مَن هم الخوارج حقًّا؟ ولماذا لا يصحّ وصف كلِّ مخالف للحاكم بهم؟
حين تتحوّل المصطلحات الشرعية إلى تهمٍ جاهزة، ويصبح نقد الحاكم قرينةً على الانحراف، لا بدّ من العودة إلى التاريخ الإسلامي، وأقوال العلماء، والضوابط العلمية التي تميّز بين الخلاف السياسي والانحراف العقدي.
من أبرز الإشكالات في الخطاب المدخلي التوسّع في استعمال مصطلح «الخوارج»، حتى يُستعمل أحيانًا في وصف جماعات وأفراد لمجرد معارضتهم الحاكم، أو انتقاد سياساته، أو مطالبتهم بتغيير الواقع السياسي.
وكأنّ كلَّ من انتقد السلطان قد خرج من منهج أهل السنة، وكلَّ من دعا إلى الإصلاح صار محرّضًا على الفتنة، وكلَّ من خالف التصور السياسي لبعض المشايخ أصبح متهمًا بالخارجية!
وهنا يبرز السؤال الجوهري:
هل كلُّ من عارض الحاكم خارجي؟ وهل يكفي الخلاف السياسي للحكم على إنسان بالانتماء إلى فرقة عقدية لها أصولها وخصائصها؟
إنّ الإجابة العلمية تقتضي التفريق بين المسائل، لا جمعها في سلة واحدة، ولا استخدام المصطلحات الشرعية لتصفية الحسابات الفكرية والسياسية.
أولًا: مَن هم الخوارج في ميزان العلماء؟
الخوارج ليسوا مجرد اسم تاريخي يُطلق على كل من عارض سلطة سياسية، بل فرقة عُرفت بأصول ومواقف عقدية ومنهجية، من أبرزها الغلو في التكفير، وما ترتب عليه من استحلال دماء المسلمين.
وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في وصف أصل من أصولهم:
«هم أوّل من كفّر أهل القبلة بالذنوب، بل بما يرونه هم من الذنوب».
📚 مجموع الفتاوى، 7/481، بحسب الإحالة المشهورة.
وتكمن أهمية هذا النص في بيان خطورة الغلو في التكفير، وتحويل المخالف إلى كافر لمجرد ارتكابه ما يراه المكفِّر ذنبًا أو انحرافًا.
لكن ينبغي التنبيه إلى أن هذا الوصف لا يُختزل فيه كل ما يتعلق بالخوارج، كما لا يجوز اتخاذه وحده أداةً للحكم على جماعة معاصرة دون دراسة معتقداتها وأقوالها وأفعالها.
فالتشابه في مسألة واحدة لا يكفي لإثبات التطابق في جميع الأحكام، كما أن الاختلاف السياسي مع الحاكم لا يكفي لإثبات الانتماء إلى الخوارج.
وهذا هو الفارق بين البحث العلمي وإطلاق التهم.
ثانيًا: التاريخ الإسلامي لا يختزل في شعار «كل مخالف خارجي»
لو كان مجرد النزاع مع الحاكم كافيًا للحكم بالخارجية، لاحتجنا إلى إعادة قراءة كثير من أحداث التاريخ الإسلامي، والتمييز بين ما وقع فيها من خلاف في الشرعية، أو اجتهاد سياسي، أو بغي، أو خروج مسلح، وبين الانتماء إلى الخوارج بوصفهم فرقة عقدية.
ولنتأمل بعض الأمثلة التاريخية المهمة:
1. معاوية بن أبي سفيان وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما
وقعت بينهما مواجهة عسكرية كبرى، وكان عليٌّ رضي الله عنه الخليفة الذي انعقدت له البيعة، وتناول العلماء هذه الأحداث في سياق أحكام البغي والاجتهاد والفتنة.
لكن هذه الواقعة لا يصح اختزالها في القول إن كل من قاتل الخليفة صار خارجيًّا بالمعنى العقدي المعروف؛ فالخوارج فرقة لها خصائص تتجاوز مجرد وقوع القتال أو النزاع السياسي.
وهنا يظهر الفرق بين توصيف الفعل السياسي أو العسكري، والحكم على العقيدة والانتماء إلى فرقة بعينها.
2. الحسين بن علي رضي الله عنهما
خرج الحسين رضي الله عنه إلى العراق في عهد يزيد بن معاوية، وانتهت رحلته بمقتله في كربلاء.
وقد اختلفت تقديرات العلماء لبعض تفاصيل موقفه، وما اتصل به من اجتهادات وظروف ومآلات.
لكن لا يجوز أن نجعل مجرد خروجه أساسًا كافيًا لإلحاقه بالخوارج، كما لا يجوز أن نستنتج من هذه الواقعة وحدها أن كل خروج على حاكم مشروع في جميع الظروف.
المغزى أن الوقائع التاريخية تحتاج إلى فهم سياقاتها، لا إلى إسقاط أحكام جاهزة عليها.
3. عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما
نازع عبد الله بن الزبير الحكم الأموي، وبايعه أهل الحجاز، واستمرت المواجهة حتى مقتله.
وهذه واقعة أخرى تدل على تعقيد النزاعات السياسية في التاريخ الإسلامي، وعلى ضرورة التمييز بين الخلاف على الحكم، والخروج المسلح، والانتماء العقدي إلى الخوارج.
فلا يكفي أن نقول: عارض الحاكم؛ إذن هو خارجي. بل لا بد من النظر في طبيعة موقفه، ومعتقده، وأدلته، والتوصيفات العلمية التي وردت بشأنه.
4. القرّاء ومواجهة الحجاج
شهد العراق في العصر الأموي مواجهات ضد سلطة الحجاج بن يوسف، وشارك فيها قرّاء وعلماء، ومن الأسماء المرتبطة بهذه الأحداث سعيد بن جبير.
وتكشف هذه المرحلة عن وجود نقاشات تاريخية وفقهية حول ظلم الولاة، وموقف العلماء من الاعتراض عليهم، وحدود الصبر على الجور، وتقدير المآلات.
ولا يصح، في المقابل، تحويل هذه الوقائع إلى قاعدة تبيح كل مواجهة مسلحة؛ فلكل واقعة ظروفها وأحكامها.
5. محمد النفس الزكية
خرج محمد النفس الزكية في عهد أبي جعفر المنصور، في سياق نزاع على الحكم والشرعية.
وهذه الواقعة أيضًا تحتاج إلى دراسة مستقلة لمواقف العلماء منها، بدل الاكتفاء بمجرد سردها لإثبات إجماع لم يُحرَّر.
فالنتيجة التي ينبغي استخلاصها من هذه الأمثلة ليست أن كل معارض مصيب، بل أن المعارضة والخروج والخارجية ليست ألفاظًا مترادفة، ولا أحكامًا يصح إطلاقها بلا تفصيل.
ثالثًا: هل نقد الحاكم يعني الخروج عليه؟
هذه من أهم النقاط التي ينبغي تحريرها.
هناك فرق بين:
نقد قرار سياسي أو الاعتراض على سياسة حكومية.
نصيحة الحاكم وبيان خطئه.
المطالبة بالإصلاح ومحاربة الفساد.
منازعة الحاكم في السلطة أو الخروج المسلح عليه.
تكفير المسلمين واستحلال دمائهم بناءً على تكفير باطل.
هذه مسائل مختلفة، ولا يجوز دمجها في حكم واحد.
فقد ينتقد شخص سياسة الحاكم دون أن يدعو إلى عزله، وقد يطالب بالإصلاح دون أن يكفّر أحدًا، وقد يقع آخر في أخطاء سياسية أو شرعية تحتاج إلى مناقشة مستقلة.
كما أن مجرد رفع شعار تطبيق الشريعة لا يجعل صاحبه مصيبًا في كل موقف، ولا يمنح أي جماعة حصانة من النقد؛ فالميزان هو الدليل والعدل، وليس الشعار الذي ترفعه الجماعة.
لكن الخطأ المقابل لا يقل خطورة: أن يُجعل كل نقد للسلطة دليلًا على الخارجية، وأن يُستعمل المصطلح لإسكات النقاش قبل النظر في حجج المتكلم.
فمن أراد الحكم على شخص أو جماعة، فعليه أن يبيّن القول أو الفعل الذي يستند إليه، وأن يحرر معناه، وأن يفرّق بين الخطأ السياسي والانحراف العقدي.
رابعًا: ماذا عن مواقف بعض المرجعيات التي يستند إليها الخطاب المدخلي؟
هنا تبرز قضية أخرى تستحق البحث، وهي مدى الاتساق في تطبيق المعايير على المواقف السياسية المختلفة.
فبعض التيارات التي تشدد في إنكار الاعتراض على الحكام تستند إلى مرجعيات علمية صدرت عنها مواقف سياسية وفتاوى حادة في قضايا الحكم والتكفير والاستعانة بالقوى الأجنبية.
ومن الملفات التي تستحق التحقيق والتوثيق:
المواقف المنسوبة إلى بعض العلماء بشأن صدام حسين وحافظ الأسد.
ما يُتداول عن مواقف بعض الهيئات العلمية من بورقيبة والقذافي.
المواقف المتعلقة بالحزب الاشتراكي اليمني أثناء الصراع بين شمال اليمن وجنوبه.
الفتاوى المتعلقة بالحكومة الأفغانية السابقة بقيادة نجيب الله.
كتاب ربيع المدخلي: «صدّ عدوان الملحدين وحكم الاستعانة على قتالهم بغير المسلمين»، وما يثيره موضوعه من نقاش فقهي حول الاستعانة بغير المسلمين في الحروب.
لكن الإنصاف يقتضي ألّا نكتفي بعناوين الكتب أو النقول المتداولة، بل أن نرجع إلى النصوص الأصلية، ونحدد قائلها وسياقها وتاريخها، ونميّز بين الحكم على نظام سياسي، والحكم على شخص بعينه، وبين الفتوى العامة والفتوى المرتبطة بظرف معين.
فليس من المنهج العلمي أن ننسب إلى عالم تكفير شخص بعينه دون نص صريح، أو أن ننسب إلى هيئة علمية موقفًا رسميًّا دون وثيقة تثبته.
ومع ذلك، يبقى السؤال مشروعًا: إذا كان الاجتهاد السياسي يُقبل من مرجعيات معينة عند أصحاب هذا الخطاب، فلماذا يُرفض اجتهاد الآخرين تلقائيًّا لمجرد اختلافهم معها؟
إن كان المعيار هو الدليل، فليُناقَش الدليل. وإن كانت الظروف والمآلات معتبرة، فلتُعتبر في جميع الحالات. وإن كان الخطأ واردًا على العلماء، فلا يجوز تحويل أقوال بعضهم إلى معيار معصوم يُحاكم به الآخرون.
هذا هو جوهر النقد: رفض الانتقائية، لا مصادرة حق العلماء في الاجتهاد.
خامسًا: هل أصبح مصطلح «الخوارج» وسيلة لتصنيف الخصوم؟
المشكلة ليست في التحذير من الخوارج، ولا في دراسة عقائدهم أو بيان أخطائهم؛ فهذا باب معروف في كتب العقيدة والفرق.
المشكلة تبدأ عندما يتوسع بعض الخطاب الديني في استعمال المصطلح، فيتحول من وصف علمي منضبط إلى تهمة سياسية تُوجَّه إلى المخالفين.
فإذا انتقد شخص قرارًا حكوميًّا، قيل عنه: خارجي.
وإذا طالب آخر بالإصلاح، قيل: يحرض على الفتنة.
وإذا ناقش داعيةٌ اجتهادات بعض المشايخ، اتُّهم بالطعن في العلماء.
وإذا خالف فريقٌ تصور جماعة معينة للطاعة والسياسة، جرى التعامل معه وكأن مجرد مخالفته دليل على انحرافه العقدي.
وهنا يجب أن نسأل:
أين الدليل على أن كل هؤلاء من الخوارج؟
هل ثبتت عنهم أصول الخوارج العقدية؟ أم أن الخلاف معهم سياسي أو فكري؟ وهل نوقشت أقوالهم بأدلتها، أم اكتُفي بتصنيفهم ثم بناء الأحكام عليهم؟
إن إطلاق الأوصاف العقدية بلا تحرير قد يفضي إلى تشويه الأشخاص، وإهدار حقوقهم المعنوية، وإغلاق أبواب الحوار والنصيحة.
والأخطر أن يتحول التبديع والتضليل إلى بديل عن البرهان، وأن يصبح اسم الفرقة أهم من حقيقة القول والفعل.
فليس كل من أخطأ في السياسة خارجيًّا، وليس كل من انتقد حاكمًا محرضًا على الفتنة، وليس كل من خالف شيخًا طاعنًا في الدين.
سادسًا: لا تجعلوا الطاعة حصانةً من النقد
إن طاعة ولي الأمر في الفكر الإسلامي ليست ترخيصًا بالظلم، ولا إلغاءً للنصيحة، ولا منعًا من بيان الأخطاء، ولا جعلًا للحاكم فوق المساءلة الشرعية والأخلاقية.
وفي المقابل، فإن رفض الظلم لا يعني أن كل وسيلة لمواجهته مشروعة، كما أن الدعوة إلى الإصلاح لا تبرر الاعتداء على الأبرياء أو سفك الدماء.
المطلوب هو ميزان منضبط يجمع بين العدل، والنصيحة، وحفظ الحقوق، ومراعاة أحكام الشرع، والنظر في عواقب الأفعال.
فلا يجوز اتخاذ الطاعة ذريعة لتبرير كل تصرف سياسي، كما لا يجوز اتخاذ مقاومة الظلم ذريعة لتبرير كل وسيلة.
وهذا الميزان يجب أن يُطبَّق على الجميع: الحاكم والمحكوم، والعالم والناشط، والجماعة التي نؤيدها والجماعة التي نعارضها.
أما أن نرفض المواقف السياسية عند خصومنا، ثم نبحث عن الأعذار للمواقف المشابهة عند من نوافقهم، فذلك ازدواج في المعايير لا يليق بمن يرفع شعار اتباع الكتاب والسنة.
الخلاصة: مَن هم الخوارج حقًّا؟
الخوارج ليسوا مرادفًا لكل معارض سياسي، ولا وصفًا يُطلق على كل من انتقد الحاكم أو طالب بالإصلاح.
والخروج على الحاكم، بمعانيه وصوره المختلفة، مسألة تحتاج إلى تفصيل فقهي وتاريخي، ولا يكفي وحده لإثبات الانتماء إلى الخوارج.
كما أن رفع شعار تطبيق الشريعة لا يصحح كل موقف سياسي، ولا يجعل صاحبه فوق النقد؛ فالحق يُعرف بالدليل، وتُوزن الأقوال والأفعال بمعايير واضحة، لا بالأسماء والشعارات.
إننا لا ندعو إلى تبرئة كل معارض، ولا إلى تصحيح كل خروج، ولا إلى اتهام كل من يدافع عن الطاعة؛ بل ندعو إلى أن يُعطى كل موقف حكمه، وأن يُناقش كل قول بدليله، وأن يُمنع التوسع في إطلاق التهم بغير بيّنة.
فإذا كان وصف «الخوارج» حكمًا علميًّا، فلا بد أن يقوم على العلم. وإذا كان الحكم يحتاج إلى دليل، فلا يجوز أن يحلّ محله الانتماء السياسي. وإذا كان العدل واجبًا، فلا يجوز أن يتغير المعيار بتغيّر الأشخاص والجماعات.
والسؤال الذي ينبغي أن يواجه كل خطاب ديني هو:
هل نحكم على المخالفين بما ثبت من أقوالهم وأفعالهم، أم نحكم عليهم أولًا بأنهم خوارج، ثم نبحث عمّا يبرر هذه التهمة؟
هذا هو الفارق بين النقد العلمي والتصنيف المسبق، وبين اتباع الدليل وتوظيف المصطلحات في الخصومات.
فالعدل لا يتجزأ، والحق لا يُقاس بالأشخاص، والمصطلحات الشرعية ليست أسلحةً لإسكات المخالفين.
والله ولي التوفيق.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق