الاعتراف بالخطأ فضيلة!!!
ليس العيب أن يخطئ الإنسان، فالخطأ طبيعة بشرية، ولا يكاد يسلم منه أحد. وإنما العيب الحقيقي أن يعرف الإنسان خطأه ثم يكابر عليه، أو يدافع عنه، أو يبحث له عن الأعذار والمبررات، وكأن الاعتراف بالخطأ نقصٌ في قدره أو إساءةٌ إلى مكانته. إن الاعتراف بالخطأ من شجاعة النفس وقوة الشخصية وصدق الإنسان مع نفسه؛ لأن الذي يستطيع أن يقول: «أخطأت» هو إنسان انتصر على كبريائه، وغلب هواه، وقدّم الحق على الانتصار للنفس. وقد قال الله تعالى: ﴿وَالتَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ . والإنسان العاقل لا يرى رجوعه عن الخطأ هزيمة، بل يراه تصحيحًا للطريق. فالرجوع إلى الحق ليس ضعفًا، بل فضيلة؛ ولذلك قيل: الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل. ومن المؤسف أن بعض الناس إذا أخطأوا، ثم أقيمت عليهم الحجة، انتقلوا من الدفاع عن الفكرة إلى الدفاع عن أنفسهم، فيبدأون بتأويل الكلام، وانتقاء الأدلة، والبحث عن أخطاء الآخرين، حتى لا يضطروا إلى قول كلمة واحدة ثقيلة على النفس: «كنت مخطئًا». وهنا تتحول المسألة من بحث عن الحق إلى معركة انتصار للنفس. والأخطر من ذلك أن يتحول الخطأ إلى عناد؛ فالخطأ الأول قد يكون جهلًا أو سوء فهم، أما الإصرار عليه بعد ظهور الحق فهو مشكلة أخرى. وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ . إن الاعتراف بالخطأ لا يُسقط هيبة العالم، ولا ينتقص من قدر الداعية، ولا يعيب طالب العلم، ولا يقلل من مكانة المسؤول؛ بل قد يكون سببًا في زيادة احترام الناس له، لأن الناس بطبيعتهم يقدّرون الصادق الذي يراجع نفسه، أكثر من الشخص الذي يتظاهر بأنه لا يخطئ. والعلماء الراسخون لم يكونوا يرون الرجوع إلى الحق عيبًا. بل كان من أخلاق أهل العلم أن يقول العالم: لا أدري، وأن يرجع عن قوله إذا ظهر له الدليل. فالمقصود من العلم الوصول إلى الحق، لا إثبات أن رأيي هو الحق في كل مسألة. ولهذا ينبغي أن نربي أنفسنا على ثقافة المراجعة، وأن نفرّق بين ثبات الإنسان على الحق وبين تعصبه لرأيه. فالثبات على الحق فضيلة، أما الثبات على الخطأ بعد ظهوره فليس ثباتًا، وإنما هو عناد. ومن أجمل ما يمكن أن يقوله الإنسان عند اكتشاف خطئه: «لقد أخطأت، والصواب كذا، وأرجع عن قولي السابق.» هذه الكلمات القليلة قد تكون أثقل على النفس من صفحات طويلة من التبرير، لكنها أصدق وأشرف وأقرب إلى الحق. فلا تجعلوا الاعتراف بالخطأ هزيمة، ولا الرجوع إلى الصواب انكسارًا؛ فإن الإنسان لا يكبر في أعين الناس لأنه لا يخطئ، وإنما يكبر لأنه إذا أخطأ كان شجاعًا بما يكفي ليعترف، وعاقلًا بما يكفي ليصحح، ومخلصًا للحق بما يكفي ليرجع إليه. فالاعتراف بالخطأ فضيلة، والرجوع إلى الحق فضيلة، والإصرار على الخطأ بعد ظهور الحق هو الخسارة الحقيقية.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق