الاثنين، 19 نوفمبر 2018

ملاحظة حول فَهم حديث النبيّ ﷺ ( فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي . . . ) :

سنة الخلفاء الراشدين :
        هناك ملاحظة حول فَهم حديث النبيّ  ﷺ  ( فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي . . . ) :
        فقد فهم كثير من المسلمين ، أن للخلفاء الراشدين أن يسُنُّوا سُنَناً غير سنة النبيّ r ، إعتماداً على الحديث المذكور !
        أي : كأنهم هم أيضاً معصومون عن الخطأ ، ولهم أن يُشَرِّعوا غير ما شرّعه الله تعالى عن طريق رسول الله  ﷺ  ، حيث أجاز لهم النبيّ r ذلك ! وهذا خطأ في الفهم كبير !

الحاكم هو الله وحده :
        فقد أجمع المسلون على أن الله تعالى وحده هو الحاكم ، ولا حاكم غيره .
        قال الدكتور عبد الكريم زيدان :
        [ وعلى هذا فالحاكم ، أي الذي يصدر عنه الحكم ، هو الله وحده ، فلا حكم إلا ما حكم به ، ولا شرع إلا ما شرعه ، وعلى هذا دلّ القرآن وأجمع المسلمون . ففي القرآن قوله تعالى : (( إن الحكم إلا لله )) [30]  (( ألا لَهُ الحكم )) [31] .
        وعلى هذا الأساس كان الحكم بغير ما أنزل الله كفراً ، لأنه ليس لغير الله سلطة إصدار الأحكام قال تعالى (( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون )) [32] .
        وما وظيفة الرسل إلا تبليغ أحكام الله ، وما وظيفة المجتهدبن إلا التعرف على هذه الأحكام والكشف عنها بواسطة المناهج والقواعد التي وضعها علم الأصول ] ([33]) .
        وقال الدكتور حمد عبيد الكبيسي :
        [ من خصائص الشريعة الإسلامية : أنها تشريع سماوي ، يصدر الحكم فيها عن الله سبحانه ، فالحاكم ومصدر الحكم حقيقة هو الله تعالى ، أما مايقررِّه علماء أصول الفقه من أن هناك أصولاً وأدلة أخرى للحكم ، فإنهم يعنون بها تلك المسالك التي يكتشف بها حكم الله تعالى، فهي أصول بالمعنى المجازي لا الحقيقي .
        وقد أجمع على هذا المسلمون ، فاتفقوا على أنّ الحاكم هو الله سبحانه ، وأنه لا شرع إلا منه ، وقد استند هذا الإجماع إلى نصوص من الكتاب : ( إن الحكم إلا لله ) يوسف : 40 )،( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ) ( المائدة : 49 ) ، ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون )                       ( المائدة : 47 ) ] ([34]) .
        وقال الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله :
        [ أما استحقاق نفوذ الحكم فليس إلا لمن له الخلق والأمر، فإنما النافذ حكم المالك على مملوكه لا مالك إلا الخالق فلا حكم ولا أمر إلا له أما النبي - صلى الله عليه وسلم - والسلطان والسيد والأب والزوج فإذا أمروا وأوجبوا لم يجب شيء بإيجابهم بل بإيجاب الله تعالى طاعتهم، ولولا ذلك لكان كل مخلوق أوجب على غيره شيئا كان للموجب عليه أن يقلب عليه الإيجاب، إذ ليس أحدهما أولى من الآخر. فإذا الواجب طاعة الله تعالى وطاعة من أوجب الله تعالى طاعته ] ([35])  .

        وقال الإمام الشافعي رحمه الله :
        [ وما سَنَّ رسول الله فيما ليس لله فيه حكمٌ، فبِحُكْم الله سنَّه. وكذلك أخبرنا الله في قوله: " وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) صِرَاطِ اللَّهِ ... ] ([36]) .

معنى اتباع . . سنة الخلفاء الراشدين :
إذاً فما معنى قوله r  : ( فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين ) ؟
معناه  : هو شهادة من رسول الله r للخلفاء الراشدين المهديين ، بأنهم سائرون على سنة رسول الله r لا يحيدون عنها ، فإذا عملوا عملاً لم يعمله النبيّ r ، فهو من فهمهم الصحيح لسنة رسول الله r ، ولو أن النبيّ r كان في مكانهم لعمل ذلك العمل .
فأعمالهم صائبة ، وصحيحة ، ليس فيها بدعة مذمومة ، أو ضلالة ، والله أعلم .
وقد روي عن الإمام أحمد بن حنبل ، رحمه الله ، أنه قال :
ما جاء عن الخلفاء الراشدين فهو من السنة ] ([37]) .
        وقال الحافظ إبن تيمية رحمه الله :
        [ فَإِنَّ عَامَّةَ مَا عِنْدَ السَّلَفِ مِنْ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ: هُوَ مَا اسْتَفَادُوهُ مِنْ نَبِيِّهِمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي أَخْرَجَهُمْ اللَّهُ بِهِ مِنْ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ وَهَدَاهُمْ بِهِ إلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيد ]([38])

تفسير الإمام الشوكاني للحديث :
وقال الشيخ المباركفوري رحمه الله :
[  وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي الْفَتْحِ الرَّبَّانِيِّ إِنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ قَدْ أَطَالُوا الْكَلَامَ فِي هَذَا وَأَخَذُوا فِي تَأْوِيلِهِ بِوُجُوهٍ أَكْثَرُهَا مُتَعَسِّفَةٌ وَالَّذِي يَنْبَغِي التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ وَالْمَصِيرُ إِلَيْهِ هُوَ الْعَمَلُ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ هَذَا التَّرْكِيبُ بِحَسْبِ مَا تَقْتَضِيهِ لُغَةُ الْعَرَبِ فَالسُّنَّةُ هِيَ الطَّرِيقَةُ فَكَأَنَّهُ قَالَ الْزَمُوا طَرِيقَتِي وَطَرِيقَةَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَقَدْ كَانَتْ طَرِيقَتُهُمْ هِيَ نَفْسُ طَرِيقَتِهِ فَإِنَّهُمْ أَشَدُّ النَّاسِ حِرْصًا عَلَيْهَا وَعَمَلًا بِهَا فِي كُلِّ شَيْءٍ
وَعَلَى كُلِّ حَالٍ كَانُوا يَتَوَقَّوْنَ مُخَالَفَتَهُ فِي أَصْغَرِ الْأُمُورِ فَضْلًا عَنْ أَكْبَرِهَا
وَكَانُوا إِذَا أَعْوَزَهُمُ الدَّلِيلُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمِلُوا بِمَا يَظْهَرُ لَهُمْ مِنَ الرَّأْيِ بَعْدَ الْفَحْصِ وَالْبَحْثِ وَالتَّشَاوُرِ وَالتَّدَبُّرِ وَهَذَا الرَّأْيُ عِنْدَ عَدَمِ الدَّلِيلِ هُوَ أَيْضًا مِنْ سُنَّتِهِ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ مُعَاذٍ لَمَّا قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بما تَقْضِي قَالَ بِكِتَابِ اللَّهِ
قَالَ فَإِنْ لَمْ تَجِدْ قَالَ فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ فَإِنْ لم تجد قال أجتهد رأيي
قال الحمدلله الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِهِ أَوْ كَمَا قَالَ
وَهَذَا الْحَدِيثُ وَإِنْ تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِمَا هُوَ مَعْرُوفٌ فَالْحَقُّ أَنَّهُ مِنْ قِسْمِ الْحَسَنِ لِغَيْرِهِ وَهُوَ مَعْمُولٌ بِهِ وَقَدْ أَوْضَحْتُ هَذَا فِي بَحْثٍ مُسْتَقِلٍّ
فَإِنْ قُلْتَ إِذَا كَانَ مَا عَمِلُوا فِيهِ بِالرَّأْيِ هُوَ مِنْ سُنَّتِهِ لَمْ يَبْقَ لِقَوْلِهِ وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ ثَمَرَةٌ قُلْتُ ثَمَرَتُهُ أَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ لَمْ يُدْرِكْ زَمَنَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَدْرَكَ زَمَنَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَوْ أَدْرَكَ زَمَنَهُ وَزَمَنَ الْخُلَفَاءِ وَلَكِنَّهُ حَدَثَ أَمْرٌ لَمْ يَحْدُثْ فِي زَمَنِهِ فَفَعَلَهُ الْخُلَفَاءُ فَأَشَارَ بِهَذَا الْإِرْشَادِ إِلَى سُنَّةِ الْخُلَفَاءِ إِلَى دَفْعِ مَا عَسَاهُ يَتَرَدَّدُ فِي بَعْضِ النُّفُوسِ مِنَ الشَّكِّ وَيَخْتَلِجُ فِيهَا مِنَ الظُّنُونِ
فَأَقَلُّ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ أَنَّ مَا يَصْدُرُ عَنْهُمْ مِنَ الرَّأْيِ وَإِنْ كَانَ مِنْ سُنَنِهِ كَمَا تَقَدَّمَ وَلَكِنَّهُ أَوْلَى مِنْ رَأْيِ غَيْرِهِمْ عِنْدَ عَدَمِ الدَّلِيلِ
وَبِالْجُمْلَةِ فَكَثِيرًا مَا كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنْسَبُ الْفِعْلُ أَوِ التَّرْكُ إِلَيْهِ أَوْ إِلَى أَصْحَابِهِ فِي حَيَاتِهِ مَعَ أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ لِنِسْبَتِهِ إِلَى غَيْرِهِ مَعَ نِسْبَتِهِ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ محل القدوة وَمَكَانُ الْأُسْوَةِ فَهَذَا مَا ظَهَرَ لِي فِي تَفْسِيرِ هَذَا الْحَدِيثِ وَلَمْ أَقِفْ عِنْدَ تَحْرِيرِهِ عَلَى مَا يُوَافِقُهُ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْعِلْمِ فَإِنْ كَانَ صَوَابًا فَمِنَ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ خَطَأً فَمِنِّي وَمِنَ الشَّيْطَانِ وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ
انْتَهَى كَلَامُ الشَّوْكَانِيِّ ] ([39]) .
وقال الشيخ المباركفوري أيضاً رحمه الله :
[ قُلْتُ لَيْسَ المراد بسنة الخلفاء الراشدين إلا طريقتهم الموافقة لطريقته صلى الله عليه وسلم قال القارىء فِي الْمِرْقَاةِ فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي أَيْ بِطَرِيقَتِي الثَّابِتَةِ عَنِّي وَاجِبًا أَوْ مَنْدُوبًا وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَعْمَلُوا إِلَّا بِسُنَّتِي فَالْإِضَافَةُ إِلَيْهِمْ إِمَّا لِعَمَلِهِمْ بِهَا أَوْ لِاسْتِنْبَاطِهِمْ وَاخْتِيَارِهِمْ إِيَّاهَا انتهى كلام القارىء
وَقَالَ صَاحِبُ سُبُلِ السَّلَامِ أَمَّا حَدِيثُ عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ بَعْدِي تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وبن مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَمِثْلُهُ حَدِيثُ اقْتَدُوا بِاَللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ وأخرجه أحمد وبن ماجه وبن حِبَّانَ وَلَهُ طَرِيقٌ فِيهَا مَقَالٌ إِلَّا أَنَّهُ يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا فَإِنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِسُنَّةِ الخلفاء الراشدين إلا طريقتهم الموافقة لطريقته صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ جِهَادِ الْأَعْدَاءِ وَتَقْوِيَةِ شَعَائِرِ الدِّينِ وَنَحْوِهَا فَإِنَّ الْحَدِيثَ عَامٌّ لِكُلِّ خَلِيفَةٍ رَاشِدٍ لَا يَخُصُّ الشَّيْخَيْنِ.
وَمَعْلُومٌ مِنْ قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ أَنَّهُ لَيْسَ لِخَلِيفَةٍ رَاشِدٍ أَنْ يُشَرِّعَ طَرِيقَةً غَيْرَ مَا كَانَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
ثُمَّ هَذَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَفْسُهُ الْخَلِيفَةُ الرَّاشِدُ سَمَّى مَا رَآهُ مِنْ تَجْمِيعِ صَلَاتِهِ لَيَالِيَ رَمَضَانَ بِدْعَةً وَلَمْ يَقُلْ إِنَّهَا سُنَّةٌ  فَتَأَمَّلْ ] ([40]) .
ومعلوم أن كثيرا من الأعمال لم يعملها النبيّ r ، بل عملها الخلفاء الراشدون بعده ، وهو r وصّى باتباع سنتهم مع سنته ، باعتبار أن الخلفاء الراشدين سائرون على منهجه الذي ربّاهم عليه ، فالسنة هي الطريقة والمنهج .

ترك النبيّ r للعمل وهو يحبه :
        كان النبيّ r كثيراً ما يترك عملاً من الأعمال وهو يحبه ، ويود أن يعمله ولكن كانت هناك أسباب خاصة تمنعه من ذلك ، وهو r ليس كغيره حرا يفعل ما يشاء ، بل هو موضع القدوة ، ومحسوب عليه كل حركة ،  وسكنة ، صلى الله عليه وسلم .
        عن عائشة رضي الله عنها ، قالت : إن كان رسول الله r ليدَع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيُفرض عليهم ([41]) .
        قال الإمام النووي رحمه الله :
        [ قَوْلُهَا لَيَدَعُ الْعَمَلَ وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَ ضَبَطْنَاهُ بِفَتْحِ الْيَاءِ أَيْ يَعْمَلَهُ وَفِيهِ بَيَانُ كَمَالِ شَفَقَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَأْفَتِهِ بِأُمَّتِهِ وَفِيهِ أَنَّهُ إِذَا تَعَارَضَتْ مَصَالِحُ قُدِّمَ أَهَمُّهَا ] ([42]) .


خشية أن يفرض عليهم :
        وخشيته r ليست من فرض الله تعالى ذلك على الناس ، وإلا لو أراد الله تعالى ذلك لفرضه سواءً فعله r أو لم يفعله ، ولكن خشيته من أن الناس يفرضون ذلك عليهم بأنفسهم ، وذلك بحجة أن النبيّ القدوة r قد فعله ، وداوم عليه ، إذاً يجب عليهم أن يفعلوه أيضاً .
        وقد أشار النبيّ r إلى ذلك بقوله فيُفرض عليهم بالمبني للمجهول ، أو مبني لما لم يسمى فاعله ، فلم يقل r إن الله تبارك وتعالى يفرضه عليهم .



صلاة السنة بعد العصر :
        ومن ذلك : عن عائشة رضي الله عنها أيضاً قالت :
        ( وَالَّذِي ذَهَبَ بِهِ مَا تَرَكَهُمَا حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ وَمَا لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى حَتَّى ثَقُلَ ، عَنِ الصَّلاَةِ ، وَكَانَ يُصَلِّي كَثِيرًا مِنْ صَلاَتِهِ قَاعِدًا - تَعْنِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ ، وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّيهِمَا ، وَلاَ يُصَلِّيهِمَا فِي الْمَسْجِدِ مَخَافَةَ أَنْ يُثَقِّلَ عَلَى أُمَّتِهِ ، وَكَانَ يُحِبُّ مَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ ) ([43]) .
                        فمن شفقته على أمته r ، ومن رحمته بهم لم يصل تلك الركعتان في المسجد ، وإلا لولا ذلك لصلاهما في المسجد .

تخفيف الصلاة مخافة إفتتان الأم ! :
        ومن ذلك :
        عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ :      ( إِنِّي لأَقُومُ فِي الصَّلاَةِ أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلاَتِي كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ ) ([44]) .
        فهو r كان يودّ ، ويريد أن يطيل في الصلاة ، ولكن من رحمته وشفقته على الأم يترك ذلك .
        ومنه : عن أنس بن مالك t قال :
        (ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتم من النبيّ صلى الله عليه و سلم وإن كانليسمع بكاء الصبي فيخفف مخافة أن تفتن أمه ) ([45]) .
                        فيخفف r ، مخافة على الأم ، لا أنه ليس في إطالة الصلاة أجر ، أو أفضلية .

عدم وجوب السواك رحمة بالناس ! :
        ومنه : عن أبي هريرة t أن النبيّ r قال :
        ( لولا أن أشق على أمتي أو على الناس لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة ) [46]
        هو r  يعلم أن في السواك أجر ، وفضل كبير ، ويودّ أن يوجبه على الناس ، مع كل صلاة ، ولكنه r ترك ذلك ، مخافة المشقة على أمته .
عدم تأخير صلاة العشاء رحمة بالامة ! :
        ومنه : عن ابن عباس رضي الله عنهما قال :
        ( أعتم رسول الله صلى الله عليه و سلم ليلة بالعشاء حتى رقد الناس واستيقظوا ورقدوا واستيقظوا فقام عمر بن الخطاب فقال الصلاة قال عطاء قال ابن عباس فخرج نبي الله صلى الله عليه و سلم كأني أنظر إليه الآن يقطر رأسه ماء واضعا يده على رأسه فقال ( لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يصلوها هكذا ) ([47]) .
        وفي رواية لعائشة رضي الله عنها قالت :
        ( أَعْتَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ لَيْلَةٍ حَتَّى ذَهَبَ عَامَّةُ اللَّيْلِ، وَحَتَّى نَامَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى، فَقَالَ: «إِنَّهُ لَوَقْتُهَا لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي» وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ: «لَوْلَا أَنْ يَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي» ) ([48]) .
                        إن الأصح ، والأحب إلى النبيّ r أن يصلي العشاء في هذا الوقت ، ولكنه r ترك ذلك من أجل أن لا يشق على أمته .

التخلف عن السرايا حبا للصحابة ! :
        ومن ذلك أيضاً : عن أبي هريرة t قال : قال رسول   الله r :
        (  لولا أن أشق على أمتي ما تخلفت عن سرية ولكن لا أجد حمولة ولا أجد ما أحملهم عليه ويشق علي أن يتخلفوا عني ولوددت أني قاتلت في سبيل الله فقتلت ثم أحييت ثم قتلت ثم أحييت ) ([49]) .
                        ترك r ذلك العمل الصالح ، شفقة على أمته ، فلولم يكن موضع القدوة r ، ولو كان حرّا في أن يعمل من الصالحات مايشاء ، لما ترك ذلك ، ولما ترك كثيرا من الأعمال الصالحة ، رحمة بأمته r


ترك إعادة بناء الكعبة خوفاً على الناس ! :
        ومنه : عن عائشة رضي الله عنها أن النبيّ r قال لها :  ( يا عائشة لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فهدم فأدخلت فيه ما أخرج منه وألزقته بالأرض وجعلت له بابين بابا شرقيا وبابا غربيا فبلغت به أساس إبراهيم ([50]) .
                        الكعبة المشرفة التي يطوف حولها ملايين المسلمين ، قبلتهم ، ورمز العبودية والتوحيد ، تركها r على ما بناها المشركون ، على غير أساس ما بناها نبيّ الله ، وخليله ، إبراهيم عليه السلام .
        وكان r يودّ أن يهدمها ، ويعيدها كما كان بناها خليل الرحمن ، إبراهيم عليه السلام . ولكن ترك ذلك مخافة على المسلمين أن تنكر قلوبهم .

حزنه r وندمه حباً للأمة ! 
ومنه : عن عائشة رضي الله عنها أيضاً أن رسول الله r خرج من عندها وهو قرير العين ثم رجع وهو كئيب فقال : دخلت الكعبة فأخاف أن أكون شَقَقْتُ على أمتي ([51]) .
        وذكره الإمام بدر العيني رحمه الله فقال : [ قالت عائشة :
          دخل عَليّ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ حَزِين، فَقلت: يَا رَسُول الله! خرجت من عِنْدِي وَأَنت قرير الْعين طيب النَّفس، فَمَا بالك؟ فَقَالَ: إِنِّي دخلت الْكَعْبَة، وودت أَنِّي لم أكن فعلته إِنِّي أَخَاف أَن أكون قد أَتعبت أمتِي من بعدِي) قلت: الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَصَححهُ، وَالْحَاكِم وَصَححهُ، وَابْن خُزَيْمَة فِي (صَحِيحه) وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَذَا الدُّخُول فِي حجَّته ]([52]) .



ماذا نفهم من هذه الأحاديث ؟ :
        في هذه الأحاديث الكثيرة المباركة ، وغيرها حِكَم ، وعِبَر كثيرة ، ولكن الذي يهمنا هنا في موضوعنا هو :
        1 – كان النبيّ r يحب أن يعمل كثيراً من الأعمال الصالحة ، ولكنه r كان يتركها ، لا كرهاً لها ، ولا لأنها ليس فيها خير ، ولا لأنه صلى الله عليه وسلم ما كان يعرفها ، ولكنرحمة وشفقة على أمته أن يثقل عليهم ، ولولا ذلك لعملها ، ومن ذلك – كما ورد في الأحاديث التي عرضناها - :
        أ – كان r أحياناً لا يصلي بعض النوافل في المسجد ، مخافة أن يُثَقِّل على أمته .
        ب – كان r يحب أن يُطَوِّل في الصلاة ، ولكنه يترك ذلك ويتجوّز فيها كراهية أن يشق على الأمّ .
        ج – كان r يحب أن تستعمل أمته كلهم السواك مع كل صلاة ، وكان يحب أن يوجبه عليهم ، ولكنه ترك ذلك من أجل أن لا يشق عليهم .
        د – كان r يحب أن يؤخر صلاة العشاء إلى أن يذهب عامة الليل ، ويعتبرها r هو وقتها ، وكان يود أن يأمرهم فيصلوها هكذا ، ولكنه ترك ذلك ، وصلى معهم في الوقت المعلوم عندنا ، خشية أن يشق على أمته .
        هـ - كان r يحب أن لا يتخلف عن سرية ، ولكنه ترك ذلك خشية أن يشق على أمته .
        و – كان r يحب أن يهدم البيت الحرام ، الذي بنته قريش قبل البعثة ، على غير ما بناه نبيّ الله إبراهيم عليه السلام ، فيعيد بناءه على ما بناه نبيّ الله إبراهيم عليه السلام ، ولكنه ترك ذلك شفقة ورحمة بالناس أن يؤثر ذلك على إيمانهم ، وتعظيمهم للبيت .
        ز – كان r يحب أن يدخل الكعبة الشريفة ، فيصلي فيها ، وقد فعل ذلك ، ثم تمنى أن لم يكن فعل ذلك ،  وتركه  خوفاً من أن يشق على أمته بذلك ، ويتعبهم .
        2 – وفي هذه الأحاديث المباركة ردّ واضح على الذين يقولون للأعمال الصالحة : لو كان فيها خير لفعلها رسول الله r !
        ومن فضل الله تعالى أن وصلتنا هذه الأحاديث المباركة ، وتحدث رسول الله r فيها بوضوح وصراحة ، أنه يحب أعمالاً صالحة ، ولكنه يتركها رحمة وشفقة على أمته ، وإلا لو كان r حراً في تصرفاته ، وأعماله لعملها !
        وكم من أعمال ربما كان r يحبها ، وتركها ، ولم يتحدث عنها ، رحمة ، وشفقة !





أعمال عملها هو r ونهى عنها غيره :
        وأحياناً كان r لا يستطيع إخفاء عمل من الأعمال الصالحة ، بل يظهر ذلك إضطراراً ، فكان الصحابة رضوان الله عليهم يُقلّدونه ، ويعملون مثله ، فينهاهم عنها ، فلا ينتهون ، فيوافقهم كنوع من العقوبة لهم إشفاقا عليهم ، ورحمة بهم ، لكي ينتهوا ، وذلك مثل صوم الوصال([53]) .


النهي عن صوم الوصال :
        عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال :
        (  نهى رسول الله صلى الله عليه و سلم عن الوصال قالوا إنك تواصل قال ( إني لست مثلكم إني أطعم وأسقى ) ([54]) .
        عن أبي هريرة t قال :
        [  نَهَى رَسُولُ اللَّهِ عَنِ الْوِصَالِ فِى الصَّوْمِ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: إِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ( وَأَيُّكُمْ مِثْلِى، إِنِّى أَبِيتُ يُطْعِمُنِى رَبِّى وَيَسْقِينِ) ، فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَنِ الْوِصَالِ، وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا، ثُمَّ يَوْمًا، ثُمَّ رَأَوُا الْهِلالَ، فَقَالَ: (لَوْ تَأَخَّرَ لَزِدْتُكُمْ) ، كَالتَّنْكِيلِ لَهُمْ حِينَ أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا.
قال المهلب: لما نهاهم عليه السلام عن الوصال فلم ينتهوا، بين لهم أنه مخصوص بالقوة بقوله: (إنى لست كهيئتكم) ، لأن الله يطعمه ويسقيه، فأرادوا تحمل المشقة فى الاستنان به، والاقتداء به، فواصل بهم كالمنكل لهم على تركهم ما أمرهم به من الرخصة، فبان بهذا أن الوصال ليس بحرام، لأنه لو كان حرامًا ما واصل بهم، ولا أتى معهم الحرام الذى نهاهم عنه([55])
قال الإمام ابن عبد البر رحمه الله :
[  قَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِ ما رواه بن عمر وأبو هريرة أبو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَعَائِشَةُ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ)
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي تَأْوِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ مِنْهُمْ قَائِلُونَ إِنَّمَا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم عن الْوِصَالِ رِفْقًا لِأُمَّتِهِ وَرَحْمَةً بِهِمْ فَمَنْ قَدَرَ عَلَى الْوِصَالِ فَلَا حَرَجَ لِأَنَّهُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ
وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ وَغَيْرُهُ جَمَاعَةٌ يُوَاصِلُونَ     الْأَيَّام . . .
وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وإسحاق بن رَاهْوَيْهِ لَا يَكْرَهَانِ أَنْ يُوَاصِلَ الرَّجُلُ مِنْ سَحَرٍ إِلَى سَحَرٍ لَا غَيْرَ
وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا أَيْضًا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَا تُوَاصِلُوا فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ حَتَّى السَّحَرِ
قَالُوا فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ قَالَ إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إِنَّ لِي مُطْعِمًا يطعمني وساقيا يسقيني . . .
وَكَرِهَ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْأَثَرِ الْوِصَالَ عَلَى كُلِّ حَالٍ لِمَنْ قَوِيَ عَلَيْهِ وَلِغَيْرِهِ وَلَمْ يُجِيزُوهُ لِأَحَدٍ
وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم نهى عن الْوِصَالِ
وَأَنَّهُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) قَالَ إِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَانْتَهُوا وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَخُذُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ .
وَحَقِيقَةُ النَّهْيِ الزَّجْرُ وَالْمَنْعُ
وَقَالُوا لَمَّا قَالَ لَهُمْ أَنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ أَعْلَمَهُمْ أَنَّ الْوِصَالَ لَهُ خَاصَّةً لَا لِغَيْرِهِ كَمَا خُصَّ بِسَائِرِ مَا خُصَّ r ] ([56]) .

تقبيل الصائم لزوجه :
وعن عائشة رضي الله عنها قالت :
(  كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَبِّلُنِي وَهُوَ صَائِمٌ، وَأَيُّكُمْ يَمْلِكُ إِرْبَهُ، كَمَا كَانَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْلِكُ إِرْبَهُ؟ ) ([57]) .

لسنا مثل النبيّ r :
قال الإمام السيوطي رحمه الله :
[  قَالَ الْقُرْطُبِيّ هَذَا يدل على أَن مَذْهَب عَائِشَة منع الْقبْلَة مُطلقًا فِي حق غير النَّبِيصلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَنَّهَا فهمت خصوصيته بِجَوَاز ذَلِك ويباشر وَهُوَ صَائِم قَالَ النَّوَوِيّ معنى الْمُبَاشرَة هُنَا اللَّمْس بِالْيَدِ وَهُوَ من التقاء البشرتين ] ([58]) .
وقال الإمام النووي رحمه الله :
[  قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي مَعَالِمِ السُّنَنِ هَذِهِ اللَّفْظَةُ تُرْوَى عَلَى وَجْهَيْنِ الْفَتْحِ وَالْكَسْرِ قَالَ وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ وَهُوَ حَاجَةُ النَّفْسِ وَوَطَرُهَا يُقَالُ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ إِرْبٌ وَأَرَبٌ وَإِرْبَةٌ وَمَأْرَبَةٌ أَيْ حَاجَةٌ قَالَ وَالْإِرْبُ أَيْضًا الْعُضْوُ قَالَ الْعُلَمَاءُ مَعْنَى كَلَامِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهُ يَنْبَغِي لَكُمُ الِاحْتِرَازُ عَنِ الْقُبْلَةِ وَلَا تَتَوَهَّمُوا مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَنَّكُمْ مِثْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي اسْتِبَاحَتِهَا لِأَنَّهُ يَمْلِكُ نَفْسَهُ وَيَأْمَنُ الْوُقُوعَ فِي قُبْلَةٍ يَتَوَلَّدُ مِنْهَا إِنْزَالٌ أَوْ شَهْوَةٌ أَوْ هَيَجَانُ نَفْسٍ وَنَحْوُ ذَلِكَوَأَنْتُمْ لَا تَأْمَنُونَ ذَلِكَ فَطَرِيقُكُمُ الِانْكِفَافُ عَنْهَا ] ([59])





هل فِعل النبيّ r بموجب ؟ :
ولذلك [ ذهب الحنفية وغيرهم رحمهم الله تعالى إلى أن فعل النبيّ r لا يكون موجباً – أي واجباً – خلافاً لبعض أصحاب الشافعي ومالك رحمهم الله ، فإنهم قالوا : إن فعله r الذيليس بسهوٍ ولا طبعٍ ولا مخصوصٍ به موجبٌ .
إلا إذا كانت المواظبة على الفعل من غير ترك مع الإقتران بوعيدٍ فهو دليل الوجوب كما أفاده ابن الهمام في باب الإعتكاف واعتمده ابن نجيم .
بدليل المنع عن الوصال في الصيام ، حيث دلّ أن فعله r ليس بموجب .
وكذلك بدليل خلع نعليه r في الصلاة :
عن أبي سعيد الخدريّ t قال : بينما رسول الله r يصلي بأصحابه إذ خلع نعليهفوضعهما عن يساره فلما رأى ذلك القوم ألقَوا نعالهم فلما قضى رسول الله r صلاته قال : (( ما حملكم على إلقائكم نعالكم ؟ )) . قالوا : رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا . فقال رسول الله r ((إن جبريل r أتاني فأخبرني أن فيهما قذراً )) . وقال (( إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر فإن رأى في نعليه قذراً أو أذىً فليمسحه وليُصلِّ فيهما )) ([60]) .
فدلّ أن فعله r ليس بموجب وإلا لَزِم التناقض ، إذ كيف ينهاهم عن الواجب ، ويستغرب  rمن فعلهم له ؟ !
فإن قال قائل : فماذا تقولون في قوله r : ( صلّوا كما رأيتموني أصلي ) [61] ، و ( خذوا عني مناسككم ) [62] ؟
قيل : الوجوب استُفيد بقوله r لا بالفعل ، ولو كان الفعل موجباً لما احتيج إلى الأمر ]([63]) .

الأدلة الشرعية وبعض الآثار تدل على مشروعية قراءة القرآن على أموات المسلمين

بسم الله الرحمن الرحيم 
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام عل سيدنا محمد الصادق الأمين وعلى آله وأصحابه أجمعين
نتيجة بحث الصور عن قراءة القران عند القبر
أما بعد: فيا أحبابي تأملوا في ما يلي:
روى الإمام الطبراني في (المعجم الكبير)، ووالإمام البيهقي في(شعب الإيمان)، وأبوبكر الخلال في(القراءة عندالقبور) ([1])

حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بن إِسْحَاقَ التُّسْتَرِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بن بَحْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا مُبَشِّرُ بن إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بن الْعَلاءِ بن اللَّجْلاجِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ لِي أَبِي:"يَا بنيَّ، إِذَا أَنَا مُتُّ فَأَلْحِدْنِي، فَإِذَا وَضَعْتَنِي فِي لَحْدِي، فَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، ثُمَّ سِنَّ عَلَيَّ الثَّرَى سِنًّا، ثُمَّ اقْرَأْ عِنْدَ رَأْسِي بِفَاتِحَةِ الْبَقَرَةِ، وَخَاتِمَتِهَا، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ ذَلِكَ". ([2])
قا ل نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي في(مجمع الزوائد ومنبع الفوائد) : رواه الطبراني في الكبير ورجاله موثقون. ([3])
واعتمد على هذا الحديث كالدليل على القراءة للأموات الشيخ جلال الدين السيوطي في (الدر المنثور)، وكذا أبو محمد الحنفي الزيلعي في(نصب الراية لأحاديث الهداية)، و إبن حجرالعسقلاني في(تلخيص الحبير في أحاديث الرافعي الكبير)، وإبن عساكر في(تأريخ دمشق).
و ذكره أيضا كالدليل على مارأه كلٌ من عبد الرؤوف المناوي في (فيض القدير شرح الجامع الصغير)، و (محمد علي محمد الشوكاني الذي يعتمد على قوله الوهابية) في (نيل الأوطار) في موضعين وغيرهم.
*و وردت أيضا رواية أخرى عن إبن عمر رضي الله عنهما في هذه المسألة
كما رواها الطبراني في(المعجم الكبير)13613،والبيهقي في (شعب الإيمان)8986
حدَّثَنَا أَبُو شُعَيْبٍ الْحَرَّانِيُّ , حَدَّثَنَا يَحْيَى بن عَبْدِ اللَّهِ الْبَابْلُتِّيُّ , حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بن نَهِيكٍ , قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءَ بن أَبِي رَبَاحٍ , يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ , يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , يَقُولُ:إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ فَلا تَحْبِسُوهُ , وَأَسْرِعُوا بِهِ إِلَى قَبْرِهِ , وَلْيُقْرَأْ عِنْدَ رَأْسِهِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ , وَعِنْدَ رِجْلَيْهِ بِخَاتِمَةِ الْبَقَرَةِ فِي قَبْرِهِ . ([4])
في هذا الحديث بعض العلماء يقول:إنه ضعيف ، وبعض آخريقول: موقوف على ابن عمر.
ولكن إبن حجرالعسقلاني في الفتح يقول :أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَادٍ حَسَن. ([5])
زومعلوم أن إبن حجر العسقلاني ثقة حتى عند الوهابية.
*واعتمد على الحديث كالدليل هؤلاء الإمام السيوطي في (الدر المنثور).
و(الشوكاني) في (فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير) ([6]) وفي(نيل الأوطار) ([7]).
و محمد بن إسماعيل الصنعاني في (سبل السلام) ([8])
*وأيضا اللجنة الدائمة الفقهيه في السعودية التي تشكلت من :كبائر السلفيين(بكر أبو زيد ، صالح الفوزان ، عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ، عبد العزيز بن عبد الله بن باز رئيس اللجنة) تعتبر هذا الحديث حسنا، واستدلت به فى إحدى الفتاوى. ([9])

*قال الإمام الكبير أحمد بن حنبل:( إذا دخلتم المقابر فاقرأوا بفاتحة الكتاب والمعوذتين وقل هو الله أحد واجعلوا ذلك لأهل المقابر فإنه يصل إليهم. ([10])
وفي رواية أخرى قال:(إذا دخلتم المقابر اقرأوا آية الكرسي وثلاث مرار قل هو الله أحد ثم قلوا اللهم ان فضله لاهل المقابر) ([11])

ونقل هذا عن الإمام أحمد كلٌ من أبي بكر بن الخلال الحنبلي في(القراءة عندالقبور)وابن حجرالعسقلاني في( الإمتاع بالأربعين المتباينة السماع)، و إبن قدامة في(المغني) و(الشرح الكبير). ([12])
إ
*وأيضا إبن تيمية (الذي تعتبره الوهابية كأول مؤسس لعقيدتهم العجيبة) في (اقتضاء الصراط المستقيم و(فتاواه):
أشار إلى أن أصح الأقوال وآخرها للإمام أحمد بن حنبل -رحمة الله- على ثواب القراءة يصل إلى الأموات. ([13])

*وأيضا جمهورعلماء المذاهب الأربعة(الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية) على وصول
ثواب القراءة للأموات . كما ورد في إحدى فتاوى الأزهر الشريف ([14]) .

*تنبيه:بعض من هذا العصر يقول إن الإمام الشافعى -رحمة الله- على أن ثواب القراءة لايصل إلى الأموات ، لأنه قال : ذللك في (الأم).
ولكن هذا الكلام باطل لسببين:
1- قال القاضي زكريا الأنصاري في فتح الوهاب::"فقال النووي في شرح مسلم المشهور من مذهب الشافعي أنه لا يصل ثوابها إلى الميت وقال بعض أصحابنا يصل وذهب جماعات من العلماء إلى أنه يصل إليه ثواب جميع العبادات من صلاة وصوم وقراءة وغيرها"
ثم قال بعد مانقله من النووي رحمه:" وما قاله من مشهور المذهب محمول على ما إذا قرأ لا بحضرة الميت ولم ينو ثواب قراءته له أو نواه ولم يدع بل قال السبكي "الذي دل عليه الخبر بالاستنباط أن بعض القرآن إذا قصد به نفع الميت نفعه وبين ذلك وقد ذكرته في شرح الروض. ([15])
2- وقال ابن حجر العسقلاني في(الإمتاع بالأربعين المتباينة السماع) :وروى أيضا عن الزعفراني قال سألت الشافعي رضي الله عنه القراءة عند القبر فقال لا بأس به // حسن //
ثم قال الحافظ : وهذا نص غريب عن الشافعي والزعفراني من رواة القديم وهو ثقة وإذا لم يرد في الجديد ما يخالف منصوص القديم فهو معمول به ولكن يلزم من ذلك أن يكون الشافعي قائلا بوصول ثواب القرآن لأن القرآن أشرف الذكر والذكر يحتمل به بركة للمكان الذي يقع فيه وتعم تلك البركة سكان المكان وأصل ذلك وضع الجريدتين في القبر بناء على أن فائدتهما أنهما ما دامتا رطبتين تسبحان فتحصل البركة بتسبيحهما لصاحب القبر ولهذا جعل غاية التخفيف جفافهما وهذا على بعض التأويلات في ذلك وإذا حصلت البركة بتسبيح الجمادات فبالقرآن الذي هو أشرف الذكر من الآدمي الذي هو أشرف الحيوان أولى بحصول البركة بقراءته ولا سيما إن كان القارئ رجلا صالحا والله أعلم. ([16])

ويكفي لمعرفة رأي الإمام الشافعي حول هذا الموضوع قول الحافظ النووي في رياض
الصالحين في باب الدعاء للميت بعد دفنه والقعود عند قبره ساعة بعد دفنه للدعاء له والاستغفار والقراءة ما نصه :"قال الشافعي رحمه الله: ويستحب أن يقرأ عنده شئ من القرءان وإن ختموا القرءان عنده كان حسنًا". و كتاب (رياض الصالحين) بحمد الله موجود و مطبوع وشائع بيننا، ونستطيع أن نطلع عليه بأسهل طريق، فلماذا لانفهم بعد؟؟ !! .
وفي الأخير ننقل لكم فوائد مفيدة قد تكون كافية و شافية في هذا الموضوع ، وهذه الفوائد نصوص من رسالة (القول بالإحسان العميم في انتفاع الميت بالقراءن العظيم) وهي رسالة مخطوطة محفوظة في مكتبة الأزهر، اطلعنا عليها من خلال موقع ملتقى أهل الحديث. ([17])
ونقول: قد سُئِلَ شمس الدين العسقلاني الكناني الشافعي المعروف بإبن القطان ([18]) ــــ ( وهو أحد من مشايخ الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمهما الله ) ـــــ وهل يصل ثواب القراءة للميت أم لا؟.
فأجاب عنها في رسالة سماها (القول بالإحسان العميم في انتفاع الميت بالقراءن العظيم) بجواب شاف كاف ونركز معكم على بعض من أقواله :

1-قال رحمه الله في بداية جوابه: " وقال كثيرون من الشافعية والمالكية والحنفية: تصل، وبه قال الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه بعد أن قال: القرآنُ على القبر بدعة، بل نقل عن الإمام أحمد رضي الله عنه يصل إلى الميت كلّ شيء من صدقة، وصلاة، وصوم، وحجّ، واعتكاف، وقراءة، وذكر وغير ذلك. ونقل عن جماعة من السلف، ونقل عن الشافعي رضي الله عنه انتفاع الميت بالقرآن على قبره، وسيأتي في قراءة الشافعي رضي الله عنه عند قبر الليث رضي الله عنه ما يدلّ عليه، واختار شيخنا شهاب الدين عقيل رضي الله عنه وصول ثواب القراءة للميت، وكُنَّا نزور معه جماعة موتى من الصالحين بالقراءة، منهم: الصحابي عقبة بن عامر، وسيدي إسماعيل المزني، والقاضي بَكَّار، والإمام الشافعي، وسيدي أبو العباس الحرار، وسيدي الليث بن سعد رضي الله عنه. واشتهر أو تواتر أن الشافعي رضي الله عنه أثنى عليه خيراً متزايداً، وذكر أنه كان أفقه من غيره ممَّن هو من أكابر السادات العلماء رضي الله عنه، ولكن أضاعوه أصحابه، وقرأ عنده ختمة، وقال أرجو أن تدومَ القراءة عنده كذلك دائماً لا تنقطع ويمضي لهم ليلة عظيمة، وربما اجتمع عنده عشرون جوقة أو أكثر من أكابر السادة والقراء والمشايخ والصالحين تقبل الله منهم، وأثابهم. ووصول ثواب القرآن إلى الميت قريباً أو أجنبياً هو الصحيح، كما تنفعه الصدقة والدعاء والاستغفار بالإجماع. وقد أفتى القاضي حسين بأن الاستئجارَ للقراءة على رأس القبر جائز كالاستئجار للأذان وتعليم القرآن".

2- ثم قال ابن القطان رحمه الله بعد سطور :" قال النووي رضي الله عنه في ((زيادات الروضة)): ظاهر كلام القاضي حسين رضي الله عنه صحّة الإجارة مطلقاً، وهو المختار، فإن موضع القراءة موضع بركة، وتنزل الرحمة، وهذا مقصودٌ بنفع الميت. وقال الرافعي رضي الله عنه وتبعه النووي رضي الله عنه في ((كتاب الوصية)): الذي يعتاد من قراءة القرآن على رأس القبر قد ذكرنا في باب الإجارة طريقين في عود فائدتها إلى الميت، وعن القاضي أبي الطيب رضي الله عنه طريق ثالث: وهو أن الميت كالحيِّ الحاضر فترجى له الرحمة ووصول البركة إذا أهدي الثواب إليّ اليّ القارئ. وعبارة ((الروضة)): إذا وصل الثواب إلى القارئ. انتهى. وعن القاضي أبي الطيب رضي الله عنه: الثواب للقارئ والميت كالحاضر، فترجى له الرحمة والبركة.

3- ثم يقول ابن القطان رحمه الله في مكان آخر :" قال القرطبي: وقد استدلّ بعض علمائنا؛ على قراءة القرآن على القبر بحديث: ((العسيب الرطب الذي شقّه النبي صلى الله عليه وسلم باثنين، ثم غرس على قبر نصفاً، وعلى قبر نصفاً، وقال: لعلَّه يخفف عنهما ما لم ييبس))([19])، أخرجه البُخاري ومسلم. قال: وفي (مسند أبي داود الطيالسي)): ((فوضع على أحدهما نصفاً، وعلى الآخر نصفاً، وقال: إنه يهون عليهما ما دام فيهما من بلولتهما شيء))([20]). لعله قال القرطبي: قال علمائنا؛ يستفاد من هذا غرس الأشجار وقراءة القرآن على القبور، وإذا خفَّفَ عنهم بالأشجار، فكيف بقراءة الرجل المؤمن القرآن، وفي بعض الأحاديث: ((إنهما يُسبحان ما داما رطبين)). وقال القرطبي أيضاً: استحبَّ العلماءُ زيارةَ القبور؛ لأن القرآنَ والذكرَ تحفة الميت من زائره، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ما الميت في قبره إلا كالغريق المغوث ينتظر دعوة تلحقه من ابنه أو أخيه أو صديق له، فإذا لحقته كان أحبَّ له من الدنيا وما فيها، وإن هدايا الأحياء للأموات دعوة الدعاء والاستغفار)).وقال النووي رضي الله عنه: استحبَّ العلماء قراءة القرآن عند القبر، واستأنسوا بحديث الخريدتين، وقال: إذا وصل النفع إلى الميت بتسبيحهما حال رطوبتهما، فانتفاع الميت بقراءة القرآن عند قبره أولى، فإن قراءةَ القرآن من إنسان أعظم وأنفع من التسبيح من عود، وقد نفع القرآن بعض مَن حصل له ضرر في حال الحياة، فالميت كذلك. قال ابنُ الرفعة: الذي دلَّ عليه الخبر بالاستنباط أن بعضَ القرآن إذا قصد به نفع الميت، وتحقيق ما هو فيه؛ إذ ثبت أن الفاتحةَ لَمَّا قصد بها القارئ نفعَ للملدوغ نفعته، وأقرَّ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله: ((وما يدريك أنها رقية))([21])، وإذا نفعت الحيَّ بالقصد كان نفع الميت بها أولى؛ لأن الميتَ يقع عنه من العبادات بغير إذنه ما لا يقع عن الحيّ. نعم يبقى النظر في أن ما عدا الفاتحة من القرآن الكريم إذا قرئ وقصد به ذلك هل يلتحق به؟ انتهى. نعم يلتحق به.ففي ((كتاب ابن السني)): عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ((أنه قرأ في أذن مبتلى فأفاق، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما قرأت في أذنه، قال: قرأت {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً}([22])، حتى فرغت من آخر السورة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو أن رجلاً قرأ بها على جبل لزال))([23]).ومثل ذلك ما جاء في القراءة بسورة المعوذتين والإخلاص وغير ذلك.وفي الرقية بالفاتحة دليلٌ على صحّة الإجارة والجعالة لينتفع بها الحيّ فكذلك الميت، ومما يشهد لنفع الميت لقراءة غيره قوله صلى الله عليه وسلم: ((اقرؤوا على موتاكم [يسن]([24]) ))([25])، رواه أبو داود من حديث معقل بن يسار رضي الله عنه، قال النَّوَويُّ: ((إسناده ضعيف، فيه مجهولان، لكن لم يضعفه أبو داود)). انتهى.عادة المحدثين في حديث الذي يرويه أبو داود، ولم يضعفه أنه غير ضعيف، قال أبو داود: ((ما كان في كتابي من حديث فيه وهن شديد فقد بيَّنته، وما لم أذكر فيه شيئاً فهو صالح، وكذلك بعضها أصحُّ من بعض))([26]).قال بعضُ المحدِّثين: الحديثُ الذي يرويه أبو داود يكون تارةً صحيحاً، وتارةً حسناً، وفي كلام ابن الصلاح رضي الله عنه أن ما وجدنا في كتابه مذكوراً مطلقاً، وليس في واحد من ((الصحيحين))، ولا نصّ على صحَّته أحدٌ ممَّا يُمَيِّزُ بين الصحيح والحَسَن عرفنا أنه حَسَن عند أبي داود، ومجرد الستر لا يكون الحديث ضعيفاً، بل قد يكون في الحديث مستور، والحديث حسن، كما قاله ابنُ الصلاح وغيره بشروط ذكرت.والحديث في قراءة يسن على الموتى، رواه ابن حبان في ((صحيحه))، ورواه ابن ماجه، ورواه النَّسائيّ، ولفظه: ((اقرؤوا ياسين عند موتاكم))، وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه، ولفظه: ((يسن ثلث القرآن، لا يقرؤها رجل يريد الله والدار الآخرة إلا غفر له، فاقرؤوها على موتاكم)).وأَوَّلَ جماعةٌ من التابعين وصول القراءة للميت بالمحتضر، واستحبّ بعضُ العلماء أن يقرأ عليه سورة الرعد، والتأويل خلاف الظاهر، ثمّ يقال عليه: إذا انتفع المحتضر بقراءة يسن وليس من سعيه، فالميت كذلك، والميت كالحيِّ الحاضر يسمع كالحيّ الحاضر، كما صحَّ في الحديث خلافاً لمَن خالف.وعن مجاهد عن الشعبي رضي الله عنه، قال: كانت الأنصار إذا حضروا قرؤوا عند الميت سورة البقرة.ورُوي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه: أنه أمر أن يقرأ عند قبره سورة البقرة.وخَرَّجَ النَّسائيُّ غيره من حديث عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من مرَّ على المقابر، وقرأ قل هو الله أحد إحدى عشرة مرّة، ثم وهب أجره للأموات، أُعطي من الأجر عدد الأموات)).ورُوي من حديث أنس رضي الله عنه خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا قرأ المؤمنُ آيةَ الكرسي وجعلَ ثوابها لأهل القبور، أدخل اللهُ في كلِّ قبر من المشرق إلى المغرب أربعين نوراً، ووسَّعَ اللهُ عليهم مضاجعهم، وأعطى اللهُ القارئَ ثواب ستين نبياً، ورفع اللهُ له بكلِّ ميت درجة، وكتب اللهُ له بكلِّ ميت عشر حسنات))". انتهى ما نقلته من كلام ابن القطان.
أحبابي في الله هذا هو الحق إن تبعتموه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الطالب المذنب الفقير: عدنان خالد رسول
بكالوريوس في أصول الدين /كلية العلوم الإسلامية/ جامعة السليمانية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([1])أبو بكر الخلال: وهذا العالم تعتمد عليه الوهابية كثيرا وله رسالة مسماة ب( القراءة عند القبور) وقد نشرت هذه في مجلة ( المنهج) بتحيق أ.د الشيخ حسن المفتي جزاه الله خيرا، وهو: أحمد بن محمد بن هارون أبو بكر المعروف بالخلال ،سمع الحسن بن عرفة وسعدان بن نصر وطبقتهما، وصحب المروزى إلى أن مات وصحب جماعة من أصحاب الإمام أحمد منهم صالح وعبد الله إبناه وإبراهيم الحربي، والمغازلي،له التصانيف الدائرة والكتب السائرة من ذلك الجامع والعلل والسنة والطبقات وتفسير الغريب والأدب وأخلاق أحمد وكان شيوخ المذهب يشهدون له بالفضل والتقدم، توفى ببغداد نهار الجمعة ليومين خليا من ربيع الآخر سنة 311هـ، ودفن إلى جنب قبر المروزى عند رجل الإمام أحمد. ينظر: المقصد الارشد (1/167).
([2])المعجم الكبير للطبراني /باب اللام/ ج19/ص220/ مكتبة العلوم والحكم – الموصل/ 1404 - 1983 /تحقيق : حمدي بن عبدالمجيد السلفي.
([3])(مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للهيثمي/ دار الفكر، بيروت - 1412 هـ/ ب3/ل161)
([4])المعجم الكبير للطبراني /باب العين/ ج12/ص444/ مكتبة العلوم والحكم – الموصل/ 1404 - 1983 /تحقيق : حمدي بن عبدالمجيد السلفي.
([5]) فتح الباري/ج4/ص.
([6])فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير/للشوكاني/ دار النشر: دار الفكر – بيروت/ج1/ص38.
([7])نيل الأوطار من أحاديث سيد الأخيار شرح منتقى الأخبار/ للشوكاني/دار النشر: دار الجيل - بيروت – 1973/ج4/ص115.
([8])سبل السلام شرح بلوغ المرام من أدلة الأحكام/لمحمد بن إسماعيل الصنعاني /دار النشر، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، 1379/ الطبعة4/ تحقيق: محمد عبدالعزيز الخولي/ج2/ص106.
([9]). فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء/لأحمد بن عبد الرزاق الدرويش/ رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء ، الإدارة العامة للطبع ، الرياض/ 1417هـ - 1996م الطبعة : الأولى/ الفتوى رقم (1705).
([10]):ينظر:الإمتاع بالأربعين المتباينة السماع/لابن حجر العسقلاني / دار الكتب العلمية - بيروت/الطبعة الأولى ، 1997/تحقيق : أبي عبدالله محمد حسن محمد الشافعي/ص85.
([11])ينظر: الشرح الكبير لابن قدامة المقدسي/ دار الكتاب العربي للنشر والتوزيع/ج2/ص424/، وأيضا /المغني لابن قدامة المقدسي/ دار الفكر - بيروت/الطبعة الأولى ، 1405/ج2/ص224..
([12])يرجع إلى المصادرالسابقة.
([13])إقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصاب الجحيم/لابن تيمية الحراني/ج2/ص236-239./ومجموع الفتاوى لابن تيمية/ج24/ص317.
([14])ينظر: الفتوى / انتفاع الميت بقراءة القرآن/المفتي/عطية صقر/مايو 1997/المبادئ القرآن والسنة/السؤال/ ما حكم الدين فى قراءة القرآن على الأموات هل تنفعهم أو لا تنفعهم؟ http://www.islamic-council.com/.
([15])"فتح الوهاب شرح منهج الطلاب/ للقاضي زكريا الأنصاري/ دار النشر: دار الفكر، بيروت/ج4/ص68.
([16])ينظر:الإمتاع بالأربعين المتباينة السماع/لابن حجر العسقلاني / دار الكتب العلمية - بيروت/الطبعة الأولى ، 1997/تحقيق : أبي عبدالله محمد حسن الشافعي/ص85-86.

([17]) لتحميل تلك الرسالة ومعرفة المزيد يرجع إلى هذا الرابط:موقع ملتقى أهل الحديث / قسم المخطوطات/http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=80823 .
([18])إبن القطان: محمد بن علي بن محمد بن عمر بن عيسى المصري شمس الدين الشافعي المعروف بابن القطان ولد سنة 737 وتوفي سنة 813 ثلاث عشرة وثمانمائة. له الإحسان العميم بانتفاع الميت بالقرآن العظيم. التسهيل. جمع الشمل في الفرائض والحساب والهندسة. الذيل على طبقات الشافعية للأسنوي. السهل في القراآت السبع. شرح الألفية لابن مالك في النحو. في أربع مجلدات. المشرب الهني في شرح مختصر المزني. هادي الطريقين في أصول الفقه/.ينظر: هدية العارفين أسماء المؤلفين وآثار المصنفين/ لإسماعيل باشا البغدادي - (ج 2 / ص 41) الموسوعة الشاملة الألكترونية.
([19]) في ((صحيح البخاري))(5: 2249)، و((صحيح مسلم))(1: 241)، وغيرهما.
([20]) في ((مسند الطيالسي))(1: 117)، وفي ((مشكل معاني الآثار))(11: 336): ((من رطوبتهما شيء))، وفي ((مسند أحمد))(5: 35): ((ما كانتا رطبتين))، قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد))(ر13135): ((رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير بحر بن مرار وهو ثقة)).
([21]) في ((صحيح البخاري))(2: 795)، و((سنن الترمذي))(4: 399).
([22]) المؤمنون: 115.
([23]) في ((حلية الأولياء))(1: 7)، وقال الهيثمي في ((المجمع))(ر8469): ((رواه أبو يعلى، وفيه ابن لهيعة، وفيه ضعف وحديثه حسن، وبقية رجاله رجال الصحيح)).
([24]) ساقطة من الأصل، ومثبتة من السنن.
([25]) في ((سنن أبي داود))(2: 208)، و((مسند أحمد))(5: 26)، و((صحيح ابن حبان))(7: 269)، و((سنن النسائي الكبرى))(6: 265)، و((سنن البيهقي الكبير))(3: 383)، و((المعجم الكبير))(20: 219)، و((مسند الطيالسي))(1: 126)، وغيرها.
([26]) من ((سنن أبي داود))(1: 16) باختصار.