في ميزان التحقيق العلمي (2): مسألة "من لم يُبدّع المبتدع فهو مبتدع" عند الشيخ ربيع
من أشد المسائل التي أحدثت شروخاً وفرقة في الساحة الدعوية هي تلك القاعدة المنهجية التي توسع الشيخ ربيع المدخلي وأتباعه في تطبيقها عملياً، وهي إلزام العوام وطلاب العلم بتبديع كل من صدر بحقه حكم بالتبديع من الشيخ، واعتبار من يتوقف أو يطلب الدليل خارجاً عن المنهج.
هذه المقولة والمسلك العملي يضع الشيخ في مقام "المشرّع أو المعصوم" الذي لا يُرد قضاؤه، وهو ما يخالف صريح ما قرره أئمة التحقيق في تاريخ الإسلام.
أين يكمن الوهم؟ (المقارنة مع المحققين من أهل العلم):
1. الإمام ابن تيمية: التفريق بين المسائل الاجتهادية والقطعية يرى الشيخ ربيع أن أحكامه في الأشخاص هي أحكام قطعية يجب على الجميع التسليم بها. ولكن لو عدنا إلى شيخ الإسلام ابن تيمية، لوجدناه يقرر أصلاً يناقض هذا الغلو تماماً، حيث يقول في مجموع الفتاوى:
"وليس لأحد أن ينصب للأمة شخصاً يدعو إلى طريقته، ويوالي ويعادي عليها غير النبي ﷺ، ولا ينصب لهم كلاماً يوالي عليه ويعادي غير كلام الله ورسوله وما اجتمعت عليه الأمة".
فابن تيمية يرى أن جعل مواقف الأشخاص واجتهاداتهم في تقييم الرجال معياراً للولاء والبراء والتبديع هو عين البدعة والافتراق.
2. الإمام الغزالي: خطورة التسرع في التكفير والتفسيق بالظن بينما يتسم خطاب الشيخ ربيع بالشدة البالغة وتعميم الأحكام بناءً على لوازم الأقوال، نجد الإمام الغزالي في كتابه "فيصل التفرقة" يضع ضابطاً رصيناً لحماية بيضة المسلمين، مؤكداً أن الخطأ في ترك ألف كافر (أو مبتدع) في الحياة أهون من الخطأ في سفك دم مسلم أو تبديعه وتفسيقه بغير يقين. ويرى الغزالي أن المسائل التي تحتمل التأويل أو التي يدخلها الاجتهاد لا يجوز أن تكون ساحة لإخراج الناس من الملة أو السنة.
3. منهج متقدمي أهل العلم: احتدام الخلاف بين الأقران يقوم خطاب الشيخ ربيع على إسقاط المخالف تماماً بمجرد صدور حكم الجرح فيه. بينما منهج متقدمي أهل العلم من المحدثين والفقهاء كان قائماً على أن "كلام الأقران بعضهم في بعض يُطوى ولا يُروى" إذا كان دافعه الهوى أو الاجتهاد المحض الذي لم يقم عليه دليل قطعي يوجب الإجماع. فلم يُلزم الإمام أحمد الناس بترك كل من تكلم فيهم يحيى بن معين، ولم يُلزم البخاري الأمة بموقفه من الذهلي، بل بقيت المساحة العلمية تتسع للاجتهاد والتمحيص.
خلاصة الدليل وعين البصيرة:
إن إلزام الشباب وأتباع التيار المدخلي بامتحان الناس بموقفهم من أحكام الشيخ ربيع في الرجال، هو وهم منهجي أدى إلى تصنيف الأمة وهجر الفضلاء.
رسالة إلى التابع اللبيب: إذا كان ابن تيمية والغزالي ومتقدمو الأمة قد جعلوا الأحكام على الآخرين قضايا اجتهادية ظنية تحتمل الخطأ والصواب، فكيف يتحول خطاب الشيخ ربيع إلى سيف مسلط يُلزمك بالتبديع دون وعي أو برهان؟ اتبع الحجة، واعلم أن الرجال يُستدل لهم ولا يُستدل بهم.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق