الأحد، 18 أكتوبر 2026

مدخل إلى مفهوم السياسة في الإسلام

 

كيف تناول القرآن قضايا الحكم والسلطة والتمكين؟

مدخل إلى مفهوم السياسة في الإسلام

هل غياب لفظ «السياسة» عن القرآن الكريم يعني أن الإسلام لا يهتم بقضايا الحكم والسلطة وتدبير شؤون المجتمع؟ وهل يصح أن يُقال إن السياسة أمرٌ منفصل عن الدين لمجرد أن المصطلح لم يرد بلفظه الاصطلاحي في القرآن؟

إن الإجابة عن هذين السؤالين تقتضي أن نتحرر من الخلط بين المصطلح ومضمونه، وبين اللفظ والمعنى، وبين المبادئ الشرعية والتطبيقات السياسية.

فالقرآن الكريم لم يأتِ كتابًا في المصطلحات السياسية بالمعنى الذي تعرفه العلوم الحديثة، لكنه تناول قضايا الحكم والعدل والشورى والتمكين والاستخلاف، وعرض نماذج من الملوك والحكام، وكشف عن الفارق بين السلطة التي تُستعمل في الإصلاح، والسلطة التي تتحول إلى أداة للظلم والاستبداد والإفساد.

فكيف تناول القرآن هذه القضايا؟ وما مفهوم السياسة في اللغة والاصطلاح؟ ومتى ظهر استعمال هذا اللفظ في السنة النبوية والتراث الإسلامي؟

هذه أسئلة تستحق البحث والتأصيل.


أولًا: ما السياسة في اللغة والاصطلاح؟

السياسة في اللغة مصدر الفعل: «ساسَ يَسوسُ سياسةً».

ويُقال: ساس الدابة أو الفرس، إذا قام على أمرها، وتعهدها بالعلف والسقي والترويض وسائر ما يصلح شأنها.

ومن هذا الاستعمال جاء قولهم: ساس الرعية سياسةً، أي تولّى تدبير شؤونها، وقام على أمرها بما يصلح أحوالها.

وجاء في تاج العروس، في مادة «سوس»، ما يفيد أن السياسة هي القيام على الشيء بما يصلحه.

أما في الاصطلاح، فتدور تعريفات السياسة حول فن إدارة المجتمعات الإنسانية، وتنظيم شؤون الحكم، وتدبير المصالح العامة، والتعامل مع الخلافات المتعلقة بالسلطة والقرار العام.

ويمكن تعريفها إجمالًا بأنها:

تدبير شؤون المجتمع، وتنظيم السلطة، واتخاذ القرارات المتعلقة بالمصلحة العامة، وتحديد العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وما يتصل بذلك من مسؤوليات وحقوق.

ومن المهم هنا أن نلاحظ أن السياسة ليست مجرد صراع على السلطة، ولا تقتصر على الوصول إلى الحكم؛ بل تشمل أيضًا كيفية ممارسة السلطة، والغايات التي تسعى إليها، والوسائل التي تُستخدم لتحقيقها.

ومن هذا المنطلق، يصبح البحث في السياسة بحثًا في العدل والظلم، والشورى والاستبداد، والمصالح العامة، ومسؤولية أصحاب الولايات، وحقوق الناس وواجباتهم.

فإذا كانت هذه هي الموضوعات التي تدور عليها السياسة، فهل يعقل أن نختزل موقف الإسلام منها في سؤال واحد: هل ورد لفظ «السياسة» في القرآن أم لم يرد؟


ثانيًا: غياب لفظ «السياسة» لا يعني غياب مضمونها عن القرآن

من الحقائق اللغوية أن لفظ «السياسة» نفسه لم يرد في القرآن الكريم.

لكن هذه الحقيقة، على صحتها، لا تثبت أن القرآن لم يتناول المعاني والقضايا التي تدخل في مفهوم السياسة.

فثمة فرق واضح بين أن نقول إن مصطلحًا معينًا لم يرد في النص، وبين أن نزعم أن النص لم يتناول شيئًا من معناه.

ولنضرب لذلك مثالًا:

لفظ «العقيدة» بصيغته الاصطلاحية المعروفة ليس هو اللفظ الذي جمع القرآن تحته جميع مسائل الاعتقاد، ومع ذلك فإن القرآن مليء بآيات التوحيد والإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.

وكذلك لفظ «الفضيلة»؛ فعدم ورود هذا الاسم لا يعني غياب الدعوة إلى مكارم الأخلاق، أو الحث على العدل والإحسان، أو النهي عن الرذائل والمنكرات.

والأمر نفسه ينطبق على موضوع السياسة: عدم ورود المصطلح لا يكفي لنفي حضور المعاني التي يدل عليها، وإنما ينبغي البحث عن تلك المعاني في النصوص ذات الصلة.

وعندما نفعل ذلك، نجد أن القرآن تناول قضايا الحكم والسلطة من خلال ألفاظ ومفاهيم متعددة، من أبرزها:

  • المُلك والسلطان.

  • الحكم والعدل.

  • الشورى وتدبير الأمر العام.

  • التمكين والاستخلاف.

  • أداء الأمانات والمسؤوليات.

  • الإصلاح في الأرض والتحذير من الإفساد فيها.

وهذه المفاهيم لا تعني أن القرآن تبنّى نظرية سياسية حديثة بعينها، ولا أن جميع الأنظمة السياسية متساوية في حكمها الشرعي؛ وإنما تعني أن قضايا الحكم وتدبير شؤون المجتمع حاضرة في الخطاب القرآني، وأن فهمها يحتاج إلى دراسة النصوص ودلالاتها، لا إلى الوقوف عند أسماء المصطلحات وحدها.


ثالثًا: المُلك في القرآن الكريم… السلطة بين الإصلاح والاستبداد

من أبرز المفاهيم القرآنية المتصلة بالسياسة مفهوم «المُلك».

وقد تحدث القرآن عن المُلك في سياقات متعددة، فتناول ما يرتبط به من تمكين ومسؤولية، وعرض نماذج لحكام تختلف أحوالهم ومواقفهم.

1. المُلك والحكمة والقدرة على التدبير

قال الله تعالى:

﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 54].

وقال يوسف عليه السلام:

﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ﴾ [يوسف: 101].

وقد مكّن الله يوسف عليه السلام في الأرض، وأتاح له تولي مسؤولية تدبير شؤونها في مرحلة عصيبة من تاريخ مصر، حين واجهت البلاد سنوات القحط.

قال تعالى:

﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾ [يوسف: 56].

وتكشف قصة يوسف عن جوانب مهمة في إدارة الشأن العام، منها التخطيط للمستقبل، وحسن تدبير الموارد، والاستعداد للأزمات، وتحمل المسؤولية في أوقات الشدة.

وهذه كلها موضوعات تدخل في صميم الإدارة السياسية والاقتصادية، وإن لم يعبّر القرآن عنها بالمصطلحات الحديثة نفسها.

2. طالوت وداود وسليمان عليهم السلام

قال تعالى في طالوت:

﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ [البقرة: 247].

وقال سبحانه:

﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ [البقرة: 251].

كما تحدث القرآن عن مُلك سليمان عليه السلام، وما آتاه الله من سلطان وقدرات واسعة في تدبير شؤون مُلكه.

وتُظهر هذه القصص أن المُلك والسلطة والقيادة ليست معاني غائبة عن القرآن؛ بل وردت في سياقات تتصل بالقيادة، والقوة، والحكمة، وتحمّل المسؤولية.

غير أن العبرة لا تكمن في مجرد امتلاك السلطة، وإنما في سياقها، وكيفية ممارستها، وما يرتبط بها من حق وعدل ومسؤولية.

3. ملكة سبأ والشورى في اتخاذ القرار

ومن المشاهد اللافتة في القرآن قصة ملكة سبأ، حين قالت لقومها:

﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ [النمل: 32].

فالآية تعرض مشهدًا من مشاهد التشاور في تدبير الشأن العام، وتُظهر رجوع الملكة إلى الملأ قبل اتخاذ قرار مهم.

ولا يصح أن نستنتج من هذا المشهد وحده أن القرآن يقرّ كل جوانب نظام حكمها، أو أن القصة تقدم نظرية سياسية مكتملة؛ لكن من الصحيح أن نلاحظ حضور التشاور والنظر في الرأي والعواقب في المشهد الذي حكاه القرآن.

وقد جاء مبدأ الشورى أيضًا في وصف المؤمنين بقوله تعالى:

﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: 38].

وهكذا نجد أن الشورى، وهي من المفاهيم الأساسية في الفكر السياسي الإسلامي، لها أصل واضح في الخطاب القرآني.

4. فرعون… حين تتحول السلطة إلى استبداد

وفي مقابل تلك النماذج، عرض القرآن صورة الحكم الذي يقوم على الاستعلاء والاضطهاد وإفساد المجتمع.

قال تعالى:

﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ﴾ [القصص: 4].

ثم قال سبحانه:

﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: 4].

فهذه صورة قرآنية للسلطة حين تتحول إلى وسيلة للاستعلاء، وتقسيم المجتمع، واضطهاد الضعفاء، والإفساد في الأرض.

والقرآن لا يعرض هذه الصورة لمجرد سرد أحداث تاريخية، بل يجعلها جزءًا من العبرة التي ينبغي أن يتأملها الإنسان في أحوال الظلم وعواقبه.

ومن هنا، فإن دراسة السياسة في ضوء القرآن لا تكتمل بمجرد الحديث عن المُلك والتمكين؛ بل لا بد من النظر في العدل والظلم، والإصلاح والإفساد، ومسؤولية من يملك القرار والسلطان.

فالسلطة في ذاتها ليست دليلًا كافيًا على صلاح صاحبها، كما أن امتلاك أدوات الحكم لا يعفي الحاكم من المسؤولية عن طريقة استعمالها.


رابعًا: التمكين والاستخلاف… هل يتناول القرآن قضايا الدولة والمجتمع؟

إلى جانب مفهوم المُلك، تناول القرآن مفهومَي التمكين والاستخلاف، وهما من المفاهيم التي لها صلة وثيقة بالسلطة والمسؤولية في الأرض.

1. التمكين والمسؤولية

قال الله تعالى:

﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: 41].

تربط هذه الآية بين التمكين وبين جملة من الواجبات الدينية والاجتماعية.

فالتمكين ليس مجرد وصول إلى موقع القوة، وإنما يرتبط بما يقوم به المُمكَّنون من أعمال ومسؤوليات.

والآية، في سياقها، تصف المؤمنين الذين إن مكّنهم الله في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر.

وهذا يلفت النظر إلى أن القرآن لا يفصل بين القدرة على الفعل وبين المسؤولية عن توجيهها إلى الخير.

2. الاستخلاف في الأرض

قال الله تعالى:

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور: 55].

تتناول الآية وعد الاستخلاف والتمكين والأمن في سياق الإيمان والعمل الصالح وعبادة الله.

ولا يصح اختزال مفهوم الاستخلاف في مشروع سياسي معاصر بعينه، أو اتخاذ الآية وحدها دليلًا على صحة كل حركة أو جماعة تدّعي السعي إلى التمكين؛ فالحكم على المشاريع والممارسات يحتاج إلى أدلة وتفصيلات أخرى.

لكن الآية تظل من النصوص المهمة في بحث علاقة الإيمان بالتمكين، وما يرتبط بذلك من مسؤوليات دينية واجتماعية.


خامسًا: الحكم بالعدل وأداء الأمانات… أساس المسؤولية السياسية

من أعظم الآيات التي تناولت الحكم والمسؤولية العامة قول الله تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58].

تجمع هذه الآية بين أداء الأمانات والحكم بالعدل، وهما من الأصول الكبرى التي تتصل بالولايات والمسؤوليات العامة.

فالحكم ليس مجرد امتلاك سلطة إصدار الأوامر، بل هو أمانة تستلزم أداء الحقوق، والعدل بين الناس، والابتعاد عن الهوى والجور.

وقد اعتنى شيخ الإسلام ابن تيمية بهذه الآية في كتابه السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، الذي بحث فيه جملة من المسائل المتعلقة بالولايات والحقوق وتدبير شؤون الرعية.

وقال الله تعالى أيضًا:

﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: 49].

وتناولت آيات سورة المائدة مسألة الحكم بغير ما أنزل الله، وهي من المسائل التي تحتاج إلى فهم سياقاتها، وجمع النصوص المتعلقة بها، والنظر في أقوال العلماء وتفصيلاتهم.

ولا يصح أن تُتخذ هذه الآيات ذريعة إلى إصدار أحكام متسرعة على الأفراد والجماعات دون علم أو تحقق؛ فالتنزيل على الوقائع باب آخر له شروطه وضوابطه.

والذي يهمنا هنا أن القرآن تناول الحكم والعدل والسلطة والمسؤولية، وهي من صميم الموضوعات التي تدرسها العلوم السياسية.


سادسًا: السياسة في السنة النبوية… نص صريح في الاستعمال

إذا كان لفظ «السياسة» لم يرد في القرآن الكريم، فإن السنة النبوية اشتملت على استعمال صريح للفعل المشتق منه.

روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال:

«كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء فيكثرون».

قالوا: فما تأمرنا؟ قال:

«فوا ببيعة الأول فالأول، وأعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم».

رواه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، ومسلم في كتاب الإمارة.

ومعنى قوله ﷺ: «تسوسهم الأنبياء» أن الأنبياء كانوا يتولون تدبير شؤون بني إسرائيل وقيادتهم، ويقومون على أمرهم بما يصلح أحوالهم.

وهذا الحديث شاهد واضح على أن مادة «ساس» كانت مستعملة في معنى تدبير شؤون الجماعة وتولي أمرها.

كما أن الحديث يتضمن معنى مهمًّا في باب الولايات، وهو أن أصحاب السلطة مسؤولون عما استُرعوا عليه؛ فالولاية ليست امتيازًا مطلقًا، وإنما ترتبط بحقوق وواجبات ومساءلة أمام الله.

وهنا ينبغي التمييز بين دلالة الحديث المباشرة وبين التفصيلات التي يدرسها الفقهاء في أبواب الإمامة والبيعة والولايات؛ فلكل مسألة أدلتها وأحكامها.

لكن من حيث الاستعمال اللغوي، فإن الحديث يثبت بوضوح ورود الفعل «تسوسهم» في السنة الصحيحة.


سابعًا: متى استُعمل لفظ السياسة في التراث الإسلامي؟

لم يقتصر استعمال مادة «ساس» على الحديث النبوي، بل وردت في بعض الآثار والنقول التاريخية المبكرة المتعلقة بتدبير شؤون الناس والولاية.

وتذكر الموسوعة الفقهية الكويتية، في مادة «سياسة»، أن من أقدم النصوص التي ورد فيها لفظ السياسة مصدرًا، بمعناه المتعلق بالحكم، ما نُقل عن عمرو بن العاص في وصف معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما بأنه:

«الحسن السياسة، الحسن التدبير».

وقد أورد الطبري هذا النقل في سياق أخبار التحكيم.

والأدق علميًّا أن يُقال إن هذا من النصوص المبكرة التي نُقل فيها استعمال لفظ السياسة بهذا المعنى، دون الجزم بأنه أول استعمال مطلقًا؛ لأن إثبات الأولية التاريخية يحتاج إلى استقراء واسع للمصادر.

السياسة في آثار عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما

ورد الفعل «يسوس» في آثار منسوبة إلى عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما.

فقد رُوي عن عمر رضي الله عنه أنه قال:

«حين يسوس أمرهم من لم يعالج أمر الجاهلية، ولم يصحب الرسول».

وجاء ذلك في سياق التحذير من أن يتولى تدبير شؤون العرب من لا يعرف أحوالهم ولا يفقه طبيعة مجتمعهم.

كما نُقل عن علي رضي الله عنه قوله لأهل الكوفة:

«أو ليَسُوسَنَّكم أقوام أنتم أقرب إلى الحق منهم».

وقد أوردت كتب تراثية، منها مصنف ابن أبي شيبة، روايات في هذا الباب.

وينبغي عند اعتماد هذه الآثار في بحث علمي مستقل مراجعة ألفاظها وأسانيدها في مصادرها الأصلية؛ فالاستشهاد التاريخي شيء، والحكم على ثبوت الرواية شيء آخر.

ومع ذلك، فإن هذه الشواهد تدل على حضور مادة «ساس» في الخطاب المتعلق بتدبير شؤون الناس وتولي أمرهم في التراث الإسلامي المبكر.

ثم تطور البحث في هذا المجال، فظهرت مباحث ومؤلفات تتناول السياسة الشرعية، والإمامة، والولايات، والقضاء، والحسبة، وتدبير مصالح الرعية.

ومن أشهر الكتب في هذا الباب كتاب السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية لابن تيمية، وهو شاهد على استقرار استعمال المصطلح في التأليف الفقهي.


ثامنًا: ماذا تعني هذه الشواهد؟ وما الذي لا تثبته؟

بعد النظر في اللغة والقرآن والسنة والتراث، يمكننا الوصول إلى نتائج مهمة، لكن ينبغي أن تكون النتائج منضبطة بحدود الأدلة.

أولًا: غياب لفظ «السياسة» عن القرآن لا يعني غياب موضوعاتها.

فالقرآن تناول الحكم والعدل والشورى والتمكين والاستخلاف والولايات والمسؤولية، وإن لم يجمع هذه المعاني تحت لفظ «السياسة».

ثانيًا: القرآن يعرض السلطة في سياقات مختلفة، ولا يمدح كل من امتلكها.

فقد عرض نماذج من المُلك والتمكين، كما كشف عن الاستبداد والاضطهاد والإفساد. والعبرة ليست بمجرد وجود السلطة، بل بما يقترن بها من أعمال ومواقف.

ثالثًا: السنة النبوية استعملت لفظ السياسة مشتقًّا في حديث صحيح.

فقوله ﷺ: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء» شاهد واضح على استعمال اللفظ في معنى تدبير شؤون الجماعة وقيادتها.

رابعًا: التراث الإسلامي عرف السياسة بوصفها موضوعًا للبحث والتأليف.

وتشهد على ذلك الآثار والنقول التاريخية، ثم المؤلفات التي بحثت في السياسة الشرعية والولايات وتدبير شؤون الرعية.

خامسًا: هذه الشواهد لا تمنح الشرعية تلقائيًّا لكل مشروع سياسي.

فليس كل ما يُسمى سياسةً صحيحًا، ولا كل ممارسة سياسية مشروعة لمجرد أن أصحابها يرفعون شعارات دينية. كما أن الحكم على الأنظمة والمشروعات والأحزاب يحتاج إلى دراسة مستقلة لأهدافها ووسائلها وممارساتها ومدى موافقتها للأحكام الشرعية.


الخلاصة: العبرة بالمضمون لا بمجرد المصطلح

إن البحث في السياسة في الإسلام لا ينبغي أن يتوقف عند سؤال: هل ورد لفظ «السياسة» في القرآن الكريم أم لم يرد؟

فهذا السؤال، على أهميته اللغوية، لا يكفي وحده لفهم موقف القرآن من الحكم والسلطة وتدبير شؤون المجتمع.

والسؤال الأعمق هو: ما المبادئ التي قررها القرآن والسنة في الحكم والعدل والشورى والتمكين والمسؤولية؟ وكيف فهمها العلماء، وكيف يمكن تنزيلها على الوقائع السياسية مع مراعاة ضوابط الشرع ومقاصده؟

فالقرآن الكريم تناول هذه القضايا من خلال مفاهيم متعددة، والسنة النبوية استعملت مادة «ساس» في الحديث عن تدبير شؤون بني إسرائيل، ثم عرف التراث الإسلامي مباحث السياسة الشرعية وما يتصل بها من أحكام الولايات والمصالح العامة.

ومن هنا، فإن القول إن الإسلام لا يتناول السياسة لمجرد أن لفظها لم يرد في القرآن قول لا يستقيم منهجيًّا؛ لأنه يخلط بين غياب المصطلح وغياب المضمون.

وفي المقابل، لا يصح أن نجعل حضور المفاهيم السياسية في النصوص الشرعية دليلًا على صحة كل نظرية سياسية أو ممارسة معاصرة.

فالميزان ليس مجرد الاسم الذي نطلقه على السياسة، بل حقيقة ما تتضمنه، ومدى التزامها بالعدل والحق، وما يترتب عليها من مصالح ومفاسد.

وهذا هو المدخل الصحيح إلى دراسة السياسة في الإسلام: فهم النصوص، وضبط المفاهيم، والتمييز بين المبادئ الشرعية والاجتهادات البشرية، وعدم تحويل المصطلحات إلى حواجز تمنع البحث أو تحسم النقاش قبل النظر في الأدلة.

ــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر والإحالات

  1. الزبيدي، تاج العروس من جواهر القاموس، مادة «سوس»، 4/169، طبعة دار صادر، بيروت.

  2. موسوعة العلوم السياسية، إصدار جامعة الكويت، ص 102، الفقرة 78، وفق الإحالة الواردة في المادة الأصلية.

  3. البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، حديث رقم 3455؛ ومسلم، كتاب الإمارة، حديث رقم 1842.

  4. الموسوعة الفقهية الكويتية، مادة «سياسة»، 25/295–296.

  5. الطبري، تاريخ الرسل والملوك، 5/68، طبعة دار المعارف، القاهرة، وفق الإحالة الواردة في المادة الأصلية.

  6. ابن أبي شيبة، المصنف، والحاكم، المستدرك، في الرواية المنقولة عن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما؛ وقد أُحيل في المادة الأصلية إلى المستدرك، 4/475.

  7. ابن أبي شيبة، المصنف، وابن الجعد، المسند، في الرواية المنقولة عن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما.

تنبيه توثيقي: أُثبتت أرقام الأحاديث والصفحات بحسب الإحالات الواردة في المادة الأصلية، ويُستحسن مقابلة أرقام الصفحات وألفاظ الآثار على الطبعات المعتمدة قبل استخدامها في بحث أكاديمي موثق.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق