🔥 لماذا أكره الخطاب المدخلي والنفاق؟
قراءة في ازدواجية المعايير
لا أكره الأشخاص لمجرد انتمائهم إلى تيار أو مدرسة فكرية، ولا أزعم أن كل من ينتسب إلى الخطاب المدخلي متطابق في أفكاره ومواقفه.
لكنني أكره النمط من الخطاب الذي يجعل للناس ميزانًا، وللسلطة ميزانًا آخر؛ ويشتد على المخالف، ثم يبحث عن الأعذار للموافق.
المشكلة عندي ليست في الاختلاف الفقهي أو الدعوي.
فالاختلاف سنة بشرية، والعلماء أنفسهم اختلفوا في مسائل كثيرة.
إنما المشكلة في ازدواجية المعايير:
ما يُحرَّم على عامة الناس يصبح قابلًا للتبرير عندما يصدر عن السلطة، وما يُعدّ فتنةً عندما يفعله المعارض قد يصبح مشروعًا عندما يخدم السلطة.
وهنا تبدأ الأسئلة الصعبة.
⚖️ المولد بدعة… ولكن هل كل جديد يُعامل بالميزان نفسه؟
يُشنَّع على الاحتفال بالمولد النبوي، ويُقدَّم في بعض الخطابات على أنه من أخطر صور البدع.
ولا بأس أن يناقش العلماء هذه المسألة بالدليل؛ فهي مسألة خلافية معروفة في التراث الإسلامي.
لكن السؤال:
لماذا يصبح معيار البدعة شديدًا جدًا في بعض المناسبات، ثم يبدو أكثر مرونة عندما يتعلق الأمر بفعاليات ومناسبات جديدة أخرى؟
إذا كان المعيار هو الشرع، فينبغي أن يكون واحدًا.
لا أن يكون الفعل مذمومًا عندما يقوم به عامة المسلمين، ثم يصبح مقبولًا أو مسكوتًا عنه عندما تتبناه جهة رسمية.
🍽️ التشدد مع التفاصيل… والتسامح مع القضايا الأكبر
قد يتحول النقاش الديني أحيانًا إلى معارك حول تفاصيل صغيرة جدًا:
أكلة، مناسبة، لباس، عادة اجتماعية، أو تصرف مختلف فيه.
ويُقال للناس:
هذا حرام، وهذه بدعة، وهذا ضلال.
لكن عندما يتعلق الأمر بممارسات سياسية أو اجتماعية أكبر، نرى مساحة واسعة من التبرير والتأويل.
وهنا السؤال:
هل حجم التشدد يتحدد بالدليل الشرعي، أم بهوية من يقوم بالفعل؟
فالحرام لا يصبح حلالًا لأن فاعله قوي.
والحلال لا يصبح حرامًا لأن فاعله ضعيف.
🩸 «لحوم العلماء مسمومة»… ولكن هل الجميع سواء؟
من العبارات المشهورة:
«لحوم العلماء مسمومة».
ومعناها ـ من حيث التحذير من ظلم العلماء والطعن في أعراضهم ـ مفهوم.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول القاعدة إلى قاعدة انتقائية.
فالعالم الموافق يُدافع عنه، ويُحذر من الطعن فيه.
أما العالم المخالف، فقد يتحول فجأة إلى:
مبتدع،
منحرف،
مخذِّل،
حزبي،
أو صاحب فتنة.
وهنا السؤال البسيط:
إذا كانت أعراض العلماء مصونة، فلماذا لا تكون هذه الحماية للجميع؟
إن كان الخطأ يُناقش بالدليل، فليُناقش بالدليل.
وإن كان العالم قد أخطأ، فليُرد خطؤه دون إسقاط كرامته أو تحويل الخلاف العلمي إلى معركة شخصية.
👑 طاعة ولي الأمر… هل تعني الصمت عن كل شيء؟
لا خلاف في أصل طاعة ولي الأمر في المعروف، ولا في خطورة الفوضى والاقتتال الداخلي.
لكن المشكلة عندما تتحول الطاعة من حكم شرعي منضبط إلى قاعدة تبرر كل موقف سياسي.
فهل كل قرار يصدر عن الحاكم يصبح صحيحًا لمجرد صدوره عنه؟
وهل انتقاد سياسة معينة يعني بالضرورة خروجًا وتمردًا؟
وهل النصيحة للحاكم تصبح جريمة إذا كانت علنية، بينما يصبح مدحه والدفاع عن قراراته من الدين؟
هذه أسئلة تستحق الإجابة بعيدًا عن التخويف والتصنيف.
فالطاعة في المعروف شيء، وتحويل الحاكم إلى شخص فوق النقد والنصيحة شيء آخر.
📢 المظاهرات… حلال عندما تؤيد السلطة وحرام عندما تعارضها؟
هذه من أكثر القضايا التي تكشف أهمية ثبات المعيار.
إذا كانت المظاهرات محرمة لأنها تؤدي إلى الفوضى أو الفتنة أو تعطيل المصالح، فليكن هذا الحكم عامًا.
لكن إذا أصبحت بعض صور التجمع والاحتشاد مقبولة عندما تؤيد السلطة أو سياساتها، ثم صارت محرمة عندما تعارض السلطة، فهنا يحق للناس أن يسألوا:
هل الحكم متعلق بالفعل، أم بالجهة التي يستفيد منها؟
المعيار الشرعي لا ينبغي أن يتغير بتغير اللافتة التي يرفعها المتظاهر.
🇵🇸 فلسطين… هل الخلاف السياسي يغيّر أصل القضية؟
القضية الفلسطينية أكبر من أن تختزل في خلافات التيارات والجماعات.
يمكن أن يختلف الناس حول حركة سياسية، أو أسلوب مقاومة، أو قرار عسكري، أو موقف سياسي.
لكن ينبغي ألا يؤدي ذلك إلى تجاهل أصل القضية:
هناك احتلال، وهناك شعب يطالب بحقه، وهناك ظلم ومعاناة مستمرة.
والواجب أن تكون المواقف من هذه القضايا مبنية على العدل والحق وحفظ الدماء، لا على مجرد الخصومة مع جماعة معينة.
فليس كل من نختلف معه سياسيًا يصبح باطلًا في كل شيء.
🎭 حين تصبح السلطة فوق النقد
من أكثر ما يثير الاستغراب أن بعض الخطابات التي ترفع شعار:
«الكتاب والسنة»
قد تتحول عمليًا إلى خطاب شديد الحساسية تجاه نقد السلطة.
فتصبح النصيحة فتنة.
والاعتراض تشغيبًا.
والاحتجاج خروجًا.
والكلام عن الظلم تحريضًا.
بينما لا نرى الدرجة نفسها من التشدد عندما يكون الحديث عن مخالف ديني أو داعية أو عالم خارج الدائرة.
وهنا السؤال:
لماذا يكون النقد خطرًا عندما يتوجه إلى السلطة، لكنه يصبح فضيلة عندما يتوجه إلى المخالف؟
🔥 من يملك حق الكلام باسم الدين؟
من أكثر الأمور التي أرفضها أن يتحول تيار معين إلى ما يشبه الناطق الحصري باسم الكتاب والسنة.
فإذا وافقتهم فأنت سلفي، وإذا خالفتهم فأنت مبتدع.
إذا وافقتهم فأنت من أهل السنة، وإذا ناقشتهم فأنت حزبي أو ضال.
وهذا من أخطر أبواب التعصب.
فالكتاب والسنة ليسا ملكًا لجماعة.
والسلف الصالح ليسوا شعارًا يحتكره أحد.
والحق لا يتحول إلى حق خاص لمجرد أن جماعة ما رفعت رايته.
🏷️ مناقشة الفكرة أم تصنيف الأشخاص؟
أحيانًا يصبح السؤال:
«من قال؟»
أهم من السؤال:
«ماذا قال؟ وما دليله؟»
فإذا كان القائل من الجماعة المقبولة، التُمس له العذر.
وإذا كان من خارجها، بُحث عن أي عبارة لإسقاطه والتحذير منه.
وهكذا يتحول النقاش العلمي إلى:
تصنيف،
وتبديع،
وتحذير،
وهجر،
وإقصاء.
وبدل أن نتناقش حول الدليل، نتناقش حول هوية القائل.
⚠️ المشكلة ليست في السلفية… بل في تحويلها إلى أداة إقصاء
أنا لا أرى أن المشكلة في الانتساب إلى السلف أو في الدعوة إلى الكتاب والسنة.
فهذا أمر لا يختلف عليه مسلم.
المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا الانتساب إلى هوية حزبية مغلقة:
نحن أهل السنة،
وغيرنا أهل البدع.
نحن أهل التوحيد،
وغيرنا أهل الانحراف.
نحن أهل الحق،
وغيرنا أهل الأهواء.
ثم يصبح كل نقد لنا هجومًا على السنة نفسها.
وهنا ينبغي التوقف.
فالسنة أكبر من جماعة، والحق أكبر من تنظيم، والدليل أكبر من الأشخاص.
🎯 لماذا أكره هذا الخطاب؟
لأنني أكره ازدواجية المعايير.
أكره أن يكون الحرام حرامًا عندما يفعله الضعيف، ثم يصبح محل تأويل عندما يفعله القوي.
أكره أن تكون أعراض العلماء «مقدسة» عندما يكونون موافقين، ثم تصبح مستباحة عندما يخالفون.
أكره أن تصبح طاعة الحاكم معيارًا للحق، بينما تُتهم المعارضة كلها بالفتنة.
أكره أن يتحول الاختلاف العلمي إلى تصنيف وتبديع وهجر.
وأكره أن يحتكر أحد الحديث باسم الإسلام، ثم يجعل مخالفته مخالفةً للدين نفسه.
🧭 وأخيرًا…
ليس المطلوب أن نرفض كل ما يقوله المدخليون، كما ليس المطلوب أن نقبل كل ما يقوله خصومهم.
الميزان ليس الأشخاص.
الميزان هو:
📖 الدليل.
⚖️ العدل.
🧠 الفهم الصحيح للنص.
🎯 اتساق المعيار.
🤝 احترام المخالف.
فإن كان الفعل حرامًا، فهو حرام على الجميع.
وإن كان مباحًا، فهو مباح للجميع.
وإن كان العالم قد أخطأ، نرد خطأه دون أن نسقط قدره.
وإن أخطأ الحاكم، ننصحه دون أن نحول النقد إلى فوضى.
وإن اختلف معنا مسلم، نناقش فكرته بدل أن نبحث عن تصنيف نعلقه على رقبته.
لأن الدين لا يحتاج إلى ازدواجية حتى ينتصر.
والحق لا يحتاج إلى حماية بالكيل بمكيالين.
أما حين يصبح للسلطة ميزان، وللمخالف ميزان، وللجماعة ميزان ثالث…
فالمشكلة ليست في نقص الشعارات، وإنما في غياب المعيار الواحد.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق