الأحد، 30 أغسطس 2020

💥أسئلة وأجوبة حول حكم الاضحية ؟

 💥 أحكام عامة في الاضحية

السؤال: ممكن يا شيخنا أن تفصل لنا احكام الاضحية ، وحكم الاشتراك فيها ، وهل يضحى عن الميت منفردا؟ جزاكم الله خيرا

الجواب: الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعـد:

فالأضحية : اسم لما يذبح من بهيمة الأنعام -الغنم والبقر والابل - أيام عيد الأضحى تقرباً إلى الله عز وجل، وهي من شعائر الإسلام المشروعة بكتاب الله تعالى، وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلّم-، وإجماع المسلمين.

 وفضلها عظيم فقد روى الترمذي وابن ماجه عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(( ما عمل ابن آدم يوم النحر أحب إلى الله من إهراق الدم، وإنه ليؤتى يوم القيامة بقرونها وأشعارها وأظلافها، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع بالأرض، فطيبوا بها نفسا)).

 👈وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى أنها سنة مؤكدة، وهو مذهب الائمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد – رحمهم الله تعالى- وهو الراجح والمفتى به.

وذهب الامام أبو حنيفة إلى أنها واجبة على المستطيع، وهي إحدى الروايتين عن الامام أحمد، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وقال في مجموع الفتاوي : (هو أحد القولين في مذهب مالك، أو ظاهر مذهب مالك).

👈ويجب أن تكون الأضحية من بهيمة الأنعام من الإبل والبقر والغنم – ضأن وماعز- لقول الله تعالى: {ليَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ } [الحج: 34] .

وأن تبلغ السن المعتبرة شرعاً، لما رواه الامام مسلم عن جابر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((لا تذبحوا إلا مسّنة، إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن)).

 قال الامام النووي في شرح مسلم [13/114]:( قال العلماء: المُسّنة هي الثنية من كل شيء من الإبل والبقر والغنم فما فوقها وهذا تصريح بأنه لا يجوز الجذع من غير الضأن في حال من الأحوال وهذا مجمع عليه على ما نقله القاضي عياض ( .

 والمسنة: هي الثَّنِيَّة -  إحدى الأسنان الأربع التي مقدَّم الفم ، ثنتان من فوق وثنتان من تحت- أو الثني من الإبل والبقر والغنم، فلا يجزئ من الإبل إلا ما أتم خمس سنين، ولا من البقر إلا ما أتم سنتين، ولا من المعز إلا ما أتم سنة، وأما الضأن فيجزئ منها الجذع، وهو ما أتم ستة أشهر، لما رواه أحمد وابن ماجه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((يجزئ الجذع من الضأن ضحية)). 

👈ويجب أن تكون خالية من العيوب المانعة من الإجزاء وهي أربعة: 

العور البين؛ وهو الذي تنخسف به العين، أو تبرز ، أو تبيض ابيضاضاً يدل دلالة بينة على عورها .

والمرض البين: وهو الذي تظهر أعراضه على البهيمة كالحمى التي تقعدها عن المرعى وتمنع شهيتها، والجرب الظاهر المفسد للحمها أو المؤثر في صحته، والجرح العميق المؤثر عليها في صحتها ونحوه  .

 والعرج البين: وهو الذي يمنع البهيمة من مسايرة السليمة في ممشاها.

والهزال المزيل للمخ: لقول النبي -صلى الله عليه وسلّم- حين سئل ماذا يتقي من الضحايا فأشار بيده وقال: ((أربعاً: العرجاء البين ضلعها، والعوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعجفاء التي لا تنقى))، رواه الامام مالك في الموطأ من حديث البراء بن عازب، وفي رواية في سنن أبي داود عنه -رضي الله عنه- قال: قام فينا رسول الله -صلى الله عليه وسلّم- فقال: (( أربعٌ لا تجوزُ في الأضاحِي: العَوراءُ بيِّن عَوَرُها، والمريضةُ بيِّن مَرَضُها، والعَرجاءُ بين ظَلْعُها، والكَسِيرُ التي لا تُنْقِي)). 

ويضاف اليها العمياء التي لا تبصر بعينيها، والمبشومة حتى تنشط ويزول عنها الخطر، والمتولدة إذا تعسرت ولادتها حتى يزول عنها الخطر، والمصاب بما يميتها من خنق وسقوط من علو ونحوه حتى يزول عنها الخطر، والزمنى وهي العاجزة عن المشي لعاهة، ومقطوعة إحدى اليدين أو الرجلين. 

ويكره التضحية بالعضباء: وهي ما قطع من أذنها أو قرنها النصف فأكثر، والبتراء من الإبل والبقر والمعز وهي التي قطع نصف ذنبها فأكثر، وما قطع من أليته أقل من النصف، فإن قطع النصف فأكثر فقال جمهور أهل العلم: لا تجزىء، فأما مفقودة الألية بأصل الخلقة فلا بأس بها. وما سقط بعض أسنانها ولو كانت الثنايا أو الرباعيات، فإن فقد بأصل الخلقة لم تكره.

👈وتجزىء الأضحية الواحدة من الغنم عن الرجل وأهل بيته من حي وميت، فعن أبي أيوب الانصاري -رضي الله عنه- قال:( كَانَ الرَّجُلُ يُضَحِّي بِالشَّاةِ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، فَيَأْكُلُونَ وَيُطْعِمُونَ حَتَّى تَبَاهَى النَّاسُ، فَصَارَتْ كَمَا تَرَى). قال الامام الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. 

وعن أبي رافع -رضي الله عنه-: (أن النبي -صلى الله عليه وسلّم- كان يضحي بكبشين أحدهما عنه وعن آله، والاخر عن أمته جميعاً) رواه أحمد. 

وقال الامام ابن القيم [2/295]:( وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الشَّاةَ تُجْزِئُ عَنْ الرَّجُلِ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ وَلَوْ كَثُرَ عَدَدُهُمْ ).

 ويجوز أن يشترك سبعة أشخاص سواء كانوا من أهل بيت واحد أو من بيوت متفرقين ، وسواء كان بينهم قرابة أو لا ، في واحدة من البقر أو الإبل ، وقد ثبت اشتراك الصحابة رضي الله عنهم في الهدي ، السبعة في بعير أو بقرة في الحج والعمرة ، لما روى  الامام مسلم عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ -رضي الله عنهما- قَالَ : ( نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ ، وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ  ).

 قال الامام النووي في المجموع: (يجوز أن يشترك سبعة في بدنة أو بقرة للتضحية سواء كانوا كلهم أهل بيت واحد أو متفرقين أو بعضهم يريد اللحم فيجزئ عن المتقرب، وسواء كان أضحية منذورة أو تطوعا). 

👈ويسن لمن أراد أن يضحي الكف عن قص أظافره وحلق شعره حتى يذبح أضحيته، لما في صحيح مسلم عن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظافره))، وفي رواية عنها ((فلا يأخذن شعراً ولا يقلمن ظفراً)).

فإن فعل شيئاً من ذلك فليست عليه فدية، لاسيما إذا كان محتاجاً إلى ذلك لطول أظافره طولاً فاحشاً مثلاً، على أن بعض أهل العلم من حمل النهي عن الأخذ من الأظافر والشعر خلال هذه المدة على الكراهة فقط. 

👈والأصل في الأضحية أنها مشروعة في حق الأحياء كما كان رسول الله -صلى الله عليه وسلّم- وأصحابه يضحون عن أنفسهم وأهليهم .

 وذهب اكثر أهل العلم على جواز الاضحية عن الميت ، وقد نصوا على أن ثوابها يصل إلى الميت وينتفع به قياساً على الصدقة عنه ، وهو المُفتى به.

قال شيخ الاسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوي:( وتجوز الأضحية عن الميت كما يجوز الحج عنه والصدقة عنه) ، واجازه الشافعية اذا اوصى الميت ان يضحى عنه، وكرّه بعض الفقهاء ذلك لأنه لم يرد في السّنة الاضحية للميت استقلالا عن الاحياء. 

👈ويجب أن يضحى بها في الوقت المحدود شرعاً وهو من بعد صلاة العيد يوم النحر إلى غروب الشمس من آخر يوم من أيام التشريق وهو اليوم الثالث عشر من ذي الحجة، فتكون أيام الذبح أربعة: يوم العيد بعد الصلاة، وثلاثة أيام بعده، فمن ذبح قبل فراغ صلاة العيد، أو بعد غروب الشمس يوم الثالث عشر لم تصح أضحيته لما روى البخاري عن البراء بن عازب -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلّم- قال: ((من ذبح قبل الصلاة فإنما هو لحم قدمه لأهله وليس من النسك في شيء)).

 👈ويسن أن يقسمها ثلاثة أقسام : يأكل الثلث ويتصدق بالثلث ويهدي الثلث ، وفيه قول أنه يأكل النصف ، ويتصدق بالنصف،  والله تعالى اعلم.

د. ضياء الدين عبدالله الصالح

💥نقل لحوم الاضاحي خارج البلد

 💥نقل لحوم الاضاحي خارج البلد

السؤال: شيخنا نحن منظمة خيرية اغاثية، هل يجوز لنا أن ننقل اموال الاضاحي من بلدنا وذبحها في بلد اخر اكثر حاجة وتوزيعها على الفقراء والمحتاجين هناك؟ وجزاكم الله خيرا.
الجواب: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:
فقد اتفق الفقهاء على ان الافضل أن تذبح الاضحية في نفس بلد المضحي اظهارا وتعظيما لشعائر الله تعالى، ويستحب أن يذبح بنفسه او يشهد ذلك، لما روى في الصحيحين أن النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : (( ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ فَرَأَيْتُهُ وَاضِعًا قَدَمَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا يُسَمِّي وَيُكَبِّرُ فَذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ )) .
ويجوز أن يستنيب من يقوم مقامه في ذبح أضحيته ، ولو بلا عذر ؛ لما روى جابر – رضي الله عنه- في صحيح مسلم : (( فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بِيَدِهِ، ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا، فَنَحَرَ مَا غَبَرَ)) .
👈وقد اختلف الفقهاء في جواز نقل الاضاحي من بلد لآخر على ثلاثة اقوال:
الاول: يجوز نقلها مع الكراهة ، وهو مذهب الحنفية فيكره عندهم نقلها كالزكاة من بلد إلى بلد ، إلا أن ينقلها إلى قرابته ، أو إلى قوم هم أحوج إليها من أهل بلده ، ولو نقل إلى غيرهم : أجزأه مع الكراهة.
الثاني : لا يجوز نقلها إلى مسافة قصر فأكثر ، إلا أن يكون أهل ذلك الموضع أشد حاجة من أهل محل الوجوب، فيجب نقل الأكثر لهم، وتفرقة الأقل على أهله، وهو مذهب المالكية .
وذهب الشافعية والحنابلة الى جواز نقلها لأقل من مسافة القصر– تقريبا 81 كم-، من البلد الذي فيه المال.
الثالث: الجواز بلا كراهة وهو قول صحيح عند الشافعية .
قال الامام تقي الدين الحصني الشافعي في كفاية الأخيار في حل غاية الإختصار [1/534]: ( مَحل التَّضْحِيَة بلد المضحي، وَفِي نقل الْأُضْحِية وَجْهَان تخريجاً من نقل الزَّكَاة، وَالصَّحِيح هُنَا الْجَوَاز وَالله أعلم).
👍المفتى به:
هو جواز نقل الأضحية من بلد المضحي إلى بلد آخر لمصلحة راجحة متحققة، ولا يوجد مانع شرعاً من إنابة هذه الجمعيات الخيرية في ذبح الأضحية ولو في غير بلد المضحي، وليس في كتاب الله تعالى ولا في سنة رسوله _صلى الله عليه وسلم_ ما يمنع ذلك ، فالأصل في ذلك الجواز ، فإذا كانت الزكاة وهي واجبة بالإجماع يجوز نقلها من بلد إلى بلد للمصلحة والحاجة كما ذهب اليه اكثر الفقهاء، فكيف بالأضحية المستحبة فهي من باب اولى .
وٍمن المعلوم أن احكام الشريعة الاسلامية جاءت لتحقيق مصالح العباد في العاجل والآجل؛ وذلك بجلب المصلحة لهم ودرء المفسدة عنهم في أمور معاشهم ومعادهم، بما يتحقق معه سعادتهم في الدارين.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- في منهاج السنة [1/147]: (إن الشريعة الإسلامية جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها) .
وإن من المصالح المحققة في هذا الباب هو العناية بالمحتاجين والفقراء من المسلمين في كل مكان، ويدخل فيها ذبح الاضاحي في عيد الاضحى المبارك ونقلها اذا اكتفى منها اهل البلد الى بلد آخر اكثر حاجة لوجود الفقر والعوز فيه. والله تعالى اعلم
د. ضياء الدين عبدالله الصالح
محمد الحسيني السامرائي، الشيخ سفر الحمداني و٦٧ شخصًا آخر
٤٤ تعليقًا
٦ مشاركات
أعجبني
تعليق
مشاركة

💥حكم إفراد يوم السبت أو الجمعة بصيام تطوع؟

 💥إفراد يوم السبت أو الجمعة بصيام تطوع

السؤال: شيخنا سيوافق ان شاء الله صيام يوم عاشور هذا العام يوم السبت ، فهل يجوز افراد يوم السبت أو الجمعة بصيام تطوع؟ وما رأي العلماء في ذلك ؟ افتونا مأجورين.
الجواب: الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد:
فقد اختلف العلماء في مسألة افراد يوم السبت بصيام في غير الفرض، وسبب اختلافهم فيما رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه وأحمد عن عبدالله بن بسر عن اخته الصماء بنت بسر- رضي الله عنها- وفيه قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم فإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنب أو عود شجر فليمضغه)) فقد اختلف العلماء في صحة هذا الحديث ، فمن صححه قال إما بالتحريم وإما بالكراهة، ومن ضعفه رأى عدم الكراهة والتحريم. وكذلك اختلفوا في جواز افراد يوم الجمعة بصوم تطوع كما سنبين ذلك.
وقد اختلفوا في هذه المسألة على أربعة اقوال وكما يأتي:
👈القول الاول: يكره إفراد يوم السبت أو الجمعة بالصيام بمفرده، الا ان يصوم قبله يوما أو بعده، وهو مذهب جماهير أهل العلم من الحنفية، والمالكية، والشافعية ، ورواية عن الامام أحمد واخذ بها اكثر اصحابه.
واحتجوا بحديث عبد الله بن بسر عن أخته الصماء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم، وإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنب أو عود شجرة فليمصه)).
قال الامام النووي – رحمه الله تعالى- في المجموع[6/439]: (يكره إفراد يوم السبت بالصوم: فإن صام قبله أو بعده معه لم يكره)، وقال ايضا في المجموع : (قال أصحابنا: يكره إفراد يوم الجمعة بالصوم فان وصله يصوم قبله أو بعده، أو وافق عادة له بأن نذر صوم يوم شفاء مريضه أو قدوم زيد أبدا فوافق الجمعة لم يكره).
وقال الامام ابن قدامة المقدسي -رحمه الله تعالى- في المغني[3/105]: (ويكره إفراد يوم الجمعة بالصوم إلا أن يوافق عادة مثل من يصوم يوماً ويفطر يوماً فيوافق صومه يوم الجمعة أو من عادته صومه أول يوم الشهر أو آخره أو يوم لضعفه ونحو ذلك نص عليه أحمد في رواية الأثرم ،... أما صيام يوم السبت ينفرد به، فقد جاء فيه حديث الصماء، والمكروه إفراده، فإن صام معه غيره لم يكره ولحديث أبي هريرة وجويرية . وإن وافق صوما لإنسان ، لم يكره ).
ويقصد الامام ابن قدامة بحديث أبي هريرة : ما رواه البخاري ومسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : (( لا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلا يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَه )).
وحديث جويرية : هو ما رواه الامام البخاري عَنْ جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهِيَ صَائِمَةٌ ، فَقَالَ : (( أَصُمْتِ أَمْسِ ؟ قَالَتْ : لا . قَالَ : تُرِيدِينَ أَنْ تَصُومِي غَدًا ؟ قَالَتْ : لا . قَالَ : فَأَفْطِرِي)).
فهذا الحديث والذي قبله يدلان دلالة صريحة على جواز صوم يوم السبت في غير رمضان ، لمن صام الجمعة قبله .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- في كتابه اقتضاء الصراط[262 ]: (أن الأحاديث كلها مخالفة لحديث عبد الله بن بسر، منها حديث أم سلمة حين سئلت: ((أي الأيام كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر صياما لها؟ فقالت: ((السبت والأحد)). ومنها: حديث جويرية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها يوم الجمعة: ((أصمت أمس؟)) قالت: لا، قال: ((أتريدين أن تصومي غدًا؟)) فالغد هو يوم السبت).
قال الامام ابن القيم –رحمه الله تعالى- في زاد المعاد[2/75] عن حديث الصماء بنت بسر : (ذكره عنه أبو داود، قال الترمذي: هو حديث حسن. وقال أبو داود: هذا الحديث منسوخ، وقال النسائي: هو حديث مضطرب، وقال جماعة من أهل العلم: لا تعارض بينه وبين حديث أم سلمة، فإن النهي عن صومه إنما هو عن إفراده، وعلى ذلك ترجم أبو داود، فقال: باب النهي أن يخص يوم السبت بالصوم.. ) .
👈القول الثاني: لا يكره إفراد السبت بالصيام مطلقا ، قال به جماعة من أهل العلم منهم: الزهري، والأوزاعي، وأبو داود، ورواية عن الامام مالك والامام أحمد اختارها الأثرم، ورجحه الطحاوي وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، وابن حجر العسقلاني. وحجتهم في ذلك ضعف حديث الصماء بنت بسر المتقدم. ولأنه يوم فأشبه سائر الأيام.
و احتجوا بحديث أم سلمة –رضي الله عنها- قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم يوم السبت والأحد أكثر ما يصوم من الأيام، ويقول: ((إنهما يوما عيد للمشركين فأنا أحب أن أخالفهم)) صحيح رواه النسائي في الكبرى ، والإمام أحمد في المسند، وابن خزيمة في صحيحه ، وابن حبان في صحيحه .
وما رواه كريب مولى ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: أرسلني ابن عباس، وناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أم سلمة أسألها: أي الأيام كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثرها صياما؟ قالت: كان يصوم يوم السبت ويوم الأحد أكثر ما يصوم من الأيام، ويقول: ((إنهما يوما عيد للمشركين، فأنا أحب أن أخالفهم)). رواه البيهقي في السنن الكبرى ، وابن خزيمة في صحيحه ، ، وقال الشيخ الألباني في هامش الكتاب: (إسناده حسن وصححه ابن حبان)، وأحمد في المسند ، والحاكم في المستدرك وذكر أن إسناده صحيح.
وقالوا: ان الأصل الإباحة، ولا دليل صحيح على الكراهة. ولا نهم لا يصومون في عيدهم بل يأكلون ويشربون ،فصيامنا في يوم عيدهم من تمام مخالفتهم.
قال الامام الطحاوي – رحمه الله تعالى- في شرح المعاني[2/80] : (ففي هذه الآثار المروية إباحة صوم يوم السبت، وهي أشهر وأظهر في أيدي العلماء من هذا الحديث الشاذ الذي قد خالفها –يقصد حديث الصماء-)
قال الحافظ ابن حجر –رحمه الله تعالى- في فتح الباري[10/362] في معرض حديثه عن مخالفة أهل الكتاب: (والذي قاله بعضهم من كراهة إفراد السبت وكذا الأحد ليس جيداً، بل الأولى من المحافظة على ذلك يوم الجمعة كما ورد الحديث الصحيح فيه.. وأما السبت والأحد فالأولى أن يصاما معاً وفرادى امتثالاً لعموم الأمر بمخالفة أهل الكتاب).
👈القول الثالث: يجوز افراد السبت أو الجمعة بصيام تطوع اذا كان بسبب ، وكراهة ذلك من غير مناسبة خاصة .
والسبب هو: اذا وافق يوماً يعتاده، كمن يصوم يوماً ويفطر يوما، أو وافق يوم عرفة، أو عاشوراء فلا كراهة، وكذا إن وجد سبب آخر كمن نذر أن يصوم يوماً يقدم فيه غائبه أو يشفى فيه مريضه، فوافق يوم السبت مثلا فإن له صومه.
لما ثبت في الصحيحين من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص – رضي الله عنهما- أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : (( أَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ كان َيَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا)).
وقالوا: لا بد أن يوافق السبت منفرداً في بعض صومه ، فيؤخذ منه أنه إذا وافق صوم السبت عادةً له كيوم عرفة أو عاشوراء ، فلا بأس بصومه ، ولو كان منفرداً
وحديث أبي هريرة – رضي الله عنه-في النهي عن إفراد يوم الجمعة بصيام ، قوله عليه الصلاة والسلام : ((لا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام ، إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم)) ،متفق عليه وهذا لفظ مسلم ، كما ورد مثل هذا الاستثناء في حديث النهي عن تقدم رمضان بيوم أو يومين ، فقال عليه الصلاة والسلام :(( إلا أن يكون رجل كان يصوم صومه فليصم ذلك اليوم)) متفق عليه .
وقد ذكر الحافظ ابن حجر-رحمه الله تعالى- في الفتح: ( أنه يستثنى من النهي عن صوم يوم الجمعة من له عادة بصوم يوم معين ، كعرفة ، فوافق الجمعة ، فمثله يوم السبت).
قال الإمام شمس الدين الرملي الشافعي - رحمه الله تعالى- في نهاية المحتاج[3/199] : (يكره إفراد السبت بالصوم... ومحله إذا لم يوافق إفراد كل يوم من الأيام الثلاثة عادة له، وإلا: كأن كان يصوم يوما ويفطر يوما، أو يصوم عاشوراء، أو عرفة، فوافق يوم صومه: فلا كراهة، كما في صوم يوم الشك. ذكره في المجموع, وهو ظاهر، وإن أفتى ابن عبد السلام بخلافه. ولا يكره إفرادها بنذر، وكفارة، وقضاء، وخرج بإفراد ما لو صام أحدهما مع يوم قبله أو يوم بعده فلا كراهة لانتفاء العلة) .
قال الشيخ العلامة محمد صالح ابن عثيمين -رحمه الله تعالى- في مجموع الفتاوي والرسائل: (وليعلم أن صيام يوم السبت له أحوال :
الحال الأولى : أن يكون في فرضٍ كرمضان أداء ، أو قضاءٍ ، وكصيام الكفارة ، وبدل هدي التمتع ، ونحو ذلك ، فهذا لا بأس به ما لم يخصه بذلك معتقدا أن له مزية .
الحال الثانية : أن يصوم قبله يوم الجمعة فلا بأس به ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لإحدى أمهات المؤمنين وقد صامت يوم الجمعة : (( أصمت أمس ؟ قالت : لا ، قال : أتصومين غدا ؟ قالت : لا ، قال : فأفطري ) . فقوله : ((أتصومين غدا ؟ )) يدل على جواز صومه مع الجمعة .
الحال الثالثة : أن يصادف صيام أيام مشروعة كأيام البيض ويوم عرفة ، ويوم عاشوراء ، وستة أيام من شوال لمن صام رمضان ، وتسع ذي الحجة فلا بأس ، لأنه لم يصمه لأنه يوم السبت ، بل لأنه من الأيام التي يشرع صومها .
الحال الرابعة : أن يصادف عادة كعادة من يصوم يوما ويفطر يوما فيصادف يوم صومه يوم السبت فلا بأس به ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لما نهى عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين : ( إلا رجلاً كان يصوم صوماً فليصمه ) ، وهذا مثله .
الحال الخامسة : أن يخصه بصوم تطوع فيفرده بالصوم ، فهذا محل النهي إن صح الحديث في النهي عنه ).
👈القول الرابع: تحريم افراد يوم الجمعة أو السبت بصيام لغير الفرض، لحديث الذي سبق عن الصمّاء رضي الله تعالى عنها ، وذلك لأن اليهود يعظمون يوم السبت، وقد أمرنا بمخالفة أهل الكتاب.
👍المفتى به:
هو ما ذهب اليه اصحاب القول الثالث القائل بجواز افراد السبت أو الجمعة بصيام تطوع بلا كراهة ،اذا كان بسبب أو مناسبة ، وكراهة ذلك من غير مناسبة خاصة ، بان يوافق يوماً يعتاده، مثل ان يصوم يوماً ويفطر يوما، أو وافق يوم عرفة، أو عاشوراء ، فيصومه بنيّة عاشوراء أو عرفة وليس بنيّة أنه يوم الجمعة أو السبت، وكذا إن وجد سبب آخر كمن نذر أن يصوم يوماً يقدم فيه غائبه أو يشفى فيه مريضه، فوافق يوم السبت مثلا أو جمعة فإن له صومه.
لقوة ما استدلوا به من أحاديث ، وكذلك أحاديث مشروعية افراد صيام السبت أو الجمعة لسبب أو مناسبة أَخَص من حديث النهي مطلقًا لمن صححه، وهي أكثر من جهة العدد وأصح من جهة الإسناد .
وقد ورد الاستثناء في الرخصة في صيام مثل هذه الأيام ، التي ثبت النهي عن تخصيصها بالصيام بأحاديث في غاية الصحة مثل افراد يوم الجمعة بصيام ، فكيف بصيام السبت ، وحديثه معارض بمثله ، وهو حديث أم سلمة ، ومعارض بأحاديث الجمعة المتفق على صحتها. إضافة إلى أن حديث عبد الله بن بسر عن اخته الصماء – رضي الله عنهما- في النهي عن إفراد يوم السبت مختلف في تصحيحه وتضعيفه بين الائمة.
ولكن من المهم التأكيد على وجاهة ما ذهب اليه اصحاب القول الاول من كراهة إفراد يوم السبت أو الجمعة بالصيام بمفرده، الا ان يصوم قبله يوما أو بعده، وهو مذهب جماهير العلماء ، والاخذ به من باب الاحتياط وخروجا من الخلاف .
ولاسيما صيام يوم عاشوراء فيستحب أن يصوم يوما قبله او بعده ، لما روى عبدالله بن عباس-رضي الله عنهما- قال : حين صام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا: يا رسول الله إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع – أي مع العاشر-» قال: فلم يأت العام المقبل، حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه مسلم .
💎وكذلك يجب التنبيه على احترام أقوال بقية العلماء وتقديرها وعدم التنازع والشحناء مع من يتبنون اقوال مخالفة لما ذهبت اليه من الاقوال ، لأنه كلاً يؤخذ منه ويرد عليه إلا رسول الله -عليه الصلاة والسلام- .
ويجب أن نعلم أن هذا الاختلاف ليس بجديد ، بل وقع في عصر الصحابة –رضي الله عنهم- أيضا كما ذكرنا في حديث كريب المتقدم، عندما أرسله ابن عباس وبعض الصحابة إلى أم سلمة -رضي الله تعالى عنها- ليسألها عن الأيام التي كان يصومها النبيّ عليه الصلاة والسلام، فيجب علينا الاقتداء بسلفنا الصالح في مسائل الاختلاف، فإذا اختلفوا في أمر ردوه إلى الله ورسوله عليه أفضل الصلاة والسلام، مع احترامهم لقول من يخالفهم . والله تعالى أعلم
✍️د. ضياء الدين عبدالله الصالح

💥الرد على شبهة غار ثور:

الجمعة، 28 أغسطس 2020

هل التسمية بالسلفية ( بدعة ) ؟!

 إشكالية النسبة وبدعية اللقب:

جاء رجل إلى الإمام مالك فقال: يا أبا عبد الله أسألك عن مسالة أجعلك حجة بيني وبين الله عز وجل، قال مالك: "ما شاء الله، لا قوة إلا بالله، سل. قال: مَن أهل السنة؟. قال: أهل السنة الذين ليس لهم لقب يعرفون به".
(1) لقد حارب "السلفيون" اللافتات والألقاب التي يرفعها العاملون للإسلام، خاصة تلك التي تقتضي تحزباً وتكتلاً، وذلك لآثارها السلبية والخطيرة والتي أهمَها شق صف الأمَة، والتميز عنها بحيث تصبح اللافتات مقاييس اللقاء والمفارقة، وميزان التقوى وصحة الإسلام، وهذا ـ طبعا ـ بعد التأكيد على بدعتها، فالله سبحانه لم ينزل بها سلطانا. هكذا سمعنا كبار "السلفيين" يرددون ليل نهار، حتى لقد كانت هذه القاعدة من أهم معالم المدرسة السلفية.
(2) وبعد، أن اقتنع كثير من المسلمين بهذه القاعدة، واصبحوا يمقتون الحزبية والتفرق، والتميز عن المسلمين، وشق صفهم بالألقاب واللافتات، بعد كل هذا، إذ بدعاة الأمس، ومحاربي تلك البدعة من أكثر الناس وقوعا فيها، ومن اًكثر الدعاة التزاما بمعايير تفصلهم عن المسلمين.
لقد أصبحت "السلفية" لافتة، إن لم يكن بلسان المقال، فبلسان الحال، وإن لم يكن تصريحا فواقع التصرفات يُصرًح بذلك، وأي شئ تنفع بعد ذلك الدعاوى التي تنص على أن "السلفية" ليست حزبا، وأن "السلفيين" ليسوا متكتلين، إذا كان السلوك سلوكا حزبياً. أليس التقيد بالمصطلحات في مثل هذه الحالات سذاجة وسطحية!
إنَ هذا الوضع يتطلب منا أن نُبين الموقف من هذه الظاهرة التي تشكل خطراً على الدعوة إلى منهج أهل السنة. وكلامنا في هذا المبحث على مستويين، الأول: بدعية اللقب. والثاني: أنه مع افتراض شرعيته، فإن نتائجه تلزمنا بعدم استخدامه.
(3) لسنا "السلفيين" ولكننا المسلمون:
هكذا كانت البداية، وهكذا يجب أن تظل، وإذا كان ابتداء هذا اللقب من الآخرين، فلا ينبغي أن نفقد مناعتنا وننساق وراءه فنسمي أنفسنا به.
إن الاسم الذي ارتضى لنا رب العزةِ الانتساب إليه هو الإسلام، قال تعالى: (وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج، ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل) الآية (الحج: 78) وهذا الاسم هو الذي أراده لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع التحذير من غيره، فقال صلى الله عليه وسلم: "من دعا بدعوة الجاهلية، فهو من جُثا جهنم، وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم، فادعوا بدعوة الله التي سماكم بها: المسلمين عباد الله"[1].
ولقد سأل معاويةُ ابن عباس رضي الله عنهم فقال: أنت على ملة عثمان أو على ملة علي؟ فقال: لستُ على ملة علي، ولا ملة عثمان، بل أنا على ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم".
(4) لسنا "السلفيين" ولكننا على منهج السلف:
كما علمتَ فإن الأصل الانتساب إلى الإسلام، والتمسك بالسنة. هذا هو الأصل، ومن كان على الأصل فلا يحتاج لإضافات أخرى. لكن عندما وقعت الفتنة، ورفعت البدعة ُ رأسها وانتَسبت، اضطر أهل السنة إلى الانصياع لأمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم من التزام النهج الصحيح، فأعلنوا تمسكهم بمنهج السلف: أهل القرون الأولى (القرن هنا الجيل وليس مائة عام) في التلقي، فصاروا يعرفون بأهل السنة، وصاروا ينتسبون إلى منهج السلف، ولم يزيدوا على هذا. أما الذي يدعي بأن الانتساب إلى الإسلام، والتسمي بالسنة لا يكفي، لأن الكل ينتمي إلى الإسلام، والكل يقول: أنا على السنة. فنرد عليه:
أولا: نرفض "عند الحاجة" فنقول: نحن أهل السنة المقتفون لمنهج السلف. وثانيا نقول: أرأيت لو قال البعض ـ وقد قيل ـ: ونحن "سلفيون أيضا، وعلى منهج السلف، فهل عليك عندها أن تضيف قيدا آخر. فإن قال: الخضوع في مثل هذه الحالة للدليل، وليس للدعوى. فنقول: وهذا ما نريده، فالرجوع في تحديد موقف الناس من الكتاب والسنة إلى الدليل، وليس ادعاؤك "السلفية" بمُعفيكَ من طلب الدليل، ولا تجرد غيرك من الدعوى بمخصصه بالسؤال عن الدليل.
(5) سلفية: شرعة ومنهاجاً، لا في الفروع والفتاوى:
من أساليبنا نحن العرب في التعبير، التعميمُ والقطع بمناسبة وبدون مناسبة، وهو أسلوب نغطي به عجزنا عن التتبع والفصل بين الأشباه والنظائر، أي أنه أسلوب يُربحنا.
وهو أسلوب ينفعنا حيث نركَنُ إليه لقمع الآخر ولجمهم عن مناقشتنا أو التثبت مما نقول، فتجدنا نُكثر من مثل هذه الألفاظ: هذا هو الحقَ، أو كل ما عدا هذا باطل، أو أتحدى، أو أجمع علماء([2])الأمة... وبالطبع فإنَ الآخر عندما يسمع مثل هذه الألفاظ يصاب بالرعب.. ويلجأ إلى الصمت طلبا للسلامة من مخالفة "الحق" أو الوقوع في "الباطل" أو ثقب "الإجماع".
ومن هذه الألفاظ التي غدت سلاحا نُخرِس به الخصوم: ادعاؤنا بأننا "السلفيون"، وأن كلَ ما نقوله ونفعله: على منهج السلف، وهي عبارات يفهم منها "السلفية" قبل غيره أن أيً اختيار يَتعبد به فهو ـ وحده ـ موافق لمنهج السلف، وما عداه مخالف لمنهجهم.
وهذا فهم خاطئ، فالمسلم مُتبع لمنهج السلف في طرق الفهم، وأصول الأدلة وترتيبها، وليس في الفروع الفقهية.ولذلك فإنه لا يحق لأحد أن يدعيَ أن فتواه هي الفتوى السلفية، وأن ما عداها فَخَلفِيه وليس له أن يوالي أو يعادي على أساس هذه الفتوى، وليس له إقامة ركن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بهذه الفتوى، وليس له أن يجعل فتواه من أصول فكرته، وأولويات دعوته، التي لن يَصلحَ حالُ المسلمين إلا بالتمسك بها، وليس له ـ أخيرا ـ أن يدعيَ بان هذا ما كان عليه السلف إلا أن يجيءَ بإجماع مُثبت، وهيهات.. هيهات، وأنى له أن يأتي بالإجماع على كل المسائل، عِلما بأنه لا إجماع إلا في عصر الصحابة وفي مسائل محدودة.
(6) بدعية اللقب:
إذن فنحن مسلمون، وإن طلِب منا عرض منهجنا، فإننا نعرضه بالأدلة من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة، مستعينين باجتهادات واختيارات السلف من الأجيال الثلاثة الأولى. والسلف غير "السلفية" والانتساب إليها. والمسلمون ليسوا "السلفيين".
قال ابن تيمية رحمه الله: "والواجب على المسلم إذا سئل عن ذلك أن يقول: لا أنا شُكيلي، ولا قرفندي، بل أنا مسلم مُتبع لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم".
وقال رحمه الله: "والله تعالى قد سمانا في القرآنِ المسلمين المؤمنين عبادَ الله، فلا نعدل عن الأسماء التي سمانا بها إلى أسماء أحدثها قوم وسموها هم وآباؤهم ما أنزل الله بها من سلطان".
(7) أما المستوى الثاني:
فلنفترض شرعية التلقب بهذا اللقب، فإن حال من ينتسب إليه يقتضي تركه ونبذه لوقوعه في البدعة. والبدعة في هذا المستوى تظهر فيما يلي:
(أ) أنَ هذا الاسم أصبح لافتة تنضوي تحتها مجموعة معينة، تتخذ من بعض الاختيارات الفقهية ـ وليس المنهج ـ شعارا عليها.
(ب) امتحان المسلمين بهذه الاختيارات، وجعل اللقب معيارا للولاء والبراء، والحب والبغض.
قال ابن عبد البر رحمه الله: "لا يجوز لأحد أن يمتحن الناس بها([3]) ولا يوالي بهذه الأسماء، ولا يعادي عليها، بل أكرم الخلق عند الله أتقاهم"([4]).
وقال ابن تيمية رحمه الله: "وليس لأحد أن يعلق الحمد والذم والحب والبعض. والموالاة والمعاداة واللعن بغير الأسماء التي علق الله بها ذلك: مثل أسماء القبائل، والمدائن، والمذاهب، والطرائق المضافة اٍلى الأئمة والمشايخ، ونحو ذلك مما يُراد به التعريف.... فمن كان مؤمنا وجبت موالاته من أي صنف كان، ومن كان كافراً وجبت معاداته من أي صِنف كان" ([5]).
(ج) أصبح هذا اللقب من عوامل تفريق الأمة، داعيا إلى التعصب له، ولاختيارات علمائه، بدلاً من أن يكون ـ كما أريد له ابتداء ـ سببا في تجميع الأمة، ودافعا إلى الإلتزام بالسنًة وطريقة السلف!
إن الله سبحانه هو الذي سمى المهاجرين "مهاجرين" وهو عزَ وجل الذي سمى الأنصارَ "أنصاراً"، يعني أنهما لقبان شرعيان، ومع ذلك فانهما عندما استخدما في معرض العصبية، والتحيز لفريق ضد فريق آخر، صار استخدامهما ممقوتا، فقد أخرج الشيخان عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما- أنه: "اقتتل غلامان غلام من المهاجرين، وغلام من الأنصار، فنادى المهاجرين: يا للمهاجرين، ونادى الأنصار: يا للأنصار، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما هذا؟ أدعوى الجاهلية،... الحديث".
قال ابن تيميه رحمه الله: (فهاهنا الاسمان "المهاجرون" و"الأنصار" اسمان شرعيان، جاء بهما الكتاب والسنة، وسماهما الله بهما، كما سمانا المسلمين من قبل... وانتساب الرجل إلى المهاجرين والأنصار انتساب حسن محمود عند الله وعند رسوله، ليس من المباح الذي به التعريف فقط، كالانتساب إلى القبائل والأنصار ولا من المكروه أو المحرم، كالانتساب إلى ما يفضي إلى بدعة أو معصية أخرى. ثم مع هذا لما دعا كل واحد منهما طائفته منتصرا بها أنكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، وسماها "دعوى الجاهلية").
أقول: هذا في الاسم الشرعي الحسن المحمود، فماذا تقول في الاسم الذي يفضي الانتساب إليه إلى بدعة أو معصية، كما هو الحال في الانتساب إلى "السلفية".
(8) تنبيه لا بد منه:
سنعمد في المبحث اللاحق إلى اطلاع "السلفيين" على ما يجري حولهم، وكان مناسبا أن نأتي بالملاحظة التالية في ذلك المبحث. لكن لا بأس من ذكرها هنا لعلاقتها بموضوع المبحث، فهي من جهة علاقة "السلفيين" بالحياة تناسب المبحث اللاحق، ومن جهة علاقتها بإشكالية النسبة، تناسب هذا المبحث، فلا مانع من ذكرها في المبحثين.
ليكن معلوما أن مصطلح "السلفية" يستخدم من قِبل جهتين، كل جهة تقصد من إطلاقه قوما معنيين.
إما الجهة الأولى: فهي العاملين للإسلام، فإنهم يطلقون "السلفية" ويريدون بها تحديداً: تلك المدرسة الإسلامية التي تتًبع منهجا معينا تدعو إليه المسلمين، يعني أن مقصود هذه الجهة هم "السلفيون" الذين نتكلم عنهم.
وأما الجهة الثانية: فهم الآخرون، ممن هم خارج الدائرة الإسلامية العاملة للإسلام. من علمانيين، ومثقفين! ومستشرقين، ويسار إسلامي! وغيرهم من القائمة القاتمة.
وهؤلاء يطلقون "السلفية" ويقيسون بها كلً الدعاةِ إلى الإسلام، لأنهم يتمسكون بالماضي ويسعون إلى إحيائه، فمدلولُ المصطلح عندهم غير مدلوله عندنا، وهم يستخدمونه، ويستخدمون معه ـ كمرادف ـ أكثر من لقب مثل: الأصولية، الماضوية، المتطرفين.... إن إدراك هذا الفرق ليس ترفا فكريا، بل إنه على درجة، كبيرة من الأهمية، ليعرف حجم أفكاره ومدى تأثيرها في الواقع، وموقف الجاهلية منها.
فإذا عرفت هذا، فلك أن تعجب من كلام الشيخ محمد شقرة في رسالته "لا دفاعا عن السلفية لا، بل دفاعا عنها" في معرض رده على من يتهم "السلفيين" بأنهم خطر يتهدد أنظمة الحكم ويستهدف رؤوس الحكام، حيث يقول الشيخ: (أما عن التهمة الثانية، فهي التهمة التي يدندن حولها أعداء الإسلام هذه الأيام! وفي مقدمتهم اليهود إذ تناقلت وكالات الأنباء - منذ فترة - قول واحد منهم وهو (بيريز): "إن السلفية ليست خطرا على إسرائيل وحدها بل على كل أنظمة الحكم"، وقد عرفت - عزيزي القارئ - على ضَوءِ التفريق السابق أن (بيريز) يقصد من كلامه المسلمين الداعين إلى إعادة تحكيم الشرع في الأرض.
لقد نبهت إلى هذا الخطأ، حتى لا يظن "السلفيون" بأنهم يُقلقُون (بيريز) أو أنَ أعداء الإسلام المراقبين لحركته، باتوا يخشون من حركة تصحيح الأحاديث!! ومن حركةِ الدعوةِ إلى زي معين!! ومن جهود "تجار الورق" بإحياء كتيًباتٍ من مثل "القذْاذة في تحقيق محل الاستعاذة"، أو من مئات الكتب التي تتكلم عن الجنة والنار! فمثل هذه الكتيبات لا شك أنها أقلقت الدوائر الاستعمارية والصهيونية! كيف لا وهي تهدد وجودها.
وكم ذا بعمان من المضحكات *** ولكـــنه ضـحك كالبكاء.
واُذكًر بقاعدة مهمة، ذات علاقة وشيجة بهذه النقطة، وهي أن رفض الجاهلية لأفكارنا يدل على مدى تأثير أفكارنا عليها.. هذا وإن "السلفية" التي يقصدها (بيربز) هي "السلفية" التي هاجمها الأستاذ محمد شقرة في رسالته المشار إليها آنفا، وسمى حملتها، جماعات الغلو، لأنها تذكَره "بالطوائف المارقة من الإسلام، التي لا زالت دماء فتنتها تفوح حتى يومنا هذا"، هكذا وصف الأستاذ أتباع منهج السلف المدافعين عن شرع الله بما أداهم إليه اجتهادهم.
([1]) رواه الإمام أحمد 4/130/205، والترمذي كتاب الأمثال باب ما جاء في مثل الصلاة والصيام والصدقة، وقال :حديث حسن صحيح غريب . والجثاء جمع جثوة بالضم وهو الشيء المجموع.
([2]) وعندما تبحث لا تجد جمهوراً فضلاً عن أن تجد إجماعا
([3]) أي النسبة إلى المذاهب.
([4]) الانتقاء صفحة (35).
([5]) الفتاوى: جزء 28/ ص 227-228.