الاثنين، 19 نوفمبر 2018

الأدلة الشرعية وبعض الآثار تدل على مشروعية قراءة القرآن على أموات المسلمين

بسم الله الرحمن الرحيم 
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام عل سيدنا محمد الصادق الأمين وعلى آله وأصحابه أجمعين
نتيجة بحث الصور عن قراءة القران عند القبر
أما بعد: فيا أحبابي تأملوا في ما يلي:
روى الإمام الطبراني في (المعجم الكبير)، ووالإمام البيهقي في(شعب الإيمان)، وأبوبكر الخلال في(القراءة عندالقبور) ([1])

حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بن إِسْحَاقَ التُّسْتَرِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بن بَحْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا مُبَشِّرُ بن إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بن الْعَلاءِ بن اللَّجْلاجِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ لِي أَبِي:"يَا بنيَّ، إِذَا أَنَا مُتُّ فَأَلْحِدْنِي، فَإِذَا وَضَعْتَنِي فِي لَحْدِي، فَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، ثُمَّ سِنَّ عَلَيَّ الثَّرَى سِنًّا، ثُمَّ اقْرَأْ عِنْدَ رَأْسِي بِفَاتِحَةِ الْبَقَرَةِ، وَخَاتِمَتِهَا، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ ذَلِكَ". ([2])
قا ل نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي في(مجمع الزوائد ومنبع الفوائد) : رواه الطبراني في الكبير ورجاله موثقون. ([3])
واعتمد على هذا الحديث كالدليل على القراءة للأموات الشيخ جلال الدين السيوطي في (الدر المنثور)، وكذا أبو محمد الحنفي الزيلعي في(نصب الراية لأحاديث الهداية)، و إبن حجرالعسقلاني في(تلخيص الحبير في أحاديث الرافعي الكبير)، وإبن عساكر في(تأريخ دمشق).
و ذكره أيضا كالدليل على مارأه كلٌ من عبد الرؤوف المناوي في (فيض القدير شرح الجامع الصغير)، و (محمد علي محمد الشوكاني الذي يعتمد على قوله الوهابية) في (نيل الأوطار) في موضعين وغيرهم.
*و وردت أيضا رواية أخرى عن إبن عمر رضي الله عنهما في هذه المسألة
كما رواها الطبراني في(المعجم الكبير)13613،والبيهقي في (شعب الإيمان)8986
حدَّثَنَا أَبُو شُعَيْبٍ الْحَرَّانِيُّ , حَدَّثَنَا يَحْيَى بن عَبْدِ اللَّهِ الْبَابْلُتِّيُّ , حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بن نَهِيكٍ , قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءَ بن أَبِي رَبَاحٍ , يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ , يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , يَقُولُ:إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ فَلا تَحْبِسُوهُ , وَأَسْرِعُوا بِهِ إِلَى قَبْرِهِ , وَلْيُقْرَأْ عِنْدَ رَأْسِهِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ , وَعِنْدَ رِجْلَيْهِ بِخَاتِمَةِ الْبَقَرَةِ فِي قَبْرِهِ . ([4])
في هذا الحديث بعض العلماء يقول:إنه ضعيف ، وبعض آخريقول: موقوف على ابن عمر.
ولكن إبن حجرالعسقلاني في الفتح يقول :أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَادٍ حَسَن. ([5])
زومعلوم أن إبن حجر العسقلاني ثقة حتى عند الوهابية.
*واعتمد على الحديث كالدليل هؤلاء الإمام السيوطي في (الدر المنثور).
و(الشوكاني) في (فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير) ([6]) وفي(نيل الأوطار) ([7]).
و محمد بن إسماعيل الصنعاني في (سبل السلام) ([8])
*وأيضا اللجنة الدائمة الفقهيه في السعودية التي تشكلت من :كبائر السلفيين(بكر أبو زيد ، صالح الفوزان ، عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ، عبد العزيز بن عبد الله بن باز رئيس اللجنة) تعتبر هذا الحديث حسنا، واستدلت به فى إحدى الفتاوى. ([9])

*قال الإمام الكبير أحمد بن حنبل:( إذا دخلتم المقابر فاقرأوا بفاتحة الكتاب والمعوذتين وقل هو الله أحد واجعلوا ذلك لأهل المقابر فإنه يصل إليهم. ([10])
وفي رواية أخرى قال:(إذا دخلتم المقابر اقرأوا آية الكرسي وثلاث مرار قل هو الله أحد ثم قلوا اللهم ان فضله لاهل المقابر) ([11])

ونقل هذا عن الإمام أحمد كلٌ من أبي بكر بن الخلال الحنبلي في(القراءة عندالقبور)وابن حجرالعسقلاني في( الإمتاع بالأربعين المتباينة السماع)، و إبن قدامة في(المغني) و(الشرح الكبير). ([12])
إ
*وأيضا إبن تيمية (الذي تعتبره الوهابية كأول مؤسس لعقيدتهم العجيبة) في (اقتضاء الصراط المستقيم و(فتاواه):
أشار إلى أن أصح الأقوال وآخرها للإمام أحمد بن حنبل -رحمة الله- على ثواب القراءة يصل إلى الأموات. ([13])

*وأيضا جمهورعلماء المذاهب الأربعة(الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية) على وصول
ثواب القراءة للأموات . كما ورد في إحدى فتاوى الأزهر الشريف ([14]) .

*تنبيه:بعض من هذا العصر يقول إن الإمام الشافعى -رحمة الله- على أن ثواب القراءة لايصل إلى الأموات ، لأنه قال : ذللك في (الأم).
ولكن هذا الكلام باطل لسببين:
1- قال القاضي زكريا الأنصاري في فتح الوهاب::"فقال النووي في شرح مسلم المشهور من مذهب الشافعي أنه لا يصل ثوابها إلى الميت وقال بعض أصحابنا يصل وذهب جماعات من العلماء إلى أنه يصل إليه ثواب جميع العبادات من صلاة وصوم وقراءة وغيرها"
ثم قال بعد مانقله من النووي رحمه:" وما قاله من مشهور المذهب محمول على ما إذا قرأ لا بحضرة الميت ولم ينو ثواب قراءته له أو نواه ولم يدع بل قال السبكي "الذي دل عليه الخبر بالاستنباط أن بعض القرآن إذا قصد به نفع الميت نفعه وبين ذلك وقد ذكرته في شرح الروض. ([15])
2- وقال ابن حجر العسقلاني في(الإمتاع بالأربعين المتباينة السماع) :وروى أيضا عن الزعفراني قال سألت الشافعي رضي الله عنه القراءة عند القبر فقال لا بأس به // حسن //
ثم قال الحافظ : وهذا نص غريب عن الشافعي والزعفراني من رواة القديم وهو ثقة وإذا لم يرد في الجديد ما يخالف منصوص القديم فهو معمول به ولكن يلزم من ذلك أن يكون الشافعي قائلا بوصول ثواب القرآن لأن القرآن أشرف الذكر والذكر يحتمل به بركة للمكان الذي يقع فيه وتعم تلك البركة سكان المكان وأصل ذلك وضع الجريدتين في القبر بناء على أن فائدتهما أنهما ما دامتا رطبتين تسبحان فتحصل البركة بتسبيحهما لصاحب القبر ولهذا جعل غاية التخفيف جفافهما وهذا على بعض التأويلات في ذلك وإذا حصلت البركة بتسبيح الجمادات فبالقرآن الذي هو أشرف الذكر من الآدمي الذي هو أشرف الحيوان أولى بحصول البركة بقراءته ولا سيما إن كان القارئ رجلا صالحا والله أعلم. ([16])

ويكفي لمعرفة رأي الإمام الشافعي حول هذا الموضوع قول الحافظ النووي في رياض
الصالحين في باب الدعاء للميت بعد دفنه والقعود عند قبره ساعة بعد دفنه للدعاء له والاستغفار والقراءة ما نصه :"قال الشافعي رحمه الله: ويستحب أن يقرأ عنده شئ من القرءان وإن ختموا القرءان عنده كان حسنًا". و كتاب (رياض الصالحين) بحمد الله موجود و مطبوع وشائع بيننا، ونستطيع أن نطلع عليه بأسهل طريق، فلماذا لانفهم بعد؟؟ !! .
وفي الأخير ننقل لكم فوائد مفيدة قد تكون كافية و شافية في هذا الموضوع ، وهذه الفوائد نصوص من رسالة (القول بالإحسان العميم في انتفاع الميت بالقراءن العظيم) وهي رسالة مخطوطة محفوظة في مكتبة الأزهر، اطلعنا عليها من خلال موقع ملتقى أهل الحديث. ([17])
ونقول: قد سُئِلَ شمس الدين العسقلاني الكناني الشافعي المعروف بإبن القطان ([18]) ــــ ( وهو أحد من مشايخ الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمهما الله ) ـــــ وهل يصل ثواب القراءة للميت أم لا؟.
فأجاب عنها في رسالة سماها (القول بالإحسان العميم في انتفاع الميت بالقراءن العظيم) بجواب شاف كاف ونركز معكم على بعض من أقواله :

1-قال رحمه الله في بداية جوابه: " وقال كثيرون من الشافعية والمالكية والحنفية: تصل، وبه قال الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه بعد أن قال: القرآنُ على القبر بدعة، بل نقل عن الإمام أحمد رضي الله عنه يصل إلى الميت كلّ شيء من صدقة، وصلاة، وصوم، وحجّ، واعتكاف، وقراءة، وذكر وغير ذلك. ونقل عن جماعة من السلف، ونقل عن الشافعي رضي الله عنه انتفاع الميت بالقرآن على قبره، وسيأتي في قراءة الشافعي رضي الله عنه عند قبر الليث رضي الله عنه ما يدلّ عليه، واختار شيخنا شهاب الدين عقيل رضي الله عنه وصول ثواب القراءة للميت، وكُنَّا نزور معه جماعة موتى من الصالحين بالقراءة، منهم: الصحابي عقبة بن عامر، وسيدي إسماعيل المزني، والقاضي بَكَّار، والإمام الشافعي، وسيدي أبو العباس الحرار، وسيدي الليث بن سعد رضي الله عنه. واشتهر أو تواتر أن الشافعي رضي الله عنه أثنى عليه خيراً متزايداً، وذكر أنه كان أفقه من غيره ممَّن هو من أكابر السادات العلماء رضي الله عنه، ولكن أضاعوه أصحابه، وقرأ عنده ختمة، وقال أرجو أن تدومَ القراءة عنده كذلك دائماً لا تنقطع ويمضي لهم ليلة عظيمة، وربما اجتمع عنده عشرون جوقة أو أكثر من أكابر السادة والقراء والمشايخ والصالحين تقبل الله منهم، وأثابهم. ووصول ثواب القرآن إلى الميت قريباً أو أجنبياً هو الصحيح، كما تنفعه الصدقة والدعاء والاستغفار بالإجماع. وقد أفتى القاضي حسين بأن الاستئجارَ للقراءة على رأس القبر جائز كالاستئجار للأذان وتعليم القرآن".

2- ثم قال ابن القطان رحمه الله بعد سطور :" قال النووي رضي الله عنه في ((زيادات الروضة)): ظاهر كلام القاضي حسين رضي الله عنه صحّة الإجارة مطلقاً، وهو المختار، فإن موضع القراءة موضع بركة، وتنزل الرحمة، وهذا مقصودٌ بنفع الميت. وقال الرافعي رضي الله عنه وتبعه النووي رضي الله عنه في ((كتاب الوصية)): الذي يعتاد من قراءة القرآن على رأس القبر قد ذكرنا في باب الإجارة طريقين في عود فائدتها إلى الميت، وعن القاضي أبي الطيب رضي الله عنه طريق ثالث: وهو أن الميت كالحيِّ الحاضر فترجى له الرحمة ووصول البركة إذا أهدي الثواب إليّ اليّ القارئ. وعبارة ((الروضة)): إذا وصل الثواب إلى القارئ. انتهى. وعن القاضي أبي الطيب رضي الله عنه: الثواب للقارئ والميت كالحاضر، فترجى له الرحمة والبركة.

3- ثم يقول ابن القطان رحمه الله في مكان آخر :" قال القرطبي: وقد استدلّ بعض علمائنا؛ على قراءة القرآن على القبر بحديث: ((العسيب الرطب الذي شقّه النبي صلى الله عليه وسلم باثنين، ثم غرس على قبر نصفاً، وعلى قبر نصفاً، وقال: لعلَّه يخفف عنهما ما لم ييبس))([19])، أخرجه البُخاري ومسلم. قال: وفي (مسند أبي داود الطيالسي)): ((فوضع على أحدهما نصفاً، وعلى الآخر نصفاً، وقال: إنه يهون عليهما ما دام فيهما من بلولتهما شيء))([20]). لعله قال القرطبي: قال علمائنا؛ يستفاد من هذا غرس الأشجار وقراءة القرآن على القبور، وإذا خفَّفَ عنهم بالأشجار، فكيف بقراءة الرجل المؤمن القرآن، وفي بعض الأحاديث: ((إنهما يُسبحان ما داما رطبين)). وقال القرطبي أيضاً: استحبَّ العلماءُ زيارةَ القبور؛ لأن القرآنَ والذكرَ تحفة الميت من زائره، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ما الميت في قبره إلا كالغريق المغوث ينتظر دعوة تلحقه من ابنه أو أخيه أو صديق له، فإذا لحقته كان أحبَّ له من الدنيا وما فيها، وإن هدايا الأحياء للأموات دعوة الدعاء والاستغفار)).وقال النووي رضي الله عنه: استحبَّ العلماء قراءة القرآن عند القبر، واستأنسوا بحديث الخريدتين، وقال: إذا وصل النفع إلى الميت بتسبيحهما حال رطوبتهما، فانتفاع الميت بقراءة القرآن عند قبره أولى، فإن قراءةَ القرآن من إنسان أعظم وأنفع من التسبيح من عود، وقد نفع القرآن بعض مَن حصل له ضرر في حال الحياة، فالميت كذلك. قال ابنُ الرفعة: الذي دلَّ عليه الخبر بالاستنباط أن بعضَ القرآن إذا قصد به نفع الميت، وتحقيق ما هو فيه؛ إذ ثبت أن الفاتحةَ لَمَّا قصد بها القارئ نفعَ للملدوغ نفعته، وأقرَّ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله: ((وما يدريك أنها رقية))([21])، وإذا نفعت الحيَّ بالقصد كان نفع الميت بها أولى؛ لأن الميتَ يقع عنه من العبادات بغير إذنه ما لا يقع عن الحيّ. نعم يبقى النظر في أن ما عدا الفاتحة من القرآن الكريم إذا قرئ وقصد به ذلك هل يلتحق به؟ انتهى. نعم يلتحق به.ففي ((كتاب ابن السني)): عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ((أنه قرأ في أذن مبتلى فأفاق، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما قرأت في أذنه، قال: قرأت {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً}([22])، حتى فرغت من آخر السورة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو أن رجلاً قرأ بها على جبل لزال))([23]).ومثل ذلك ما جاء في القراءة بسورة المعوذتين والإخلاص وغير ذلك.وفي الرقية بالفاتحة دليلٌ على صحّة الإجارة والجعالة لينتفع بها الحيّ فكذلك الميت، ومما يشهد لنفع الميت لقراءة غيره قوله صلى الله عليه وسلم: ((اقرؤوا على موتاكم [يسن]([24]) ))([25])، رواه أبو داود من حديث معقل بن يسار رضي الله عنه، قال النَّوَويُّ: ((إسناده ضعيف، فيه مجهولان، لكن لم يضعفه أبو داود)). انتهى.عادة المحدثين في حديث الذي يرويه أبو داود، ولم يضعفه أنه غير ضعيف، قال أبو داود: ((ما كان في كتابي من حديث فيه وهن شديد فقد بيَّنته، وما لم أذكر فيه شيئاً فهو صالح، وكذلك بعضها أصحُّ من بعض))([26]).قال بعضُ المحدِّثين: الحديثُ الذي يرويه أبو داود يكون تارةً صحيحاً، وتارةً حسناً، وفي كلام ابن الصلاح رضي الله عنه أن ما وجدنا في كتابه مذكوراً مطلقاً، وليس في واحد من ((الصحيحين))، ولا نصّ على صحَّته أحدٌ ممَّا يُمَيِّزُ بين الصحيح والحَسَن عرفنا أنه حَسَن عند أبي داود، ومجرد الستر لا يكون الحديث ضعيفاً، بل قد يكون في الحديث مستور، والحديث حسن، كما قاله ابنُ الصلاح وغيره بشروط ذكرت.والحديث في قراءة يسن على الموتى، رواه ابن حبان في ((صحيحه))، ورواه ابن ماجه، ورواه النَّسائيّ، ولفظه: ((اقرؤوا ياسين عند موتاكم))، وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه، ولفظه: ((يسن ثلث القرآن، لا يقرؤها رجل يريد الله والدار الآخرة إلا غفر له، فاقرؤوها على موتاكم)).وأَوَّلَ جماعةٌ من التابعين وصول القراءة للميت بالمحتضر، واستحبّ بعضُ العلماء أن يقرأ عليه سورة الرعد، والتأويل خلاف الظاهر، ثمّ يقال عليه: إذا انتفع المحتضر بقراءة يسن وليس من سعيه، فالميت كذلك، والميت كالحيِّ الحاضر يسمع كالحيّ الحاضر، كما صحَّ في الحديث خلافاً لمَن خالف.وعن مجاهد عن الشعبي رضي الله عنه، قال: كانت الأنصار إذا حضروا قرؤوا عند الميت سورة البقرة.ورُوي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه: أنه أمر أن يقرأ عند قبره سورة البقرة.وخَرَّجَ النَّسائيُّ غيره من حديث عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من مرَّ على المقابر، وقرأ قل هو الله أحد إحدى عشرة مرّة، ثم وهب أجره للأموات، أُعطي من الأجر عدد الأموات)).ورُوي من حديث أنس رضي الله عنه خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا قرأ المؤمنُ آيةَ الكرسي وجعلَ ثوابها لأهل القبور، أدخل اللهُ في كلِّ قبر من المشرق إلى المغرب أربعين نوراً، ووسَّعَ اللهُ عليهم مضاجعهم، وأعطى اللهُ القارئَ ثواب ستين نبياً، ورفع اللهُ له بكلِّ ميت درجة، وكتب اللهُ له بكلِّ ميت عشر حسنات))". انتهى ما نقلته من كلام ابن القطان.
أحبابي في الله هذا هو الحق إن تبعتموه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الطالب المذنب الفقير: عدنان خالد رسول
بكالوريوس في أصول الدين /كلية العلوم الإسلامية/ جامعة السليمانية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([1])أبو بكر الخلال: وهذا العالم تعتمد عليه الوهابية كثيرا وله رسالة مسماة ب( القراءة عند القبور) وقد نشرت هذه في مجلة ( المنهج) بتحيق أ.د الشيخ حسن المفتي جزاه الله خيرا، وهو: أحمد بن محمد بن هارون أبو بكر المعروف بالخلال ،سمع الحسن بن عرفة وسعدان بن نصر وطبقتهما، وصحب المروزى إلى أن مات وصحب جماعة من أصحاب الإمام أحمد منهم صالح وعبد الله إبناه وإبراهيم الحربي، والمغازلي،له التصانيف الدائرة والكتب السائرة من ذلك الجامع والعلل والسنة والطبقات وتفسير الغريب والأدب وأخلاق أحمد وكان شيوخ المذهب يشهدون له بالفضل والتقدم، توفى ببغداد نهار الجمعة ليومين خليا من ربيع الآخر سنة 311هـ، ودفن إلى جنب قبر المروزى عند رجل الإمام أحمد. ينظر: المقصد الارشد (1/167).
([2])المعجم الكبير للطبراني /باب اللام/ ج19/ص220/ مكتبة العلوم والحكم – الموصل/ 1404 - 1983 /تحقيق : حمدي بن عبدالمجيد السلفي.
([3])(مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للهيثمي/ دار الفكر، بيروت - 1412 هـ/ ب3/ل161)
([4])المعجم الكبير للطبراني /باب العين/ ج12/ص444/ مكتبة العلوم والحكم – الموصل/ 1404 - 1983 /تحقيق : حمدي بن عبدالمجيد السلفي.
([5]) فتح الباري/ج4/ص.
([6])فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير/للشوكاني/ دار النشر: دار الفكر – بيروت/ج1/ص38.
([7])نيل الأوطار من أحاديث سيد الأخيار شرح منتقى الأخبار/ للشوكاني/دار النشر: دار الجيل - بيروت – 1973/ج4/ص115.
([8])سبل السلام شرح بلوغ المرام من أدلة الأحكام/لمحمد بن إسماعيل الصنعاني /دار النشر، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، 1379/ الطبعة4/ تحقيق: محمد عبدالعزيز الخولي/ج2/ص106.
([9]). فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء/لأحمد بن عبد الرزاق الدرويش/ رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء ، الإدارة العامة للطبع ، الرياض/ 1417هـ - 1996م الطبعة : الأولى/ الفتوى رقم (1705).
([10]):ينظر:الإمتاع بالأربعين المتباينة السماع/لابن حجر العسقلاني / دار الكتب العلمية - بيروت/الطبعة الأولى ، 1997/تحقيق : أبي عبدالله محمد حسن محمد الشافعي/ص85.
([11])ينظر: الشرح الكبير لابن قدامة المقدسي/ دار الكتاب العربي للنشر والتوزيع/ج2/ص424/، وأيضا /المغني لابن قدامة المقدسي/ دار الفكر - بيروت/الطبعة الأولى ، 1405/ج2/ص224..
([12])يرجع إلى المصادرالسابقة.
([13])إقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصاب الجحيم/لابن تيمية الحراني/ج2/ص236-239./ومجموع الفتاوى لابن تيمية/ج24/ص317.
([14])ينظر: الفتوى / انتفاع الميت بقراءة القرآن/المفتي/عطية صقر/مايو 1997/المبادئ القرآن والسنة/السؤال/ ما حكم الدين فى قراءة القرآن على الأموات هل تنفعهم أو لا تنفعهم؟ http://www.islamic-council.com/.
([15])"فتح الوهاب شرح منهج الطلاب/ للقاضي زكريا الأنصاري/ دار النشر: دار الفكر، بيروت/ج4/ص68.
([16])ينظر:الإمتاع بالأربعين المتباينة السماع/لابن حجر العسقلاني / دار الكتب العلمية - بيروت/الطبعة الأولى ، 1997/تحقيق : أبي عبدالله محمد حسن الشافعي/ص85-86.

([17]) لتحميل تلك الرسالة ومعرفة المزيد يرجع إلى هذا الرابط:موقع ملتقى أهل الحديث / قسم المخطوطات/http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=80823 .
([18])إبن القطان: محمد بن علي بن محمد بن عمر بن عيسى المصري شمس الدين الشافعي المعروف بابن القطان ولد سنة 737 وتوفي سنة 813 ثلاث عشرة وثمانمائة. له الإحسان العميم بانتفاع الميت بالقرآن العظيم. التسهيل. جمع الشمل في الفرائض والحساب والهندسة. الذيل على طبقات الشافعية للأسنوي. السهل في القراآت السبع. شرح الألفية لابن مالك في النحو. في أربع مجلدات. المشرب الهني في شرح مختصر المزني. هادي الطريقين في أصول الفقه/.ينظر: هدية العارفين أسماء المؤلفين وآثار المصنفين/ لإسماعيل باشا البغدادي - (ج 2 / ص 41) الموسوعة الشاملة الألكترونية.
([19]) في ((صحيح البخاري))(5: 2249)، و((صحيح مسلم))(1: 241)، وغيرهما.
([20]) في ((مسند الطيالسي))(1: 117)، وفي ((مشكل معاني الآثار))(11: 336): ((من رطوبتهما شيء))، وفي ((مسند أحمد))(5: 35): ((ما كانتا رطبتين))، قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد))(ر13135): ((رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير بحر بن مرار وهو ثقة)).
([21]) في ((صحيح البخاري))(2: 795)، و((سنن الترمذي))(4: 399).
([22]) المؤمنون: 115.
([23]) في ((حلية الأولياء))(1: 7)، وقال الهيثمي في ((المجمع))(ر8469): ((رواه أبو يعلى، وفيه ابن لهيعة، وفيه ضعف وحديثه حسن، وبقية رجاله رجال الصحيح)).
([24]) ساقطة من الأصل، ومثبتة من السنن.
([25]) في ((سنن أبي داود))(2: 208)، و((مسند أحمد))(5: 26)، و((صحيح ابن حبان))(7: 269)، و((سنن النسائي الكبرى))(6: 265)، و((سنن البيهقي الكبير))(3: 383)، و((المعجم الكبير))(20: 219)، و((مسند الطيالسي))(1: 126)، وغيرها.
([26]) من ((سنن أبي داود))(1: 16) باختصار.

الأحد، 18 نوفمبر 2018

البدعة بدعتان عند علماء أهل السنة .. مع الفهم الصحيح لمعنى البدعة ..

البدعة بدعتان عند أهل السنة
س: كثـر الكلام عن البدعة فمن الناس من يقسمها إلى قسمين، ومن الناس من لا يفرق فيجعل كل محدَث بعد الرسول مهما كان من البدع الضلالة، نرجو توضيح الأمر على حقيقته عند أهل السنة مع ذكر الأدلة الشرعية عند المذاهب الأربعة، مع بيان معنى البدعة لغة واصطلاحا ؟


الجواب: نرفق لكم هذا البحث جوابا على سؤالكم:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن صلوات الله البر الرحيم والملائكة المقربين على سيدنا محمد وعلى جميع إخوانه النبيين والمرسلين وعلى ءال كل وصحب كل وسائر الصالحين، أما بعد فهذا
بيان أن
البدعة بدعتان عند أهل السنة والجماعة
وحديث: وكل بدعة ضلالة، عام مخصوص
تعريف البدعة:
لغةً ما أُحدث على غير مثال سابق، يقال: جئت بأمر بديع أي محدث عجيب لم يعرف قبل ذلك. وفي الشرع: المـحدَث الذي لم ينصَّ عليه القرءان ولا جاء في السنة، كما ذكر ذلك اللغوي المشهور الفيومي في كتابه "المصباح المنير" مادة "ب د ع"، وذكر ذلك أيضا الحافظ اللغوي محمد مرتضى الزبيدي في "تاج العروس" مادة "ب د ع".
ففي "المصباح المنير" (ص/138) : أبدع الله تعالى الخلق إبداعا خلقهم لا على مثال وأبدعت وأبدعته، استخرجته وأحدثته ومنه قيل للحالة المخالفة بدعة وهى اسم من الابتداع كالرفعة من الارتفاع ثم غلب استعمالها فيما هو نقص في الدين أو زيادة لكن قد يكون بعضها غير مكروه فيسمى بدعة مباحة وهو ما شهد لجنسه أصل في الشرع أو اقتضته مصلحة يندفع بـها مفسدة "اهـ.
وفى المعجم الوجيز (ج1/ص45) : "هي ما استحدث فى الدين وغيره تقول بدعه بدعا أي أنشأه على غير مثال سابق"اهـ
أقسام البدعة:
قال ابن العربي: " ليست البدعة والمحدَث مذمومين للفظ بدعة ومحدث ولا معنييهما، وإنما يذم من البدعة ما يخالف السنة، ويذم من المحدثات ما دعا إلى الضلالة"اهـ.
وقال النووي في كتاب تـهذيب الأسماء واللغات، مادة (ب د ع ) ج3/22 ما نصه: "البدعة بكسر الباء في الشرع هي: إحداث ما لم يكن في عهد رسول الله صلّى الله عليه وءاله وسلم، وهي منقسمة إلى حسنة وقبيحة، قال الإِمام الشيخ الـمجمع على إمامته وجلالته وتمكّنه في أنواع العلوم وبراعته أبو محمّد عبد العزيز بن عبد السلام رحمه الله ورضي عنه في ءاخر كتاب القواعد: "البدعة منقسمة إلى واجبة ومحرّمة ومندوبة ومكروهة ومباحة. قال: والطريق في ذلك أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة، فإن دخلت في قواعد الإِيجاب فهي واجبة، أو في قواعد التحريم فمحرّمة، أو الندب فمندوبة، أو المكروه فمكروهة، أو المباح فمباحة".انتهى كلام النووي.
فالبدعة تنقسم إلى قسمين:
بدعة ضلالة: وهي المحدثة المخالفة للقرءان والسنة.
وبدعة هدى: وهي المحدثة الموافقة للكتاب والسنة.
وهذا التقسيم مفهوم من حديث البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد". ورواه مسلم بلفظ ءاخر وهو: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد". فأفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله:"ما ليس منه" أن المحدَث إنما يكون ردًّا أي مردودًا إذا كان على خلاف الشريعة، وأن المحدَث الموافق للشريعة ليس مردودًا.
وهو مفهوم أيضًا مما رواه مسلم في صحيحه من حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شىء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شىء ".
وفي صحيح البخاري في كتاب صلاة التـراويح ما نصه: " قال ابن شهاب: فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس على ذلك"، قال الحافظ ابن حجر: " أي على ترك الجماعة في التراويح". ثم قال ابن شهاب في تتمة كلامه: " ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدرًا من خلافة عمر رضي الله عنه".
وفي البخاري أيضًا تتميمًا لهذه الحادثة عن عبد الرحمن بن عبدٍ القاريّ أنه قال: خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارىء واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أُبيّ بن كعب، ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم قال عمر: "نعم البدعة هذه".اهـ
وفي الموطأ بلفظ:" نِعمت البدعة هذه"اهـ.
فإن قيل: أليس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو داود عن العرباض بن سارية: "وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة".
فالجواب: أن هذا الحديث لفظه عام ومعناه مخصوص بدليل الأحاديث السابق ذكرها فيقال: إن مراد النبي صلى الله عليه وسلم ما أحدث على خلاف الكتاب أو السنة أو الإجماع أو الأثر.
هذا وأما من حيث التفصيل فالبدعة منقسمة إلى الأحكام الخمسة وهي الواجب والمندوب والمباح والمكروه والحرام كما نص علماء المذاهب الأربعة:
المذهب الحنفي:
1- قال الشيخ ابن عابدين الحنفي في حاشيته (1/376): "فقد تكون البدعة واجبة كنصب الأدلة للرد على أهل الفرق الضالة، وتعلّم النحو المفهم للكتاب والسنة، ومندوبة كإحداث نحو رباط ومدرسة، وكل إحسان لم يكن في الصدر الأول، ومكروهة كزخرفة المساجد، ومباحة كالتوسع بلذيذ المآكل والمشارب والثياب"انتهى.
2- قال بدر الدين العيني في شرحه لصحيح البخاري (ج11/126) عند شرحه لقول عمر ابن الخطاب رضي اللّه عنه: "نعمت البدعة" وذلك عندما جمع الناس في التراويح خلف قارىءٍ وكانوا قبل ذلك يصلون أوزاعًا متفرقين: "والبدعة في الأصل إحداث أمر لم يكن في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم البدعة على نوعين، إن كانت مما تندرج تحت مستحسن في الشرع فهي بدعة حسنة وإن كانت مما يندرج تحت مستقبح في الشرع فهي بدعة مستقبحة"انتهى.
المذهب المالكي:
1- قال محمد الزرقاني المالكي في شرحه للموطأ (ج1/238) عند شرحه لقول عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه: "نعمت البدعة هذه" فسماها بدعة لأنه صلى اللّه عليه وسلم لم يسنّ الاجتماع لها ولا كانت في زمان الصديق، وهي لغة ما أُحدث على غير مثال سبق وتطلق شرعًا على مقابل السنة وهي ما لم يكن في عهده صلى اللّه عليه وسلم، ثم تنقسم إلى الأحكام الخمسة. انتهى
2- قال الشيخ أحمد بن يحيى الونشريسي المالكي في كتاب المعيار المعرب (ج1/357-358) ما نصه: "وأصحابنا وإن اتفقوا على إنكار البدع في الجملة فالتحقيق الحق عندهم أنها خمسة أقسام"، ثم ذكر الأقسام الخمسة وأمثلة على كل قسم ثم قال: "فالحق في البدعة إذا عُرضت أن تعرض على قواعد الشرع فأي القواعد اقتضتها ألحقت بـها، وبعد وقوفك على هذا التحصيل والتأصيل لا تشك أن قوله صلى الله عليه وسلم:" كل بدعة ضلالة"، من العام المخصوص كما صرح به الأئمة رضوان الله عليهم".اهـ
المذهب الشافعي:
1- الإمام الشافعي:
أ- قال الشافعي رضي الله عنه: المحدثات من الأمور ضربان أحدهما ما أحدث يخالف كتابا أو سنة أو أثرا أو إجماعا فهذه البدعة الضلالة، والثاني ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا، فهذه محدثة غير مذمومة. رواه البيهقي في (مناقب الشافعي) (ج1/469)، وذكره الحافظ ابن حجر في (فتح الباري): (13/267).
ب- روى الحافظ أبو نعيم في كتابه حلية الأولياء ج 9 ص76 عن إبراهيم بن الجنيد قال: حدثنا حرملة بن يحيى قال: سمعت محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه يقول: البدعة بدعتان، بدعة محمودة، وبدعة مذمومة. فما وافق السنة فهو محمود، وما خالف السنة فهو مذموم، واحتج بقول عمر بن الخطاب في قيام رمضان: نعمت البدعة هي" اهـ
2- قال أبو حامد الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين، كتاب ءاداب الأكل ج2/3 ما نصه: "وما يقال إنه أبدع بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فليس كل ما أبدع منهيا بل المنهي بدعة تضاد سنة ثابتة وترفع أمرا من الشرع مع بقاء علته بل الإبداع قد يجب في بعض الأحوال إذا تغيرت الأسباب" اهـ
3- قال العز بن عبد السلام في كتابه "قواعد الأحكام" (ج2/172-174) : البدعة منقسمة إلى واجبة ومحرّمة ومندوبة ومكروهة ومباحة ثم قال: والطريق في ذلك أن تُعرض البدعة على قواعد الشريعة، فإن دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة، أو في قواعد التحريم فهي محرمة، أو الندب فمندوبة، أو المكروه فمكروهة، أو المباح فمباحة، انتهى.
4- قال النووى فى شرحه على صحيح مسلم"(6/154-155): قوله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: (وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ) هذا عامٌّ مخصوص، والمراد: غالب البدع. قال أهل اللُّغة: هي كلّ شيء عمل عَلَى غير مثال سابق. قال العلماء: البدعة خمسة أقسام: واجبة، ومندوبة، ومحرَّمة، ومكروهة، ومباحة. فمن الواجبة: نظم أدلَّة المتكلّمين للرَّدّ عَلَى الملاحدة والمبتدعين وشبه ذلك. ومن المندوبة: تصنيف كتب العلم وبناء المدارس والرّبط وغير ذلك. ومن المباح: التّبسط في ألوان الأطعمة وغير ذلك. والحرام والمكروه ظاهران، وقد أوضحت المسألة بأدلَّتها المبسوطة في (تـهذيب الأسماء واللُّغات) فإذا عرف ما ذكرته علم أنَّ الحديث من العامّ المخصوص، وكذا ما أشبهه من الأحاديث الواردة، ويؤيّد ما قلناه قول عمر بن الخطَّاب رَضِيَ اللهُ عَنْهُ في التّـَراويح: نعمت البدعة، ولا يمنع من كون الحديث عامًّا مخصوصًا قوله: (كُلُّ بِدْعَةٍ) مؤكّدًا بـــــــ كلّ، بل يدخله التَّخصيص مع ذلك كقوله تعالى: {تُدَمّرُ كُلَّ شَىءٍ} [الأحقاف،ءاية 25]اهـ
وقال النووي أيضا "في شرحه على صحيح مسلم"(16/226-227) : قوله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا…) إلى ءاخره. فيه: الحث على الابتداء بالخيرات، وسن السنن الحسنات، والتحذير من اختراع الأباطيل والمستقبحات، وسبب هذا الكلام في هذا الحديث أنه قال في أوله: "فجاء رجل بصرة كادت كفه تعجز عنها فتتابع الناس". وكان الفضل العظيم للبادي بـهذا الخير والفاتح لباب هذا الإحسان. وفي هذا الحديث: تخصيص قوله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة"، وأن المراد به المحدثات الباطلة والبدع المذمومة.اهـ
4-قال الحافظ أحمد بن حجر العسقلاني في الفتح (ج4/298): قوله قال عمر: "نعم البدعة" في بعض الروايات "نعمت البدعة" بزيادة التاء، والبدعة أصلها ما أحدث على غير مثال سابق، وتطلق في الشرع في مقابل السنة فتكون مذمومة، والتحقيق إن كانت مما تندرج تحت مستحسن في الشرع فهي حسنة، وإن كانت مما تندرج تحت مستقبح في الشرع فهي مستقبحة وإلا فهي من قسم المباح وقد تنقسم إلى الأحكام الخمسة.انتهى
وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري، شرح صحيح البخاري، المـجلد الثاني، كِتَاب الْجُمُعَةِ، باب الأَذَانِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ:" وكل ما لم يكن في زمنه– صلى الله عليه وسلم – يسمى بدعة، لكن منها ما يكون حسنا ومنها ما يكون بخلاف ذلك "اهـ.
المذهب الحنبلي:
قال الشيخ شمس الدين محمد بن أبي الفتح البعلي الحنبلي في كتابه "المطلع على أبواب المقنع" (ص334) من كتاب الطلاق: "والبدعة مما عُمل على غير مثال سابق، والبدعة بدعتان: بدعة هدى وبدعة ضلالة، والبدعة منقسمة بانقسام أحكام التكليف الخمسة"اهـ.
فوائد متعلقة بالموضوع
1-قال ابن الأثير فى "النهاية فى غريب الحديث"(1/106- 107): وفي حديث عمر رضي اللَه عنه في قيام رمضان: نِعْمَت البِدْعة هذه، البدعة بِدْعَتَان: بدعة هُدًى، وبدعة ضلال، فما كان في خلاف ما أمَر اللّه به ورسوله صلى اللّه عليه وسلم فهو في حَيّز الذّم والإنكار، وما كان واقعا تحت عُموم ما نَدب اللّه إليه وحَضَّ عليه اللّه أو رسوله فهو في حيز المدح، وما لم يكن له مثال موجود كنَوْع من الجُود والسخاء وفعْل المعروف فهو من الأفعال المحمودة، ولا يجوز أن يكون ذلك في خلاف ما وَردَ الشرع به؛ لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم قد جَعل له في ذلك ثوابا فقال:" من سَنّ سُنة حسَنة كان له أجْرها وأجرُ من عَمِل بها "، وقال في ضِدّه:" ومن سنّ سُنة سيّئة كان عليه وزْرُها وَوِزْرُ من عَمِل بها"، وذلك إذا كان في خلاف ما أمر اللّه به ورسوله صلى اللّه عليه وسلم. ومن هذا النوع قولُ عمر رضي اللّه عنه: نِعْمَت البدعة هذه. لـمـَّــا كانت من أفعال الخير وداخلة في حيز المدح سماها بدعة ومدَحها؛ لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم لم يَسَنَّها لهم، وإنما صلاّها لَياليَ ثم تَركَها ولم يحافظ عليها، ولا جَمع الناسَ لها، ولا كانت في زمن أبي بكر، وإنما عمر رضي اللّه عنه جمع الناس عليها ونَدَبـهم إليها، فبهذا سمّاها بدعة، وهي على الحقيقة سُنَّة، لقوله صلى اللّه عليه وسلم: عليكم بسُنَّتي وسنَّة الخلفاء الراشِدين من بعْدي، وقوله:اقتدُوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر، وعَلَى هذا التأويل يُحمل الحديث الآخر:كل مُحْدَثة بدعةٌ، إنما يريد ما خالف أصول الشريعة ولم يوافق السُّنَّة.اهـ
2- قال في روح البيان في تفسير القرءان ج 9 ص 2:"ومن تعظيمه- صلى الله عليه وسلم – عمل المولد إذا لم يكن فيه منكر قال الإمام السيوطي قدس سره يستحب لنا إظهار الشكر لمولده عليه السلام. انتهى وقد اجتمع عند الإمام تقي الدين السبكي رحمه اللـه جمع كثير من علماء عصره فأنشد منشد قول الصرصري رحمه اللـه في مدحه عليه السلام:
قليلٌ لمدحِ المصطفى الخطُّ بالذهَبْ … على وَرِقٍ مِن خَطِ أحسنِ مَن كتبْ
وأن تَنْهضَ الأشرافُ عندَ سَماعِهِ … قيامًا صفوفًا أو جُثِيًّا على الرُكبْ
فعند ذلك قام الإمام السبكي وجميع من بالمجلس فحصل أنس عظيم بذلك المجلس ويكفي ذلك في الاقتداء وقد قال ابن حجر الهيتمي إن البدعة الحسنة متفق على ندبـها وعمل المولد واجتماع الناس له كذلك أي بدعة حسنة قال السخاوي لم يفعله أحد من القرون الثلاثة وإنما حدث بعد ثم لا زال أهل الإسلام من سائر الأقطار والمدن الكبار يعملون المولد ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات ويعتنون بقراءة مولده الكريم ويظهر من بركاته عليهم كل فضل عظيم قال ابن الجوزي من خواصه أنه أمان في ذلك العام وبشرى عاجلة بنيل البغية والمرام وأول من أحدثه من الملوك صاحب أربل وصنف له ابن دحية رحمه الله كتابًا في المولد سماه التنوير بمولد البشير النذير فأجازه بألف دينار وقد استخرج له الحافظ ابن حجر أصلاً من السنة وكذا الحافظ السيوطي"اهـ
3- قال الحطاب المالكي في مواهب الجليل ج 2ص 9: وقال السخاوي في القول البديع: أحدث المؤذنون الصلاة والسلام على رسول اللـه عقب الأذان للفرائض الخمس إلا الصبح والجمعة فإنـهم يقدمون ذلك قبل الأذان، وإلا المغرب فلا يفعلونه لضيق وقتها، وكان ابتداء حدوثه في أيام الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب وبأمره. وذكر بعضهم أن أمر الصلاح ابن أيوب بذلك كان في أذان العشاء ليلة الجمعة، ثم إن بعض الفقراء زعم أنه رأى رسول اللـه وأمره أن يقول للمحتسب أن يأمر المؤذنين أن يصلوا عليه عقب كل أذان فسر المحتسب بـهذه الرؤيا فأمر بذلك واستمر إلى يومنا هذا. وقد اختلف في ذلك هل هو مستحب أو مكروه أو بدعة أو مشروع؟ واستدل للأول بقوله: {وافعلوا الخير} ومعلوم أن الصلاة والسلام من أجل القرب لا سيما وقد تواترت الأخبار على الحث على ذلك مع ما جاء في فضل الدعاء عقبه والثلث الأخير وقرب الفجر. والصواب أنه بدعة حسنة وفاعله بحسب نيته. انتهى
4- قال في حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ج1 ص 103: وأول ما زيدت الصلاة على النبي بعد الأذان على المنارة في زمن حاجي بن الأشرف شعبان بن حسين بن محمد بن قلاوون بأمر المحتسب نجم الدين الطنبدي، وذلك في شعبان سنة إحدى وتسعين وسبعمائة كذا في الأوائل للسيوطي، والصواب من الأقوال أنـها بدعة حسنة"اهـ
5- قال في اللباب في شرح الكتاب ج1 ص 684:" قال في الدر: وعلى هذا لا بأس بكتابة أسامي السور وعد الآي، وعلامات الوقف ونحوها، فهي بدعة حسنة، درر وقنية".اهـ
6- قال الإمام المحدث الفقيه المفسر اللغوي الشيخ عبد الله بن محمد الهرري الشيبي في كتابه صريح البيان ج1/280: قال الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز: [وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا] {الحديد:27}. فهذه الآية يستدلّ بـها على البدعة الحسنة، لأن معناها مدح الذين كانوا مسلمين مؤمنين من أمّة عيسى متبعين له عليه السلام بالإِيمان والتوحيد، فالله تعالى مدحهم لأنـهم كانوا أهل رأفة ورحمة ولأنـهم ابتدعوا رهبانية، والرهبانية هي الانقطاع عن الشهوات، حتى إنـهم انقطعوا عن الزواج رغبة في تجرّدهم للعبادة. فمعنى قوله تعالى: مَا كَتَبْنَاهَا، أي نحن ما فرضناها عليهم إنما هم أرادوا التقرّب إلى الله، فالله تعالى مدحهم على ما ابتدعوا مما لم ينصَّ لهم عليه في الإِنجيل ولا قال لهم المسيح بنص منه، إنما هم أرادوا المبالغة في طاعة الله تعالى والتجردّ بترك الانشغال بالزواج ونفقة الزوجة والأهل، فكانوا يبنون الصوامع أي بيوتًا خفيفة من طين أو من غير ذلك على المواضع المنعزلة عن البلد ليتجرّدوا للعبادة.اهـ ثم بدأ بذكر أمثلة على البدعة الحسنة:
ومما يدلّ على أنه ليس كل ما أحدث بعد رسول الله أو في حياته مما لم ينصّ عليه بدعة ضلالة إحداث خبيب بن عدي ركعتين عندما قُدّم للقتل، كما جاء ذلك في صحيح البخاري…ومما يدلّ أيضًا على ذلك أن الصحابة الذين كتبوا الوحي الذي أملاه عليهم الرسول، كانوا يكتبون الباء والتاء ونحوهما بلا نقط، ثم عثمان بن عفّان لما كتب ستة مصاحف وأرسل ببعضها إلى الآفاق إلى البصرة ومكّة وغيرهما واستبقى عنده نسخة كانت غير منقوطة. وإنما أوّل مَن نقط المصاحف رجل من التابعين من أهل العلم والفضل والتقوى، يقال له يحيى بن يعمر. ففي كتاب المصاحف لابن أبي داود السجستاني ص/158 ما نصّه: "حدّثنا عبد الله، حدّثنا محمّد بن عبد الله المخزوميُّ، حدّثنا أحمد بن نصر بن مالك، حدّثنا الحسين بن الوليد، عن هارون بن موسى قال: أوّل مَن نقط المصاحف يحيى بن يعمر".اهـ وكان قبل ذلك يكتب بلا نقط، فلما فعل هذا لم ينكر العلماء عليه ذلك، مع أن الرسول ما أمر بنقط المصحف، فمن قال كل شىء لم يُفعل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بدعة ضلالة فليبدأ بكشط النقط من المصاحف حتى ابن تيمية زعيمهم ذكر في فتاويه (3/402) ما نصه: "قيل: لا يكره ذلك لأنه بدعة، وقيل: لا يكره للحاجة إليه، وقيل: يكره النقط دون الشكل لبيان الإعراب، والصحيح أنه لا بأس به".اهـ
7-قال أبو الفضل عبد الله الصديق الغماري في كتابه إتقان الصنعة ص/14: يعلم مما سبق أن العلماء متفقون على انقسام البدعة إلى محمودة ومذمومة وأن عمر رضى الله عنه أول من نطق بذلك ومتفقون على أن قول النبي صلى الله عليه وسلم "كل بدعة ضلالة" عام مخصوص ولم يشذ عن هذا الاتفاق إلا " الشاطبي" صاحب الاعتصام فإنه أنكر هذا الانقسام.."اهـ
ملاحظة: إلى هؤلاء الذين يوافقون ابن تيمية في بدع الضلالة كالتجسيم، نقول لهم: هل توافقونه في هذا؟
يقول ابن تيمية في مجموع الفتاوى ج1/161-162 وفي كتابه المسمى قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ج2/28 ما نصه:
وكل بدعة ليست واجبة ولامستحبة فهي بدعة سيئة، وهي ضلالة باتفاق المسلمين. ومن قال في بعض البدع إنها بدعة حسنة فإنما ذلك إذا قام دليل شرعي على أنها مستحبة، فأما ما ليس بمستحب ولا واجب فلا يقول أحد من المسلمين إنها من الحسنات التى يتقرب بها إلى الله.اهـ
وقال ابن تيمية في مجموع الفتاوى ج20/163:
قال الشّافعيّ – رحمه اللّه -: البدعة بدعتان: بدعة خالفت كتابًا وسنّةً وإجماعًا وأثرًا عن بعض أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فهذه بدعة ضلالةٍ. وبدعة لم تخالف شيئًا من ذلك فهذه قد تكون حسنةً لقول عمر: نعمت البدعة هذه هذا الكلام أو نحوه رواه البيهقي بإسناده الصّحيح في المدخل.اهـ
وقال في مجموع الفتاوى ج27/152:
إذًا البدعة الحسنة – عند من يقسّم البدع إلى حسنةٍ وسيّئةٍ – لا بدّ أن يستحبّها أحد من أهل العلم الّذين يقتدى بـهم ويقوم دليل شرعيّ على استحبابـها وكذلك من يقول: البدعة الشّرعيّة كلّها مذمومة لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم في الحديث الصّحيح: {كلّ بدعةٍ ضلالة} ويقول قول عمر في التّراويح: " نعمت البدعة هذه " إنّما أسماها بدعةً: باعتبار وضع اللّغة. فالبدعة في الشّرع عند هؤلاء ما لم يقم دليل شرعيّ على استحبابه اهـ
وقال ابن تيمية في كتابه المسمى الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ج1/162:
قال الشّافعيّ " البدعة بدعتان: محمودة ومذمومة، فما وافق السّنّة فهو محمود وما خالفها فهو مذموم " أخرجه أبو نعيم بمعناه من طريق إبراهيم بن الجنيد عن الشّافعيّ، وجاء عن الشّافعيّ أيضًا ما أخرجه البيهقيّ في مناقبه قال"المحدثات ضربان ما أحدث يخالف كتابًا أو سنّة أو أثرًا أو إجماعًا فهذه بدعة الضّلال، وما أحدث من الخير لا يخالف شيئًا من ذلك فهذه محدثة غير مذمومة " انتهى. وقسّم بعض العلماء البدعة إلى الأحكام الخمسة وهو واضح.اهـ
ويقول ابن تيمية في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم ص/297: فتعظيم المولد واتخاذه موسما قد يفعله بعض الناس ويكون له فيه أجر عظيم لحسن قصده وتعظيمه لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.اهـ
وسبحان الله والحمد لله رب العالمين.

الجمعة، 16 نوفمبر 2018

قارئ اليوم قائد الغد....

 
ينما كان رسولنا عليه الصلاة والسلام في الغار إذ بجبريل عليه السلام يدخل عليه ومعه " اقرأ " ما أجمل البداية " اقرأ " , إنها رسالة الله لعباده .
لم يأت جبريل بالصلاة ولا الصيام ولا الأخلاق ولا الأحكام في زيارته الأولى لسيد البشر، لقد جاء بـ " اقرأ " لأنها بداية العلم وبداية الدعوة وبداية الفقه وبداية الحياة .
إن عشق العلم ميزة جليلة، والرغبة في التعلم منهج جليل، وما أجمل ما قيل: العلم عبادة العمر .
لقد اتفق الناس أنه مهما كانت وسائل الإعلام في نمو وتطور إلا أن القراءة تبقى لها قيمتها وأثرها على النفس والمجتمع المثقف.
إن من أجمل العادات التي لابد أن نتربى ونُربي الآخرين عليها هي " القراءة ".
وجزماً فالبدايات شاقة في كل عملٍ جاد ولكن من جدَّ وجد وليس من سهر كمن رقد.
بين يديك أخي.. أختي.. قواعد وفوائد ولطائف حول القراءة, لعلها تساهم في أن تدخلك عالم الكتب والمكتبات .
قالوا في الكتاب :
الكتاب هو: الصديق الذي لايملك، يُضحكك مرة ويُبكيك مرة ، يُزودك بالعلوم ، يُطلعك على أخبار القوم ، يُطيعك بالليل كطاعته بالنهار ، المؤنس في الوحشة ، الصاحب في الغربة ، غذاء الشباب ، عزاء الشيخوخة ..
في السفر خير رفيق .
الكتاب أخٌ غير خوّان فتفَّرد به عن الإخوان .
فوائد القراءة :
- فيها غذاء القلب والروح ، وخاصةً من يدمن تلاوة القرآن ، أو القراءة في كتب الوعظ والرقائق, فسوف يشعر بلاريب بطمأنينة الروح وزكاة النفس .
- التفقه في الدين, فهي وسيلة مهمة لرفع الجهل عن نفسك في تعلم الأحكام الشرعية وما يدور في فلكها .
- تحقيق الدعوة على بصيرة, ولذا فالداعية القارئ يمتلك من المعلومات والأسس ما تنفعه بلا ريب في مساره الدعوي, ولذا قال البخاري " باب العلم قبل القول والعمل ".
- التعرف على أحوال الأمم الماضية, فالقراءة في تاريخ الأمم تفتح الآفاق وتسير بخيالك نحو الأقوام السابقة وكأنك تعيش حضارتها وأسباب تفوقها وخسارتها .
- الكشف عن مخططات الأعداء؛ لأن الأعداء لهم عدة مناهج وطرائق في النيل من الإسلام وأهله, ونحن حينما نقرأ نتعرف على بعض تلك الخطط ونعلم مفاتيحهم في الوصول إلينا لنحذر منها .
- معرفة أبواب الخير والشر, وهذا واضح لكل متأمل , فالقراءة تنير دروب السالكين وتعرفهم على منارات الهدى, وتخبرهم بمسالك الشرور لينتبهوا منها .
- الترويح عن النفس هدف مهم من أهداف القراءة؛ لأن النفس تمل كما يمل البدن, والمطالعة المتنوعة تروح عن النفس وتزيل الملل وتجلب السعادة وتجدد الحياة .
- الدفاع عن الدين والرد على المخالفين؛ لأن العلم سلاح عظيم نقاوم به الأعداء والقراءة من أعظم وسائل تحصيل العلم.
ولو نظرنا في تاريخنا ورأينا باب المناظرات والردود مع المخالفين لرأينا كيف كان دور العلم في كشف البدع ودحضها، وتأمل مثلاً سيرة شيخ الإسلام ابن تيمية وردوده على الفلاسفة والرافضة وأرباب البدع لترى أثر العلم وقوة الحجة التي كانت لديه وكيف كان سلاحه العلمي مؤثراً على مخالفيه.
- الارتقاء بالنفس وتطويرها وتنمية مهاراتها, وهذا ظاهر؛ لأن القراءة في كتب تنمية الذات والمهارات وتطوير النفس تمنح المرء معلومات جديدة في كيفية الارتقاء بالنفس نحو النجاح والتفوق في ميادين الحياة .
- حفظ الوقت من الضياع؛ لأن القراءة تشغل وقتك عن توافه الأمور وتمنحك الفوائد والدرر التي تنفعك في دينك ودنياك .
عشاق القراءة :
إن التشاغل بالدفاتر والمحابر والكتابة والدراسة أصل التعبد والتزهد والرئاسة والسياسة
- الجاحظ كان يستأجر دكاكين الوراقين ليقرأ ما فيها .
- أنت القتيل بكل من أحببته فاختر لنفسك في الهوى من تصطفي
- عشاق العلم يصبرون على القراءة والاطلاع وكما قيل : لاينال العلم براحة الجسد ولولا ما عانى يوسف لما قيل له " يوسف أيها الصديق ".
تأمل في سير القوم وعلاقتهم بالكتاب قراءةً وتأليفاً :
- جلس البخاري يكتب الصحيح ١٦ سنة ومسلم كتب صحيحه في ١٥ سنة ، وابن حجر انتهى من فتح الباري في ٢٥ سنة فماذا صنعت يا مسكين؟!.
- يقوم البخاري في بعض الليالي من نومه عشرين مرة ليكتب فائدة سنحت له وهو بين أطباق النوم , فكم نام ياعشاق النوم ؟.
- قرأ ابن حجر في إحدى أسفاره نحو من ١٠٠ مجلد .
- كتب ابن القيم في أسفاره ستة مؤلفات ومنها الكتاب الشهير " زاد المعاد ".
- أحد المشايخ المعاصرين اعتكف في إجازته في مكتبته وطالع نحو من ٨٠ مجلد .
- الألباني رحمه الله كان يبقى على السلم نحو ساعتين وهو يبحث ويطالع ويقرأ .
هذه سير بعض القوم , وأنت في واد آخر .
من أراد اللحاق بهم فلينفض الغبار وليبدأ السير في الليل والنهار، هيا.. قم ونافس من سبقك , خذ كتابك , وابدأ حياتك .
لطائف :
- الجاحظ كان سبب وفاته سقوط مجلدات العلم عليه .
- السيوطي يقال له " ابن الكتب " لأن أمه ولدت به في المكتبة .
- الإمام مسلم مات لما كان يراجع حديثاً في ليلة سهر فيها مع التمر فأصبح ميتاً رحمه الله .
أسباب النفور من للقراءة :
- عدم معرفة قيمتها .
- ضعف التربية عليها؛ سواء في البيت أو في المدرسة .
- الانشغال بالجوال والإنترنت .
- ضعف الهمة وقلة الصبر .
- الانشغال بالملهيات كمتابعة الرياضة والمسلسلات، والانشغال بالتجارة والعقارات .
- عدم التركيز أثناء القراءة .
- ضعف الفهم للمقروء .
- علو أسلوب الكاتب وصعوبته على القارئ .
- غلاء أسعار الكتب .
كيف نتحمس للقراءة ؟.
- معرفة فضلها وأهميتها .
- مجالسة أصحاب القراءة , ونحن نجزم أن الصديق ساحبٌ للمعالي والهمم .
- دور الإعلام في تنمية محبة القراءة لعموم الناس, عبر تخصيص برامج في القنوات , ووضع المسابقات وعناية خطباء الجمع بموضوع القراءة .
- قراءة سير السلف والمعاصرين في حبهم للقراءة .
- زيارة معارض الكتاب لها دور في تقوية العلاقة بالكتاب وتجديد الصلة به .
- في البيت لا بد من تفعيل محبة الكتاب عبر وضع مكتبة صغيرة في مكان مناسب في البيت وشراء القصص المناسبة لأفراد الأسرة، ولا يصح تركهم أمام أجهزة التقنية بحجة الفكاك منهم .
- دور المدارس في تفعيل حب القراءة, وهذا ينطبق على المعلم ومهارته في تحقيق هذا الهدف في محبة الطلاب للقراءة, وللوزارة دور أيضاً في دعم المدارس بالمال والأفكار والبرامج في تنمية تلك المهارات وغيرها .
- دور حلقات التحفيظ في تربية الطلاب على القراءة من خلال عدة وسائل لتحقيق هذا الهدف, ومن هنا نرجو من مدرسي الحلقات العناية بجانب القراءة ووضع البرامج والمسابقات التي تجعل الطلاب يعشقون القراءة، مع مراعاة المراحل العمرية لهم ومناسبة البرامج لمستوياتهم الثقافية .
حتى تستمتع بالقراءة :
- استشر قبل أن تقتني الكتاب الذي تريد شراءه .
- تحديد ميزانية للكتب حتى لايؤثر شراءك للكتب على الميزانية المالية لديك .
- اختيار الكتاب المناسب لك وخاصة إذا كنت في البدايات , واحذر من القفز للكتب الكبيرة قبل إتقان ما قبلها .
- اختيار المكان المناسب مؤثر على محبتك للقراءة, ويدخل في ذلك وضوح الضوء، وجمال التكييف ، وحسن الرائحة .
- اختيار الوقت المناسب لك أنت؛ لأن بعض الناس قد يصلح لهم وقت دون وقت , وأنت أعلم بنفسك من غيرك .
- التنافس مع الآخرين في القراءة يزيد من حماسك للقراءة .
- اكتب مايعجبك وهذبه ورتبه ثم ارفعه للمواقع عبر الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي لينتفع الناس بما كتبت.
- استخدم أسلوب التلخيص لبعض الكتب .
- اقرأ ما تحب ويخدم ميولك وتخصصك .
- تنويع المقروء يجعلك تحب القراءة ولاتمل منها، فاقرأ في كتب السلف وطالع بعض الكتب المعاصرة والمترجمة أيضاً مما يفيدك.
- معرفة منهج المؤلف ومصطلحاته تعينك كثيراً على محبة القراءة وسهولتها عليك .
- اقرأ المقدمة والفهارس والخاتمة لتعرف أسرار الكتاب والكاتب .
- ناقش الكاتب بتعليق جميل, وذلك بأن تضيف عليه فوائد أو تنتقد مافيه بأدب وعلم وتُعلق على ما ترى أنه يحتاج إلى تعليق ليكون كتابك مليء بالفوائد منك ومن صاحب الكتاب .
من أقوالهم في القراءة:
-الكتاب الذي لايتعب فيه صاحبه لاتجد في قراءته متعة .
- الذي يكتب يقرأ مرتين .
- لانزهة ألذ من النظر في عقول الرجال .
أخطاء تقع في القراءة :
- القراءة بدون وجود هدف وغياب التخطيط , وهذا ظاهر عند كثيرين , فهم يقرءون وليس لهم هدف أو مشروع من تلك القراءة, مما يجعل القراءة لامتعة فيها غالباً .
- التقليد في القراءة, وهذا يظهر عند بعض الناس حينما يقرءون الكتاب الذي يسمعون الثناء عليه بدون الاقتناع بما فيه, ولهؤلاء أقول : قد أنتفع بثناء صديق على كتاب , ولكن لا يعني هذا أن أكون مثله فيما يقرأ وفيما يدع, بل لتكن لك شخصيتك وتميزك في اختيار مايناسبك أنت ويخدم همومك وتخصصك .
- الإسراع وعدم الفهم, وهذا نشاهده على بعضهم حينما يكون هدفه الانتهاء من الكتاب بدون العناية بالفهم لمحتواه, ومثل هؤلاء لايستفيدون بل قد يكونوا ممن هدروا أوقاتهم .
- القراءة الناقدة فقط, وهذا نراه عند ذلك الشخص الذي يجري النقد في دمه ويتنفسه مع كل شهيق وزفير, ولا شك أن هذا نقص في التقوى وجهل بالنفس وحظوظها, ونحن نقول: اقرأ بقصد الاستفادة, واترك مجال النقد جانباً, فإن وجدت ما يستدعي النقد فاكتب بكل أدب وحكمة وعدل وإنصاف .
- التسليم لكل ما يقوله المؤلف, وهذا خطأ أيضاً لأن العصمة منتفية عن كل كاتب, والخطأ وارد والزلل من طبع البشر, فخذ حذرك من بعض ما يكتب وانتبه لما بين السطور, وخاصة عند بعض المؤلفين الذين لا تعرف مناهجهم .
- القراءة في الكتب المخالفة للشريعة والمبتدعة وأهل الفجور كالمجلات الهابطة والروايات الساقطة, وهذا من الجهل الكبير أن تسمح لعينك أن تجول بين حروف المخالفين وأصحاب الأهواء والشبهات, والقلب ضعيف والشبهات خطافة, فارحم قلبك وعقلك وكن ذا تقوى قبل أن تقرأ .
- الجهل بمراعاة وقت الأسرة والعمل والدراسة مما يجعل القراءة سبباً للتقصير في الحقوق الأخرى, والذكي من يجعل وقت القراءة في الأوقات التي لا تتعارض مع الواجبات الأسرية أو الوظيفية ونحوها .
أخطار تهدد الكتاب :
- إبقاء الكتاب مفتوحاً .
- تقليب الصفحات بقوة .
- وضع الكتب فوق بعض والصواب بجانب بعض .
- وضع الكتب بشكل مائل .
- وضع الكتب الكبيرة فوق الصغيرة .
- تعريض الكتب للأطعمة والمشروبات .
- وضع الكتاب على الأرض .
- وضع الكتب في الكراتين فترة من الزمن .
- الاتكاء على الكتب .
- جعل الكتاب على شكل البوق .
- إعارة الكتاب لمن لا يُقدِّر قيمة الكتاب .
اللهم اجعلنا من عشاق العلم والتعليم يارب العالمين .

ماهو الوقت المناسب للدعوة ؟!

فن اختيار الوقت في الموعظة
يُشكِّل اختيارُ الوقت ومناسبته للحال عاملاً مهمًّا في نجاح الواعِظ في دروسه مِن نواحٍ عدَّة، منها:
1- اختيار الوقت المناسِب للوعْظ والإرشاد، فليس كلُّ وقت يصلح لوعْظ الناس وإرشادهم.
2- ومِن ناحية الموضوع ومناسبته للحال، فليس كلُّ ما يُعلم يُقال، ولا كلُّ ما يُقال يناسِب الحال.
3- ومِن ناحية استعداد المدعُوِّين نفسيًّا لسماع ما يُلقَى عليهم مِن دروسٍ ومواعظَ، لا بدَّ مِن مراعاة ذلك، مِن خلال التفرُّس في وجوه مَن يَحضُرون الدرس.
ولهذا سنبيِّن - أولاً - منهجَ الرسول الداعي الأوَّل - صلَّى الله عليه وسلَّم - في استغلاله لعامِل الوقْت في الدعْوة إلى الله في مناسبات عِدَّة، تتعلَّق بمعاش العِباد، وأمور حياتهم ومعادهم، وما كان الرسولُ - صلَّى الله عليه وسلَّم - يتَّبعه مِن أساليبَ في إيصال الحقِّ إلى الناس، ثم نبيِّن ما على الداعي إلى الحقِّ من أساليبَ ناجحة، تُمكِّنه من أن يؤثِّر فيمن يدعوهم ويعلِّمهم، ومِن الله التوفيق والسداد.
منهج الرسول في اختياره للوقت في الدعوة:
ويكمن ذلك المنهج السديد في نِقاط عدَّة، منها:
1- عدم إطالة الموعِظة؛ خشيةَ الملل والسآمة:
وهو ممَّا كان يحرِص عليه الرسول الكريم - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقد قال ابنُ مسعود - رضي الله عنه -: "إَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم - كانَ يَتخَوَّلُنا بالموْعِظَةِ في الأيَّامِ؛ كراهِيَةَ السَّآمةِ عليْنا"[1]، ولم يكن مِن هديه إعطاءُ دروسٍ في جميع الأيام؛ ذلك لأنَّ دعوته تأخذ أشكالاً مختلفة، تارةً بالقول، وأخْرى بالسلوك والقُدوة الحسنة.
2- استغلال الحَدَث والموقِف في التعليم والتربية:
فقد جاء في الحديثِ عن البراء بن عازب - رضي الله عنه - أنه قال: "خرجْنا مع النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - في جنازة رجلٍ من الأنصار، فانتهَيْنا إلى القبر، فجلَس رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وجلسْنا حوله، كأنَّ على رؤوسنا الطيرَ، وفي يدِه عُودٌ ينكت به في الأرض، فرفَع رأسه فقال: ((استعيذوا بالله مِن عذاب القبر..))[2]، والموعظة عندَ القبر كان يفعلُها - صلَّى الله عليه وسلَّم - أحيانًا.
وجاء في حديث قدوم تجَّار البحرين، حيث رأى مِن حرْصهم، فاستغلَّ الموقف في توجيه نصيحةٍ تربوية انطوتْ على تحذيرٍ من فِتنة الدنيا، وتبشير للأمَّة بالرخاء المادي، فقال: ((فأبشِروا وأمِّلوا ما يَسرُّكم، فواللهِ لا الفقرَ أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تُبسَطَ عليكم الدنيا، كما بُسطِت على مَن كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتُهلككم كما أَهْلكتهم))[3].
3- إطالة الموعظة أحيانًا لطارئٍ أو حادثٍ مهم:
وممَّا يدلُّ على ذلك موعظتُه - صلَّى الله عليه وسلَّم - عن أمور جِسام ستَقع في الأمَّة، حتى طالتْ موعظتُه فوقَ العادة، ففي صحيح مسلم عن عمرِو بن أخطبَ - رضي الله عنه - أنَّه قال: "صلَّى بنا رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - الفجرَ، ثم صعِد المنبر فخطَبَنا حتى صلاة الظهر، ثم نزَل فصلَّى بنا الظهر، ثم صعِد المنبر فخطَبَنا حتى صلاةِ العصر، ثم نزَل فصلَّى العصر، ثم صعِد المنبر فخطبَنا حتى المغرب، فما ترَك شيئًا مما يكون إلاَّ أخْبر به أصحابَه، حفِظَه مَن حفِظه، ونسِيَه مَن نسيه، يقول: فأعْلَمُنا أحفَظُنا"[4].
4- تحيُّن الموعظة عندَ إقبال السامِع وفراغِه ونشاطه، وتَرْكها عند انشغالهم، فهو أدْعَى إلى القَبول:
ومِن ذلك: أمرُه - صلَّى الله عليه وسلَّم - المدعوين بالانصراف إلى أهلِهم؛ لما رأى من تشوُّقهم إليهم؛ فعن أبي سليمان مالكِ بن الحويرث - رضي الله عنه - قال: "أتَيْنا رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ونحن شبَبَةٌ متقاربون، فأقمْنا عندَه عشرين ليلة، وكان رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - رحيمًا رفيقًا، فظنَّ أنَّا قد اشتقْنا أهلنا؛ فسَألْنا عمَّن تركْنا من أهلنا، فأخبرْناه، فقال: ((ارْجعوا إلى أهلكم، فأقيموا فيهم، وعلِّموهم وبرُّوهم، وَصَلُّوا كذا في حين كذا، وصلُّوا كذا في حين كذا؛ فإذا حضرتِ الصلاة فليؤذِّن فيكم أحدُكم، وليؤمَّكم أكبرُكم))"[5]
5- مناسبة المقال لمقتضَى الحال:
فقد كانت مواعِظُه - صلَّى الله عليه وسلَّم - واختياره الأمثل لمقتضَى الحال، مما له أبلغُ الأثر في المدعوِّين في حالة الفَرَح أو الحزن وغيرها مِن الأحوال في عامَّة مواعظِه وإرْشاده - صلَّى الله عليه وسلَّم.
6- توجيه الأنظار للتدبُّر والتفكُّر:
كان الرسولُ - صلَّى الله عليه وسلَّم - يستغلُّ عامِل الوقت والزمن؛ لأجْل صرْف العقول للتدبُّر في خلْق الله، وعجائب قدرته، مثْل وقت كسوف الشمس، وخسوف القمر وهبوب الرِّياح، فقد قال عندما وقَع الكسوف: ((إنَّ الشمس والقمر آيتان مِن آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد، ولكن الله تعالى يُخوِّف بها عباده))[6].
7- أوقات إقبال القلْب على ربِّه أدْعى لقَبول النُّصح والإرشاد، خاصَّة بعد صلاة الفجْر، وفي الحديث عن أبي نَجيح العِرْباض بن سارية - رضي الله عنه - قال: وعظَنا رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - موعظةً بليغة، وجلتْ منها القلوب، وذرفَتْ منها العيون، فقلنا: يا رسولَ الله، كأنَّها موعظة مودِّع، فأوصِنا، قال: ((أُوصيكم بتقوى الله، والسَّمْع والطاعة، وإنْ تأمَّر عليكم عبدٌ حبشي، وإنَّه من يعِشْ منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسُنَّتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين المهديِّين، عَضُّوا عليها بالنواجذ، وإيَّاكم ومُحْدَثاتِ الأمور، فإنَّ كل بدعة ضلالة))[7]، وكان ذلك بعدَ صلاة الفجْر، وهو وقتٌ تكون فيه النفوس بعيدةً عن الشواغِل والملهيات.
8- الترغيب في العمل الصالِح في أوقات ومناسَبات معروفة؛ مثل: صيام يوم عاشوراء ورمضان، وشوَّال وذي الحجَّة، وصلاة الاستسقاء، وما يناسِب تلك الحال مِن موعظة وإرشاد.
9- الحثّ على التوبة في وقْت الاحتضار:
وهي لحظةُ انتقال الإنسان إلى عالَم جديد، يتقرَّر فيه مصيرُه؛ فعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: "كان غلامٌ يهوديٌّ يخدُم النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - فمَرِض، فأتاه يعوده، فقعَد عند رأسه، فقال له: ((أسْلِم))، فنَظَر إلى أبيه وهو عنده، فقال له: أطِعْ أبا القاسم، فأسلَمَ، فخرج النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - وهو يقول: ((الحمد لله الذي أنْقذَه مِن النار))[8].
لقد حقَّقت دعوة الرسول الكريم انقلابًا عجيبًا في كيان الإنسان، بفضْل ما كان يمتلكه من وسائلَ فعَّالة ناجحة في الدعْوة إلى الله، فقد تحوَّل ذلك الإنسانُ مِن محبٍّ عاشِق للدنيا يموت ويحَيا مِن أجلها، لا يُفكِّر أبعد مِن شهوته وبطنه، إلى إنسانٍ يفكِّر ويجول نظره في الكون الفسيح، إلى ما وراء ذلك مِن الشوق إلى نعيمِ الآخِرة ولذَّتها، يحمل هَمَّ الدعوة والجهاد في سبيل الله، وإخراج مَن حوْله مِن البشر مِن ظُلم العباد إلى عدْل الإسلام ومساواته، ومِن عبادة الحجَرِ والبشر إلى عبادة الديَّان الذي لا يموت.
وما في قصص الصحابة الأوائل مما عجَز التاريخُ عن تفسيره، إلا بفِعْل الإيمان والتربية الحقَّة التي تلقَّوْها من المربِّي الأول، والمعلِّم الكريم محمَّد - صلَّى الله عليه وسلَّم.
ما ينبغي على الداعي مراعاته:
ينبغي على الداعي أن يُراعيَ عامِلَ الوقت؛ حتى يكونَ ناجحًا في مواعظه، وإلا ملَّتْه النفوسُ، وسَئِمت مِن سماعه، ومن ذلك:
أولاً: ليس كلُّ وقت يصلُح لوعْظ الناس وإرشادهم، فليس مِن الحِكمة - مثلاً - موعظةُ الناس بعْد صلاة الظهر، وهو وقتُ انشغال الناس بأعمالهم وأمور معاشِهم، أو وقت انصرافِ الناس إلى نومِهم وراحتهم في اللَّيْل، وهو مِن أخطاء بعض الوعَّاظ، يُريد أن يُلْقي مواعظَه دون إعطاء أهميَّة لحالِ مَن يدعوهم، وكأنَّه لا يخاطِب بشَرًا، لهم مشاعِرُ وأحاسيس.
ثانيًا: مناسبة الموعظة للحال، والبعض منهم يُلقي دروسًا في الصبر على البلاء، والفِتن الواقعة في الأمَّة، وتحمُّل المصائب والنكبات في يومِ فرَح الناس وأعراسهم، حتى يُحوِّل الفرح إلى عزاء ومصيبة، ومِن الحكمة استغلالُ تلك المناسبة في موعِظة عن الشُّكر، وبيان هَدْي الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - في الأعراس والمناسبات.
ثالثًا: على الداعي أن يتفرَّسَ في وجوه الحاضرين، ومدَى استعدادهم لتلقِّي ما يُقال لهم، فالموعظةُ الغرضُ منها هو أن يستفيدَ الحاضرون، والبعضُ من الوعَّاظ يرى تملْمُلَ الناس من درْسه وترْكهم لمجلسه، ومع ذلك تراه يستمرُّ في درسه ووعْظه، ويطيل الكلام ويُكرِّر الموعظة، وكأنه يطلب إعادةَ الثقة به، وهذا له نتائجُ عكسية تمامًا، وقد كان مِن هديه - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنَّه يُحدِّث بالحديث لو عدَّه العادُّ لأحصاه؛ لذا فمِن الحكمة قطعُ الموعظة إن لم يكن فيها مرغِّب أو مشوق آخر.
رابعًا: عدم توفُّر الوقت الملائم لإلْقاء الموعظة، وليس مِن الضروري إلْقاء الموعظة وكأنَّها حِمْل على كاهله يريد التخلُّص منه، بل الموعظة دُررٌ وفوائدُ أثمنُ مِن المال، لا بدَّ من تحيُّنِ فرصة مناسبة؛ ليُنتفعَ منها، وتقعَ موقعها في النفوس، فتدعوهم للعمل الصالح، وترْك ما أَلِفوه من المنكرات، ويحصُل ذلك عندما يتهيَّأ الداعي إلى إلْقاء موعظته، فيحدُث أمرٌ مفاجئ؛ لذا عليه أن يدَّخِر الموعظة لوقتٍ مناسب آخر.
خامسًا: خيرُ الكلام ما قلَّ ودلَّ: إنَّ إطالة المواعِظ لتتعدَّى أحيانًا ساعة وأكثر، هي مشكلةُ بعض الوعَّاظ، وليعلمْ هؤلاء أنَّ طاقة ذهْن الإنسان محدودةٌ لا يمكن في العادة أن تتابعَ الكلام بتركيز وانتباه لأكثرَ مِن رُبع ساعة، وبعدَها يُصاب الذِّهن بالشرود والتعب؛ ولهذا مِن الأفْضل على الواعظ أن يتَّخذ بعضَ التدابير، مثل: تدوين رؤوس الدرس والخطوط العامَّة منه في ورقة صغيرة؛ لئلاَّ يتحرَّج فيخلط في الكلام، أو يستطرد في أمْر لا علاقة له بصُلب الموضوع، كما يُشاهَد على بعض القنوات الفضائية مِن مواعظَ تتجاوز مدتها الزمنية السَّاعة والساعتين.
ومِن الأخطاء أيضًا في هذا الجانب أنَّ بعض الوعَّاظ يضع له مواعظَ مُقسَّمة على الأيام والشهور، وكأنَّها قوالِب لوضع المستمعين والمدعوين فيها، وهو خطأٌ منهجي في الدعوة، والمنهجُ السليم أن تكون الموعظةُ مما يتلاءَم مع حال المدعوين، فينظر الداعي أيَّ مرَض أو آفة اجتماعية تغلُب على قومِه أو مجتمعه، فيتحدَّث فيها، ويُحذِّر منها، وقد قيل في تعريف الحِكمة هي: فِعْل ما ينبغي، على الوجه الذي ينبغي، في الوقت الذي ينبغي.[9]
إلقاء الدرس قبْلَ وبعْد صلاة الجمعة:
سُئِل عن ذلك فضيلةُ العلاَّمة الألْباني، فأجاب - رحمه الله تعالى -: "الذي نعتقِده ونَدين الله به أنَّ هذه العادة التي سَرَت في بعض البلاد العربية، وهي: أن ينتصبَ أحدُ المدرِّسين أو الخُطباء ليلقيَ درسًا، أو كلمةً، أو موعظةً، قبل أذان الجمعة بنِصْف ساعة أو ساعة من الزَّمان، هذا لم يكن مِن عمل السلف الصالح - رضي الله عنهم - هذا مِن جهة.
ومِن جهة أخرى، فمن المعلوم لدَى علماء المسلمين قاطبةً أنَّ هناك أحاديثَ صحيحةً تأمُر المسلمين بالتبكير للحضور إلى المسْجد الجامع يومَ الجمعة، كمثل قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((مَن راح في الساعة الأولى فكأنَّما قرَّب بَدنةً، ومَن راح في الساعة الثانية فكأنَّما قَرَّب بقَرةً...، وهكذا حتى ذكَر الكبش والدجاجة والبيضة))، وممَّا لا شكَّ فيه أنَّ حَضَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - المسلمين على التبكير في الرواح يومَ الجمعة إلى المسجد الجامع ليس هو لسماعِ الدَّرْس وإلْقائه، وإنَّما هو للتفرُّغِ في هذا اليوم لعبادة الله - عزَّ وجلَّ - ولذِكْـره، وتلاوة كتابه، وبخاصَّة منه سورة الكـهف، والجلوس للصـلاة على النبـيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - تحقيقًا لقوله في الحديث الصحيح، والمروي في السُّنن وغيرها ألاَ وهو قوله - عليه السلام -: ((أكْثِروا عليَّ مِن الصلاة يومَ الجمعة؛ فإنَّ صلاتَكم تبلُغني))، قالوا: كيف ذلك وقد أَرِمْت؟! قال: ((إنَّ الله حَرَّم على الأرض أن تأكلَ أجساد الأنبياء.....)).
أما بعْدَ الصلاة، فقد قال - رحمه الله تعالى -: "إنْ كان أحدٌ يريد أن يُدرِّس فبعْدَ الصلاة؛ حيث يتفرَّغ الناس لسماع مَن شاء منهم، ومَن شاء القضاء، أمَّا أن ينتصبَ المدرس قبلَ صلاة الجمعة فيَفْرِض نفسه على الناس فرضًا، وفيهم المصلِّي والتالي والذاكر، فهذا هو الإيذاءُ للمؤمنين، فلا يجوز"[10].
أمثلة على ما مَرَّ:
الأمثلة في هذا الباب كثيرة، وعلى الداعي أنْ يتعود تدبر سيرة المصطفى والأحوال والظروف التي مر بها[11]، وهديه في موعظة الناس وإرشادهم؛ ليكون على بصيرة من دعوته.
ثم الاستفادة من تجارب الآخرين؛ ليضيف إلى رصيده في الدعوة إلى الله، وهذه أمثلة عامة تناسب أحوال عامة:
1- في بداية شهر رمضان يناسب إلقاء موعظة عن أحكام الشهر الفضيل، وما يَجوز وما ينبغي تجنبه، وفي شهر ذي الحجة ما يتعلق بأحكام الحج وأركانه، والترغيب فيه، وفي ليلة العيد - الأضحى والفطر - ما ينبغي فعله للمسلم من سنن وأعمال صالحة من صِلَةِ رحم وغير ذلك، مع تقديم الدروس مقرونة بالترغيب والترهيب، وفي ليلة الجمعة ما ينبغي على المسلم عمله للحصول على أجر وثواب الجمعة.
2- يناسب في أيام الأفراح والأعراس التحدُّث عن الترغيب في الزواج، وبيان فضائله، وشكر نعمة الله على نعمة العِفَّة والإحصان، وفضل إدخال السُّرور على قلب المسلم، والصلح بين الإخوان.
3- في يوم العزاء وفَقْد الأحبة الحث على الصبر، وتحمُّل المصائب، وثواب الصابرين، وما يترتب عليه من أجر وأهمية الإيمان بالقدر والقضاء، وأن الموت يَجري على كل نفس، وبيان عظم الجزاء للصابرين، والحذر من الجزع والتسخط، وأنَّه لا يأتي بنتيجة، بل يستوجب غضب الله ومقته، وبيان أهمية مواساة المسلم في المصيبة.
4- في وقت حدوث نزاع أو قتال أهمية الصلح بين المسلمين، وأنَّه أفضل درجة من الصيام والقيام، وأن الساعي إليه من أفضل عباد الله، وأن المسلمين إخوة متحابون، وأن الساعي للفتنة من شر عباد الله، وخاصَّة الفتنة بين الزوجين والأحبة، والتفريق بينهما، وأنه من أقرب الناس للشيطان.
5- في وقت احتلال بلاد الإسلام، وانتهاك دياره وحرماته، وسلب خيراته - الحث على الجهاد - النفس والعدو - وأنَّه عز المسلمين وسبب لنصرهم، وأنَّ التخاذُل يوجب تسلط الأعداء، والواجب على كل مسلم إعانة المجاهدين، ولو بالكلمة، وأن من لم يحدث بالغزو مات ميتة جاهلية، ويتم ذلك وَفْقَ مشورة أهل العلم والرأي الصائب؛ كي تؤتي ثمارها.
6- في وقت انشغال الناس بالدنيا وملذاتها، وغفلتهم عن معاني الآخرة وأهوالها، والاستعداد لها - التذكير بأحوال الموتى، وما يلاقيه كل من المؤمن والكافر من نعيم أو عذاب في القبر، وربطه بمعاني التوحيد والعقيدة الإسلامية، وما بعد الموت من نعيم مقيم أو عذاب أليم، والحساب على الصغيرة والكبيرة وَفْقَ ميزانٍ دقيق لا يظلم فيه أحد من عباد الله، والاستشهاد الجيد بالآيات، والأحاديث، والتنوع ما بين حديث وآية وشعر، وقول مأثور، وحكمة جليلة.
7- في وقت وقوع الزلازل والكوارث، ووقوع القتل والفتن، وتكالب الأعداء - الحث على الاعتصام بحبل الله والتوبة، والخروج من المظالم، والتضرع إلى الله، والقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن ما يقع هو بسبب ذنوب بني آدم وفسادهم، والواجب على كل مسلم التوبة والرُّجوع وعدم التسويف، بل المبادرة والإقلاع عن المعاصي.
8- في وقت الحاجة والفقر، وانتشار العوز في بلاد الإسلام - الحث على الإنفاق في سبيل الله، وأنَّ المال هو وديعة بيد المسلم، وأنَّ الواجب تقديمُ الدعم المادي لإخوة الإسلام في أيِّ مكان مهما اختلفت أشكالُهم وألوانهم، وكذا في وقت نشر الأفكار الهدَّامة ودعمها من قبل المؤسسات الغربية، وغيرها، الواجب تذكير الأمة بأهمية التصدي للباطل، إما بالكلمة أو بالمال؛ لئلا يستشري الباطل، وتضل الأمة عن الطريق القويم، وأنَّ من لم يقم بواجبه فلا يَلومَنَّ إلا نفسه.
9- في وقت خروج الفئات الباغية على شرع الله، ومنازعة أولي الأمر، وقيامهم بأعمال تضر بالمجتمع المسلم من قتل للأبرياء، وسَفْكٍ للدماء - الواجب التحذير منهم ومن أفعالهم، وبيان ما يعتقدونه من أفكار باطلة، وأنه الواجب طاعة أولي الأمر؛ لئلا ينفلت وتكون فوضى في بلاد الإسلام؛ مما يوجب العبث، وتسلُّط الكفرة على ديار المسلمين، ومثله التصدي لأفكار من ينتسب إلى الإسلام في الظاهر وهو يُخالفه في الاعتقاد كالرافضة، فالواجب بيان عقائدهم وضلالهم، وأنَّهم يستعملون التقيَّة في نشر الباطل، فالواجب الاعتصام بين المسلمين، والتصدي لترويج باطلهم وإفكهم.
10- في وقت يرى فيه الداعية أنَّ المسلمين قد هجروا كتاب ربهم، وتدبر آياته، والعمل به - لا بُدَّ من بيان فضل تلاوته، وأنَّه حبل الله المتين، ونجاة المسلم في الدنيا والآخرة، وأنَّه يشفع لقارئه، وأنَّ هجرانه يعني ظلام القلوب والبيوت، والبُعد عن رحمة الله، وبيان فضائله من الآيات والأحاديث، وهذا مِمَّا ينبغي التذكير به في كل مناسبة.
جامع ينبغي التذكير به دومًا:
ينبغي ربط كل موعظة وإرشاد بالأصل العظيم، وهو طاعة الله وطاعة رسوله، وأن نجاة المسلمين وسعادتهم في كل زمان ومكان تكمُن في تحقيق هذين الأمرين، وأي موعظة تخلو من التذكير بهذا الأصل القويم سيكون تأثيرها مؤقتًا، وتصل الموعظة إلى القلوب هامدة ميتة؛ ولهذا ينبغي التذكير بالهدف والغاية التي خلق من أجلها الخلق، ألاَ وهي عبادة الله وحدَه لا شريك له والعمل على مرضاته، وطاعة رسوله الكريم، والتطلع إلى ما عند الملك الكريم من الجزاء العاجل في الدنيا من الاطمئنان، والسعادة الحَقَّة وفي الأجل من الفوز بنعيم الجنة، وما أعَدَّ الله لأهلها من الكرامة والنعيم المقيم، وقد أخبر الله أنَّ أهلَ طاعة الله وطاعة الرسول هُم من أهل الرحمة؛ قال - تعالى -: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: 71]، وفي الدار الآخرة أخبر بما أعده للمؤمنين والمؤمنات من الخيرات، والنعيم المقيم في جنات تجري من تحتها الأنهار، خالدين فيها أبدًا، فقال - تعالى -: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ﴾ [التوبة: 72].
وصَلَّى الله على محمد عبد الله ورسوله، وعلى آله وصحبه أجمعين.
--------------------
[1] "صحيح البخاري"، (يتخول): يتعاهد، (السآمة): الملل والضجر.
[2] أخرجه أبو داود وغيره مطوَّلاً ومختصرًا من حديث البراء - رضي الله عنه.
وللأخ بلقسام عبدالدائم بحثٌ حول الموعظة عند القبر، وقد خلص إلى ما أشرْنا إليه، تجده على موقِع أهل الحديث.
[3] حديث صحيح أخرجه الشيخان.
[4] رواه مسلم ح (2892).
[5] أخرجه البخاري (5661).
[6] متفق عليه.
[7] العرباض بن سارية في سنن الترمذي - رقم (2676)، وهو حسن صحيح.
[8] الحديث رواه البخاري في صحيحه، وفي رواية للبيهقي: ((الحمد لله الذي أنقذه بي من النار)).
[9] مدارج السالكين (2/479).
[10] من كتاب "الأنباء بأخطاء الخطباء" (ص: 60 - 78) بقلم سعود بن ملوح سلطان العنزي، قدَّم له الشيخ سُلَيم بن عيد الهلالي.
[11] كتاب "زاد المعاد في هدي خير العباد"، لابن القيم، وكتاب "الرحيق المختوم" بحث في السيرة النبوية من أفضل الكتب التي تفيد الواعظ، وتجعله مهتديًا مقتديًا بسنة الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم.
كتبه: مرشد الحيالي

الخميس، 15 نوفمبر 2018

المولد النبوي وعشرة أدلة من الكتاب والسنة على جوازه ؟

 
المولد النبوي الشريف و أدلته من الكتاب والسنة



الأدلة من القرآن الكريم :
لقد أورد القرآن الكريم أدلة كثيرة تحض على الاحتفاء والابتهاج بسيد ولد عدنان صلى الله عليه وآله وسلم ، إما تصريحا وإما تلويحا ، وأقتصر على بعض الأدلة التصريحية وهي على النحو الآتي :
[ الدليل الأول ] :
قال تعالى (( قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا )) (يونس : 58)
فالله عز وجل طلب منا أن نفرح بالرحمة ، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم رحمة ، وقد قال تعالى (( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين )) (الأنبياء : 107)
وفي الدر المنثور للحافظ السيوطي (4/367) أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في الآية قال : فضل الله العلم ، ورحمته النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، قال الله تعالى (( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين )) انتهى .
[ الدليل الثاني ] :
قال الله تعالى (( وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك )) (هود : 120)
في الآية طلب قص أنباء الرسل لما في ذلك من تثبيت الفؤاد ، وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أفضل الرسل ، والمولد النبوي الشريف يشتمل على أنباء النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ففي ذكره تثبيت لأفئدة المؤمنين ، فهو حث على تكرار ذكر المولد والعناية به .
[ الدليل الثالث ] :
قوله تعالى حكاية عن عيسى بن مريم عليهما السلام : (( ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين )) (المائدة : 114)
قال الشيخ إسماعيل حقي في روح البيان (2/446) عند هذه الآية : "أي يكون يوم نزولها عيدا نعظمه ، وإنما أسند ذلك إلى المائدة لأن شرف اليوم مستفاد من شرفها"
وما كان ميلاد محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأقل شأنا من ميلاد عيسى عليه السلام ، بل ميلاد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أعظم منه ، لأنه صلى الله عليه وآله وسلم أكبر نعمة ، فيكون ميلاده أيضا أكبر وأعظم .
[ الدليل الرابع ] :
وفي كتاب الله عز وجل بيان لقصة ميلاد عيسى عليه سلام الله ، وميلاد يحيى بن زكريا عليهما السلام ، وقد نطقت آيات كثيرة بالإشارة إلى ميلاد مريم عليها السلام ، وما سبق ذلك الميلاد من دعاء الأم الرؤوم ، وما صحبه من تخوف واعتذار ، وما صحب مولدها عليها السلام من إكرام الله لها حيث كفلها زكريا ، وحيث الرزق المتجدد المتعدد الأنواع ، وحيث يتبارى أشراف القوم فيمن يكفل مريم ، واقترعوا من أجل ذلك ، هذا كله في سورة آل عمران من الآية (34) إلى الآية (44) ، وقد أتى ضمن هذه الآيات آيات تتكلم عن نبي الله يحيى بن نبي الله زكريا عليهما السلام ، محتفية به متحدثة بالإجلال والتكريم ، وقد تحدثت آيات أخر في سور آل عمران والمائدة ومريم عن ميلاد عبد الله ورسوله عيسى بن مريم عليهما السلام .
أقول أليس في هذا كله مما يستأنس به لجواز ذكر النعمة بمولده صلى الله عليه وآله وسلم ؟! وهو بكل تأكيد أفضل خلق الله على الإطلاق ؟
[ الدليل الخامس ]
: قال تعالى (( لتؤمنوا بالله ورسوله ، وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا )) (الفتح : 9)
ذهب المفسرون في تفسير هذه الآية مذهبين :
1) المذهب الأول : من وحد الضمائر .
2) المذهب الثاني : من فرق بينهما .
وخلاصة المذهب الأول أن الضمائر الواردة في الآية الكريمة تعود كلها إلى الله تعالى ، أو إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم .
وهو رأي جماعة من المفسرين نقله عنهم الإمام النووي ، فمن ذهب إلى أنها تعود إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال :
1) إنه عليه الصلاة والسلام أقرب مذكور في الآية .
2) لا يجوز التفريق بين الضمائر إلا لضرورة .
معنى "تسبحوه" أي تنزهوه عن النقائص وتدعوا له .
[ الدليل السادس ] :
قال الله تعالى (( لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين )) (آل عمران : 164)
قال الإمام الفخر الرازي رحمه الله تعالى : "إن بعثة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إحسان إلى كل العالمين ، ولقد شرف الله به العرب ونقلهم ببركة مقدمه صلى الله عليه وآله وسلم من رعاة الشاء والغنم إلى رعاة الشعوب والأمم ، ورفعهم من عُبية الجاهلية إلى مقام السيادة والريادة كما قال تعالى (( وإنه لذكر لك ولقومك ))
فقد أفردهم بالفخر على سائر الأمم وذلك لأن الافتخار بإبراهيم عليه السلام كان مشتركا بين اليهود والنصارى والعرب ثم إن اليهود والنصارى كانوا يفتخرون بموسى وعيسى عليهما السلام وبالتوراة والإنجيل .
فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وآله وسلم وأنزل القرآن صار شرف العرب بذلك زائدا على شرف جميع الأمم" انتهى بتصرف .
[ الدليل السابع ] :
قوله سبحانه وتعالى (( إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ))
وهذا دليل واضح الدلالة في توقيره وتعظيمه في كل وقت وحين لأن حبه صلى الله عليه وآله وسلم وولاءه أصل الدين وأساسه ، فكل العبادات تسوق إليه وتطبع القلوب على حبه وهذا مقام شريف واحتفاء عزيز ، وما الاحتفال بالمولد إلا تطبيع النفس على كثرة الصلاة عليه صلى الله عليه وآله وسلم رجاء أن ينطبع حبه وحب آله في القلوب ليؤسس ذلك الحب ركن الإيمان ويشيد صرح اليقين ، فيا له من احتفاء وابتهاج عظيم يأمر الله به ملائكته فتتشرف بهذا التكريم ، ويأمر عباده المؤمنين بالصلاة عليه ، فيا له من شرف ما بعده شرف وتكريم وتخصيص حكيم بالمؤمنين ولم يقل سبحانه بالمسلمين لأن معرفة قدره حبيبه عزيزة المنال فأدنى مقامات معرفتها مقام الإيمان ، والإسلام دون ذلك .
[ الدليل الثامن ] : قوله سبحانه وتعالى (( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير ))
وفي هذا النص القرآني – أخي القارئ – ما لا يخفى عليك من تعظيم الله سبحانه وتعالى لحبيبه صلى الله عليه وآله وسلم وتوقيره وإظهار قدره للخلق أجمعين ، فهي آية عظيمة قدس الله فيها نفسه قبل ذكر قدر نبيه لما في ذلك من الحفاوة والتبجيل والتعظيم والتوقير لحبيبه صلى الله عليه وآله وسلم حتى أن سيدتنا عائشة رضي الله عنها قالت : "وما أرى ربك إلا ويسارع في هواك" . فهذا رب السماوات والأرض يقدس ويعظم ويفخم مسرى حبيبه ويضم اسمه إلى اسمه في كل موقف .. ففي الشهادة لا يتم الإيمان إلا باسمه .. وفي الصلاة لا تتم إلا باسمه .. وفي معية الإسراء لا يكون الإسراء إلا لروحه ورسمه .
إن حادثة الإسراء والمعراج ابتهاج وعيد واضح للكون أجمع يجمع الله له صلى الله عليه وآله وسلم الأولين والآخرين من النبيين والمرسلين والصديقين والصالحين والملائكة والمقربين ليكون هو الإمام وهم المأمومين ليعرفوا قدره العظيم .
[ الدليل التاسع ] :
قوله سبحانه وتعالى (( إنا أنزلناه في ليلة مباركة )) مع قوله سبحانه (( إنا أنزلناه في ليلة القدر ))
نعت الله سبحانه وتعالى ليلة الإنزال لصفة سيد الرجال بأنها مباركة وأنها ذات قدر فقال سبحانه (( وما أدراك ما ليلة القدر ، ليلة القدر خير من ألف شهر ، تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر ، سلام هي حتى مطلع الفجر )) أي أن الله سبحانه وتعالى يُنزل ليلة القدر في كل سنة وفي كل شهر كبكبة من الملائكة وبالأرواح الصالحة من كل عالم مع روح سيد العوالم صلى الله عليه وآله وسلم وما ذلك إلا لعظيم القدر ، وما ذلك التكرار إلا لإعادة التذكار للعقول والأفكار الموفقة بمحبة سيد الأبرار صلى الله عليه وآله وسلم .
فإذا كان ذلك القدر للقرآن المنزل الذي هو خلقه صلى الله عليه وآله وسلم فكيف به صلى الله عليه وآله وسلم ؟ لا شك أنه قدر فوق قدر ، فإذا كانت شعائر الله ذات قدر مؤقتة في الزمان والمكان فالابتهاج به مطلق غير مقيد كما هو حال الذكر لأنه رحمة عامة ومنة تامة .
[ الفصل الثاني ] الأدلة من السنة المشرفة :
وأما الأدلة من السنة فكثيرة متظافرة ، تتلخص فيما يلي :
[ الدليل الأول ] :
أخرج مسلم في صحيحه (2/819) عن أبي قتادة أن رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم سئل عن صوم يوم الإثنين فقال : "ذاك يوم ولدت فيه ، وفيه أنزل علي" . وهذا نص في الاحتفال بيوم مولده صلى الله عليه وآله وسلم لا يحتمل غيره . ولم أجد للمخالف جوابا عنه إلا طلب الاقتصار على الصيام فقط ، وهي ظاهرية محضة ، وتخصيص بدون مخصص ، لكنها مع ذلك موافقة لنا في مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي الشريف . ولله در الحافظ ابن رجب الحنبلي حيث قال في هذا المعنى في كتابه لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف (ص98) : فيه إشارة إلى استحباب صيام الأيام التي تتجدد فيها نعم الله على عباده ، فإن أعظم نعم الله على هذه الأمة إظهار محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبعثته وإرساله إليهم ، كما قال تعالى (( لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم )) (آل عمران:164) ، فصيام يوم تجددت فيه هذه النعمة من الله سبحانه وتعالى على عباده المؤمنين حسن جميل ، وهو من باب مقابلة النعم في أوقات تجددها بالشكر" انتهى .
والمقصود الوصول بهذه الطاعة إلى محبة الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم وقد يتحقق هذه المقصود بأي وسيلة مشروعة ، فالوسائل لها حكم المقاصد إذا كان المقصد شرعيا .
[ الدليل الثاني ] :
قد صح عنه صلى الله عليه وآله وسلم في صيام عاشوراء ، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما قدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم المدينة وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسئلوا عن ذلك فقالوا : هو اليوم الذي أظفر الله فيه موسى وبني إسرائيل على فرعون ، ونحن نصوم تعظيما له ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : "نحن أولى بموسى" . وأمر بصومه . أخرجه البخاري (7/215 ومسلم (رقم 1130) .
وفي هذا الحديث تأصيل لملاحظة الزمان والعناية به . وقد استدل أمير المؤمنين في الحديث الحافظ ابن حجر العسقلاني بهذا الحديث على مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي الشريف ، كما في فتوى له نقلها الحافظ السيوطي في "حسن المقصد في عمل المولد" انظر الحاوي للفتاوي (1/196) . فقال ما نصه : "فيستفاد منه الشكر لله على ما من به في يوم معين من إسداء نعمة أو دفع نقمة ، ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة ، والشكر لله يحصل بأنواع العبادة كالسجود والصيام والصدقة والتلاوة ، وأي نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبي نبي الرحمة في ذلك اليوم" انتهى .
[ الدليل الثالث ] :
كان الصحابة رضي الله عنهم يتذاكرون فيه من سير الأنبياء ، فأرشدهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى ذكر سيرته ، لأنه أفضل وأكمل الأنبياء والجامع لما كان متفرقا فيهم ، وما المولد إلا عمل بهذا الإرشاد النبوي لأن فيه ذكرا لسيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
فقد أخرج الترمذي (تحفة الأحوذي 1/86) وقال الترمذي : غريب ، والدارمي (ا/26) والقاضي عياض في الشفا (1/408) :
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : جلس ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون ، قال بعضهم : إن الله اتخذ إبراهيم خليلا ، وقال آخر : موسى كلمه الله تكليما ، وقال آخر : فعيسى كلمة الله وروحه ، وقال آخر : آدم اصطفاه الله ، فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال : قد سمعت كلامكم وعجبكم ، إن ابراهيم خليل الله وهو كذلك ، وموسى نجي الله وهو كذلك ، وعيسى روحه وكلمته وهو كذلك ، وآدم اصطفاه الله وهو كذلك ، ألا وأنا حبيب الله ولا فخر ، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة ، تحته آدم فمن دونه ولا فخر ، وأنا أول شافع وأول مشفع يوم القيامة ولا فخر ، وأنا أول من يحرك حلق الجنة فيفتح الله لي فيدخلنيها ، ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر ، وأنا أكرم الأولين والآخرين على الله ولا فخر . وهو حديث قوي ، وله شواهد رواه البيهقي في دلائل النبوة (5/270-500) . وأصل الحديث في الصحيحين .
ويؤيد هذه الرواية التي تؤكد على احتفاء الصحابة بذكرى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهذا كعب الأحبار رضي الله عنه يتذاكر مع أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فضائل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وما خصه به ، فقال كعب : ما من فجر إلا نزل سبعون ألفا من الملائكة حتى يحفون بالقبر يضربون أجنحتهم ويصلوا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى إذا أمسوا عرجوا وهبط سبعون ألفا حتى يحفوا بالقبر فيضربون بأجنحتهم فيصلون على النبي سبعون ألفا بالليل وسبعون ألفا بالنهار حتى إذا انشقت عنه الأرض خرج في سبعين من الملائكة يزفونه –وفي لفظ يوقرونه- رواه إسماعيل القاضي وابن بشكوال والبيهقي في الشعب والدارمي وابن المبارك في الرقائق وهو حديث صحيح*.
* انظر جزء فضل الصلاة على النبي (ص83-84) رقم (102) من طريق ابن المبارك ، وفيه ابن لهيعة قد صرح بالتحديث ، وأخرجه الدارمي في سننه (1/420) بطريق آخر ورجاله ثقات ، وإقرار عائشة له حكم الموقوف ، انظر القول البديع (ص52)
[ الدليل الرابع ] :
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي في كتابه : "مورد الصادي في مولد الهادي" : قد صح أن أبا لهب يخفف عنه العذاب في مثل يوم الإثنين لإعتاقه ثويبة سرورا بميلاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم أنشد :
إذا كان هذا كافرا جاء ذمه == وتبت يداه في الجحيم مخلدا
أتى أنه في يوم الإثنين دائما == يخفف عنه بالسرور أحمدا
فما الظن بالعبد الذي كان عمره == بأحمد مسرورا ومات موحدا
فإذا كان هذا الكافر الذي جاء القرآن بذمه يخفف عنه العذاب لفرحه بمولد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم فما بال الذي يحتفل بذلك .
وهذا ما ذكره وقرره أيضا شيخ القراء والمحدثين الحافظ شمس الدين بن الجزري في "عرف التعريف بالمولد الشريف"
[ الدليل الخامس ] :
قال الحافظ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي في رسالة "حسن المقصد" (وهي في كتابه الحاوي 1/196) : وقد ظهر لي تخريجه على أصل آخر وهو ما أخرجه البيهقي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عق عن نفسه بعد النبوة ، مع أنه قد ورد أن جده عبد المطلب عق عنه في سابع ولادته ، والعقيقة لا تعاد مرة ثانية ، فيحمل ذلك على أن الذي فعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم إظهار للشكر على إيجاد الله إياه رحمة للعالمين ، وتشيع لأمته كما كان يصلي على نفسه ، لذلك فيستحب لنا أيضا إظهار الشكر بمولده بالاجتماع وإطعام الطعام ونحو ذلك من وجوه القربات وإظهار المسرات . انتهى .
[ الدليل السادس ] :
لقد صح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في فضل الجمعة : "وفيه خلق آدم" أخرجه مالك في الموطأ (1/108) والترمذي (رقم 491) وقال : حسن صحيح .
فقد تشرف يوم الجمعة بخلق آدم ، فبدلالة النص وفحوى الخطاب وقياس الأولى ثبت فضل اليوم الذي ولد فيه المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم .
ولا يختص هذا الفضل بنفس اليوم الذي ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقط ، بل يكون له نفس الفضل كلما تكرر ، كما هو الفضل في يوم الجمعة .
[ الدليل السابع ] :
فيما أخرجه البخاري (الفتح 8/270) وغيره عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلا من اليهود قال له : يا أمير المؤمنين ، آية في كتابكم ، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا . فقال : أي آية ؟ قال : (( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا )) (المائدة:3) فقال عمر : إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه ، والمكان الذي نزلت فيه ، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قائم بعرفة يوم الجمعة .
وأخرج الترمذي (5/250) عن ابن عباس نحوه وقال : فيه نزلت في يوم عيد من يوم جمعة ويوم عرفة ، وقال الترمذي : وهو صحيح .
وفي هذا الأثر موافقة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه على اتخاذ اليوم الذي حدثت فيه نعمة عظيمة عيدا ، لأن الزمان ظرف للحدث العظيم ، فعند عود اليوم الذي وقعت فيه الحادثة يكون موسما لشكر تلك النعمة وفرصة لإظهار الفرح والسرور بها .
[ الدليل الثامن ] :
أعمال البر التي يشتمل عليها المولد ، إن الاحتفال بالمولد يشتمل على كثير من أعمال البر كالصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم والذكر والصدقة ، ومدح وتعظيم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وذكر شمائله الشريفة وأخباره المنيفة ، وكل هذا مطلوب شرعا ومندوب إليه . وما كان يبعث ويساعد على المطلوب شرعا فهو مطلوب ، لذا قال تعالى مخبرا أنه هو وملائكته يصلون على النبي (( إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما )) (الأحزاب:56)
قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (3/506) : "والمقصود من هذه الآية أن الله سبحانه وتعالى أخبر عباده بمنزلة عبده ونبيه عنده في الملإ الأعلى ، بأنه يثني عليه عند الملائكة المقربين ، وأن الملائكة تصلي عليه ، ثم أمر الله تعالى أهل العالم السفلي بالصلاة والتسليم عليه ليجتمع الثناء عليه أهل العالمين العلوي والسفلي" انتهى .
وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مدح نفسه وغيره من الأنبياء السابقين ، ورغب في ذلك ، وعمل به الصحابة بحضرته ، فرضي ودعا لمن مدحه وأثابه .
وأخرج أحمد (4/24) وابن أبي شيبة (6/180) والطبراني في المعجم الكبير (1/رقم842) عن الأسود بن سريع قال : قلت : يا رسول الله مدحت الله بمدحة ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : هات وابدأ بمدحة الله .
في إسناده علي بن زيد بن جدعان وهو مختلف فيه ، وذكره الذهبي في جزئه المفيد "من تكلم فيه وهو موثق" برقم (249) ، وقال "صويلح الحديث" وقد روى له مسلم مقرونا بغيره .
لكن أخرج حمزة بن يوسف السهمي في تاريخ جرجان (ص413 رقم 723) عن أبي سعيد الأشج ، حدثنا عبد السلام بن حرب بن عوف عن الحسن ، عن الأسود عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نحوه .
إسناده صحيح ، مسلسل بالثقات المحتج بهم في الصحيح ، وعوف هو ابن أبي جميلة ، والحسن هو البصري ، وقد سمع من الأسود .
ومدح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جاء على لسان عدد من الصحابة ، فقد أخرج أحمد في المسند (3/451) وابن عساكر في التاريخ (مختصر ابن منظور 12/158) عن عبد الله بن رواحة رضي الله عنه قال :
وفينا رسول الله يتلو كتابه == إذا انشق معروف من الفجر ساطع
أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا == به موقنات أن ما قال واقع
يبيت يجافي جنبه عن فراشه == إذا استثقلت بالكافرين المضاجع
والاستماع للحادي في المدح جائز لا شيء فيه ، ففي صحيح البخاري (كتاب الأدب باب ما يجوز من الشعر 5/294) عن سلمة بن الأكوع : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى خيبر فسرنا ليلا فقال رجل من القوم لعامر بن الأكوع : ألا تسمعنا من هنيهاتك . قال : وكان عامر رجلا شاعرا فنزل يحدو بالقوم يقول :
اللهم لولا أنت ما اهتدينا
ولاتصدقنا ولا صلينا
فاغفر فداء لك ما اقتفينا
وثبت الأقدام إن لاقينا
وألقين سكينة علينا
إنا إذا صيح بنا أتينا
وبالصياح عولوا علينا
ولهذا نظائر ، انظر صحيح البخاري (كتاب الأدب ، باب ما يجوز من الشعر والرجز والحداء وما يكره منه ، وباب المعاريض مندوحة عن الكذب) وفي صحيح مسلم في أوائل كتاب الشعر من صحيحه .
[ الدليل التاسع ] :
ذكر ابن تيمية في كتابه "اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أصحاب الجحيم" (2/634-635) وقال المروزي : سألت أبا عبد الله عن القوم يبيتون فيقرأ قارئ ويدعون حتى يصبحوا . قال : "أرجو أن لا يكون به بأس" ، وقال أبو سري الحربي قال أبو عبد الله : وأي شيء أحسن من أن يجتمع الناس –يصلون على النبي صلى الله عليه وآله وسلم- ويذكرون ما أنعم الله عليهم كما قالت الأنصار ؟ ...
[ الدليل العاشر ] :
وأورد السيوطي في الدر المنثور عند تفسير سورة الجمعة من طريق عبد بن حميد وابن سيرين بسند صحيح : نبئت أن الأنصار قبل قدوم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قالوا : لو نظرنا يوما فاجتمعنا فذكرنا هذا الأمر ، الذي أنعم الله به علينا ، فقالوا : يوم السبت ، ثم قالوا : لا نجامع اليهود في يومهم ، قالوا : الأحد ، قالوا : لا نجامع النصارى في يومهم ، قالوا : فيوم العروبة وكانوا يسمون يوم الجمعة يوم العروبة فاجتمعوا في بيت أبي أمامة أسعد بن زرارة فذبحت لهم شاة فكفتهم** انتهى .
ترى أيها القارئ أن هذا الحديث يمكن أن يستفاد منه أمور منها :
-فيما يتعلق بالأمور المستجدة ، يمكن أن يفهم من هذا الحديث أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أقر ما يحدث من الأعمال مما يشهد له أصل من أصول الشريعة ، فقد أقرهم صلى الله عليه وآله وسلم على اجتماعهم في هذا اليوم ، دون أن ينتظروا إذنا منه فضلا عن أمر منه صلى الله عليه وآله وسلم .
-يفهم من هذا الحديث كما استدل به ابن تيمية رحمه الله ضرورة مخالفة النصارى واليهود في كل ما هو من سماتهم وشيمتهم خصوصا ما له تعلق بأمر من أمور العبادات .
-ويفهم منه استحباب ذكر النعمة والاحتفاء والاحتفال بأيامها ، وذلك أخذا من حديث الأنصار بمنة الله عليهم يوم وصلوا الإسلام ، ومن بحثهم عن يوم يختارونه لإظهار فرحتهم بذلك الحدث السعيد .
** ذكره ابن حجر في الفتح (2/355) ، ثم قال وهذا وإن كان مرسلا فله شاهد بإسناد حسن في حديث كعب بن مالك اه وذكره ابن تيمية في كتابه "اقتضاء الصراط المستقيم" (2/635)
[ الدليل الحادي عشر ] :
جميع الأحاديث والآثار التي تحض وتأمر بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأعظم دليل بالابتهاج والاحتفاء به صلى الله عليه وآله وسلم ، قال الإمام السخاوي رحمه الله تعالى في القول البديع (ص33) إن في الأمر بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أي وقت كان وكيفية ذلك على اختلاف أنواعه ، والأمر بتحسين الصلاة عليه والترغيب في حضور المجالس التي يصلي فيها عليه ، وإن علامة أهل السنة*** الكثرة منها ، وإن صلاة الملائكة عليه صلى الله عليه وآله وسلم على الدوام لدليل عظيم على توقيره وتعظيمه ، كما قال الإمام الحليمي في شعب الإيمان : إن التعظيم منزلة فوق المحبة ، فحق علينا أن نحبه ونبجله ونعظمه أكثر من إجلال عبد لسيده .. إلى أن قال : وبمثل هذا نطق الكتاب ووردت أوامر الله تعالى بالآيات والأحاديث انتهى .
*** انظر القول القول البديع (ص52)