أما بعد:
إنَّ المساجدَ بيوتُ الله في الأرض، وأحبُّ البقاع إليه، وأشرفُها منزلةً، وأعظمُها حرمةً، أضافها الله إلى نفسه تشريفًا وتكريمًا، وأمر أن تُرفَع وأن يُذكَر فيها اسمه، وأن تُصان عن كل ما يُخلُّ بطهارتها وقداستها.
. فهي قد « أُعِدَّت للصلاة والذكر، وقراءة القرآن، والاعتكاف، ومناجاة العبد ربَّه، وتدبُّر آياته، والضراعة بين يديه، فهذه الصلةُ بين العبد وربه تحتاج منه إلى خلوِّ الذهن من الأكدار والصوارف التي تُشوِّشُ الذهن، وتُكدِّرُ الخاطر، وتُشتِّتُ القلب»
.
«لذا نهى النبيُّ ﷺ أن تكون محلًّا للبيع والشراء، ونشدانِ الضالة، والإعلانِ عن المفقودات، ورفعِ الأصوات فيها، بل نهى عن الجهر بقراءة القرآن، حتى لا يُشوِّشَ القارئ على إخوانه من المصلين والقارئين والداعين والذاكرين الله»
.
ومن هذا الأصلِ الشرعيِّ العظيم، ينبعُ الاهتمامُ الواسعُ والحديثُ المستمرُّ بين المصلين والأئمةِ والخطباءِ اليوم حولَ مسألةٍ ملحةٍ تؤرقُ الجوامعَ وتثيرُ النقاشَ بين العلماء والناس؛ ألا وهي: «مسألةُ حضورِ الأطفالِ إلى المساجد»،
وما يترتب على حضورهم من ثمراتٍ تربويةٍ نافعةٍ، أو من مشكلاتٍ وأذيَّةٍ تُذهِبُ الخشوعَ وتُكدِّرُ الصفاء.
فما أحرانا أن نُعمِلَ الفكرَ، وأن نُطيلَ التأمُّلَ في هذه المسألة؛ لنضعَ الأمورَ في نصابها، ونُعطيَ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، بعلمٍ لا يجهل، وفقهٍ لا يضلّ.
ويأتي حديثنا في العناصر والمحاور التالية .
● المساجد أشرفُ البقاع وأحبُّها إلى الله تعالى، أمر الله بأن تُرفع ويُذكر فيها اسمه، وتُصان عما يُخلُّ بطهارتها وقداستها، وأن يُبعَدَ عنها كل ما من شأنه تقذيرها والعبثُ فيها.
﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [النور، رقم: ٣٦].
يا لها من بيوتٍ أذِن اللهُ بنفسه أن تُرفع، فكيف تطيبُ لنا الغفلةُ عن حرمتها، وكيف يستقيمُ في قلوبنا أن نُحوِّلها إلى ساحاتِ لعبٍ ومراتعِ لهو.
وقال سبحانه:
﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن، رقم: ١٨].
فهي لله خالصةً، لا يُشرَكُ معه فيها أحد، ولا يُنازعُه فيها شيء؛ لا لعبٌ ولا عبثٌ ولا لغو.
وقال عزَّ وجلَّ:
﴿وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة، رقم: ١٢٥].
فالتطهيرُ الحسيُّ والمعنويُّ شرطُ عمارةِ بيوت الله، واللعبُ والعبثُ من أعظم ما يُنافي هذه الطهارة.
وقال تعالى:
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا أُولَٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة، رقم: ١١٤].
فالخرابُ ليس حسيًّا فقط، بل معنويٌّ كذلك، ومن أعظم الخراب المعنوي أن تفقدَ المساجدُ روحانيتَها وسكينتَها بفعل العابثين من صغارٍ أو كبار.
وقد أخبر النبيُّ ﷺ أنَّ أحبَّ البلاد إلى الله مساجدُها، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: «أَحَبُّ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ مَسَاجِدُهَا، وَأَبْغَضُ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ أَسْوَاقُهَا» <رواه مسلم>.
فإذا كانت المساجدُ أحبَّ البلاد إلى الله، أفلا يجب أن تكونَ أحبَّها إلى قلوبنا، وأن نُطهِّرَها ونُصونَها ونحفظَ حرمتَها كما يحبُّ ربُّنا؟
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «أمر رسول الله ﷺ ببناء المساجد في الدُّور، وأن تُنظَّف وتُطيَّب» <رواه أبو داود>.
والنظافةُ لا تكون بالطيب والماء فقط، بل بطهارة الأقوال والأفعال، وسكينة الأصوات والحركات.
وقال تعالى:
﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم، رقم: ٣٧].
فانظر كيف ربط إبراهيمُ عليه السلام بين سُكنى الذرية عند البيت الحرام وبين إقامة الصلاة، فجعل الغايةَ من إسكانهم عند بيته المحرم أن يُقيموا الصلاةَ، وهذا يُنبِّه على أنَّ تربيةَ النشء على الصلاة تكون بقرب بيوت الله.
● الأطفالُ زينةُ الحياة الدنيا وبهجتُها، قال الله تعالى:
﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف، رقم: ٤٦].
نعم، زينةُ الحياة وبهجتُها، وكيف لا تكونُ كذلك وهي ثمرةُ الفؤاد، وقُرَّةُ العين، وسلوةُ القلب.
وقال سبحانه:
﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ ۞ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا ۖ وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيمًا ۚ إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [الشورى، رقم: ٤٩-٥٠].
فالأبناءُ عطاءُ الله، واللهُ يُعطي بحكمةٍ، ويمنعُ بحكمةٍ، وهو الحكيمُ العليم.
وقال عزَّ من قائل:
﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ ۚ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ [النحل، رقم: ٧٢].
غير أنَّ الذريةَ قد تكونُ نعمةً إذا أُحسِنَ تربيتُها، وقد تكونُ نقمةً وفِتنةً إذا ضاعَ رعايتُها، قال تعالى:
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال، رقم: ٢٨].
وقال سبحانه:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ۚ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التغابن، رقم: ١٤].
فالتربيةُ إذن أمانةٌ ومسؤولية، وكلُّ والدٍ راعٍ ومسؤولٌ عن رعيته، ولهذا كان لزامًا على الآباء أن يغرسوا في قلوب أبنائهم من نعومة أظفارهم حبَّ المساجد، والتعلقَ ببيوت الله، والتشوُّقَ إلى الصلاة فيها.
● وقد أمر اللهُ نبيَّه ﷺ بأمر أهله بالصلاة، فقال تعالى:
﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ۖ لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكَ ۖ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [طه، رقم: ١٣٢].
ويقول إبراهيم عليه السلام داعيًا ربَّه:
﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ [إبراهيم، رقم: ٤٠].
ويوصي لقمانُ ابنَه:
﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان، رقم: ١٧].
وقال تعالى في وصف إسماعيل عليه السلام:
﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم، رقم: ٥٥].
وقال سبحانه:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم، رقم: ٦].
قال عليٌّ رضي الله عنه في معنى هذه الآية: «علِّموهم وأدِّبوهم».
وقال الحسن البصري رحمه الله: «مُروهم بطاعة الله، وعلِّموهم الخير». وقال الشافعيُّ رحمه الله: «على الآباء والأمهات أن يُؤدِّبوا أولادهم، ويُعلِّموهم الطهارةَ والصلاةَ، ويضربوهم على ذلك إذا عَقَلوا».
● ومن أهمِّ ما يُعين على هذه التربيةِ: اصطحابُ الأطفال إلى المساجد، وتعويدُهم على حضور الجماعة، ومشاهدةُ شعائر الإسلام، فإنَّ الطفلَ إذا نشأ في المسجد، وترعرع بين المصلين، وتعلَّم آدابَ بيوت الله، كان ذلك أدعى إلى صلاحه واستقامته في مستقبل حياته.
قال بعض أهل العلم: «من شبَّ على شيءٍ شابَ عليه»، وهذا ما نراه في واقع الناس؛ فمن اعتادَ المسجدَ في صغره، قلَّما يفارقُه في كِبَره، ومن أُبعدَ عنه في صغره، صَعُبَ عليه الرجوعُ إليه في كبره.
● ولقد حثَّ النبيُّ ﷺ على أمر الأولاد بالصلاة منذ الصغر، فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: «مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرِ سِنِينَ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ» <رواه أبو داود>.
قال الترمذي: «حديث حسن صحيح».
وفي الحديث فوائد:
• وجوبُ أمر الصبيِّ بالصلاة عند بلوغ سبع سنين.
• ضربُه ضربًا غير مبرِّح على تركها عند بلوغ عشر سنين.
• شمولُ الأمر للذكور والإناث.
• الأمرُ بحضوره الجماعةَ في المسجد من باب أولى، لأنَّ أداءَ الصلاة في المسجد لا يتحقق إلا بحضوره.
"أن الأبناءَ هم ثمرةُ الحياةِ وزينتُها، وسعادةُ المسلمِ تكمنُ في رؤيتِهم يستقيمونَ على طاعةِ الله؛ فإنَّ مَنْ نَشَأَ على الخيرِ صغيراً اعتادَه كبيراً. ولكي يتحققَ هذا المقصدُ النبيلُ والمطلبُ الأسمى الذي يرجوه كلُّ وليِّ أمر، فإنَّ من أوجبِ الواجباتِ والوسائلِ التربويةِ الحرصَ على اصطحابِ الأبناءِ إلى بيوتِ اللهِ منذُ نعومةِ أظفارِهم، لترسخَ العبادةُ في نفوسِهم وتنشأَ أرواحُهم على التعلقِ بالمساجد
بيد أنَّ حضورَ الأطفالِ إلى المساجدِ يُثيرُ خِلافاً بين المصلين؛ فيرى فريقٌ منهم ضرورةَ تشجيعِهم واصطحابِهم، بينما يرى فريقٌ آخرُ منعَهم وتجنيبَهم المسجد.
ولأنَّ هذه المسألةَ تُعدُّ من أكثرِ القضايا إشكالاً ونزاعاً، كان لا بُدَّ من الرجوعِ إلى أقوالِ أهلِ العلمِ لضبطِها شرعاً وحسمِ هذا الخلاف»
.
● دلَّت جملةٌ من النصوص النبوية على مشروعية إحضار الأطفال المساجد، ومن ذلك:
عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه: «أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يُصلي وهو حاملٌ أُمَامةَ بنتَ زينبَ بنتِ رسولِ الله ﷺ، ولأبي العاصِ بنِ رَبيعةَ بنِ عبدِ شمسٍ، فإذا سجدَ وضعَها، وإذا قامَ حَمَلَها» <متفق عليه>.
ومعنى هذا الحديث: أنَّ النبيَّ ﷺ أدخلَ طفلةً صغيرةً إلى المسجد، وحملَها في صلاته، فوضعَها عند السجود، وحملَها عند القيام. وهذا دليلٌ صريحٌ على جواز إدخال الصغار المساجد.
قال العينيُّ ضمن فوائد حمل النبيِّ ﷺ أمامةَ في صلاته: «وأنَّ ثيابَ الأطفال وأجسادَهم طاهرةٌ حتى تتحققَ نجاستها، وأنَّ دخولَهم المساجدَ جائز». <عمدة القاري: العيني>.
ومعنى هذا: أنَّ الأصلَ في أجساد الأطفال الطهارةُ، فيجوز إدخالُهم المسجدَ ما لم يتحقق نجسٌ.
عن أبي قتادة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «إِنِّي لَأَقُومُ فِي الصَّلَاةِ أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ» <رواه البخاري، ومسلم من حديث أنس رضي الله عنه>.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ مَعَ أُمِّهِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، فَيَقْرَأُ بِالسُّورَةِ الْخَفِيفَةِ أَوِ السُّورَةِ الْقَصِيرَةِ» <رواه مسلم>.
يا لها من رحمةٍ!
أن يُخفِّفُ ﷺ الصلاةَ من أجل طفلٍ يبكي، لا لأنه يُريدُ ذلك، بل رحمةً بأمِّه، وشفقةً على قلبِها.
وفي هذا دليلٌ على أنَّ الصبيانَ كانوا يحضرون المسجدَ في عهد النبيِّ ﷺ مع أمهاتهم، وأنَّ النبيَّ ﷺ لم يمنعهنَّ من ذلك، بل راعى حالَهنَّ وخفَّفَ لأجلهنَّ.
عن عائشة رضي الله عنها قالت: «أَعْتَمَ رَسُولُ الله ﷺ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي بِصَلَاةِ الْعِشَاءِ، وَهِيَ الَّتِي تُدْعَى الْعَتَمَةَ،(ومعنى «أعتم» أي: أخَّر صلاةَ العشاء.) فَلَمْ يَخْرُجْ رَسُولُ الله ﷺ حَتَّى قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ، فَخَرَجَ رَسُولُ الله ﷺ فَقَالَ لِأَهْلِ الْمَسْجِدِ حِينَ خَرَجَ عَلَيْهِمْ: مَا يَنْتَظِرُهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ غَيْرُكُمْ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَفْشُوَ الْإِسْلَامُ فِي النَّاسِ» <متفق عليه، واللفظ لمسلم>.
وفي الحديث دلالةٌ على جواز حضور الصبيان الجماعةَ في المسجد، وقد بوَّب البخاريُّ على هذا الحديث بقوله: «باب وضوء الصبيان ومتى يجب عليهم الغسل والطهور وحضورهم الجماعةَ والعيدَين والجنائز وصفوفَهم».
قال ابن رجب رحمه الله في شرح هذا الحديث: «في الحديث أنَّ الصبيانَ كانوا يشهدون مع الرجال الصلاةَ المكتوبة في المسجد مع النبي ﷺ» <فتح الباري: ابن رجب>.
عن عبد الله بن شداد بن الهاد عن أبيه رضي الله عنه قال: «خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ الله ﷺ فِي إِحْدَى صَلَاتَيِ الْعَشِيِّ؛ الظُّهْرِ أَوِ الْعَصْرِ، وَهُوَ حَامِلٌ أَحَدَ ابْنَيْهِ الْحَسَنَ أَوِ الْحُسَيْنَ، فَتَقَدَّمَ رَسُولُ الله ﷺ فَوَضَعَهُ عِنْدَ قَدَمِهِ الْيُمْنَى، فَسَجَدَ رَسُولُ الله ﷺ سَجْدَةً أَطَالَهَا، قَالَ أَبِي: فَرَفَعْتُ رَأْسِي مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، فَإِذَا رَسُولُ الله ﷺ سَاجِدٌ، وَإِذَا الْغُلَامُ رَاكِبٌ عَلَى ظَهْرِهِ، فَعُدْتُ فَسَجَدْتُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ الله ﷺ قَالَ النَّاسُ: يَا رَسُولَ الله، لَقَدْ سَجَدْتَ فِي صَلَاتِكَ هَذِهِ سَجْدَةً مَا كُنْتَ تَسْجُدُهَا، أَفَشَيْءٌ أُمِرْتَ بِهِ، أَوْ كَانَ يُوحَى إِلَيْكَ؟ قَالَ: كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ، وَلَكِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِي، فَكَرِهْتُ أَنْ أُعْجِلَهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ» <رواه أحمد والنسائي والبيهقي، وصححه الحاكم والذهبي وابن حجر والألباني>.
يا لله! طفلٌ صغيرٌ يركبُ على ظهرِ النبيِّ ﷺ وهو ساجدٌ، والنبيُّ ﷺ يُطيلُ السجودَ من أجلِه، ويقول: «كَرِهْتُ أَنْ أُعْجِلَهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ».
وفي هذا أعظمُ دليلٍ على رحمةِ النبيِّ ﷺ بالأطفال، وعلى مشروعية حضورهم المسجدَ، وعلى أنَّ لعبَهم في المسجد ما دام لم يؤذِ المصلين، لا يُوجِبُ طردَهم ولا منعَهم.
عن بُريدة عن أبيه قال: «بَيْنَا رَسُولُ الله ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ يَخْطُبُ، إِذْ أَقْبَلَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ عَلَيْهِمَا قَمِيصَانِ أَحْمَرَانِ يَمْشِيَانِ وَيَعْثُرَانِ، فَنَزَلَ وَحَمَلَهُمَا فَقَالَ: صَدَقَ اللهُ: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾، رَأَيْتُ هَذَيْنِ يَمْشِيَانِ وَيَعْثُرَانِ فِي قَمِيصَيْهِمَا فَلَمْ أَصْبِرْ حَتَّى نَزَلْتُ فَحَمَلْتُهُمَا» <رواه النسائي والبيهقي، وقال الألباني: صحيح>.
فانظُرْ رحمك الله: يخطبُ النبيُّ ﷺ على المنبر، فيرى الحسنَ والحسين يعثران في قميصيهما، فيقطعُ الخطبةَ، وينزلُ من المنبر، ويحملُهما، ويُقبِّلُهما، ثم يُكملُ خطبتَه.
أيُّ رحمةٍ هذه؟! وأيُّ حلمٍ هذا؟! فكيف يستقيمُ بعد هذا أن يُعنَّفَ الأطفالُ في المساجد، أو يُطردوا منها، أو يُمنعوا من دخولها؟
عن عمرو بن سلمة رضي الله عنه قال: «... لَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ أَهْلِ الْفَتْحِ، بَادَرَ كُلُّ قَوْمٍ بِإِسْلَامِهِمْ، وَبَدَرَ أَبِي قَوْمِي بِإِسْلَامِهِمْ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: جِئْتُكُمْ وَاللهِ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ حَقًّا، فَقَالَ: صَلُّوا صَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا، وَصَلُّوا صَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا، فَنَظَرُوا فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَكْثَرَ قُرْآنًا مِنِّي، لِمَا كُنْتُ أَتَلَقَّى مِنَ الرُّكْبَانِ، فَقَدَّمُونِي بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، وَأَنَا ابْنُ سِتٍّ أَوْ سَبْعِ سِنِينَ...» <رواه البخاري>.
وفي هذا الحديث: أنَّ عمرو بن سلمة رضي الله عنه قدَّمَه قومُه للإمامة وهو ابنُ ستٍّ أو سبعِ سنين، وهذا يدلُّ على جواز دخول المميِّز المسجدَ وحضورِه للجماعة، بل وتقدُّمِه في الصفِّ.
قال ابن حجر رحمه الله: «وفيه جوازُ إمامةِ الصبيِّ المميِّزِ للبالغين في الفرائض» <فتح الباري: ابن حجر>.
عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه قال: «أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الِاحْتِلَامَ، وَرَسُولُ الله ﷺ يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنًى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ، فَنَزَلْتُ وَأَرْسَلْتُ الْأَتَانَ تَرْتَعُ، وَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ» <متفق عليه>.
وفي هذا دليلٌ على أنَّ الصبيانَ كانوا يدخلون الصفوفَ مع المصلين، ولا يُنكَرُ عليهم ذلك، ما لم يُحدِثوا أذًى.
عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إِذَا أَمَّ أَحَدُكُمُ النَّاسَ فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمُ الصَّغِيرَ وَالْكَبِيرَ، وَالضَّعِيفَ وَالْمَرِيضَ، فَإِذَا صَلَّى وَحْدَهُ فَلْيُصَلِّ كَيْفَ شَاءَ» <رواه البخاري ومسلم>.
وفي الحديث دلالةٌ واضحةٌ على أنَّ الصغارَ كانوا يصلُّون مع الجماعة في المسجد في عهد النبوة، ولذلك أمر النبيُّ ﷺ بالتخفيفِ مراعاةً لأحوالهم.
عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ صِبْيَانَكُمْ، وَمَجَانِينَكُمْ، وَشِرَاءَكُمْ، وَبَيْعَكُمْ، وَخُصُومَاتِكُمْ، وَرَفْعَ أَصْوَاتِكُمْ، وَإِقَامَةَ حُدُودِكُمْ، وَسَلَّ سُيُوفِكُمْ...» <رواه ابن ماجه والطبراني، وهو حديث ضعيف>.
قال البوصيري في الزوائد: «إسناده ضعيف، فإنَّ الحارثَ بنَ نبهان متفقٌ على ضعفه». وقال ابن الجوزي: ضعيف. وقال ابن حجر: «له طرقٌ وأسانيدُها كلُّها واهية». وقال عبد الحق: «لا أصلَ له». وضعَّفه الشيخ الألباني رحمه الله.
فهذا الحديثُ لا يصحُّ الاستدلالُ به على منع الأطفال من المساجد؛ لضعف إسناده أولًا، ولمعارضته للأحاديث الصحيحة الثابتة ثانيًا.
قال الشوكاني رحمه الله: «وفيه جوازُ إدخال الصبيان المساجد. وقد أخرج الطبرانيُّ من حديث معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ: جنِّبوا مساجدَكم صبيانَكم وخصوماتَكم وحدودَكم وشراءَكم وبيعَكم وجمِّروها يوم جمعكم واجعلوا على أبوابها مطاهرَكم. ولكن الراوي له عن معاذ مكحولٌ وهو لم يسمع منه، وأخرج ابن ماجه من حديث واثلة بن الأسقع أنَّ النبيَّ ﷺ قال: جنِّبوا مساجدَكم صبيانَكم ومجانينَكم وشراءَكم وبيعَكم وخصوماتَكم ورفعَ أصواتكم وإقامةَ حدودكم وسلَّ سيوفكم واتخذوا على أبوابها المطاهر وجمِّروها في الجمع. وفي إسناده الحارث بن شهاب وهو ضعيف. وقد عارض هذين الحديثين الضعيفين حديثُ أمامة المتقدم وهو متفق عليه. وحديث الباب وحديث أنس أنَّ النبيَّ ﷺ قال: إني لأسمع بكاءَ الصبي وأنا في الصلاة فأخفِّف، مخافةَ أن تفتتن أمُّه، وهو متفق عليه، فيُجمَع بين الأحاديث بحمل الأمر بالتجنيب على الندب، كما قال العراقي في شرح الترمذي، أو بأنها تُنزَّه المساجدُ عمَّن لا يُؤمَنُ حدثُه فيها» <نيل الأوطار: الشوكاني>.
● ومن الآثار والمواقف النبوية الدالة على إقرار الأطفال في المساجد:
عن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَأْخُذُنِي فَيُقْعِدُنِي عَلَى فَخِذِهِ، وَيُقْعِدُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ عَلَى فَخِذِهِ الْأُخْرَى، ثُمَّ يَضُمُّهُمَا، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ ارْحَمْهُمَا، فَإِنِّي أَرْحَمُهُمَا» <رواه البخاري>.
فانظر كيف كان النبيُّ ﷺ يُقبِّلُ الأطفالَ ويضمُّهم ويدعو لهم، وهذا غايةُ الرحمة والشفقة.
عن أبي قتادة رضي الله عنه أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إِنِّي لَأَقُومُ فِي الصَّلَاةِ أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ» <رواه البخاري، ومسلم من حديث أنس رضي الله عنه>.
ومعنى «فأتجوَّز» أي: أخفِّف. وهذا الحديثُ دليلٌ على جواز حضور الصبيان إلى المساجد، وعلى أنَّ مجردَ بكاءِ الطفل أو حركتِه لا يُوجِبُ منعَه، ما لم يُؤذِ المصلين أذًى بيِّنًا.
عن عائشة رضي الله عنها قالت: «أَعْتَمَ رَسُولُ الله ﷺ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي بِصَلَاةِ الْعِشَاءِ... فَلَمْ يَخْرُجْ رَسُولُ الله ﷺ حَتَّى قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ...» <متفق عليه، واللفظ لمسلم>.
وفي هذا دليلٌ على أنَّ النساءَ والصبيانَ كانوا يحضرون المسجدَ في عهد النبيِّ ﷺ، وكان النبيُّ ﷺ يُراعي أحوالَهم، ويُخفِّفُ من أجلهم.
عن عبد الله بن شداد عن أبيه رضي الله عنه قال: «خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ الله ﷺ فِي إِحْدَى صَلَاتَيِ الْعَشِيِّ... وَإِذَا الْغُلَامُ رَاكِبٌ عَلَى ظَهْرِهِ... فَقَالَ: وَلَكِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِي، فَكَرِهْتُ أَنْ أُعْجِلَهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ» <رواه أحمد والنسائي والبيهقي، وصححه الحاكم والذهبي وابن حجر والألباني>.
وفي هذا دليلٌ على أنَّ لعبَ الأطفال في المسجد لا يُوجِبُ طردَهم، ما لم يُؤذوا المصلين.
قبل شرح هذه المسأله لابد أن نبين
● الفرقُ بين المميِّز وغير المميِّز في دخول المسجد:
● أولًا: تعريف المميِّز
المميِّزُ هو الذي بلغَ سنَّ التمييز، وهو غالبًا سبعُ سنين، وقد يُدرِكُ قبلها أو بعدها بحسب حاله.
قال ﷺ: «مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرِ سِنِينَ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ» <رواه أبو داود>.
● ثانيًا: حكم المميِّز
يُستحبُّ إحضارُه إلى المسجد، ويُؤمَرُ بالصلاة، ويُعلَّمُ آدابَ المسجد، ويُدرَّبُ على الطهارة والوضوء، ويُشجَّعُ على الحضور.
«فيُستحبُّ، بل يُشرَعُ الذهابُ بالأولاد إلى المساجد إذا بلغ الولدُ سبعًا فأعلى»
.
● ثالثًا: حكم غير المميِّز
الأصلُ كراهةُ إحضارِه، إلا لضرورةٍ، بشرط ألا يُلوِّثَ ولا يُشوِّشَ.
«وقالوا كذلك بأن الكراهةَ حاصلةٌ فيمن لا يقَرُّ فيه ويعبثُ فلا يكفُّ إذا نُهِيَ؛ لأنَّ المسجدَ ليس بموضع العبث واللعب»
.
● رابعًا: حكم غير المميِّز عند الضرورة
«وتزولُ الكراهةُ بدخول غير المميِّز إذا لم يوجد في البيت من يرعاه وقتَ الصلاة فيصحبُه وليُّه معه، أو يكون الإنسان في السوق أو في الطريق ومعه ابنه غيرُ المميِّز، فتحضرُ الصلاةُ، فيُدخِلُه معه للمسجد، ونحو ذلك مما يعرِض، مع الاهتمام بنظافته وأدبه؛ ويُستدلُّ على ذلك بإدخال النبيِّ ﷺ أمامةَ المسجد، فمن أهل العلم من قال: إنه فعل ذلك لتعذُّرِ من يرعاها في البيت»
.
● اختلف الفقهاءُ في حكم دخول الأطفال المساجد على ثلاثة أقوال:
● القول الأول: جوازُ دخول الطفل المميِّز للمسجد، وكراهةُ دخول غير المميِّز
وهو قول جمهور أهل العلم من الحنفية، والمالكية، وأحد قولي الشافعية، وأصحِّ قولي الحنابلة.
الدليل الأول: قول الله تعالى في قصة مريم عليها السلام:
﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا ۖ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران، رقم: ٣٧].
فزكريا عليه السلام يدخلُ على مريمَ في المحراب، وهو موضعُ العبادة في المسجد، وكان ذلك في زمن صغرها.
قال أبو الوليد ابن رشد رحمه الله: «المعنى في هذه المسألة مكشوفٌ لا يفتقرُ إلى بيان؛ إذ لا إشكالَ في إباحة دخول الولد إلى المساجد» <البيان والتحصيل: ابن رشد>.
الدليل الثاني: حديثُ «مُروا أولادَكم بالصلاة وهم أبناءُ سبع». وقد سبق بيانُ وجه الدلالة منه.
الدليل الثالث: حديثُ تخفيف الصلاة عند بكاء الصبي. وقد سبق.
الدليل الرابع: حديثُ عائشة في انتظار النساء والصبيان لصلاة العشاء.
الدليل الخامس: حديثُ حمل أمامة في الصلاة.
الدليل السادس: حديثُ ارتحال الحسن أو الحسين للنبي ﷺ في السجود.
الدليل السابع: حديثُ «إذا أمَّ أحدُكم الناس فليخفِّف».
الدليل الثامن: حديثُ عمرو بن سلمة في إمامته لقومه وهو ابنُ ستٍّ أو سبع.
الدليل التاسع: حديثُ ابن عباس في دخوله الصفَّ وهو لم يحتلم.
وأما استدلالُهم بكراهة دخول غير المميِّز: فلأنَّه لا يُؤمَنُ أن يُلوِّثَ المسجدَ، أو يُشوِّشَ على المصلين، فكان دخولُه مكروهًا؛ لأنه لا يحسِنُ الصلاة، ويصعبُ ضبطُه عادةً.
«قال أهل العلم: إنَّ المرأة قد كانت تأتي تصلي وصبيها معها، وأنَّ النبيَّ ﷺ صلى وهو يحمل أمامة بنت ابنته، وأنَّ الحسن والحسين ارتحلاه في صلاته، ولكن لم يفهموا من هذه النصوص الإباحة والإذن مطلقًا جمعًا بين الأدلة، وتوفيقًا بينها»
.
«ومن كلامهم في هذا الباب قول مالك رحمه الله وقد سُئِلَ عن الصبيان: يُؤتى بهم إلى المساجد؟ فقال: إن كان لا يعبث لصغره، ويكفُّ إذا نُهِيَ فلا أرى بهذا بأسًا، قال: وإن كان يعبث لصغره فلا أرى أن يُؤتى به إلى المسجد»
.
● القول الثاني: تحريمُ دخول الطفل غير المميِّز للمسجد، وجوازُ دخول المميِّز
وهو القولُ الآخر للشافعية، وأحدُ قولي الحنابلة.
الدليل الأول: قولُ الله تعالى:
﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [النور، رقم: ٣٦].
فالمساجدُ بيوتُ الله يجب أن تُصانَ حرمتُها، وأن تُطهَّرَ وتُنزَّهَ عن الأقذارِ والنجاسات، والغالبُ في غير المميِّز أنه لا يُؤمَنُ منه ذلك.
الدليل الثاني: حديثُ واثلة بن الأسقع رضي الله عنه أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ صِبْيَانَكُمْ، وَمَجَانِينَكُمْ...» <رواه ابن ماجه والطبراني، وهو حديث ضعيف>.
وقد ضعَّف هذا الحديثَ جماعةٌ من أهل العلم:
• قال البوصيري في الزوائد: «إسناده ضعيف، فإنَّ الحارثَ بنَ نبهان متفقٌ على ضعفه».
• وقال ابن الجوزي: ضعيف.
• وقال ابن حجر: «له طرقٌ وأسانيدُها كلُّها واهية».
• وقال عبد الحق: «لا أصلَ له».
• وضعَّفه الشيخ الألباني رحمه الله.
وقد نوقش الاستدلالُ بهذا الحديث من وجهين:
• الوجه الأول: أنَّ الحديثَ ضعيفُ الإسناد لا تقومُ به حجة.
• الوجه الثاني: أنه بالإمكان الجمعُ بينه وبين الأحاديث الصحيحة الدالة على جواز دخول الطفل للمسجد، فيُحمَلُ الأمرُ بالتجنيب على الندب، أو بأنَّ المساجدَ تُنزَّهُ عمَّن لا يُؤمَنُ حدثُه فيها.
● قال ابن تيمية رحمه الله: «يُصانُ المسجدُ عمَّا يُؤذيه، ويُؤذي المصلِّين فيه، حتى رفعُ الصبيان أصواتَهم فيه؛ وكذلك توسيخُهم لحُصُره، ونحوُ ذلك، لا سيَّما إن كان وقتَ الصلاة، فإنَّ ذلك من عظيم المنكرات» <مجموع الفتاوى: ابن تيمية>.
«وقال أحمد: ينبغي أن تُجنَّب الصبيان المساجد»
.
وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة برئاسة الشيخ ابن باز رحمه الله: «استصحابُ الصبيان مع آبائهم أو أمهاتهم إلى المساجد إذا خيف عليهم لا بأس به؛ لأنَّ هذا كان موجودًا على عهد النبيِّ ﷺ، ولكن يجب ضبطُهم عن العبث في المسجد، وإيذاءِ المصلين، ومن كان منهم يبلغ سنَّ السابعة فأكثر، فإنه يُؤمَر بالوضوء والصلاة ليعتادَ ذلك، ويكون له ولوالده الأجر»
وجاء فيها أيضًا في جواب آخر: «الواجبُ صيانةُ المساجد من عبث الأطفال وإزعاجهم؛ لأنها بُنيت للعبادة، ومن أحضر أطفاله ليُدرِّبَهم على الصلاة، فيجب عليه الحرصُ عليهم، وتدريبُهم أيضًا على عدم العبث واللعب بالمساجد، أو المصاحف الموجودة في المسجد » 
● القول الثالث: جوازُ دخول الطفل للمسجد مطلقًا
وهو قول الظاهرية، وقولٌ لبعض أهل العلم.
ونُوقش: بأنَّ ما ذُكر من أفعال النبيِّ ﷺ هو لبيان الجواز، وأنَّ هذا لا ينفي الكراهة؛ لأنه لا يُؤمَنُ تنجيسُهم، فهو الغالبُ من غير المميِّز.
● الترجيح
بعد عرض الأقوال وبراهين كلِّ قول، فالذي يظهر – والله أعلم – ترجيحُ القول الأول: جوازُ دخول الأطفال للمسجد بعد التمييز، وكراهةُ دخولهم قبل التمييز.
وذلك لقوة ما استُدلَّ به أصحابُ هذا القول من نصوص الكتاب والسنة، ولقوة مآخذهم، ولمناقشة أدلة الأقوال الأخرى.
وإذا تأمَّل المسلمُ سيرةَ المصطفى ﷺ وأصحابه الأبرار، وتابعيهم في شأن دخول الأطفال المساجد، وجد أنها تتوافقُ مع هذا القول؛ فحملُه ﷺ لأمامةَ وهو يُصلي بأصحابه، وارتحالُ الحسن أو الحسين له وهو يُصلي بصحابته، وغيرُها من الأحداث والسير، لهو دليلٌ بيِّنٌ وحجةٌ ظاهرةٌ على ذلك.
فإنه بتتبُّع السير والأحداث لدخول الأطفال الذين لم يميزوا للمسجد، وُجِدَ أنها قليلةٌ معدودةٌ دالةٌ على الجواز مع وجود الكراهة.
ومن الممكن أن يُقال: يليقُ إحضارُ الوليِّ ابنَه غيرَ المميِّز للمسجد مرةً في الشهر مثلًا إذا أَمِنَ منه التلويث، ولم يحصل بحضوره أذًى على المصلين؛ وذلك اقتداءً بالنبيِّ ﷺ حينما أدخل الحسنَ والحسين وأمامةَ للمسجد وهم لم يميزوا.
وأما بعد التمييز فيأمرُ الوليُّ ولدَه بالصلاة، والذكورُ منهم يأمرُه بها في المسجد، وبعد العشر يضربُه عليها؛ امتثالًا لأمر النبيِّ ﷺ.
وكما أنَّ لدخولهم المسجدَ وأدائهم الصلاةَ فيه منذ صغرهم أثرًا بالغًا على نشأتهم وارتياضهم مواضعَ العبادة والذكر.
وأما إذا مُنعوا من دخول المساجد ثم أُمروا بعد ذلك بدخولها حال بلوغهم، فأقلُّ ما يُقال في حالهم إذ ذاك أنهم لن يكونوا كمن اعتاد دخولَها قبل البلوغ.
ولم أجد من أهل العلم من منع دخول الطفل المميِّز للمسجد مطلقًا.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق