التوسل بالنبي ﷺ عند أئمة الحنابلة: نقولات من كتب المذهب وردٌّ على دعوى المنع المطلق
هل يصح أن يُقال إن التوسل بالنبي ﷺ لا أصل له في المذهب الحنبلي، أو إن كل من أجازه قد خالف منهج أئمة المذهب؟
من المسائل التي كثر فيها الجدل بين المسلمين مسألة التوسل بالنبي ﷺ والصالحين، حتى تجاوز النقاش أحيانًا حدود البحث الفقهي في الأدلة والأقوال، إلى تبادل الاتهامات والتصنيفات العقدية.
والواجب في مثل هذه المسائل أن نرجع إلى المصادر، وأن نقرأ أقوال العلماء في سياقاتها، وأن نفرّق بين المسائل المتمايزة، بدل الاكتفاء بالشعارات أو نسبة قول واحد إلى مذهب كامل دون استقراء.
وفي هذا المقال، نستعرض مجموعة من النقول الواردة في كتب أئمة الحنابلة، لنتعرف إلى جانب من موقفهم من التوسل بالنبي ﷺ والصالحين.
أولًا: التوسل بالنبي ﷺ في المنقول عن الإمام أحمد
ينقل عدد من فقهاء الحنابلة عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله جواز التوسل بالنبي ﷺ في الدعاء.
وجاء في النقل الذي أورده أصحاب كتب المذهب:
«قال أحمد في منسكه الذي كتبه للمروذي: إنه يتوسل بالنبي ﷺ في دعائه، وجزم به في المستوعب وغيره».
وقد أُحيل في المقال الأصلي إلى عدد من مصادر المذهب، منها:
المبدع لابن مفلح (2/27).
الفروع لابن مفلح (3/229).
الإنصاف للمرداوي (5/420).
كشاف القناع للبهوتي (2/68).
وهذه النقول جديرة بالدراسة والتحقق من ألفاظها ومواضعها؛ لأنها تتصل مباشرة بنسبة هذا القول إلى الإمام أحمد، وبكيفية فهم فقهاء المذهب له.
والنتيجة التي ينبغي الانتباه إليها: لا يصح عرض المسألة على أنها خالية من أي مستند في التراث الحنبلي، ما دامت هذه النقول موجودة في المصادر التي يُرجع إليها في معرفة المذهب.
لكن يبقى التحقق من ثبوت كل نقل، ودلالته، وحدود ما يدل عليه، أمرًا لازمًا قبل بناء أحكام أوسع عليه.
ثانيًا: ماذا قال أبو الوفاء ابن عقيل الحنبلي؟
نقل أبو الوفاء علي بن عقيل الحنبلي، المتوفى سنة 513هـ، في كتابه التذكرة في الفقه، ضمن ما يُقال عند زيارة الروضة الشريفة:
«اللهم إني أتوجه إليك بنبيك ﷺ نبي الرحمة، يا رسول الله إني أتوجه بك إلى ربي ليغفر لي ذنوبي».
وهذا النص مهم في دراسة التصور الفقهي للتوسل عند بعض أئمة الحنابلة؛ لأنه يتضمن خطابًا للنبي ﷺ، مع التصريح بالتوجه إلى الله تعالى وطلب المغفرة منه.
ولا بد هنا من التمييز بين أمرين:
الأول: أن يكون الدعاء لله تعالى، مع التوسل إليه بالنبي ﷺ.
الثاني: أن تُطرح صور أخرى من الطلب أو الاستغاثة، لكل منها بحثها في الاعتقاد والفقه.
فلا ينبغي الخلط بين هذه الصور، ولا نقل حكم إحداها إلى الأخرى دون دليل.
والمرجع المذكور لهذا النص في المقال الأصلي هو: التذكرة في الفقه، ص 117. ويُستحسن مقابلة اللفظ على الطبعة المعتمدة قبل نشره بوصفه اقتباسًا حرفيًا.
ثالثًا: ما الذي أورده ابن أبي يعلى عن معروف الكرخي؟
ذكر ابن أبي يعلى، المتوفى سنة 526هـ، في طبقات الحنابلة، عند ترجمة معروف الكرخي رحمه الله، رواية جاء فيها أن معروفًا قال لابن أخيه:
«إذا كان لك إلى الله حاجة فتوسل إليه بي».
وقد أحال المقال الأصلي إلى مواضع أخرى وردت فيها هذه الحكاية، منها حلية الأولياء لأبي نعيم، ومرآة الزمان لسبط ابن الجوزي، وكتب أخرى في التراجم والتاريخ.
وهنا ينبغي أن نكون دقيقين في الاستدلال: ورود الحكاية في كتب التراجم يثبت أن هذا القول نُقل في بعض المصادر، لكنه لا يكفي وحده للحكم بصحة الرواية، أو لإثبات إجماع الحنابلة عليها، أو لتحديد المراد منها في جميع صور التوسل.
فالاستدلال العلمي لا يقوم بمجرد وجود النص، بل يحتاج إلى فحص سنده، وسياقه، ودلالته، وموقف العلماء منه.
رابعًا: نصوص في كتب الحنابلة تتعلق بزيارة قبر النبي ﷺ والتوسل به
من أبرز ما أورده المقال نصوص تتعلق بما يقوله الزائر عند قبر النبي ﷺ.
1. نص من كتاب «المستوعب»
نُقل عن أبي طالب عبد الرحمن بن عمر البصري العبدلياني، المتوفى سنة 684هـ، في كتابه الحاوي في الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، قوله في سياق الكلام على دعاء الاستسقاء:
«ويباح التوسل بالصلحاء».
وهذا النص، إن ثبت بلفظه وسياقه، يدل على ذكر التوسل بالصالحين في أحد المصادر الفقهية الحنبلية.
غير أن فهم دلالته يقتضي الرجوع إلى سياق المسألة، ومعرفة المراد بالتوسل عند المؤلف، وعدم افتراض أن العبارة وحدها تحسم جميع الصور المختلف فيها.
2. نص منقول عن ابن قدامة المقدسي
أورد ابن قدامة، المتوفى سنة 620هـ، في المغني، ضمن الكلام على زيارة قبر النبي ﷺ، صيغة جاء فيها:
«وقد أتيتك مستشفعًا بك إلى ربي، فأسألك يا رب أن توجب لي المغفرة، كما أوجبتها لمن أتاه في حياته».
وتبرز في هذه العبارة دلالة ينبغي الوقوف عندها: أن الطلب النهائي للمغفرة موجّه إلى الله تعالى، مع ذكر الاستشفاع بالنبي ﷺ.
ووجود هذا النص في كتاب فقهي مشهور يجعل الرجوع إلى موضعه الأصلي ومناقشة دلالته أمرًا مهمًا لكل من يريد دراسة المسألة بعيدًا عن الأحكام المسبقة.
وقد أحال المقال الأصلي إلى المغني (3/479)، وإلى الشرح الكبير على المقنع لعبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن قدامة، المتوفى سنة 682هـ، (9/274).
3. نص منقول عن الإمام نصير الدين السامري الحنبلي
أورد المقال نصًا منسوبًا إلى نصير الدين محمد بن عبد الله السامري الحنبلي، المتوفى سنة 616هـ، في كتابه المستوعب، يتضمن صيغة للسلام على النبي ﷺ، ثم الدعاء لله تعالى، ومنها:
«اللهم إني أتوجه إليك بنبيك ﷺ نبي الرحمة، يا رسول الله، إني أتوجه بك إلى ربي ليغفر لي ذنوبي».
وهذا من النقول التي تستحق المراجعة المباشرة في المصدر؛ للتأكد من اللفظ، وموضعه، ودلالته في سياق أحكام الزيارة.
والمهم منهجيًا ألا نكتفي بإيراد النصوص، بل نناقشها وفق قواعد الاستدلال، ونميز بين ثبوت النص وبين ما يمكن أن يُستنبط منه.
خامسًا: ماذا قال المرداوي في «الإنصاف»؟
من أهم النقول الواردة في المقال ما نُسب إلى الإمام علاء الدين المرداوي الحنبلي، المتوفى سنة 885هـ، في كتابه الإنصاف:
«يجوز التوسل بالرجل الصالح، على الصحيح من المذهب، وقيل: يستحب. قال الإمام أحمد: المروذي يتوسل بالنبي ﷺ في دعائه وجزم به في المستوعب وغيره».
وهذا النص، إذا ثبت بلفظه وموضعه، ذو أهمية خاصة؛ لأنه لا يقتصر على حكاية قول عن أحد المتقدمين، بل يتناول بيان ما عُدَّ صحيحًا في المذهب، مع الإشارة إلى قول آخر بالاستحباب.
ومن هنا تظهر أهمية الرجوع إلى كتب الترجيح داخل المذاهب الفقهية؛ فهي تساعد على معرفة الأقوال المنقولة، ومراتبها، وما اختاره المصنفون منها.
ولا يصح، في المقابل، أن ننتقل من هذا النص إلى القول بأن كل صورة من صور التوسل أو الاستغاثة محل اتفاق بين العلماء؛ فهذه دعوى أخرى تحتاج إلى أدلتها الخاصة.
سادسًا: ماذا تثبت هذه النقول، وماذا لا تثبت؟
بعد عرض هذه الشواهد، يمكن تسجيل عدد من النتائج المنهجية:
1. أن التوسل بالنبي ﷺ ورد في نقولات منسوبة إلى أئمة وكتب حنبلية.
وهذا يستوجب من الباحثين دراسة هذه النصوص وعدم تجاهلها عند الحديث عن تاريخ المسألة داخل المذهب.
2. أن نسبة قول إلى المذهب تحتاج إلى تحرير.
فليس كل قول يرد في كتاب حنبلي هو بالضرورة القول الوحيد المعتمد، كما أن وجود الخلاف لا يعني تساوي الأقوال في القوة أو الشهرة.
3. أن التوسل والاستشفاع والاستغاثة ليست ألفاظًا يجوز التسوية بينها بلا تفصيل.
فلكل صيغة سياقها ودلالتها، ويجب النظر في اعتقاد المتكلم، وطبيعة الطلب، والجهة التي يُوجَّه إليها الدعاء، والأدلة التي يستند إليها كل فريق.
4. أن إطلاق الأحكام العقدية الخطيرة يحتاج إلى مزيد من الاحتياط.
فلا يصح تكفير شخص لمجرد انتسابه إلى قول فقهي في مسألة مختلف فيها، ولا يصح كذلك إلغاء البحث في صور الأفعال وأحكامها بدعوى أن المسألة خلافية.
5. أن الاستدلال بالنقول القديمة لا يُغني عن التحقيق.
فلا بد من التثبت من النصوص، ودراسة أسانيد الروايات عند الحاجة، وفهم اصطلاحات العلماء، ومعرفة سياقات كلامهم، وعدم تحميل عباراتهم ما لا تحتمل.
الخاتمة: دعوة إلى قراءة التراث قبل إطلاق الأحكام
إن النقاش الجاد في مسألة التوسل بالنبي ﷺ والصالحين لا يُحسم بالشعارات، ولا بمجرد إطلاق وصف السنة أو البدعة أو الشرك على المخالف.
بل يُحسم بالعلم، والتحقيق، والتمييز بين المسائل، والرجوع إلى كلام العلماء في مصادره الأصلية.
والنقول الحنبلية المذكورة هنا تفتح بابًا مهمًا للبحث في تاريخ هذه المسألة داخل المذهب، وتدعو إلى مراجعة التصورات الشائعة عنها، دون أن تكون وحدها كافية لإثبات إجماع شامل أو لحسم جميع صور التوسل والاستغاثة.
فالإنصاف العلمي يقتضي أن نقرأ النصوص كما هي، وأن نفهمها في سياقاتها، وألا نُخضع التراث لأحكام مسبقة، سواء أكانت أحكامًا بالمنع المطلق أم بالجواز المطلق.
والله تعالى أعلم.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق