حين يتعالى بعض المنتسبين إلى السلفية على كبار أئمة الإسلام!
أئمةٌ كبار يُتَّهمون بالتقليد وعدم تحرير العقيدة، ومعاصرون يظنون أنهم أقدر منهم على فهمها وترجيح مسائلها!
من أعجب المفارقات في بعض الخطابات العقدية المعاصرة أن تجد مَن ينتسب إلى السلفية يتحدث عن عدد من كبار أئمة الإسلام، كالإمام النووي، والحافظ ابن حجر العسقلاني، والإمام القرطبي، والإمام البيهقي، والخطابي وغيرهم، وكأن هؤلاء الأعلام لم يكونوا على قدر كافٍ من التحقيق والتحرير في مسائل العقيدة!
فإذا ذُكرت أشعرية بعض هؤلاء الأئمة، قيل إنهم تأثروا بشيوخهم، أو غلبت عليهم البيئة العلمية التي عاشوا فيها، أو لم يستقلوا بالبحث والتحقيق، بل وقعوا في التقليد وعدم التحرير!
لكن السؤال الذي يستحق الوقوف عنده هو:
كيف يُختزل علم هؤلاء الأئمة، وتُفسَّر اختياراتهم العقدية بأنها مجرد تقليد أو تأثر بالبيئة، بينما يُمنح بعض المعاصرين لأنفسهم حقَّ الحكم عليهم، وتصحيح مسارهم، واتهامهم بالاضطراب في مسائل الاعتقاد؟!
ألسنا هنا أمام مفارقة تستحق المراجعة؟
📌 أولًا: أكان هؤلاء الأئمة مجرّد مقلّدين؟!
إننا نتحدث عن علماء لم تكن مكانتهم قائمة على لقبٍ أو انتسابٍ دعوي، بل على جهود علمية ضخمة في خدمة الإسلام وعلومه.
فالإمام النووي خلّف مؤلفات عظيمة في الحديث والفقه، والحافظ ابن حجر قدّم خدمة استثنائية للسنة النبوية، والإمام البيهقي جمع وصنّف واحتجّ في أبواب الاعتقاد والحديث، وكذلك الخطابي والقرطبي وغيرهم من الأعلام الذين شهدت لهم الأمة بالعلم والإمامة.
وليس معنى ذلك أن هؤلاء الأئمة معصومون من الخطأ، أو أن كل ما اختاروه في مسائل الاعتقاد وغيرها صواب لا يُناقش؛ فالعصمة ليست لأحد بعد رسول الله ﷺ.
ولكن هناك فرقًا كبيرًا بين مناقشة العالم بالدليل، وبين تصويره على أنه لم يفهم ما يقول، أو أنه تابع غيره دون تحقيق، لمجرد أن اختياره لا يوافق رأي الناقد المعاصر!
فهل يُعقل أن تكون المسألة بهذه البساطة: يخالفنا الإمام في اختيار عقدي، فنفسّر مخالفته بأنها تقليد وتأثر بالبيئة، ثم نعدّ أنفسنا نحن أهل التحقيق والتحرير؟!
📌 ثانيًا: مَن الذي منح بعض المعاصرين حقَّ الوصاية على أئمة الإسلام؟!
المشكلة ليست في أن يبحث الباحث مسائل العقيدة، أو يرجّح قولًا على آخر، أو يناقش آراء العلماء؛ فهذا من طبيعة البحث العلمي.
وإنما المشكلة حين يتحول الخلاف العلمي إلى شعور بالتفوق، فيتصور بعض الناس أنهم امتلكوا من التحقيق ما لم يمتلكه كبار الأئمة، وأنهم أقدر على فهم النصوص وتمييز الحق من الباطل من علماء شهدت لهم الأمة بالإمامة والرسوخ.
ثم لا يقف الأمر عند ترجيح رأي على رأي، بل يتجاوز ذلك إلى اتهام المخالف بقلة الفهم، وضعف التحقيق، والتقليد، وعدم التخصص!
وهنا يحق لنا أن نسأل:
هل التخصص العلمي يمنح صاحبه حقَّ التعالي على العلماء، أم يفرض عليه مزيدًا من التواضع والإنصاف قبل إصدار الأحكام؟!
إن العلم الحقيقي لا يجعل صاحبه أكثر احتقارًا للمخالف، بل أكثر إدراكًا لتعقيد المسائل، واتساع الخلاف، وتفاوت المدارك، وصعوبة الإحاطة بكل جوانب القضايا العلمية.
أما أن يتحول التخصص إلى وسيلة لاحتكار الحقيقة، وإسكات المخالف، والحكم على كبار العلماء بأنهم لم يحرروا مسائل الدين، فذلك أقرب إلى الغرور منه إلى التحقيق.
📌 ثالثًا: ليس كل خلافٍ تقليدًا، ولا كل مخالفةٍ تحقيقًا!
من الأخطاء المنهجية أن يُفسَّر اتفاق العالم مع مدرسة علمية بأنه مجرد تقليد، بينما يُفسَّر اتفاق الباحث مع مدرسته هو بأنه اتباع للدليل وتحقيق للمسألة!
فهذا معيار مزدوج؛ إذ لا يكفي أن نقول إن عالمًا تأثر بشيوخه أو ببيئته العلمية لنُبطل اختياراته، بل لا بد من النظر في أدلته، وطريقة استدلاله، ومناقشة ما ذهب إليه مناقشة علمية منصفة.
كما أن الانتساب إلى مدرسة كلامية أو فقهية لا يعني بالضرورة أن كل ما يصدر عن المنتسب إليها مجرد ترديد لأقوال السابقين دون فهم أو نظر.
وقد يخطئ العالم في مسألة، ويصيب في أخرى، ويكون له اجتهاد معتبر في باب، وترجيح مرجوح في باب آخر.
وهذا شأن العلماء جميعًا؛ فلا عصمة للأشاعرة، ولا لغيرهم، ولا للمنتسبين إلى السلفية، ولا لمن يخالفهم.
فلماذا يُطالَب المخالف بتحرير الدليل، بينما يُكتفى في تفسير اختياراته باتهامه بالتقليد والتأثر؟!
إن الإنصاف يقتضي أن نزن الأقوال بأدلتها، وأن نفرّق بين نقد الفكرة والحكم على صاحبها، وألا نجعل الانتماء إلى مدرسة بعينها معيارًا وحيدًا لتقييم العلم والتحقيق.
📌 رابعًا: أئمة الإسلام أكبر من أن تختزلهم تصنيفات المعاصرين!
إن الإمام النووي، وابن حجر، والبيهقي، والخطابي، والقرطبي، وغيرهم من كبار العلماء، ليسوا فوق النقد، لكنهم أيضًا ليسوا أسماء عابرة يجوز تجاوز تراثهم بجملة اتهامية من قبيل: «تأثروا بشيوخهم»، أو «لم يحرروا مسائل الاعتقاد»!
فهؤلاء أصحاب مصنفات واسعة، ومناهج علمية، وجهود امتدت آثارها قرونًا طويلة.
ومن أراد نقدهم فليقدّم الدليل، وليشرح موضع الخطأ، وليناقش الحجة بالحجة؛ أما أن يجعل اختلافهم معه دليلًا على ضعفهم، ثم يجعل موافقته هو دليلًا على التحقيق، فذلك ليس ميزانًا علميًّا منصفًا.
ولا ينبغي أن يُفهم من هذا الدفاع عن مكانة الأئمة أن أقوالهم لا تُناقش، بل المقصود أن تُناقش بقدرها، وبأدواتها، وبالاحترام الذي يليق بمكانتهم العلمية.
فليس من التحقيق أن نرفع أنفسنا فوق العلماء، وإنما التحقيق أن نعرف قدر أنفسنا وقدرهم، ثم نبحث عن الحق بالدليل والإنصاف.
📌 خامسًا: العلم الذي لا يورث التواضع يحتاج صاحبه إلى مراجعة نفسه!
إن أخطر ما يصيب طالب العلم أن يزداد اطلاعًا، ثم يزداد معه إعجابًا بنفسه، حتى يتوهم أنه أصبح ميزانًا تُوزن به عقول العلماء، وأن كل من خالفه إنما خالف بسبب الجهل أو التقليد أو ضعف التحرير.
فالعلم ليس كثرة المصطلحات، ولا القدرة على تصنيف المخالفين، ولا ادعاء التخصص في باب من أبواب الدين.
إنما العلم فهمٌ للدليل، ومعرفة بمناهج الاستدلال، وإدراك لمواضع الاتفاق والاختلاف، وقدرة على التفريق بين المسائل القطعية والمسائل الاجتهادية، مع تواضعٍ يمنع صاحبه من الاغترار برأيه.
وكلما اتسعت معرفة الإنسان، ازداد إدراكًا لما يجهله، وعرف أن المسائل العلمية لا تُحسم بمجرد الشعارات، ولا بالألقاب، ولا بتكرار أحكام مدرسة على أخرى.
أما من جعل العلم سلّمًا للتعالي، واتخذ التخصص ذريعة لإقصاء المخالف، وظن أن أئمة الإسلام لم يفهموا ما فهمه هو، فالأولى به أن يراجع منهجه قبل أن يوزّع أحكامه على العلماء.
✍️ الخلاصة
لسنا مطالبين بتصويب كل ما قاله الأئمة، ولا بتعطيل النقد العلمي، ولا بتسوية الأقوال المختلفة في الصحة والقوة.
لكننا مطالبون بالعدل، والإنصاف، ومعرفة الأقدار، واحترام الخلاف العلمي، والابتعاد عن ازدواجية المعايير.
فإذا خالفنا عالمٌ كبير، ناقشنا دليله؛ وإذا رجّحنا قولًا عليه، بيّنا وجه الترجيح؛ وإذا أخطأ، قلنا أخطأ في هذه المسألة، دون أن نحوّل الخطأ إلى اتهام شامل بعجزه عن التحقيق أو عدم فهمه للعقيدة.
إن أئمة الإسلام ليسوا معصومين، لكننا لسنا أعلم منهم لمجرد أننا خالفناهم؛ والانتساب إلى منهجٍ علمي لا يمنح أحدًا صكَّ احتكار الحق، ولا يعفيه من واجب التواضع والإنصاف.
فليكن شعارنا: الدليل قبل التعصب، والإنصاف قبل التصنيف، والتواضع قبل ادعاء التحقيق.
فالعلم يرفع صاحبه حين يهذّب نفسه، أما إذا أورثه الكبر واحتقار العلماء، فقد تحوّل من وسيلة للهداية إلى باب من أبواب الاغترار بالنفس.
