الخميس، 1 أكتوبر 2026

حين يتصدر غير المتأهلين للفتوى: كارثة اختزال الفقه في شعار «الدليل»

 

أنقذوا الفقه من المتطفلين عليه!

هناك مشكلة تتكرر في زماننا، ولا تتعلق بقلة الرغبة في معرفة الدين، وإنما بسوء تقدير الطريق الذي يُوصِل إلى معرفة الحكم الشرعي.

فبمجرد أن يسمع بعض الناس فتوى فيها أكثر من قول، أو يجد خلافًا بين الفقهاء، يسارع إلى الاعتراض:

«لماذا تذكر الأقوال المختلفة؟ قل لنا القول الراجح فقط!»

وهنا تبدأ المشكلة.

فالفقه الإسلامي لم يكن يومًا مجموعة من الإجابات الجاهزة التي يتوارثها الناس، وإنما هو علم له أصوله وقواعده ومناهجه ومدارسه وأدواته.

ومن يجهل هذه الحقيقة قد يتصور أن تعدد الأقوال دليل اضطراب، وأن ذكر الخلاف ضعف، وأن الاقتصار على قول واحد هو عين الاتباع.

والحال أن المسألة التي يظنها بعض الناس «قولًا غريبًا» قد تكون مذهب جمهور الفقهاء، وربما كانت هي القول المنقول عن أكثر من مدرسة فقهية، بينما يكون القول الذي اعتاده السامع قولًا واحدًا اختاره بعض المتأخرين.

فالمشكلة ليست دائمًا في غرابة القول…

بل أحيانًا في ضيق دائرة ما سمعناه.


المشكلة الثانية: متى أصبح المظهر تأهيلًا للفتوى؟

ومن الظواهر التي تستحق التوقف أن يلتزم شخص ببعض مظاهر التدين، كإعفاء اللحية أو لبس القميص، ثم يبدأ الناس ينادونه:

«يا شيخ، عندي سؤال…»

ومع تكرار هذا النداء قد يتسلل إلى صاحبه شعور بأنه أصبح مؤهلًا للإجابة عن مسائل الدين.

فيبدأ بالفتوى، وهو لم يدرس أصول الفقه، ولا القواعد الفقهية، ولا طرق الاستدلال، ولا علوم الحديث، ولا مباحث دلالات الألفاظ، وربما لم يقرأ في الفقه قراءة منظمة أصلًا.

ثم إذا ناقشته في مسألة قال لك بكل ثقة:

«العبرة بالدليل!»

ولا شك أن الدليل معتبر، بل لا يصح الاجتهاد الشرعي بغير دليل.

لكن السؤال الذي يغيب هنا:

هل مجرد معرفة وجود الدليل تجعل الإنسان قادرًا على الاستدلال به؟

بالطبع لا.

فبين معرفة النص وبين استخراج الحكم منه مسافة علمية واسعة.


الدليل لا يتكلم وحده

حين يقول شخص:

«أنا لا أريد أقوال العلماء، أعطني الدليل!»

فالسؤال ليس: هل نريد الدليل أم لا؟

بل السؤال الأهم:

من الذي يفهم الدليل؟ وكيف يفهمه؟ وما دلالته؟ وهل ثبت أصلًا؟ وهل هو عام أم خاص؟ مطلق أم مقيد؟ ناسخ أم منسوخ؟ وهل عارضه دليل آخر؟ وكيف تجمع بين الأدلة؟ وما وجه دلالته على الحكم محل النزاع؟

هذه ليست تعقيدات اخترعها الفقهاء لإبعاد الناس عن الكتاب والسنة.

بل هي أدوات نشأت أصلًا لحماية الاستدلال بالنص من الخطأ والتعجل.

ولهذا فإن قول:

«العبرة بالدليل»

صحيح من حيث الأصل، لكنه لا يُغني عن السؤال:

ومن الذي يملك أدوات فهم الدليل والاستنباط منه؟


حين يتحول المسموع إلى إجماع!

هناك صنف آخر لم يتوسع في دراسة الفقه، ولم يبحث في المسألة من مصادرها، وإنما سمع قولًا من أحد معارفه أو من بعض المشايخ الذين يتابعهم.

فيصبح ما سمعه هو الحقيقة الوحيدة.

فإذا سمع قولًا مخالفًا قال فورًا:

«من أين أتيت بهذا الكلام؟ اتق الله! لم أسمع في حياتي أحدًا يقول بهذا!»

وهذه الجملة في حقيقتها لا تثبت شيئًا.

فكونك لم تسمع بالقول لا يعني أن القول لم يقل به أحد.

بل قد يكون القول الذي لم تسمع به من قبل قولًا معروفًا عند الفقهاء، وربما قال به جمهورهم.

وهنا ينبغي التفريق بين أمرين:

«هذا قول لم أسمع به»

و

«هذا قول لا أصل له».

فالأول خبر عن حدود معرفتك أنت.

أما الثاني فهو حكم علمي يحتاج إلى بحث وتوثيق.


وحين يُكتشف الجهل… تبدأ الخطة البديلة!

وقد يحدث أن يُحرج المتحدث حين يُقال له:

«هذا القول ليس جديدًا، بل قال به علماء من مذاهب متعددة».

فبدل أن يراجع معلوماته، ينتقل إلى سؤال آخر:

«وهل العبرة بأقوال العلماء أم بالدليل؟ هل نترك كلام الله ورسوله ونأخذ بكلام البشر؟»

وهنا تختلط قضيتان مختلفتان تمامًا.

فالرجوع إلى العلماء ليس تركًا للكتاب والسنة.

والاستفادة من أقوال الفقهاء ليست عبادةً للأشخاص.

والبحث في المذاهب والخلاف الفقهي ليس استبدالًا للوحي بكلام البشر.

بل السؤال الحقيقي هو:

كيف فهم العلماء النص؟ وما وجه استدلالهم به؟ وما القواعد التي اعتمدوا عليها؟


الفقه ليس حفظ نصوص

لو كان الفقه مجرد معرفة النصوص، لكان كل من حفظ عددًا كبيرًا من الأحاديث فقيهًا بالضرورة.

لكن الواقع العلمي أعمق من ذلك بكثير.

فالفقيه يحتاج إلى معرفة:

  • ثبوت النصوص ودرجاتها.

  • طرق الجمع بين الأدلة.

  • دلالات الألفاظ.

  • العام والخاص.

  • المطلق والمقيد.

  • الأمر والنهي.

  • الناسخ والمنسوخ.

  • الإجماع والخلاف.

  • القياس ومناط الحكم.

  • القواعد والأصول التي تضبط عملية الاستنباط.

  • اختلاف السياقات والقرائن.

  • وكيفية تنزيل الحكم على الواقعة محل السؤال.

ولهذا فإن معرفة الحديث شيء، والفقه بالحديث شيء آخر.

ومعرفة الآية شيء، ومعرفة ما تدل عليه في محل النزاع شيء آخر.


حتى المصطلح البسيط قد يكون وراءه علم كامل

قد تسأل من يكثر من الحديث عن «الدليل»:

ما شروط الدليل الصحيح؟

ما وجه دلالته على المسألة؟

ما الفرق بين المنطوق والمفهوم؟

ما الاستصحاب؟

ما مناط الحكم؟

ما التمييز بين الحقيقة والمجاز؟

ما دلالة اللفظ؟

ما وجه التخريج الحديثي؟

فإذا كان لا يعرف هذه المصطلحات ولا يفهم وظائفها، فكيف انتقل مباشرة من قراءة النص إلى إصدار الحكم؟

المشكلة هنا ليست أن الإنسان غير متخصص.

فليس مطلوبًا من كل مسلم أن يكون فقيهًا أو مجتهدًا.

المشكلة أن يجهل الإنسان حدود علمه، ثم يتجاوزها إلى الفتوى.


ليس العيب أن تقول: لا أعلم

من أجمل ما يمكن أن يتعلمه طالب العلم أن يعرف حدود معرفته.

أن يقول:

«لا أدري».

وأن يقول:

«هذه المسألة تحتاج إلى مراجعة».

وأن يقول:

«فيها خلاف بين أهل العلم».

وأن ينقل الأقوال بأمانة، بدل أن يحوّل ما سمعه من شيخ أو صديق إلى إجماع، ثم يحوّل ما جهله إلى بدعة، وما خالف عادته إلى انحراف.

فالجهل بالمسألة ليس عيبًا.

إنما العيب أن يتحول الجهل إلى ثقة زائفة، والثقة الزائفة إلى فتوى، والفتوى إلى إلزام للناس.


احترموا علم الفقه

الفقه الإسلامي ليس مجموعة «فتاوى متداولة» في المجالس، ولا مقاطع قصيرة تُسمع ثم تُنقل، ولا شعارًا يقال عند كل خلاف:

«هات الدليل!»

الفقه علم له أصوله وأدواته وتاريخه ومدارسه ورجاله.

والاختلاف الفقهي ليس بالضرورة دليلًا على ضياع الحق، كما أن الاتفاق على قول واحد في محيطك الاجتماعي لا يجعله إجماعًا.

فإذا أردنا أن نحترم الكتاب والسنة حقًا، فعلينا أن نحترم كذلك العلم الذي يعين على فهمهما والاستدلال بهما.

وليس المطلوب أن يتحول كل مسلم إلى فقيه.

بل المطلوب أن يعرف كل إنسان مقامه العلمي:

أن يتعلم إن كان طالب علم…

وأن يسأل إن كان مستفتيًا…

وأن ينقل بأمانة إن كان ناقلًا…

وأن يفتي إذا استكمل أدوات الفتوى.

أما أن يتحول مجرد الاطلاع على بعض النصوص إلى تصريح مفتوح بالفتوى، فذلك ليس انتصارًا للكتاب والسنة.

بل قد يكون من أكثر الأشياء التي تسيء إلى الفقه، وإلى فهم الكتاب والسنة معًا.

فالفقه أمانة… وليس كل من عرف النص عرف الحكم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق