الجمعة، 25 سبتمبر 2026

حين تتحول «السلفية» من منهج إلى بطاقة تصنيف

 

حين تتحول «السلفية» من منهج إلى بطاقة تصنيف

فتنة التجريح والهجر والتحزب باسم السلفية

تمهيد

ليست المشكلة في أن ينتسب المسلم إلى السلف الصالح، ولا في أن يحرص على اتباع الكتاب والسنة وفهمهما على طريقة الصحابة والتابعين وأئمة الهدى؛ فهذا أصل محمود لا خلاف في مشروعيته.

وإنما المشكلة تبدأ حين يتحول الانتساب إلى السلفية من منهج يُعرف بالعلم والعمل والعدل والإنصاف، إلى شعار يُرفع، وبطاقة تُمنح، ومعيار يُحاكم به الناس؛ فمن وافق جماعة معينة في تفاصيل اجتهادية عُدَّ سلفيًا، ومن خالفها في شيء أُخرج من دائرة السنة، وبدأت بحقه سلسلة من الأحكام: مبتدع، مميع، متلون، حزبي، ضال، ثم قد ينتهي الأمر إلى الهجر والتحذير وإسقاط الثقة.

وهنا يتحول الحديث عن المنهج إلى حديث عن الأشخاص، وعن الدليل إلى حديث عن المواقف، وعن العلم إلى حديث عن الولاءات والاصطفافات.

ومن هنا جاءت الحاجة إلى التذكير بحقيقة مهمة:

السلفية الحقة ليست شعارًا يرفعه الإنسان، وإنما منهج علمي وأخلاقي وسلوكي يظهر أثره في العلم والعبادة والدعوة والإنصاف وحسن التعامل مع المخالف.


أولًا: ما أساس المشكلة؟

من أبرز أسباب هذه الفتنة اختزال المنهج السلفي في مسائل محددة، وربطه بفهم شخص أو مجموعة من الأشخاص، ثم جعل موافقة هؤلاء معيارًا للحكم على الآخرين.

فإذا وافق الشخص تلك الآراء والمواقف عُدَّ من أهل السنة، وإذا خالف في بعض المسائل الاجتهادية أو في تقدير بعض الأشخاص والمواقف، أصبح محل ريبة واتهام.

وهذا اختزال للمنهج في جانب واحد.

فالمنهج الإسلامي أوسع من ذلك بكثير؛ فهو يشمل:

العقيدة، والعبادة، والفقه، والأخلاق، والتربية، والدعوة، وطلب العلم، والنصيحة، والنقد، والعدل، والإنصاف، وحفظ حقوق المسلمين.

ولهذا فإن الانتساب الصحيح إلى منهج السلف لا يكون بمجرد الاسم، ولا بمجرد الموافقة في بعض المسائل، وإنما يظهر في طريقة التعامل مع النصوص، ومع العلماء، ومع المخالف، ومع الخطأ، ومع النفس أيضًا.

وقد نبّه الشيخ صالح الفوزان إلى أن الانتساب إلى منهج السلف لا يكفي فيه مجرد الادعاء، بل لا بد من معرفة منهجهم والعمل به، وأن طريقة السلف تقوم على العلم والعمل والاعتدال، بعيدًا عن الغلو والتساهل.

وهذه قاعدة مهمة:

لا يكفي أن تقول: أنا سلفي؛ بل ينبغي أن تسأل: أين أثر السلفية في علمك؟ وفي أخلاقك؟ وفي إنصافك؟ وفي حكمك على الناس؟

فالدعاوى لا تثبت بمجرد الأسماء، وإنما تثبت بالحقائق.


ثانيًا: بين حقيقة المنهج وشعار الانتساب

من أكثر الأخطاء شيوعًا أن يتحول الاسم إلى غاية بدل أن يكون وسيلة.

فيصبح الحديث:

أنا سلفي.
نحن السلفيون.
فلان سلفي.
فلان ليس سلفيًا.

ثم يبدأ بناء الأحكام على هذه التسميات.

والأصل أن المسلم مطالب باتباع الحق، لا بمجرد صناعة هوية لفظية لنفسه.

وقد قرر الشيخ صالح الفوزان في جواب له أن العبرة ليست بمجرد تسمية الإنسان نفسه سلفيًا أو أثريًا، وإنما بحقيقة اتباعه للحق، وأن الإنسان قد يسمي نفسه باسم لا يحقق معناه، وقد يكون على الحق من لا يطلق على نفسه هذه التسمية.

وهذه الفكرة تستحق التأمل:

قد تجد شخصًا لا يكثر من الحديث عن كونه سلفيًا، لكنه يتصف بالعلم والعدل والاتباع وحسن الخلق.

وقد تجد آخر يكثر من رفع شعار السلفية، لكنه يسيء الظن، ويتسرع في التبديع، ويهتك الأعراض، ويجعل المخالفة الشخصية سببًا للهجر والتحذير.

فأيهما أقرب إلى حقيقة المنهج؟

الجواب لا يحتاج إلى كثير عناء:

العبرة بالحقائق لا بالشعارات.


ثالثًا: حين يصبح التصنيف وظيفة

من أخطر مظاهر هذه الفتنة أن يتحول بعض المنتسبين إلى العلم والدعوة من طلب العلم وبناء النفس وإصلاح الناس إلى الانشغال الدائم بتصنيف الآخرين.

من سلفي؟

ومن ليس بسلفي؟

من المبتدع؟

ومن المميع؟

من الحزبي؟

من المتلون؟

من الذي يجب التحذير منه؟

ومن الذي يجب هجره؟

ومن الذي يجوز الاستماع إليه؟

ومن الذي لا يجوز؟

وهكذا يتحول جزء كبير من النشاط الدعوي إلى صناعة القوائم والتصنيفات بدل صناعة العلماء والدعاة والمربين.

وقد حذر الشيخ بكر أبو زيد من ظاهرة تصنيف الناس والتوسع في التجريح والتشكيك، ونبّه إلى ما يترتب عليها من التشهير والتنفير وإفساد القلوب.

والتصنيف في نفسه ليس دائمًا مذمومًا؛ فالعلماء قد يحكمون على المقالات والأقوال والبدع، وقد يبينون خطأ الأشخاص عند الحاجة.

لكن الفرق كبير بين:

نقد علمي منضبط يحتاج إليه الناس،

وبين:

تحويل التصنيف إلى ثقافة عامة، وإلى وسيلة لإسقاط المخالفين وتفريق الناس.

فالأول قد يكون من العلم والنصيحة، أما الثاني فقد يتحول إلى فتنة.


رابعًا: ليس كل خطأ يُسقط صاحبه

هذه من أهم القواعد التي ينبغي أن يتعلمها طالب العلم.

العالم ليس معصومًا.

والداعية ليس معصومًا.

وطالب العلم ليس معصومًا.

بل كل واحد بعد رسول الله ﷺ يؤخذ من قوله ويرد.

لكن الاعتراف بخطأ العالم لا يعني إسقاطه، والرد على قوله لا يعني إسقاط جميع علمه، وبيان زلته لا يعني تحويلها إلى عنوان دائم عليه.

فقد يصيب العالم في عشرات المسائل ويخطئ في مسألة، فيأتي من يجعل الخطأ الواحد هو كل شخصيته، ويترك سائر علمه وفضله.

وهذا مخالف للإنصاف.

وقد اشتهر عن الشعبي رحمه الله قوله:

«لو أصبت تسعةً وتسعين، وأخطأت واحدة، لأخذوا الواحدة وتركوا التسعة والتسعين».

ومعنى ذلك ظاهر:

إن من أخطر صور النقد أن يتحول من البحث عن الحق إلى البحث عن الزلة.

فإذا كان هدف الناقد هو معرفة الصواب، فإنه يفرح بالحق ولو جاء على لسان من يخالفه.

أما إذا كان هدفه إسقاط الشخص، فإنه يفرح بالخطأ لأنه وجد مادة يستعملها ضده.

وهنا يظهر الفرق بين الناقد الناصح والخصم المتربص.


خامسًا: النقد شيء، والتشهير شيء آخر

النقد العلمي له أصوله وآدابه.

ومن أهمها:

العلم بالمألة، والتحقق من النقل، وفهم كلام المخالف، ومعرفة سياقه، والتفريق بين الخطأ في القول والخطأ في القصد، والعدل في الحكم، والابتعاد عن المبالغة.

أما أن يُبنى الحكم على مقطع مبتور، أو عبارة محتملة، أو نقل غير موثق، أو تفسير للنيات، ثم تتحول المسألة إلى حملة تشهير؛ فذلك ليس من النقد العلمي الرصين.

ومن المؤسف أن بعض أساليب الطعن قد تأتي في صورة تبدو بريئة:

«أنا لا أريد الطعن فيه، ولكن...»

ثم يبدأ سرد العيوب.

أو:

«الله أعلم بنيته، ولكن كلامه خطير جدًا...»

ثم تُبنى عليه أحكام واسعة.

أو:

«لا أقول إنه كذا، ولكن انظروا إلى أفعاله...»

ثم يترك للقارئ أن يستنتج ما يريد.

وقد نبه ابن تيمية رحمه الله إلى صور متعددة يمكن أن تتستر فيها الغيبة والتعيير بثوب النصح والصلاح، وهذه مسألة جديرة بالتأمل في عصرنا.

فالإنسان قد لا يسب أخاه صراحة، لكنه قد يهدم منزلته بالإشارة والتلميح والسخرية وانتقاء العيوب.


سادسًا: قاعدة «إذا لم تكن معي فأنت ضدي»

من أخطر القواعد غير المعلنة في بعض البيئات الدعوية:

إذا لم توافقني فأنت ضدي.

ثم تتفرع عنها سلسلة من المطالب:

إذا لم توافقني في الشخص الفلاني فأنت متساهل.

إذا لم تحذر منه فأنت مميع.

إذا لم تبدعه فأنت مبتدع.

إذا لم تهجره فأنت حزبي.

إذا لم تنتقده بالطريقة التي ننتقده بها فأنت جزء من المشكلة.

وهذه عقلية تجعل الموقف من الأشخاص معيارًا للحق والباطل.

وقد حذر الشيخ محمد بن صالح العثيمين من مبدأ «من ليس معي فهو عليّ»، وبيّن أن التحزب لطائفة معينة وإضلال من خالفها، حتى لو كان أقرب إلى الحق منها، أمر مذموم.

والحق أن:

الاختلاف في الاجتهاد لا يحول المسلم تلقائيًا إلى خصم، ولا يجعل المخالف عدوًا، ولا يستلزم سقوط الأخوة.


سابعًا: لا تجعلوا الأشخاص ميزانًا للحق

من أخطر الأمور أن يصبح الشخص هو المعيار.

فيقال:

«فلان قال فيه كذا، إذن هو كذا».

«الشيخ الفلاني حذر منه، إذن لا نحتاج إلى معرفة السبب».

«الجماعة الفلانية قبلته، إذن هو ثقة».

«الجماعة الأخرى رفضته، إذن لا يجوز الاستفادة منه».

وهكذا يصبح الدين في وعي بعض الشباب سلسلة من الأسماء والمواقف الشخصية بدل أن يكون علمًا قائمًا على الدليل.

والصحيح أن العلماء يُحترمون ويُستفاد من علمهم، لكنهم ليسوا معصومين، ولا يجوز أن يتحول احترام العالم إلى تقديس، كما لا يجوز أن يتحول الرد على العالم في مسألة إلى إسقاط جميع فضله.

وقد قرر ابن تيمية رحمه الله معنى مهمًا في هذا الباب، وهو أنه ليس لأحد أن ينصب شخصًا للأمة فيوالي ويعادي عليه غير النبي ﷺ، ولا أن يجعل كلام شخص معين معيارًا يفرق به بين المسلمين.

وهذه قاعدة عظيمة:

الولاء للحق، وليس للأشخاص.


ثامنًا: الهجر ليس سلاحًا لكل خلاف

الهجر في الشريعة له أحكامه وضوابطه، وليس كل اختلاف سببًا للهجر.

كما أن هجر أهل الأهواء والبدع ليس بابًا مفتوحًا لكل أحد، يقرر فيه الشاب المبتدئ من يُهجر ومن لا يُهجر.

بل يحتاج الأمر إلى:

علم، وبصيرة، ومصلحة شرعية، وقدرة على تقدير المآلات.

وقد يؤدي الهجر في بعض الأحوال إلى تحقيق المصلحة، وقد يؤدي في أحوال أخرى إلى عكس المقصود، فيزيد الفرقة ويعمق العداوة.

ولهذا لا يصح أن يتحول الهجر إلى عقوبة اجتماعية لكل من خالف رأيًا أو اجتهادًا أو موقفًا.

فكم من إنسان هُجر لأنه لم يوافق في مسألة اجتهادية!

وكم من طالب علم قُطع عنه لأنه استمع إلى عالم مختلف!

وكم من داعية صار موضع تحذير لأنه لم يكرر نفس الأحكام على الأشخاص!

وهذا كله يحتاج إلى مراجعة جادة.


تاسعًا: أخطر ما في الفتنة أن تنتقل إلى الشباب

الشاب في بداية طريقه العلمي يحتاج إلى:

العلم، والقراءة، والعبادة، والتزكية، والأخلاق، والصبر، وحسن الظن، ومعرفة الخلاف الفقهي والعقدي، وأدب الحوار.

لكن إذا كانت أولى دروسه:

«من هذا؟»

«وماذا قال فيه فلان؟»

«هل تستمع إلى فلان؟»

«هل تحذر من فلان؟»

«هل تقول عن فلان مبتدع؟»

فإنه قد يكبر وهو يظن أن أهم علوم الدين هو معرفة الأشخاص وتصنيفهم.

والنتيجة أن يتحول طالب العلم من قارئ للكتب إلى متابع للقوائم، ومن طالب للعلم إلى جامع للمقاطع، ومن باحث عن الدليل إلى باحث عن زلة المخالف.

وهنا تضيع الأولويات.

إن الأمة تحتاج إلى شباب يتعلمون:

القرآن، والحديث، والفقه، وأصول الاستدلال، واللغة، والسيرة، والتفسير، والتاريخ، والأخلاق، وفقه الدعوة.

وتحتاج كذلك إلى شباب يعرفون كيف يختلفون بأدب.

أما أن ينشأ الشاب على أن أخطر مهمة في حياته هي معرفة «من نرد عليه»، فهذه تربية تحتاج إلى مراجعة.


عاشرًا: من أخطر مظاهر الخلل تصيد الزلات

تصيد الزلات يختلف عن اكتشاف الأخطاء.

فطالب العلم قد يجد خطأً في كتاب أو محاضرة فينبه عليه.

لكن المتصيد يبحث أصلًا عن الخطأ، ثم يفرح بالعثور عليه.

وهنا تتغير النية والنتيجة.

يصبح:

الخطأ غنيمة،
والزلة مادة للنشر،
والعبارة المحتملة تهمة،
والسياق مهملًا،
والاعتذار ضعفًا،
والتراجع هزيمة.

وهذه بيئة لا تساعد على العلم.

فالعدل يقتضي أن نقول:

أخطأ العالم في هذه المسألة.

ولا يلزم أن نقول:

إذن سقط العالم كله.

ويمكن أن نقول:

هذا القول غير صحيح.

دون أن نقول:

كل ما عند صاحبه باطل.

وهذا هو الفرق بين نقد الفكرة وهدم صاحبها.


الحادي عشر: العلماء ليسوا معصومين ولا يجوز إسقاطهم

من أكبر الأخطاء أن يُطلب من العالم أن يكون معصومًا حتى يُقبل علمه.

فإن أخطأ في مسألة قيل:

«سقط».

وإن اجتهد في مسألة قيل:

«انحرف».

وإن تغير اجتهاده قيل:

«متناقض».

وإن خالف شخصًا محبوبًا قيل:

«حزبي».

وبهذا المنطق لن يبقى لنا عالم يمكن الاستفادة منه.

والمنهج المتوازن يقول:

نقبل الحق، ونرد الخطأ، ونحفظ لأهل العلم فضلهم ومكانتهم.

وهذا لا يعني السكوت عن الخطأ، ولا منع النقد العلمي، بل يعني أن يكون النقد بحجمه الحقيقي.

فليس كل خطأ بدعة.

وليس كل بدعة تقتضي إسقاط صاحبها.

وليس كل خلاف دليلًا على فساد المنهج.

وليس كل مخالف خصمًا.


الثاني عشر: لا تجعلوا السلفية حزبًا جديدًا

من الأخطاء التي ينبغي الحذر منها أن تتحول السلفية إلى هوية حزبية مغلقة.

فالإسلام أوسع من التسميات التنظيمية، والسنة أوسع من الأشخاص والجماعات.

وقد نقل الشيخ بكر أبو زيد في «حلية طالب العلم» التأكيد على أن طالب العلم ينبغي أن يطلب العلم والعمل والدعوة إلى الله على طريقة السلف، وألا يتحول إلى شخص أسير للقوالب الحزبية الضيقة.

وأكد ابن عثيمين رحمه الله في تعليقه على ذلك معنى قريبًا، وهو التحذير من جعل الولاء والبراء لطائفة معينة أو حزب معين.

والفكرة الأساسية هنا:

لا تجعل اسمًا صالحًا وسيلة لإقامة حاجز بين المسلمين.

فإذا أصبحت كلمة «سلفي» وسيلة للتقريب حينًا، والإقصاء حينًا، والهجر حينًا، والتحذير حينًا آخر، فقد خرجنا من معنى المنهج إلى معنى الاصطفاف.


الثالث عشر: التناقض في تطبيق النصيحة

من صور الخلل التي تستحق المراجعة:

أن يكون الإنسان شديدًا في نصيحة مخالفيه، لينًا جدًا مع من يوافقونه.

أن يبحث عن زلات الآخرين، ويتغاضى عن زلات المقربين.

أن يطالب الآخرين بالإنصاف، ثم لا ينصفهم.

أن يرفض التقديس للأشخاص، ثم يجعل كلام شيخه معيارًا لا يُناقش.

أن يذم الحزبية، ثم يصنع حول نفسه دائرة من الولاء والبراء.

أن يحذر من التعصب، ثم لا يقبل الحق إذا جاء من مخالف.

وهنا لا بد من قاعدة:

الحق لا يتغير بتغير قائله.

والخطأ لا يصبح صوابًا لأن قائله محبوب.

والصواب لا يصبح باطلًا لأن قائله مخالف.

وهذه من علامات التجرد لله.


الرابع عشر: ما الذي ينبغي أن تقدمه الدعوة؟

إذا كان المشروع الدعوي كله يدور حول:

التحذير، والتصنيف، والتجريح، والهجر، وتتبع الزلات، والردود المتبادلة،

فمن حقنا أن نسأل:

أين البناء؟

أين تعليم الناس القرآن؟

أين تعليمهم الصلاة؟

أين تربية الشباب على الصدق والأمانة؟

أين معالجة الفقر والجهل والفساد الأخلاقي؟

أين تعليم الأسرة؟

أين صناعة العلماء؟

أين خدمة المجتمع؟

أين مواجهة الإلحاد والانحرافات الفكرية؟

أين نشر الأخلاق؟

أين تقديم الإسلام للناس بصورة تجمع ولا تفرق؟

ليس المقصود إلغاء النقد أو الرد على الخطأ، وإنما إعادة النقد إلى حجمه الطبيعي داخل المشروع الدعوي، حتى لا يصبح هو المشروع كله.


الخامس عشر: طريق السلامة

إذا أردنا الخروج من هذه الفتنة، فهناك مجموعة من القواعد المهمة:

1 ـ اشتغل بإصلاح نفسك قبل تتبع عيوب الآخرين

فمن أعظم ما يشغل طالب العلم:

ما الذي ينقصني؟
ماذا تعلمت اليوم؟
ما الذي ينبغي أن أصلحه في أخلاقي؟
هل أديت حقوق الله وحقوق الناس؟


2 ـ لا تنقل حكمًا بلا تثبت

قبل أن تقول:

«فلان قال».

تأكد.

وقبل أن تقول:

«فلان يعتقد».

تثبت.

وقبل أن تنشر مقطعًا أو اقتباسًا:

ارجع إلى المصدر والسياق.

فالظلم قد يبدأ من معلومة ناقصة.


3 ـ فرّق بين القول وصاحبه

قد يكون القول خطأً، لكن الحكم على القائل يحتاج إلى علم وتفصيل.

وقد يكون الفعل منكرًا، لكن الحكم على صاحبه له ضوابطه.

فلا تجعل كل خطأ شخصي حكمًا شاملًا على الإنسان.


4 ـ لا تجعل نفسك قاضيًا على الناس

ليس كل طالب علم مؤهلًا للحكم على العلماء والدعاة.

ومن الخطأ أن يتحول الشاب إلى مرجع في:

التبديع، والتفسيق، والتضليل، والهجر، والتصنيف.

العلم له أهله.

والحكم له شروطه.

والنصيحة لها آدابها.


5 ـ عند الرد، اجعل مقصدك إصلاح الخطأ

اسأل نفسك قبل أن تكتب:

هل أريد بيان الحق أم إسقاط الشخص؟

إذا كان المقصود بيان الحق، فليكن الكلام بقدر الحاجة.

أما إذا كان المقصود التشفي، فالأفضل أن يتوقف الإنسان قبل أن يكتب.


6 ـ لا تمتحن الناس بالأشخاص

لا تقل:

«إن كنت سلفيًا فقل عن فلان كذا».

ولا:

«إذا كنت من أهل السنة فاهجر فلانًا».

ولا:

«من لم يبدعه فهو مبتدع».

فهذه طريقة تجعل الأشخاص موازين للحق، بينما الواجب أن يكون الحق هو الميزان.


7 ـ احذر من تحويل الخلاف إلى قطيعة

قد تختلف مع أخيك، وترد عليه، وتبين خطأه، ثم تبقى بينكما أخوة الإسلام.

ليس كل خلاف يحتاج إلى هجر.

وليس كل رد يحتاج إلى معركة.

وليس كل اختلاف يحتاج إلى إعلان براءة.


8 ـ خذ العلم من العلماء ولا تجعلهم معصومين

احترم العالم.

استفد منه.

ادع له.

وانتفع بعلمه.

لكن لا تجعله معصومًا.

فإن أخطأ، رددت الخطأ بالدليل، مع حفظ مقامه.


السادس عشر: ميزان العدل في التعامل مع المخالف

يمكن اختصار المنهج المتوازن في هذه القواعد:

نقبل الحق ممن جاء به.

نرد الخطأ مهما كان قائله.

نحفظ لأهل العلم فضلهم.

لا ننتصر للأشخاص على حساب الحق.

لا نحمل الكلام المحتمل على أسوأ المحامل.

لا نفتش عن النيات.

لا نعمم الحكم بسبب خطأ جزئي.

لا نجعل الخلاف سببًا للقطيعة بلا موجب شرعي.

ولا نجعل النقد بابًا للتشهير.

وهذا هو العدل الذي تحتاجه الساحة الإسلامية اليوم.


السابع عشر: خلاصة المشكلة

ليست المشكلة في السلفية بوصفها دعوة إلى الكتاب والسنة وفهم السلف الصالح.

وليست المشكلة في التحذير من الخطأ حين يكون التحذير قائمًا على العلم والبينة والمصلحة.

وليست المشكلة في نقد العلماء والدعاة إذا كان النقد علميًا منصفًا.

إنما المشكلة حين يتحول كل ذلك إلى منظومة من الولاءات والخصومات، يكون معيارها الأساسي: من وافقنا فهو منا، ومن خالفنا فهو علينا.

وحين يصبح:

التصنيف أهم من التعليم،
والتحذير أهم من البناء،
والتجريح أهم من التربية،
والخصومة أهم من الدعوة،
والانتصار للأشخاص أهم من الانتصار للحق.

هنا ينبغي أن نتوقف ونسأل:

هل هذه حقًا طريقة السلف؟

فالسلفية التي تقوم على العلم والعدل والرحمة والإنصاف شيء، والسلفية التي تتحول إلى بطاقة لتصنيف المسلمين شيء آخر.


وأخيرًا: كلمة من القلب

إلى كل من اشتغل بالعلم والدعوة والنصيحة:

اتق الله في أعراض المسلمين.

لا تجعل قلمك وسيلة لهدم ما بناه غيرك.

ولا تجعل اختلافك مع عالم أو داعية سببًا لإسقاطه من أعين الناس.

ولا تجعل زلةً واحدة تمحو سنوات من العلم والعمل.

وإذا رأيت خطأً، فكن ناصحًا لا متشفيًا.

وإذا رأيت انحرافًا، فبيّنه بالعلم لا بالظلم.

وإذا اختلفت مع أخيك، فلا تجعل الخلاف يمحو أخوته.

وإذا أخطأ من تحبه، فلا تدافع عن الخطأ.

وإذا أصاب من تخالفه، فلا ترد الحق لأنه جاء منه.

هذه هي العدالة التي يحتاجها طالب العلم.

والعالم والداعية ليسا فوق النقد، لكنهما أيضًا ليسا مباحَي العرض لكل أحد.

والنقد ليس غيبة إذا استوفى شروطه الشرعية، لكنه قد يتحول إلى غيبة وبهتان إذا خرج عن العلم والعدل والحاجة.

ولهذا ينبغي أن يبقى ميزاننا دائمًا:

العلم، والعدل، والإنصاف، وحسن القصد، والتثبت، ومراعاة المصلحة.

ولنتذكر أن الناس ليسوا ملائكة لا يخطئون، ولا شياطين لا يصيبون.

بل:

يصيبون ويخطئون، ويعلمون ويجهلون، ويقوون ويضعفون.

ومن الظلم أن نحاكم الإنسان كله إلى زلة، كما أن من الظلم أن نجعل الخطأ صوابًا لأن صاحبه محبوب.

فالحق أكبر من الأشخاص، وأبقى من الجماعات، وأعظم من الأسماء.


كلمة أخيرة

إن أمتنا اليوم أحوج ما تكون إلى العلماء الذين يجمعون ولا يفرقون، والدعاة الذين يبنون ولا يهدمون، والطلاب الذين يتعلمون قبل أن يحكموا، والنقاد الذين ينصحون قبل أن يشهروا.

وأحوج ما تكون كذلك إلى تجاوز معارك التصنيف التي تستنزف الطاقات، وتحوّل الإخوة إلى خصوم، وتشتت الجهود، وتقطع طريق الانتفاع بالعلم.

فلنجعل شعارنا:

نختلف دون أن نتباغض.

ننصح دون أن نشهر.

نرد الخطأ دون أن نهدم صاحبه.

نحترم العلماء دون أن نعصمهم.

ونتبع الحق دون أن نقدس الأشخاص.

فالسلامة ليست في أن تعرف أسماء من تخالفهم فقط، وإنما في أن تعرف كيف تطلب الحق، وكيف تختلف، وكيف تنصح، وكيف تحفظ لأخيك حقه، وكيف تكون عادلًا حتى مع من لا توافقه.

قال الله تعالى:

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾

وقال سبحانه:

﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِإِخْوَانِيَ الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾

اللهم اجمع قلوب المسلمين على الحق، واهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، وعلّمنا العدل والإنصاف، واحفظ ألسنتنا من الظلم والبهتان، واجعلنا دعاةً إلى الخير، مفاتيح للرحمة، مغاليق للفتنة.

والحمد لله رب العالمين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق