الخميس، 8 أكتوبر 2026

ماهو الارجاء ومالفرق بين الإرجاء العقدي … والإرجاء السياسي ؟

 

أدعياء السلفية المرجئة… حين يتحول الولاء للحاكم إلى منهج ديني!

ليس كل من رفع شعار «الكتاب والسنة» كان بالضرورة وفيًّا لمقتضى الكتاب والسنة، وليس كل من أكثر الحديث عن طاعة ولي الأمر قد أحسن فهم باب الطاعة وحدوده.

فالمشكلة لا تكمن في أصل وجوب طاعة ولي الأمر في المعروف، فهذا أصل مقرر عند أهل السنة، وإنما تبدأ المشكلة عندما تتحول طاعة الحاكم من حكم شرعي منضبط بالكتاب والسنة إلى طاعة مطلقة لا يحدها معروف ولا تقيدها شريعة.

وهنا تظهر ملامح ما يمكن تسميته بـ الإرجاء السياسي؛ أي ذلك الاتجاه الذي يتسامح مع السلطة والحاكم، ويضيق ذرعًا بالعلماء والدعاة والمصلحين، ويجعل الاعتراض على أخطاء السلطة أخطر من أخطاء السلطة نفسها.

🔹 أولًا: كيف تظهر ملامح هذا الإرجاء؟

يمكن ملاحظة ذلك في مجموعة من المواقف، من أبرزها:

1️⃣ الدفاع المستمر عن الحكام والسلطات، حتى عندما تكون مواقفهم أو سياساتهم محل اعتراض شرعي أو علمي واضح.

2️⃣ تضخيم باب طاعة ولي الأمر حتى يكاد يختزل الدين في هذا الباب، بينما تُهمَّش أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحة والإصلاح.

3️⃣ تحويل مخالفة الحاكم إلى تهمة في الدين، بحيث يصبح كل من ينتقد سياسة أو قرارًا أو مخالفة شرعية متهمًا بالخروج والخوارج والفتنة.

4️⃣ التمييز في تطبيق النصوص؛ فالنصوص المتعلقة بالطاعة تُستحضر بكثافة، بينما تُهمَل النصوص المتعلقة بالعدل، والنصيحة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.

5️⃣ التساهل مع أخطاء السلطة، مع التشدد الشديد في الحكم على أخطاء الدعاة والعلماء والمصلحين.

6️⃣ جعل الحاكم بمنزلة لا يجوز معها النقد أو المناقشة، وكأن الخطأ السياسي أو الشرعي يسقط بمجرد صدوره ممن يملك السلطة.

7️⃣ محاربة من يتحدث عن مخالفة بعض الحكام للكتاب والسنة، بدل مناقشة كلامه بالدليل والبرهان.

8️⃣ إطلاق أوصاف «الخوارج» و«أهل الفتن» على المخالفين بسهولة، حتى أصبح المصطلح عند بعض الخطابات وسيلة لإسكات النقد بدل كونه حكمًا علميًا يحتاج إلى بينة.

9️⃣ تقديم طاعة الأمير في الخطاب الدعوي بصورة توحي بأنها مقدمة على كل شيء، بينما الطاعة الشرعية نفسها إنما تكون في المعروف.

🔟 التوسع في الأعذار للحاكم، مع تضييقها على المخالفين له.

وهنا ينبغي أن نسأل:

هل نحن أمام التزام حقيقي بمنهج أهل السنة في باب الإمامة والطاعة، أم أمام قراءة انتقائية تجعل النصوص المتعلقة بالحاكم مقدمة دائمًا على غيرها؟


🔹 ثانيًا: المشكلة ليست في طاعة ولي الأمر… وإنما في تحويلها إلى طاعة مطلقة

أهل السنة لا يقولون إن كل خروج على الحاكم أو كل اعتراض عليه مشروع، كما لا يقولون إن كل حاكم معصوم من الخطأ.

بل الأصل أن الطاعة إنما تكون في المعروف، وأن الحاكم يُطاع فيما وافق الشرع، ولا تكون طاعته في معصية الله.

قال النبي ﷺ:

«إنما الطاعة في المعروف».

ولهذا فإن تحويل باب الطاعة إلى قاعدة مطلقة من قبيل:

«لا تنتقد الحاكم»
«لا تتحدث عن أخطائه»
«لا تنكر عليه»
«لا تناقش سياساته»
«كل اعتراض فتنة»

ليس هو بالضرورة المنهج السني المتوازن، بل يحتاج كل موقف من هذه المواقف إلى تفصيل ودليل.

فالطاعة شيء، وتقديس السلطة شيء آخر.

والنصيحة شيء، وإثارة الفتنة شيء آخر.

والإنكار شيء، والخروج المسلح شيء آخر.

ومن أكبر الأخطاء أن تُجمع هذه الأمور كلها في سلة واحدة.


🔹 ثالثًا: الإرجاء العقدي شيء… والإرجاء السياسي شيء آخر

الإرجاء في أصله باب عقدي معروف، ومن أشهر صوره القول بإخراج الأعمال عن مسمى الإيمان، أو جعل الإيمان مجرد القول أو التصديق مع اختلاف تفاصيل الفرق والمذاهب في ذلك.

وقد شدد السلف في نقد الإرجاء، ونُقلت عنهم عبارات كثيرة في التحذير منه.

ومن ذلك ما نُقل عن سفيان الثوري وغيره في ذم المرجئة، وكذلك ما نقله أهل العلم عن السلف في بيان خطر إخراج العمل عن حقيقة الإيمان.

لكن ينبغي هنا عدم الخلط بين المصطلحات.

فليس كل من أخطأ في موقف سياسي أو بالغ في طاعة الحاكم يصح أن يوصف مباشرة بأنه «مرجئ» بالمعنى العقدي.

وإنما المقصود هنا هو التنبيه إلى تشابه بعض الخطابات المعاصرة مع منطق الإرجاء في الجانب السياسي:

تخفيف شأن المخالفة عند أصحاب السلطة،
وتضخيم شأن المخالفة عند خصوم السلطة.

وهذه ظاهرة تستحق النقد حتى لو لم نطلق على صاحبها حكمًا عقديًا كاملًا.


🔹 رابعًا: حين يصبح التوحيد شعارًا… وتُهمَّش قضايا الأمة

ومن المظاهر التي تستحق التأمل أيضًا:

أن يُكثر بعض الخطاب من الحديث عن التوحيد والعقيدة، ثم عندما يتعلق الأمر بالظلم أو العدوان أو انتهاك الحقوق أو قضايا المسلمين، يصبح الخطاب شديد التحفظ، أو يتحول الاهتمام إلى تحذير الناس من الكلام في هذه القضايا.

بل قد يصل الأمر أحيانًا إلى تصوير كل من يتحدث عن قضايا الأمة وكأنه صاحب أجندة سياسية أو من أهل الفتن.

والسؤال هنا ليس:

هل يجوز إثارة الفوضى؟

فالجواب واضح: لا.

وإنما السؤال:

هل مجرد الحديث عن الظلم أو نصرة المظلوم أو نقد الخطأ السياسي يُعد خروجًا على ولي الأمر؟

إذا كان الجواب نعم، فهذه مشكلة في فهم الحدود بين النصيحة الشرعية، والنقد، والأمر بالمعروف، وبين الخروج المحرم.


🔹 خامسًا: ازدواجية المعايير

ومن أخطر العلامات التي ينبغي الانتباه إليها:

أن يكون الخطأ نفسه مغفورًا إذا صدر من الحاكم أو المقربين منه، ولكنه يصبح بدعة وضلالة وخروجًا وفتنة إذا صدر من داعية أو عالم أو ناشط أو مخالف سياسي.

فإذا أخطأ الحاكم:

«له اجتهاده، ولعل له عذرًا، ولا نتكلم في ولاة الأمور».

وإذا أخطأ المخالف:

«مبتدع، خارجي، صاحب فتنة، يجب التحذير منه».

هنا لا يعود الخلاف مجرد اختلاف فقهي.

بل تصبح المشكلة في ازدواجية تطبيق المعايير.

والعدل الذي جاء به الإسلام لا يفرق بين الأشخاص في ميزان الحق.

قال تعالى:

﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾


🔹 سادسًا: التساهل مع المخالف القوي والتشدد مع المخالف الضعيف

ومن الصور التي تستحق النقد أيضًا:

التشدد مع المسلمين المخالفين، والتسامح المبالغ فيه مع أصحاب السلطة والنفوذ.

فقد يصبح الداعية المسلم الذي أخطأ في مسألة محل تشنيع وتحذير، بينما تُمرَّر أخطاء أكبر عندما يكون صاحبها صاحب سلطان.

وهنا تظهر مشكلة جوهرية:

هل معيار الحكم هو الدليل؟
أم مكانة الشخص وقوته ونفوذه؟

فالحق لا يتغير بحسب قوة قائله أو ضعفه.


🔹 سابعًا: وماذا عن الجهاد؟

ومن القضايا التي دخلها كثير من الخلط كذلك قضية الجهاد.

فالجهاد في الشريعة باب فقهي له أحكامه وشروطه وضوابطه، وليس شعارًا عاطفيًا، كما أنه ليس مفتوحًا لكل فرد أو جماعة لتقرر متى وكيف تبدأ القتال.

لكن في المقابل، لا يصح اختزال المسألة في عبارة مطلقة من قبيل:

«لا جهاد في هذا الزمان»

دون تفصيل.

كما لا يصح أن يتحول الحديث عن الجهاد إلى ذريعة للفوضى أو العنف غير المنضبط.

فالمنهج العلمي يقتضي التفريق بين:

الجهاد المشروع،
والقتال المحرم،
والدفاع عن النفس،
والعمل الفردي غير المنضبط،
والقرارات التي تحتاج إلى ولاية واختصاص وقدرة ومآل.

وهذا أدق من إطلاق الأحكام العامة.


🔹 ثامنًا: هل كل من خالف الحاكم صار «خارجيًا»؟

هذه من أخطر الإشكالات في الخطاب المعاصر.

فمصطلح الخوارج ليس كلمة تُرمى على كل مخالف سياسي.

الخوارج لهم أصول ومعتقدات وسمات معروفة في كتب العقيدة والفرق.

أما مجرد:

نقد الحاكم،
أو الاعتراض على قرار،
أو بيان خطأ سياسي،
أو الحديث عن ظلم،
أو المطالبة بالإصلاح

فلا يكفي وحده للحكم على صاحبه بأنه خارجي.

وإذا أصبح كل نقد للسلطة «خروجًا»، وكل مطالبة بالإصلاح «فتنة»، وكل إنكار على الحاكم «خوارج»، فإننا أمام توسيع خطير لمصطلحات عقدية لتصبح أدوات سياسية.


🔹 تاسعًا: ماذا قال السلف عن المرجئة؟

ورد عن عدد من السلف عبارات شديدة في ذم المرجئة، ومن ذلك ما نُقل عن سفيان بن عيينة في التفريق بين أنواع الإرجاء، وما ورد عن غيره من الأئمة في التحذير من القول بأن الإيمان مجرد قول بلا عمل.

كما نُقلت عبارات عن بعض السلف في الربط بين الإرجاء وموافقة أهواء السلطان.

ومن العبارات المشهورة التي تُنسب إلى النضر بن شميل:

«الإرجاء دين يوافق أهواء الملوك».

ونُقل عن ابن بطة:

«أما المرجئة فعلى دين الملوك».

وهذه العبارات — مع ضرورة التحقق من أسانيدها وألفاظها ومصادرها قبل الجزم بنسبة كل نص إلى قائله — تكشف عن قضية مهمة في التراث السلفي، وهي أن العلماء لم ينظروا إلى الإرجاء باعتباره مجرد مسألة نظرية منفصلة عن آثارها العملية.


🔹 الخلاصة

المشكلة ليست في أن نقول:

«نطيع ولي الأمر في المعروف».

فهذه قاعدة شرعية.

والمشكلة ليست في التحذير من الفوضى أو الاقتتال أو الخروج المسلح.

فهذه أيضًا مسائل لها أحكامها وضوابطها.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا كله إلى منظومة تجعل الحاكم فوق النقد، وتجعل طاعته مطلقة، وتُسكت العلماء والدعاة عن بيان الأخطاء، وتستخدم مصطلحات الخوارج والفتنة والتبديع لإقصاء كل مخالف.

عندها لا بد من التوقف والسؤال:

هل نحن أمام تطبيق متوازن لمنهج أهل السنة، أم أمام إرجاء سياسي يجعل السلطة معيارًا للحقيقة؟

فالسلفية الحقيقية — إن صح الانتساب إليها — ليست تقديسًا للحاكم، وليست طاعة بلا حدود، وليست إسكاتًا لأهل العلم.

بل هي اتباع للكتاب والسنة، والعدل مع الموافق والمخالف، ووضع كل نص في موضعه، وعدم تحويل باب من أبواب الشريعة إلى دين كامل يُقاس به الناس جميعًا.

فالطاعة الشرعية ليست تقديسًا،
والنصيحة ليست خروجًا،
والنقد ليس بالضرورة فتنة،
ومخالفة الحاكم في أمرٍ لا تعني بالضرورة الخروج عليه.

وأخطر ما يمكن أن يصيب الخطاب الديني أن يتحول من نصرة الحق إلى نصرة الأشخاص، ومن اتباع الدليل إلى تبرير الواقع.

وحين يصبح رضا السلطان هو الميزان الذي تُوزن به المواقف والأحكام…

فهنا ينبغي أن نتساءل بجدية:
هل ما زلنا أمام منهجٍ شرعي… أم أمام «دين الملوك» الذي حذّر منه بعض السلف؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق