مغالطة المداخلة الكبرى:
يفرضون المقدمة أولًا… ثم يحاكمونك بالنتيجة!
من أكثر المغالطات شيوعًا في الخطاب المدخلي أن يبدأ النقاش من مقدمة لم يثبتوها أصلًا، ثم يبنوا عليها أحكامًا كبيرة، فإذا رفض الخصم المقدمة نفسها، عاملوه وكأنه ملزم بالنتيجة التي ترتبت عليها!
وهنا يجب أن ننتبه إلى قاعدة بسيطة في كل حوار علمي:
لا يجوز أن تُلزم خصمك بنتيجة مبنية على مقدمة لا يسلّم بها، إلا بعد أن تثبت له صحة تلك المقدمة.
فالمشكلة ليست دائمًا في النتيجة وحدها، وإنما في الطريق الذي أوصل إليها.
① وليست كل مقدمة مدخلية حقيقةً مسلَّمة
من أمثلة ذلك قولهم:
«كل حاكم مسلم هو ولي أمر شرعي، ومن طعن فيه فقد طعن في ولي الأمر، ومن طعن في ولي الأمر فهو خارجي.»
لكن السؤال الذي يسبق كل ذلك:
هل ثبت أصلًا أن كل حاكم مسلم هو ولي أمر شرعي بالمعنى الذي يريدونه؟
فإن كان الخصم لا يسلّم بهذه المقدمة، فلا معنى لأن تقول له:
«أنت طعنت في ولي الأمر!»
لأنك لم تثبت له أولًا أن الشخص الذي تتحدث عنه ولي أمر شرعي بالمعنى محل النزاع.
وهنا يتحول النقاش من بحث الدليل إلى مجرد مصادرة على المطلوب.
كما أن الجمع بين النصوص المتعلقة بالحكم والإمارة يحتاج إلى دراسة أصولية دقيقة، لا إلى مجرد انتزاع جملة من حديث وإسقاطها على كل صورة دون النظر في بقية النصوص ودلالاتها وشروطها ومناطاتها.
ولهذا فالقضية ليست:
«هل نطيع ولي الأمر أم لا؟»
بل قبل ذلك:
«من هو ولي الأمر شرعًا؟ وما شروط هذا الوصف؟ وما حدود الأحكام المترتبة عليه؟»
وهذا بحث مستقل لا يجوز حسمه بمجرد إطلاق اللقب.
② «ربيع المدخلي من أهل الحق» ليست حجة على من لا يسلّم بذلك
ومن الأمثلة الأخرى:
يقال للخصم:
«من طعن في ربيع المدخلي فقد طعن في عالم من أهل الأثر، ومن طعن في أهل الأثر فهو من أهل البدع!»
لكن هنا وقعنا في الدائرة نفسها:
هل ثبت أولًا أن ربيع المدخلي هو من أهل الحق الذين يحرم الطعن فيهم بهذا الإطلاق؟
الخصم أصلًا ينازع في هذه المقدمة.
فلا يصح أن تقول له:
«أنت مخطئ لأنك طعنت في ربيع، وربيع من أهل الحق.»
ثم تجعل طعنه في ربيع دليلًا على خطئه!
لأنك استخدمت محل النزاع نفسه دليلًا على صحة النتيجة.
وهذه صورة من المصادرة على المطلوب.
والمنهج العلمي يقتضي أن تناقش كلام الرجل:
هل قوله صحيح أم خطأ؟
هل دليله صحيح أم فاسد؟
هل نسب إليه الكلام أصلًا؟
هل فهم كلامه في سياقه أم اقتُطع من موضعه؟
أما مجرد القول:
«هذا طعن في ربيع»
فليس برهانًا على بطلان الطعن.
③ «فلان لم يبدّع من بدّعه ربيع» لا تكفي وحدها لتبديعه
ومن أكثر القواعد التي تتكرر في هذا الباب:
«فلان يثني على مبتدع، ومن لم يبدّع المبتدع فهو مبتدع.»
لكن هذه القاعدة نفسها مبنية على مقدمات تحتاج إلى إثبات:
أولًا: هل الشخص الذي وُصف بأنه «مبتدع» ثبتت بدعته أصلًا؟
ثانيًا: هل ثبتت صحة الحكم الذي صدر فيه؟
ثالثًا: هل ثبت أن الناقد الذي أصدر الحكم أهلٌ لهذا الحكم؟
رابعًا: هل ثبت أن الشخص الآخر كان يعلم حقيقة حال من أثنى عليه؟
خامسًا: هل كل ثناء على شخص يعني الموافقة على جميع أفكاره ومناهجه؟
سادسًا: هل كل خطأ أو مخالفة تستوجب إسقاط الشخص وتبديعه؟
هذه أسئلة لا يمكن تجاوزها بالقفز مباشرة إلى النتيجة.
قبل أن تحكم على شخص… أثبت سلسلة الاستدلال كاملة
عندما يراد تبديع شخص أو إسقاطه، فهناك مراحل لا بد من المرور بها:
① إثبات نسبة القول إليه.
فلا يكفي أن تقول:
«فلان قال كذا.»
بل يجب أن تأتي بالنص الصحيح، وتثبت صحة نسبته إليه.
② فهم الكلام في سياقه.
فقد يكون اللفظ محتملًا، أو يكون المراد منه غير ما فهمه الناقد.
③ إثبات أن المعنى المقصود خطأ أو بدعة.
فليس كل ما خالف فهم الناقد يكون بدعة.
④ إثبات أن الخطأ مؤثر في الحكم على الشخص.
فالناس يخطئون، والعلماء يخطئون، وليس كل خطأ يساوي سقوط صاحبه.
⑤ التفريق بين الخطأ والتبديع.
فقد يخطئ العالم في مسألة، ولا يلزم من ذلك أن يصبح مبتدعًا.
⑥ مراعاة التناقض في المعيار.
فإذا كان الخطأ نفسه موجودًا عند من يصدر الحكم، فلا بد من بيان سبب اختلاف الحكم في الحالتين.
⑦ ثم بعد ذلك كله يأتي الحكم على الشخص.
أما القفز من:
«فلان أخطأ»
إلى:
«فلان مبتدع»
ثم إلى:
«كل من أثنى عليه مبتدع»
ثم إلى:
«كل من لم يبدعه فهو مبتدع»
فهذا ليس استدلالًا بسيطًا، بل سلسلة من النتائج تحتاج كل حلقة فيها إلى دليل مستقل.
ومثال سيد قطب يكشف المشكلة بوضوح
من أشهر ما يتكرر في هذا الباب اتهام سيد قطب بأنه يقول بخلق القرآن بناءً على عبارات تُفهم خارج سياقها.
وهنا يجب أن يكون السؤال الأول:
هل قال سيد قطب فعلًا: «القرآن مخلوق»؟
فإن لم يقلها بهذا اللفظ، فلا يجوز أن ننسب إليه هذا القول لمجرد تفسيرنا لعبارة وردت في سياق معين.
ثم يأتي السؤال الثاني:
ما معنى العبارة في سياقها الكامل؟
ثم السؤال الثالث:
هل هذا المعنى هو فعلًا القول بخلق القرآن عند من قال به؟
ثم السؤال الرابع:
هل السياق الذي وردت فيه العبارة يؤيد هذا الفهم أم ينقضه؟
هذه هي الطريقة العلمية في التعامل مع النصوص.
فلا يكفي أن نأخذ كلمة، ثم نبني عليها عقيدة كاملة، ثم نبني على تلك العقيدة حكمًا على صاحبها.
القاعدة الذهبية في كل مناظرة
إذا أردت أن تحاكم شخصًا إلى قاعدة معينة، فاسأله أولًا:
هل تسلّم بهذه القاعدة؟
فإن قال: نعم، انتقل النقاش إلى تطبيقها.
وإن قال: لا، فلا يجوز أن تبدأ بمحاسبته على النتيجة المترتبة عليها، بل يجب أن تعود خطوة إلى الوراء:
أثبت صحة القاعدة أولًا.
وهذا هو الفرق بين الحوار العلمي والإلزام الحزبي.
الحوار العلمي يقول:
هذه مقدمتنا، وهذا دليل صحتها، وهذه النتيجة المترتبة عليها.
أما الإلزام الحزبي فيقول:
نحن نؤمن بهذه المقدمة، ولذلك يجب عليك أن تقبل نتيجتها، ومن رفضها فهو مخالف أو مبتدع!
والفرق بين المنهجين كبير.
الخلاصة
ليست المشكلة في أن يختلف الناس في تقييم ربيع المدخلي، أو غيره من العلماء والدعاة.
فالاختلاف في تقييم الأشخاص أمر لا يُحسم بالألقاب، وإنما بالدليل والنص والتحقيق والمقارنة.
لكن المشكلة حين تتحول أحكام جماعة على الأشخاص إلى مقدمات مقدسة، ثم يُطلب من الخصم أن يقبلها أولًا حتى يمكن بعد ذلك محاكمته إليها.
ولهذا فالسؤال الذي ينبغي أن يُطرح دائمًا:
أثبت المقدمة أولًا… ثم طالبني بالنتيجة!
أما أن تقول:
«ربيع عالم؛ إذن من طعن فيه مبتدع»
أو:
«فلان مبتدع؛ إذن من لم يبدّعه فهو مبتدع»
أو:
«هذا حاكم ولي أمر شرعي؛ إذن كل من خالفه خارجي»
فكل هذه النتائج تتوقف على مقدمات سابقة.
ومن لم تثبت مقدمته، لم تثبت نتيجته.
وهذه ليست قضية مدخلية أو سلفية أو أشعرية أو غير ذلك؛
بل هي قاعدة في أبسط قواعد التفكير والاستدلال:
لا تُلزم خصمك بما لم يسلّم به، بل أقِم الدليل على صحة ما تريد أن تلزمه به أولًا.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق