار، مثلما أن التضحية وحدها ليست دليلًا كافيًا على صوابه.

وهذا هو الفارق بين النقد الجاد الذي يبحث عن الحقيقة، وبين اللوم الذي يبدأ من النتيجة ثم يبني عليها حكمًا نهائيًا.

سابعًا: هل بدأ تاريخ الاحتلال مع حماس؟

من المهم، عند مناقشة مسؤولية حماس عن الحرب، ألا نختزل تاريخ القضية الفلسطينية في أحداث وقعت بعد ظهور الحركة.

فالاحتلال الإسرائيلي لفلسطين وتوسع السيطرة الإسرائيلية على أراضٍ فلسطينية وعربية سبقا تأسيس حماس عام 1987 بسنوات طويلة.

وقد شهدت فلسطين قبل ذلك الانتداب البريطاني، ثم قيام إسرائيل عام 1948 وما رافقه من تهجير واسع للفلسطينيين، كما احتلت إسرائيل قطاع غزة وشبه جزيرة سيناء وأراضي عربية أخرى خلال حرب عام 1967.

وهذا التسلسل التاريخي يطرح سؤالًا مهمًا:

إذا كان الاحتلال قد سبق ظهور حماس، فكيف يمكن تفسير جذور القضية الفلسطينية كلها بقرارات هذه الحركة؟

لا يعني ذلك أن كل هجوم كان سيقع حتمًا لو لم توجد حماس، ولا يمكن الجزم بما كان سيحدث في سيناريو تاريخي بديل. لكنه يعني أن الاحتلال له تاريخ وأهداف وسياسات لا يمكن اختزالها في فعل واحد أو تنظيم واحد.

كما أن من حق الباحث أن يناقش أثر عمليات المقاومة في توقيت الحرب وحجمها ومسارها، لكن من غير الدقيق أن يجعل ذلك التفسير الوحيد للصراع أو أن يتجاهل السياق التاريخي الأوسع.

ثامنًا: حتى لو احتج المحتل بالمقاومة، فهل يبيح ذلك قتل المدنيين؟

لنفترض أن إسرائيل أعلنت أن هجومًا نفذته حماس هو سبب حملتها العسكرية على غزة.

هل يكفي هذا الإعلان لإباحة كل ما قد يقع خلال الحملة من قتل للمدنيين، أو تدمير للمنازل، أو اعتداء على المستشفيات؟

الجواب: لا.

فوجود نزاع مسلح لا يلغي قواعد حماية المدنيين، ولا يعفي أي طرف من التمييز بين المدنيين والمقاتلين، أو من اتخاذ الاحتياطات الممكنة، أو من حظر الهجمات العشوائية والهجمات التي تكون أضرارها المدنية المتوقعة مفرطة قياسًا بالميزة العسكرية الملموسة والمباشرة المرجوة.

ولا يتغير هذا الحكم لمجرد أن أحد الأطراف يصف عملياته بأنها رد على هجوم سابق.

وفي المقابل، فإن وجود انتهاكات من جانب طرف لا يعفي الطرف الآخر من التزاماته؛ فالمسؤولية لا تنتقل آليًا من جهة إلى أخرى.

يمكن أن ننتقد قرارًا للمقاومة، وأن نرفض في الوقت نفسه قتل المدنيين وتدمير حياتهم. ولا تناقض بين الموقفين.

تاسعًا: ماذا يقول موقف أهل غزة؟ وما الذي يثبته فعلًا؟

من المهم الإصغاء إلى الفلسطينيين الذين يعيشون القصف والحصار والتهجير، وإلى شهادات الضحايا والناجين وعائلات المفقودين.

لكن لا ينبغي أن نتحدث باسم جميع أهل غزة، أو أن نزعم أنهم يتبنون موقفًا سياسيًا واحدًا؛ فالمجتمع الفلسطيني، مثل سائر المجتمعات، يضم آراء وتجارب وتقديرات مختلفة.

ومن الخطأ أيضًا أن نختزل موقف السكان في سؤال واحد: هل يؤيدون حماس أم يعارضونها؟

فقد يرفض فلسطيني الاحتلال، ويرفض قتل المدنيين، ويؤيد حق شعبه في تقرير مصيره، وفي الوقت نفسه ينتقد قرارات المقاومة أو يختلف معها.

وقد يرى آخر أن المقاومة ضرورة في ظروف الاحتلال، مع إقراره بأن بعض القرارات قابلة للنقد والمراجعة.

لذلك لا يجوز استخدام معاناة أهل غزة لإسكاتهم، ولا استخدام آراء بعضهم لإلغاء آراء الآخرين.

المعيار ليس أن ننسب إلى الضحايا موقفًا موحدًا، بل أن نحترم حقهم في الحياة والأمان والكرامة، وأن نصغي إلى أصواتهم دون توظيف معاناتهم لتبرئة أي طرف أو إدانته بلا دليل.

عاشرًا: لا تستهينوا بأثر المقاومة، ولا تجعلوا ذلك مبررًا للعدوان

قد تكون للمواجهات المسلحة آثار عسكرية وسياسية ونفسية واقتصادية كبيرة، وقد تلحق خسائر جسيمة بالطرف الأقوى ماديًا، وتكشف أن التفوق العسكري لا يعني انعدام المخاطر.

لكن تقدير هذه النتائج يحتاج إلى أدلة موثوقة، ولا يصح إطلاق أرقام أو مقارنات تاريخية كبرى من دون توثيق.

كما لا يصح قياس قيمة القضية الفلسطينية بمقدار الألم الذي يصيب الطرف الآخر، ولا اعتبار خسائر المدنيين الإسرائيليين أمرًا هينًا لمجرد أنهم ينتمون إلى مجتمع يعيش في ظل الاحتلال أو يؤيده بعض أفراده.

فقتل المدنيين يظل أمرًا مدانًا، أيًّا كانت هويتهم، ولا يجوز استهدافهم لمجرد انتمائهم الوطني أو الديني.

وفي الوقت نفسه، لا يجوز أن يتحول الاهتمام بضحايا الطرف الآخر إلى تجاهل معاناة الفلسطينيين، أو إلى منح الاحتلال حقًا في تدمير المدن ومعاقبة السكان جماعيًا.

العدل لا يتجزأ: فلا تُبرَّر جريمة بجرائم أخرى، ولا تُمحى معاناة شعب لأن الطرف الآخر تكبد خسائر أيضًا.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

الخلاصة: ناقشوا قرارات المقاومة، لكن لا تبرروا جرائم الاحتلال

إن تحميل حماس مسؤولية كل دم يسقط في غزة، وإعفاء إسرائيل من المسؤولية المباشرة عن أفعال قواتها، ليس تحليلًا متوازنًا للقضية.

وفي المقابل، فإن رفض هذا المنطق لا يقتضي تقديس حماس، أو اعتبار جميع قراراتها صائبة، أو منع الفلسطينيين من نقدها ومحاسبتها.

يمكن أن نختلف حول توقيت عملية عسكرية، أو أهدافها، أو تقدير نتائجها، أو مدى جدواها السياسية والعسكرية. ويمكن أن نطالب كل جهة بمراجعة أخطائها وتحمل مسؤولية أفعالها.

لكن لا يجوز أن يتحول هذا النقاش إلى ذريعة لتبرير استهداف المدنيين، أو لتجاهل تاريخ الاحتلال، أو لتحويل الضحية إلى المسؤول الوحيد عن الجريمة التي وقعت عليها.

فثمة فرق كبير بين أن تسأل: هل كان قرار المقاومة صائبًا؟ وبين أن تقول: إن المحتل غير مسؤول عن جرائمه لأن المقاومة موجودة.

الأول سؤال مشروع يستحق البحث والنقاش، أما الثاني فيختزل المسؤولية ويمنح المعتدي مخرجًا من المحاسبة.

إن نصرة أهل غزة لا تعني الموافقة على كل قرار تتخذه أي جهة باسمهم، كما أن نقد المقاومة لا يعني تبرئة الاحتلال أو تبرير جرائمه.

فلنرفض العدوان، ولنحمِ المدنيين، ولنناقش القرارات بموضوعية، ولنطالب كل طرف بتحمل مسؤولية أفعاله؛ فالعدل لا يحتاج إلى تبرئة طرف كي يدين طرفًا آخر.

#غزة #فلسطين #المقاومة #الاحتلال #حماية_المدنيين