#كيف_يجتمع_الأشاعرة_والسلفيون_على_عمل_مفيد؟ (بقلم صهيب بوزيدي)
#أولا: الأشعري لا يعبد عدما بل يعبد الله الفرد الصمد ولا يشرك به شيئا
والسلفي لا يعبد صنما بل يعبد الله الفرد الصمد ولا يشرك به شيئا.
دينهما الإسلام ونبيهما محمد صلى الله عليه وسلم، يصلّون نفس الصلاة ويصومون نفس الشهر ويزكون بنفس المقدار ويحجون إلى نفس البيت ويلتزمون باعتقاد اجتناب نفس الكبائر ومعظم المحرمات ويتفقون على أكثر الواجبات وينتمون لنفس الأمة الإسلامية وهم جزء من الناس الذين خلقهم الله وكرّمهم وأنعم عليهم كلاهما يخوض اختبار العبادة ويريد كل منهما الفوز بالجنة والنجاة من النار، يحبون الله ورسوله ويكرهون الشيطان وجنوده وعند الضرورة كلاهما يقاتل في سبيل الله لصد العدوان ضد ديار المسلمين.
#ثانيا: الصراع بين الفريقين مبني على إلزامات لا يلتزم بها أي منهم سواء كانت لازمة أم غير لازمة فالقاعدة المعروفة (لازم القول ليس هو القول نفسه).
ورغم وجود فرقٍ بين الحالتين من حيث التقرير العلمي والنظري وخاصة اللفظي إلا أن ذلك لا ينسحب بالضرورة إلى الحكم العيني على الأفراد القائلين به.
فلو قُلتَ للسلفي هل تعتقد أن الله حادث مسبوق بعدم ؟ لقال "حاشَ لله" لكن الأشعري يتجنب أقوال السلفيين لأنه يرى أن اللازم منها حدوث الله، فإن إثبات الصفات على ظاهرها عند الأشعري يقتضي التجسيم والتجسيم عنده يقتضي وجود أجزاء للجسم وذلك يقتضي التركيب والتركيب عنده يقتضي الحدوث إذ يرى أن اللازم منه وجود أعضاء منفصلة قائمة بذاتها ثم بعد ذلك رُكّبت لتتحد في ذات واحدة.
والسلفي لا يُقرّ بهذا الإلزام إذ يراه مبنيا على مقدمة غير مسلّم بها وهي وجوب انفصال الجزئين بالفعل إن كانا قابلين للانفصال بالقوة، وهذا يلزم منه تركيب الأجسام من جسيمات نقطية لا حجم لها وهي ما يُعرف عند الطرف المخالف للسلفيين "أي الأشاعرة" بالجواهر المنفردة وهي جمع الجوهر الفرد الذي يرونه نقطة صفرية الأبعاد (أي بلا حجم).
والأشعري يقرّ بوجود الجواهر المنفردة ويبني عليها تركيب الأجسام جميعا والسلفي لا يُقرّ بوجودها فضلا على تركيب الأجسام منها وذلك لأن حجم الجوهر الفرد مساوٍ للصفر واجتماع أعداد من الأحجام الصفرية لن يعطي إلا حجما صفريا (0+0+0.......+0= 0) وبما أن الأجسام المخلوقة التي نراها لها أحجام أكبر من الصفر فيستحيل أن تكون مركبة من جواهر منفردة ابتدائية صفرية الحجم إذ اجتماع الأصفار لن يعطي إلا صفرا.
كذلك لو قلتَ للأشعري هل تعتقد أن الله عبارة عن شيء معنوي لا وجود له في الحقيقة ؟ فإنه لن يقول بذلك أبدا وإنما هو يعتقد بأن الله خالق عليم حكيم قوي عزيز جبار له وجود حقيقي كما أنه يسمع ما نقوله ويرانا وكل ما سوى ذلك من المسائل التي يحاول الأشعري تأويلها أو تفويضها فإنها تسبب له إشكالا في بعض الأدلة التي يعتمد عليها لإثبات وجود الله مثل دليل التحريك والتركيب والحدوث، وهذه الأدلة من حيث أصلها صحيحة إلا أنها تحتاج التعديل على بعض مقدماتها وإخراج ما لا يلزم منها وكان من المفترض أن يجلس السلفيون مع الأشاعرة على طاولة واحدة يتباحثون أدلة إثبات وجود الخالق حتى يصلوا إلى أدلة متقنة لا يلزم منها ما يرونه خللا في العقيدة الداخلية الإسلامية، ولكن كثيرا من السلفيين رفضوا الخوض في النقاشات العقلية من الأساس مما لم يعط للأشاعرة بديلا أو خيارا آخر غير التمسك بأدلتهم وما يلزم منها.
فالأشعري في نظره لا يدافع عن عقيدة جزئية داخل الوسط الإسلامي فحسب وإنما هو يدافع عن طريقته واستدلالاته التي يدافع بها عن جنس الإيمان والإسلام، فلا يمكن للسلفي أن يقنعه بالعدول عنها إلا إن أعطاه أدلّة بديلة لا يلزم منها ما التزم به الأشعري من أقوال، عندها لن يضطر الأشعري إلى التأويل ولا التفويض إن وجد ظاهر النصوص موافقا للأدلة العقلية المدافعة عنها.
في الجانب الآخر يرى السلفي أن نصوص الكتاب والسنة واضحة صريحة لا تحتاج إلى التفلسف فيها وينبغي التسليم بها كما جاءت دون الحاجة إلى التعديل على معانيها إذ يعتبر ذلك نوعا من التحريف المعنوي، ويرى أن الإسلام قوي بما يكفي لأن يدافع عن نفسه في نصوصه لذلك فلابد من استقاء الأدلة عليه فيها بدل استيراد أدلّةٍ من الحضارة اليونانية القديمة التي أُسّست على قواعد قد تخالف مضمون ما جاء في النصوص الشرعية، فإن كثرة التأويل وليّ أعناق النصوص تظهر الدين بالمظهر الضعيف إذ مع التأويل يمكن التبرير لأي دين ولو كان باطلا فيمكننا تأويل التثليث النصراني إلى أنه مجرد تعدد في صفات الإله الواحد لا تعدد الآلهة ويمكن تأويل أي كلام باطل في أي دين باطل ليصبح حقا وعندها يستحيل الحوار بين الأديان مادامت النصوص تؤول أو تفوض على حسب أهواء أصحابها.
لذلك يرى السلفي أن الدليل العقلي يكون أقرب للقلب اطمئنانا إن كان موافقا للمعاني الراجحة من الألفاظ الواردة في القرآن والسنة إذ يكون الدليل عندها غير مقتصر على إثبات وجود الله فحسب وإنما يشمل إثبات صحة الإسلام أيضا.
في المقابل يرى الأشعري أن الأساليب المجازية واستعمال التأويل أمرٌ بديهي معروف عند العرب ولو أننا أخذنا بكل نص على ظاهره لما اقتصرت المشكلة على نصوص الصفات فحسب وإنما سيلزم الآخذين بها القول بكثير من الأشياء التي يقرون ببطلانها، بينما يرى الأشاعرة أن السلفيين أهملوا جانب المنطق والآنطولوجيا والابستمولوجيا وهي من أهم الأركان الفلسفية الضرورية في مواجهة موجات التشكيك الإلحادية واللادينية وغيرها، ويرى الأشاعرة أن السلفيين أهملوا حتى علوم الآلة الدلالية مثل أصول الفقه مما نتج عنه سطحية كبيرة في الإدراك والفهم
#ثالثا: وبين هذا وذاك يحاول بعض السلفيين الخروج من النمط الكلاسيكي للسلفية في الوقت نفسه الذي يحاول بعض الأشاعرة الاقتراب من النصوص النقلية أكثر، فكان شيخ الإسلام ابن تيمية من الذين اقتحموا مجال العقليات مع الحفاظ على الموروث النقلي على ظاهره في باب الصفات، وكان من علماء الأشاعرة من حافظوا على العناية بالمنقول كابن حجر العسقلاني الذي شرح صحيح البخاري والنووي الذي شرح صحيح مسلم وابن دقيق العيد الذي كان مهتما بعلم الحديث وغيرهم كثير، لذلك فقد يصح أن يقال (ابن تيمية متكلّمٌ من السلفيين، وابن دقيق العيد وابن حجر والنووي من أهل الحديث من الأشاعرة).
والرجل العاقل ينبذ التعصب وينظر فيما عند الفريقين من صواب فيأخذه أينما كان وقد يجد عندهما ما يتفقان عليه وقد يجد ما يخالفهما فيه معا، المهم أن يعطي مجالا أوسع للتعلم، وذلك لأن الطعن والتشغيب يتقنه كل الناس لكن من الذي يصبر على التعلم والتفكير والتعقّل ؟
#رابعا: هناك أقوال قد يصيب فيها الأشاعرة ويخطئ السلفيون والعكس صحيح وهناك أقوال قد يصيب فيها أحد الفريقين لكنه رغم إصابته لا يحسن التعبير أو الدفاع عنها بالأدلة القوية المطلوبة فيضيع حقه، كذلك قد يأتي أحدهما بأدلة في غاية القوة والإتقان والبراعة ويكون الخطأ واردا في بعض مقدماتها الدقيقة التي لا يُنتبه إليها فتنتج منها إلزامات كبيرة قد تتسبب بمخالفات كثيرة، لذلك أعتبر نفسي غير منتمٍ لا للسلفية ولا للأشاعرة وأرى أن في جهود كل من الفريقين خير لهذه الأمة لو أن المسائل نوقشت بعلم، ولا بأس أن يرد الخطأ من بعضهم إن كان ذلك يحفز أهل العلم والباحثين على المزيد من البحث والتفكير فيكمّل بعضهم بعضا بدلَ أن يهدموا بعضهم بعضا.
#أخيرا: من المعلوم أن العلوم التكنلوجية كلها بدأت بمشاريع مليئة بالأخطاء والثغرات ولكن لما كمّل العلماء بعضهم بعضا أغلقوا تلك الثغرات وطوروا المشاريع فنجحت ولو أن كل واحد منهم عمل على هدم مشروعِ من جاء قبله أو معه ليستبدله بمشروع جديد لمازال العالم يتخبط مختلفا حول نوعية الدراجة الناجية أهي الدراجة التي يشجعها فريق العالم الفلاني أم الدراجة التي يشجعها فريق العالم العلّاني، أما بالتكامل وسد الثغرات والنقد البناء لا الهدّام تطورت الدراجة إلى الصواريخ والمككوات الفضائية، كذلك ينبغي على المسلمين التكامل فيما بينهم ليكون الناتج العلمي والفلسفي عندهم قويا يمكن التعويل عليه، وحبذا لو استطاع المسلمون اقتحام بقية العلوم التجريبية والعقلية والاقتصادية والسياسية والسيكولوجية بشكل أوسع مما هو عليه الآن وبنية أصدق يراد منها الانتصار لدين الله والسعي إلى المساهمة في تطوير البشرية وتحصيل رضا الله، لو أنه يحصل فإنه سيكو مفيدا أكثر للأمة الإسلامية أكثر من التراشق بالسب والشتم والتعيير بين الفرق والمذاهب، وبالتجربة لم تستفد الأمة الإسلامية شيئا من هذا الأسلوب الأخير.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق