⚖️ السياسة الشرعية ليست هوى الحاكم: كيف رسم الفقهاء حدود السلطة والعدل؟
📌 بين مراعاة المصالح، والالتزام بأحكام الشريعة، وخطر استبداد السلطة
هل تعني السياسة الشرعية أن للحاكم أن يفعل ما يشاء متى ادّعى تحقيق المصلحة؟
وهل كل إجراء لم يرد فيه نصٌّ تفصيلي يُعدّ مخالفًا للشريعة؟
أم أن الفقه الإسلامي يفتح باب الاجتهاد في تدبير شؤون الناس، مع إبقاء السلطة مقيدةً بالعدل والقواعد الشرعية؟
هذه أسئلة ناقشها فقهاء المسلمين في أبواب السياسة الشرعية والتعزير والقضاء والمصالح، وتكشف كتبهم عن قضية بالغة الأهمية: أن تدبير شؤون الأمة يحتاج إلى اجتهاد يراعي المصالح، لكنه لا يمنح الحاكم تفويضًا مطلقًا لتجاوز أحكام الشريعة أو انتهاك حقوق الناس.
أولًا: هل اتفق الفقهاء على مفهوم واحد للسياسة الشرعية؟
تحدث فقهاء المذاهب المختلفة عن السياسة في مواضع متعددة من كتبهم، ولا سيما عند بحث التعزير، وهو التأديب والعقوبة التي لا تُحدَّد بمقدار مقدر في النص الشرعي.
لكنهم لم يتفقوا على جميع تفاصيل هذا الباب؛ فمنهم من وسّع مجال الاجتهاد في تقدير المصالح والتدابير، ومنهم من شدّد في منع تجاوز الحدود التي تقررها الشريعة.
وهذا الاختلاف لا يعني أن فريقًا أراد العدل وآخر أراد الظلم، بل يعكس اختلافًا في فهم الأدلة، وتقدير المصالح، وتحديد ما يجوز للإمام أو القاضي أن يفعله لتحقيق المقاصد الشرعية.
ومن هنا، لا يصح أن نختزل السياسة الشرعية في أحد طرفين:
طرفٍ يجمّد الاجتهاد، ويظن أن كل إجراء جديد يحتاج إلى نص خاص باسمه وصورته.
وطرفٍ يجعل دعوى المصلحة مبررًا لتجاوز النصوص، أو الاعتداء على الحقوق، أو إطلاق يد السلطة بلا ضوابط.
فالاجتهاد مطلوب، لكن المصلحة ليست كلمة سحرية تُسقط أحكام الشريعة.
ثانيًا: المصلحة المرسلة ليست حكرًا على مذهب واحد
اشتهر الإمام مالك بن أنس بالاستدلال بالمصلحة المرسلة، وهي من المسائل المهمة في أصول الفقه، لكن تصوير الأمر على أن سائر المذاهب لا تراعي المصالح ليس دقيقًا.
وقد ناقش الإمام شهاب الدين القرافي المالكي هذه القضية في كتابه «تنقيح الفصول»، وذكر أن النظر في المناسبات والمصالح حاضر في اجتهادات فقهاء المذاهب، وإن اختلفت مناهجهم في التأصيل والتعبير عنه.
ومعنى ذلك أن الخلاف بين المذاهب لا ينحصر في قبول المصلحة أو رفضها، بل يتصل كذلك بشروط اعتبارها، ومدى استقلالها في الاستدلال، وعلاقتها بالنصوص والقواعد الشرعية.
وقد عرف الفقه الإسلامي اجتهادات كثيرة راعت مصالح الأمة في أمور لم ترد فيها صورة تفصيلية سابقة، ومن أمثلتها:
جمع القرآن الكريم في مصحف جامع.
تنظيم الدواوين في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
اتخاذ التأريخ الهجري.
جمع عثمان بن عفان رضي الله عنه الناس على المصحف الإمام دفعًا للاختلاف.
إنشاء المؤسسات والإجراءات اللازمة لتنظيم شؤون الدولة والقضاء والمال.
وهذه الأمثلة لا تعني أن كل إجراء جديد مشروع لمجرد أنه جديد، وإنما تدل على أن تدبير شؤون الأمة لا يتوقف عند صور تاريخية ثابتة، ما دام الاجتهاد منضبطًا بالأدلة والقواعد والمقاصد الشرعية.
فالعبرة ليست بمجرد حداثة الإجراء أو قِدَمه، بل بمشروعيته، وعدالته، ومآلاته، ومدى تحقيقه للمصلحة المعتبرة.
ثالثًا: إمام الحرمين الجويني والتحذير من التوسع غير المنضبط في العقوبات
من أبرز ما يعرضه المقال موقف إمام الحرمين عبد الملك بن عبد الله الجويني الشافعي، كما نقله محقق كتابه «غياث الأمم في التياث الظلم»، الدكتور عبد العظيم الديب.
فقد انتقد الجويني اتجاهًا يبرر تجاوز العقوبات الشرعية بحجة أن الناس تغيروا، وأن وسائل الردع القديمة لم تعد كافية، وأن استقامة المجتمع تقتضي تغليظ العقوبات إلى ما وراء الحدود المقررة.
وكان اعتراضه الأساسي أن جعل تقديرات العقول ومخاوف الحكام أساسًا لتجاوز الشريعة قد يؤدي إلى إهدار الضوابط الشرعية، وفتح الباب أمام عقوبات لا يحدّها معيار ثابت.
ومما نُقل عنه في نقد هذا المسلك:
«فقد رد الشريعة، واتخذ كلامه هذا إلى رد الشرائع ذريعة».
والمقصود من هذا التحذير أن تقدير المصلحة لا يجوز أن يتحول إلى وسيلة لإلغاء أحكام الشريعة أو استبدالها بأهواء أصحاب السلطة.
لكن من المهم أيضًا ألا ننسب إلى الجويني إنكار كل اجتهاد سياسي، أو نجعل موقفه ممثلًا لكل تفاصيل المذهب الشافعي؛ فالمسألة تتعلق بحدود السياسة والتعزير، وبكيفية فهم الأدلة والمصالح.
كما أن نسبة بعض الأقوال الشديدة إلى الإمام مالك في هذا الباب، ومنها القول بجواز قتل ثلث الأمة لإصلاح ثلثيها، محل اعتراض عند عدد من علماء المالكية، كما يورد المقال في حواشيه. ولذلك لا يصح تقديم هذه النسبة على أنها قول ثابت متفق على صحته عن الإمام مالك.
والخلاصة أن الاحتياط في الدماء والعقوبات ليس تعطيلًا للسياسة الشرعية، بل هو من أهم الضوابط التي تمنع تحولها إلى أداة للبطش.
رابعًا: السياسة الشرعية عند الحنفية بين التعزير وتدبير المصالح
تحدث فقهاء الحنفية عن السياسة في مواضع متعددة، وظهر جانب مهم من استعمال المصطلح في أبواب التعزير والعقوبات.
ومن أبرز من جمع أقوالهم وناقشها العلامة ابن عابدين في كتابه «رد المحتار على الدر المختار».
وينقل ابن عابدين عن فقهاء مذهبه تعريفات تميز بين السياسة العادلة التي تردع الفساد وتوصل إلى الحق، والسياسة الظالمة التي تحرمها الشريعة.
ومن المعاني التي أوردها في هذا السياق أن السياسة العادلة تدفع المظالم، وتردع أهل الفساد، وتوصل إلى المقاصد الشرعية، أما الظلم فلا يصبح مشروعًا لمجرد صدوره عن الحاكم أو تسميته سياسة.
وهنا ينبغي الانتباه إلى مسألة مهمة: ليست كل العقوبات التعزيرية سياسةً بالمعنى الواسع، كما أن السياسة الشرعية لا تنحصر في العقوبات.
فإدارة القضاء، وتنظيم المال العام، وحماية الحقوق، وإقامة المؤسسات، وإدارة العلاقات العامة، كلها من المجالات التي تحتاج إلى اجتهاد وتدبير، بحسب موضوعها وأدلتها.
ولذلك فإن فهم السياسة الشرعية من خلال العقوبات وحدها يضيّق مفهومًا أوسع يتصل بتدبير شؤون الناس وتحقيق مصالحهم.
خامسًا: ابن عقيل وابن القيم… السياسة الشرعية أوسع من مجرد النص على كل إجراء
من أهم النصوص التي يستند إليها المقال ما نقله ابن القيم في كتابه «الطرق الحكمية» عن الفقيه الحنبلي أبي الوفاء ابن عقيل.
وقد عرّف ابن عقيل السياسة بأنها:
«السياسة ما كان فعلًا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول، ولا نزل به وحي».
ثم أوضح أن هذا التعريف صحيح إذا كان المقصود أن الإجراء لا يخالف ما جاء به الشرع، أما اشتراط ورود نص خاص بكل إجراء وصورة، فليس هو المعنى الصحيح.
وهذا التفريق جوهري؛ لأن كثيرًا من شؤون الحياة تتغير صورها ووسائلها، ولا يمكن أن يُطلب نص تفصيلي مستقل لكل نظام إداري أو إجراء تنظيمي مستحدث.
لكن عدم وجود نص خاص لا يعني الإباحة المطلقة؛ إذ لا بد من مراعاة النصوص العامة، والقواعد الشرعية، والحقوق، والعدل، والمصالح المعتبرة.
وقد شرح ابن القيم هذا المعنى في «الطرق الحكمية» و«إعلام الموقعين»، وبيّن خطورة طرفين متقابلين:
الطرف الأول: الجمود الذي يعطل المصالح والحقوق.
فقد يُضيّق بعض الناس دائرة الاجتهاد حتى يجعلوا الشريعة عاجزة عن معالجة الوقائع المتجددة، ويمنعوا وسائل صحيحة لتحقيق العدل؛ لا لأن الشريعة تمنعها، بل لأن فهمهم لبعض أحكامها لا يتسع لها.
والطرف الثاني: الانفلات الذي يبرر الظلم باسم المصلحة.
فقد يتجاوز بعض أصحاب السلطة النصوص والضوابط، ويجعلون ما يرونه مناسبًا لأغراضهم حكمًا مشروعًا، ولو أدى إلى انتهاك الحقوق أو الإضرار بالناس.
وكلا المسلكين يخطئ في فهم العلاقة بين الشريعة والسياسة، وإن اختلفت صورة الخطأ وآثاره.
سادسًا: قاعدة ابن القيم الكبرى… السياسة العادلة جزء من الشريعة
يقرر ابن القيم في «الطرق الحكمية» معنى بالغ الأهمية، فيقول:
«فلا يقال: إن السياسة العادلة مخالفة لما نطق به الشرع، بل هي موافقة لما جاء به، بل هي جزء من أجزائه».
وهذه العبارة تلخص جوهر المسألة.
فإذا كان الإجراء السياسي يحقق العدل، ويرد الحقوق، ويمنع الظلم، ويلتزم بأحكام الشريعة وقواعدها، فلا يصح رفضه لمجرد أنه لم يرد باسمه أو بصورته التفصيلية في نص سابق.
وفي المقابل، لا يصح أن يُسمى الإجراء سياسةً شرعية إذا كان قائمًا على الظلم، أو الاعتداء على الحقوق، أو مخالفة الأحكام القطعية، أو اتخاذ المصلحة ذريعة لتحقيق الأهواء.
ومن هنا، فإن السؤال الصحيح ليس: هل ورد هذا الإجراء بعينه في كتب المتقدمين؟
بل ينبغي أن نسأل:
هل يحقق مصلحة حقيقية معتبرة؟
هل يتعارض مع نص شرعي أو قاعدة ثابتة؟
هل يحقق العدل أم يفتح باب الظلم؟
هل تتناسب وسيلته مع غايته؟
هل توجد وسيلة أقل ضررًا تحقق المقصود؟
هل روعيت آثاره في الناس والمجتمع؟
هذه الأسئلة تجعل الاجتهاد السياسي مسؤولية علمية وأخلاقية، لا مجرد صلاحية إدارية يمارسها صاحب السلطة بلا رقابة أو محاسبة.
سابعًا: هل كل ما فعله الخلفاء والصحابة يصبح حكمًا ثابتًا لكل زمان؟
استدل العلماء بأعمال عدد من الصحابة والخلفاء الراشدين على أهمية مراعاة المصالح في تدبير شؤون الأمة، ومن ذلك جمع القرآن، وتنظيم الدواوين، واتخاذ التاريخ الهجري، وجمع الناس على المصحف الإمام.
لكن الاستدلال بهذه الوقائع لا يعني أن كل إجراء تاريخي يصبح حكمًا عامًا ثابتًا لا يتغير، ولا أن كل رواية تُنقل عن أحد الصحابة تثبت بمجرد اشتهارها.
بل ينبغي التمييز بين أمور ثلاثة:
1. ثبوت الواقعة: هل ثبتت الرواية بإسناد معتبر؟
2. دلالة الواقعة: ما الحكم الذي تدل عليه؟ وهل كان الإجراء خاصًا بظروف معينة أم مبنيًا على قاعدة عامة؟
3. مجال تطبيقها: هل تتكرر المصلحة نفسها في زماننا، أم تغيرت الظروف والوسائل والآثار؟
ويُظهر المقال نفسه أهمية هذا التمييز عند مناقشة قصة نصر بن حجاج، إذ يورد اعتراضات تتعلق بأسانيدها، وينتهي إلى أن القصة لم تثبت عند مؤلفه بسند تقوم به الحجة.
وهذا مثال على ضرورة التحقق من الأخبار قبل بناء الأحكام عليها، لا سيما عندما تتعلق بأفعال الحكام أو العقوبات أو حقوق الأفراد.
فلا يصح أن نجعل كل واقعة تاريخية قاعدة شرعية عامة، كما لا يصح أن نهمل ما ثبت من اجتهادات الصحابة في مراعاة مصالح الأمة.
ثامنًا: السياسة الشرعية تتغير وسائلها… لكن العدل ليس أمرًا متغيرًا بالأهواء
يقرر ابن القيم أن بعض التدابير السياسية التي اتخذها السابقون كانت مرتبطة بظروف زمانها ومكانها ومصالحها، وليست جميعها أحكامًا تفصيلية عامة يجب أن تتكرر بالصورة نفسها في كل عصر.
وهذا يفتح بابًا مهمًّا للاجتهاد في الوسائل والإجراءات التي تتغير بتغير الأحوال.
فأنظمة الإدارة، ووسائل حفظ الأموال، وطرق توثيق الحقوق، وآليات الرقابة، وتنظيم المؤسسات، كلها قابلة للتطوير ما دامت محكومة بالضوابط الشرعية.
لكن ينبغي الحذر من تحويل هذه الفكرة إلى ذريعة لإسقاط الأحكام الثابتة أو إباحة الظلم باسم التطور.
فليس كل قديم واجب البقاء بصورته التاريخية، وليس كل جديد مشروعًا لمجرد أنه يحقق منفعة يراها بعض الناس.
الذي يتغير هو الاجتهاد في الوسائل والتدابير والمصالح المتجددة، أما ادعاء المصلحة فلا يبيح تجاوز الأحكام الشرعية الثابتة.
وهنا تظهر أهمية العلم بالواقع، ومعرفة مقاصد الشريعة، وفهم النصوص، وتقدير النتائج، والتفريق بين الوسائل المتغيرة والمبادئ الحاكمة.
تاسعًا: السياسة الشرعية ليست عقوبات فقط… بل عدل في الحكم والإدارة والمال
لا ينبغي أن نحصر السياسة الشرعية في باب التعزير أو صلاحيات الحاكم في العقوبات.
فقد أفرد العلماء مؤلفات واسعة لقضايا الحكم والإدارة والقضاء والمال العام، مثل:
«الأحكام السلطانية» للماوردي.
«الأحكام السلطانية» لأبي يعلى الفراء.
«غياث الأمم في التياث الظلم» لإمام الحرمين الجويني.
«السياسة الشرعية» لابن تيمية.
«الطرق الحكمية» لابن القيم.
«تبصرة الحكام» لابن فرحون.
«معين الحكام» للطرابلسي.
«الخراج» لأبي يوسف.
«الأموال» لأبي عبيد القاسم بن سلام.
وتدل هذه المؤلفات على أن الفقهاء تناولوا شؤون الحكم من زوايا متعددة، ولم يجعلوا السياسة مجرد وسيلة لمعاقبة المخالفين أو ضبط المجتمع بالقوة.
بل تناولوا مسؤولية الولاة، والقضاء، والأموال، والحقوق، وتنظيم المصالح العامة، وعلاقة أهل العلم بأصحاب السلطة.
وهذا كله يؤكد أن السياسة الشرعية باب واسع، وأن تقييمها لا يكون بالنظر إلى قوة الدولة أو شدة العقوبات وحدهما، بل بمدى إقامة العدل، وحفظ الحقوق، وصيانة المصالح العامة.
عاشرًا: ما العلاقة بين الفقيه والحاكم؟
توقف الإمام أبو حامد الغزالي في «إحياء علوم الدين» عند العلاقة بين الفقه والسياسة، وبيّن أن انتظام شؤون الدنيا يعين على انتظام شؤون الدين، وأن الناس يحتاجون إلى من يفصل الخصومات وينظم العلاقات ويحفظ النظام العام.
لكن هذه العلاقة لا ينبغي أن تُفهم على أنها تبعية مطلقة للعلماء للحكام، أو أن الحاكم يملك تحويل رغباته إلى أحكام شرعية.
فالفقيه مسؤول عن بيان الحكم بحسب ما يظهر له من الأدلة، والحاكم مسؤول عن تدبير شؤون الناس وإقامة العدل، وكلٌّ منهما مطالب بأداء الأمانة التي تحملها.
وإذا صار العلم مجرد أداة لتبرير كل قرار سياسي، فقد العلم استقلاله في بيان الحق. وإذا تحولت السلطة إلى قوة لا تقبل النصيحة ولا تقيم وزنًا للحقوق، اختل مقصد الحكم الذي تقوم عليه السياسة العادلة.
ومن هنا، فإن العلاقة الصحيحة بين العلم والسلطة تقوم على النصيحة، والبيان، والمسؤولية، والتعاون على العدل، لا على تسويغ الظلم أو تعطيل الاجتهاد.
الخلاصة: لا جمود يعطّل مصالح الناس، ولا سلطة تتخذ المصلحة ذريعة للظلم
تكشف لنا مناقشات الفقهاء في السياسة الشرعية عن حقيقة مهمة: أن الاجتهاد في شؤون الأمة ضرورة، لكن هذه الضرورة لا تعني إطلاق يد الحاكم، كما أن الالتزام بالشريعة لا يعني تجميد وسائل تدبير الحياة عند صور تاريخية واحدة.
وقد أسهم القرافي وابن عابدين وابن عقيل وابن القيم وغيرهم في بيان جوانب من هذه القضية، مع اختلاف مناهجهم وتفاصيل اجتهاداتهم.
والميزان الذي ينبغي أن نحتكم إليه هو الجمع بين النصوص الشرعية، والقواعد المعتبرة، وتحقيق المصالح الحقيقية، ومنع الظلم والفساد.
فلا يجوز أن نرفض كل اجتهاد جديد بحجة أنه لم يرد بصورته في كتب المتقدمين، ولا أن نقبل كل قرار سياسي بحجة أن الحاكم أدرى بالمصلحة.
فالسلطة ليست مصدرًا مستقلًا لتحديد الحلال والحرام، والمصلحة ليست مبررًا لتجاوز الشريعة، والعدل ليس شعارًا يرفعه الحاكم، بل غاية يجب أن تظهر في أحكامه وقراراته وآثارها على الناس.
وهذه هي الفكرة التي تستحق أن تبقى حاضرة في كل نقاش عن السياسة الشرعية: أن الشريعة لا تُختزل في الجمود على صور الماضي، ولا يجوز أن تتحول إلى غطاء لقرارات الظالمين؛ بل المقصود هو إقامة العدل، وحفظ الحقوق، ورعاية مصالح الناس في ضوء أحكامها ومقاصدها.
والله أعلم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق