السبت، 24 فبراير 2024

حكم ليلة النصف من شعبان (الشيخ ابن تيمية الحراني- والشيخ ناصر الدين الألباني).

 ليلة النصف من شعبان


في شهر شعبان من كل عام يكثر الجدال حول فضل ليلة النصف من شعبان واستحباب قيامها ما بين قائل بذلك ومنكر، والذي أريد أن أوصله إلى القراء ثلاثة أمور:
الأمر الأول: أن هذه المسألة من مسائل الفقه ولا تمت إلى العقيدة بصلة وكل من أطَّرَهَا تأطيرا عقديا فهو على خطأ.
الأمر الثاني: إنها ليست من القطعيات التي يكون الخلاف فيها موجبا للتكفير والتفسيق والتضليل، بل هي مما اختلف العلماء فيه قديما وحديثا فلا مساغ للإنكار وتوجيه أصابع الاتهام به إلى القائل به أو النافي له.
الأمر الثالث: إن بعض علماء التيار السلفي قد أقرَّ فضل ليلة النصف من شعبان.
وهنا أريد أن أذكر لهذا مثالين (الشيخ ابن تيمية الحراني- والشيخ ناصر الدين الألباني):
المثال الأول: الشيخ ابن تيمية الحراني -رحمه الله-:
يرى ابن تيمية:
أولا: قد ورد في فضل ليلة النصف من شعبان احاديث وآثار .
ثانيا: وكان بعض السلف يصلون فيها..
ثالثا: لا يجوز الإنكار على من صلى فيها منفردا أو جماعة.
رابعا: يجوز أن يصلي الناس فيها بجماعة خاصة بل الصلاة فيها منفردا او جماعة حسن بل أحسن.
خامسا: يرى ابن تيمية بأن الاجتماع في المساجد على صلاة مئة ركعة بِقِرَاءَة ألف {قل هُوَ الله أحد} دَائِما فَهِيَ بِدعَة لم يستحبها أحد.
وإليك مجموعة من فتاواه على هذا:
قال: " وَأَمَّا لَيْلَةُ النِّصْفِ فَقَدْ رُوِيَ فِي فَضْلِهَا أَحَادِيثُ وَآثَارٌ وَنُقِلَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ السَّلَفِ أَنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ فِيهَا فَصَلَاةُ الرَّجُلِ فِيهَا وَحْدَهُ قَدْ تَقَدَّمَهُ فِيهِ سَلَفٌ وَلَهُ فِيهِ حُجَّةٌ فَلَا يُنْكَرُ مِثْلُ هَذَا.
وَإِذا صلى لَيْلَة النّصْف وَحده أَو بِجَمَاعَة خَاصَّة فَهُوَ حسن، أما الِاجْتِمَاع على صَلَاة فِي الْمَسَاجِد مقدرَة بِمِائَة رَكْعَة بِقِرَاءَة ألف {قل هُوَ الله أحد} دَائِما فَهِيَ بِدعَة لم يستحبها أحد"(1)
وقال: مَسْأَلَةٌ:فِي صَلَاةِ نِصْفِ شَعْبَانَ؟
الْجَوَابُ: إذَا صَلَّى الْإِنْسَانُ لَيْلَةَ النِّصْفِ وَحْدَهُ، أَوْ فِي جَمَاعَةٍ خَاصَّةٍ كَمَا كَانَ يَفْعَلُ طَوَائِفُ مِنْ السَّلَفِ، فَهُوَ أَحْسَنُ.
وَأَمَّا الِاجْتِمَاعُ فِي الْمَسَاجِدِ عَلَى صَلَاةٍ مُقَدَّرَةٍ كَالِاجْتِمَاعِ عَلَى مِائَةِ رَكْعَةٍ، بِقِرَاءَةِ أَلِفِ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] دَائِمًا فَهَذَا بِدْعَةٌ، لَمْ يَسْتَحِبَّهَا أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ".(2)
وقال: "ومن هذا الباب: ليلة النصف من شعبان، فقد روى في فضلها من الأحاديث المرفوعة والآثار ما يقتضي أنها ليلة مفضلة وأن من السلف من كان يخصها بالصلاة فيها، وصوم شهر شعبان قد جاءت فيه أحاديث صحيحة. ومن العلماء: من السلف من أهل المدينة، وغيرهم من الخلف، من أنكر فضلها، وطعن في الأحاديث الواردة فيها، كحديث: «إن الله يغفر فيها لأكثر من عدد شعر غنم كلب» وقال: لا فرق بينها وبين غيرها، لكن الذي عليه كثير من أهل العلم، أو أكثرهم، من أصحابنا وغيرهم -على تفضيلها، وعليه يدل نص أحمد، لتعدد الأحاديث الواردة فيها، وما يصدق ذلك من الآثار السلفية، وقد روي بعض فضائلها في المسانيد والسنن وإن كان قد وضع فيها أشياء أخر.
فأما صوم يوم النصف مفردًا فلا أصل له، بل إفراده مكروه، وكذلك اتخاذه موسمًا تصنع فيه الأطعمة، وتظهر فيه الزينة، هو من المواسم المحدثة المبتدعة، التي لا أصل لها.
وكذلك ما قد أحدث في ليلة النصف، من الاجتماع العام للصلاة الألفية في المساجد الجامعة، ومساجد الأحياء والدروب والأسواق. فإن هذا الاجتماع لصلاة نافلة مقيدة بزمان وعدد، وقدر من القراءة لم يشرع، مكروه. فإن الحديث الوارد في الصلاة الألفية موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث، وما كان هكذا لا يجوز استحباب صلاة بناء عليه، وإذا لم يستحب فالعمل المقتضي لاستحبابها مكروه".(3)
المثال الثاني: ذكر الشيخ ناصر الدين الألباني في فضل ليلة النصف من شعبان عدة احاديث حكم علي بعضها بالصحة وعلى بعضها بأنها حسنة: منها:
- «إذا كان ليلة النصف من شعبان اطلع الله إلى خلقه فيغفر للمؤمنين ويملي للكافرين ويدع أهل الحقد بحقدهم حتى يدعوه» . (حسن)
- «إن الله تعالى ليطلع في ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن» . (حسن)
ثم أورد حديث «في ليلة النصف من شعبان يغفر الله لأهل الأرض إلا لمشرك أو مشاحن» . (صحيح)
- " يطلع الله تبارك وتعالى إلى خلقه ليلة النصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن ".
وقال بعده مباشرة: حديث صحيح، روي عن جماعة من الصحابة من طرق مختلفة يشد بعضها بعضا وهم معاذ ابن جبل وأبو ثعلبة الخشني وعبد الله بن عمرو وأبي موسى الأشعري وأبو هريرة وأبو بكر الصديق وعوف ابن مالك وعائشة.
ثم قال: "وجملة القول أن الحديث بمجموع هذه الطرق صحيح بلا ريب والصحة تثبت بأقل منها عددا ما دامت سالمة من الضعف الشديد كما هو الشأن في هذا الحديث"
ثم ردَّ الألباني على القاسمي وغيره ممن أنكر صحتها وقال: "فما نقله الشيخ القاسمي رحمه الله تعالى في " إصلاح المساجد" عن أهل التعديل والتجريح أنه ليس في فضل ليلة النصف من شعبان حديث صحيح، فليس مما ينبغي الاعتماد عليه، ولئن كان أحد منهم أطلق مثل هذا القول فإنما أوتي من قبل التسرع وعدم وسع الجهد لتتبع الطرق على هذا النحو الذي بين يديك. والله تعالى هو الموفق".(4)
أقول:
أين هذا من كلام بعض المتشددين الذين نراهم اليوم يُضَلِّلُونَ من يريد إحياء ليلة النصف من شعبان ويُبَدِّعُونَهُ بل ينشرون مقاطع فيديو وفتاوى في تبديعه وتضليليه.
الهوامش:
(1) مختصر الفتاوى المصرية لابن تيمية، محمد بن علي بن أحمد بن عمر بن يعلى، أبو عبد الله، بدر الدين البعليّ (المتوفى: 778هـ)، المحقق: عبد المجيد سليم - محمد حامد الفقي، مطبعة السنة المحمدية - تصوير دار الكتب العلمية:81
(2) الفتاوى الكبرى لابن تيمية، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)، دار الكتب العلمية، الطبعة: الأولى، 1408هـ - 1987م:2/262
(3) اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)، المحقق: ناصر عبد الكريم العقل، دار عالم الكتب، بيروت، لبنان، الطبعة: السابعة، 1419هـ - 1999م:2/136-138
(4) سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها
المؤلف: أبو عبد الرحمن محمد ناصر الدين، بن الحاج نوح بن نجاتي بن آدم، الأشقودري الألباني (المتوفى: 1420هـ)
الناشر: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرياض
الطبعة: الأولى، (لمكتبة المعارف): 3/ 138.
أخوكم:
د.عثمان محمد غريب
أربيل- 14-شعبان-1440هـ
19 - 4- 2019 م.

معنى المشاحن الذي لا يُغفر له في ليلة نصف من الشعبان ؟

 معنى المشاحن الذي لا يُغفر له

💥
السؤال : شيخنا ورد في الحديث : ((إن الله ليطلع في ليلة النصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه إلا لمشركٍ أو مُشاحن)) ، وقد عرفنا المشرك: وهو كل من أشرك مع الله شيئا في ذاته تعالى أو في صفاته أو في عبادته ، فما معنى المشاحن؟ جزاك الله خيرا
الجواب : الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى اله وصحبه ومن والاه وبعد.
فالحديث المذكور رواه ابن ماجة وحسنه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (1144)، وقد فصّلت الكلام فيه في فتوى سابقة فلتراجع على صفحتي.(!)
👈وينبغي على المسلم أن يتحلى بالطاعات التي تؤهله لمغفرة الله تعالى، وأن يبتعد عن المعاصي والذنوب التي تحجبه عن هذه المغفرة، وذلك في كل وقت وحين ولا يختص ذلك بوقت أو شهر معين، ومن هذه الذنوب: الشرك بالله تعالى – والعياذ بالله-، فإنه مانع لكل خير، ومنها الشحناء والبغضاء والحقد على المسلمين، وهو يمنع المغفرة في أكثر أوقات المغفرة والرحمة، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (( تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين والخميس فيغفر الله لكل عبد لا يشرك بالله شيئاً، إلا رجلاً كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقول: أنظروا هذين حتى يصطلحا)) رواه مسلم.
والمشرك كما ذكرت في السؤال: هو كل من أشرك مع الله شيئا في ذاته تعالى أو في صفاته أو في عبادته ، اي هو الذي صرف ما لله لغير الله سبحانه وتعالى، بأي نوع من أنواع العبادة من الدعاء أو النذر أو الذبح وغيرها.
👈واما المشاحن قد اختلف العلماء من السلف الصالح في المراد به هنا فقالوا: هو صاحب البدعة، او هو الذي في قلبه شحناء وحقد لأصحاب النبي صلى عليه الصلاة والسلام ،او هو التارك لسنة نبيه – عليه الصلاة والسلام - الطاعن على أمته، السافك دماءهم .
وذهب جمهور العلماء على ان المشاحن هو: (المخاصم المعادي لأخيه المسلم بغير حق ولا سبب شرعي ، وهو الذى يسعى بين الناس بالشجار والخصومة وإيقاع العداوة والنميمة بين الناس ).
👈فالشحناء هي العداوة والخصومة في الباطل ، واما اذا كانت الخصومة بسبب شرعي فلا تعد من الشحناء المنهي عنها ، لانها خصومة لله تعالى وليس من اجل حظوظ النفس . فالمتخاصم مع أخيه المسلم بغير وجه حق : لا يغفر له ذنب التخاصم حتى يصطلح معه؛ لأنه من حقوق العباد التي لا تُغفر إلا بالتسامح بينهم، فهي مبنية على المشاححة وحقوق رب العباد مبنية على المسامحة.
👍والخلاصة :
ان الشحناء التي تحول بين العبد وبين مغفرة الذنوب في تلك اليلة هي: العداوة والبغضاء لأجل حظوظ النفس وشهواتها، وأما التي تكون لأجل الله تعالى كبغض أهل البدع والمعاصي والفجور المصرين عليها أو المجاهرين بها فهذه لا تدخل في الحديث , نسأل الله العظيم أن يؤلف بين قلوبنا وأن يصلح ذات بيننا وان يطهر قلوبنا من الحقد والغل والحسد ، فأفضل الأعمال بعد الإيمان بالله سلامة الصدر من أنواع الشحناء كلها تجاه المسلمين ،قال تعالى : { رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } الحشر: 10. وهو تعالى أعلم
✍د. ضياء الدين عبدالله الصالح (!)
💥فضل ليلة النصف من شعبان
هل تخصص ليلة النصف من شعبان بصلاة وكذلك صيام نهارها ؟ وهل ورد في فضلها حديث صحيح ؟
الجواب: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:
👈فإن ليلة النصف من شعبان قد ورد في فضلها عدة أحاديث، منها ما هو حسن صالح للاحتجاج، ومنها ما هو ضعيف لا يحتج به ، ومما حسّنه بعض العلماء ما روي عن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال : ((إِنَّ اللَّهَ لَيَطَّلِعُ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ)) رواه ابن ماجة وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (1144).
👈وعلى هذا ينبغي على المسلم أن يتحلى بالطاعات التي تؤهله لمغفرة الله تعالى، وأن يبتعد عن المعاصي والذنوب التي تحجبه عن هذه المغفرة، وذلك في كل وقت وحين ولا يختص ذلك بوقت أو شهر معين، ومن هذه الذنوب: الشرك بالله تعالى – والعياذ بالله-، فإنه مانع لكل خير، ومنها الشحناء والبغضاء والحقد على المسلمين، وهو يمنع المغفرة في أكثر أوقات المغفرة والرحمة، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (( تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين والخميس فيغفر الله لكل عبد لا يشرك بالله شيئاً، إلا رجلاً كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقول: أنظروا هذين حتى يصطلحا)) رواه مسلم.
فأفضل الأعمال بعد الإيمان بالله سلامة الصدر من أنواع الشحناء كلها تجاه المسلمين .
👈ولم يثبت في فضل تخصيص قيام ليلة النصف من شعبان بصلاة أو دعاء معين، شيء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا عن أحد من أصحابه خبر صحيح مرفوع يعمل بمثله حتى في الفضائل، بل وردت فيها آثار عن بعض التابعين مقطوعة وأحاديث اغلبها موضوع أو ضعيف جداً ،على هذا فلا يشرع إحياء تلك الليلة ولا صيام نهارها ولا تخصيصها بعبادة معينة .
وأول ظهور لذلك كما قال الإمام ابن رجب الحنبلي-رحمه الله تعالى - في لطائف المعارف [1/137 ]: ( وليلة النصف من شعبان كان التابعون من أهل الشام كخالد بن معدان، ومكحول، ولقمان بن عامر وغيرهم، يعظمونها ويجتهدون فيها في العبادة، وعنهم أخذ الناس فضلها وتعظيمها، وقد قيل: إنه بلغهم في ذلك آثار إسرائيلية، فلما اشتهر ذلك عنهم في البلدان اختلف الناس في ذلك فمنهم من قَبِلَه منهم ووافقهم على تعظيمها، منهم طائفة من عباد أهل البصرة وغيرهم، وأنكر ذلك أكثر العلماء من أهل الحجاز).
قال الإمام أبو شامة المقدسي –رحمه الله تعالى – في الباعث على إنكار البدع والحوادث في تاريخ حدوث هذه الصلاة [1/35 ]: ( وأول ما حدثت عندنا سنة 448هـ قدم علينا في بيت المقدس رجل من نابلس يُعرف بابن أبي الحميراء وكان حسن التلاوة ، فقام يصلي في المسجد الأقصى ليلة النصف من شعبان ، فأحرم خلفه رجل ثم انضاف ثالث ورابع فما ختمها إلا هو في جماعة كثيرة .. ) .
وقال شيخ الإسلام – رحمه الله تعالى – في الفتاوى الكبرى [5/342 ]:(وأما ليلة النصف من شعبان ففيها فضل، وكان في السلف من يصلي فيها، لكن الاجتماع فيها لإحيائها في المساجد بدعة).
وقال الإمام النووي – رحمه الله تعالى – في المجموع [4/56 ]: (الصلاة المعروفة بصلاة الرغائب، وهي ثنتا عشرة ركعة تصلى بين المغرب والعشاء ليلة أول جمعة في رجب، وصلاة ليلة نصف شعبان مائة ركعة، وهاتان الصلاتان بدعتان ومنكران قبيحان، ولا يغتر بذكرهما في كتاب قوت القلوب، وإحياء علوم الدين، ولا بالحديث المذكور فيهما فإن كل ذلك باطل) .
وقال النجم الغيطي –رحمه الله تعالى - : (إنه قد أنكر ذلك أكثر العلماء من أهل الحجاز منهم عطاء وابن أبي مُليكة وفقهاء المدينة وأصحاب مالك وقالوا : ذلك كله بدعة ) [السنن والمبتدعات للشقيري: 145 ] .
وقال الشيخ ابن عثيمين-رحمه الله تعالى- في مجموع فتاويه: (وبهذا نعرف أن ما اشتهر عند بعض العامة من أن ليلة القدر هي ليلة النصف من شهر شعبان لا أصل له، ولا حقيقة له، فإن ليلة القدر في رمضان، وليلة النصف من شعبان كليلة النصف من رجب، وجمادى، وربيع، وصفر، ومحرم وغيرها من الشهور لا تختص بشيء، حتى ما ورد في فضل القيام فيها فهو أحاديث ضعيفة لا تقوم بها حجة، وكذلك ما ورد من تخصيص يومها وهو يوم النصف من شعبان بصيام فإنها أحاديث ضعيفة لا تقوم بها حجة..).
الخلاصة:👍
ليلة النصف من شعبان قد ورد في فضلها حديث حسن عن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال : (( إن الله ليطلع في ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن )).
وبالجملة فإنه لم يصح شيء من الأحاديث التي وردت في فضيلة إحياء ليلة النصف من شعبان وصوم يومها عند المحققين من علماء الحديث؛ ولذا أنكروا قيامها وتخصيص يومها بالصيام، وقالوا إن ذلك محدث لا أصل له من سنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم-.
ومع هذا فمن أراد أن يقوم فيها كما يقوم في غيرها من ليالي العام بلا تخصيص فلا بأس بذلك ، وكذلك إذا صام يوم الخامس عشر من شعبان على أنه من الأيام البيض مع الرابع عشر والثالث عشر ، أو لأنه يوم اثنين أو خميس إذا وافق اليوم الخامس عشر يوم اثنين أو خميس فلا بأس بذلك ، والله تعالى أعلم .
✍️د ضياء الدين عبدالله الصالح
كل التفاعلات:
أنت، وسيف العبيدي، ومحمد حمد الطائي و٣٥ شخصًا آخر

الخميس، 22 فبراير 2024

ليلة النصف من شعبان عند المذاهب الأربعة:

 ليلة النصف من شعبان عند المذاهب الأربعة:

1-السادة الحنفية:
قال ابن نجيم من السادة الحنفية في كتابه البحر الرائق56/2:
( ومن المندوبات إحياء ليالي العشر من رمضان وليلتي العيدين وليالي عشر ذي الحجة وليلة النصف من شعبان كما وردت به الأحاديث وذكرها في الترغيب والترهيب مفصلة، والمراد بإحياء الليل قيامه وظاهره الاستيعاب ويجوز أن يراد غالبه ويكره الاجتماع على إحياء ليلة من هذه الليالي في المساجد).
2- السادة المالكية:
قال شهاب الدين النفراوي من المالكية في كتابه الفواكه الدواني (1/ 275):
(وندب إحياء ليلته وغسل بعد الصبح وتطيب وتزين وإن لغير مصل ومشي في ذهابه وفطر قبله في الفطر وتأخيره في النحر , وإنما استحب إحياء ليلة العيد لقوله ﷺ : [من أحيا ليلة العيد وليلة النصف من شعبان لم يمت قلبه يوم تموت القلوب]
وفي حديث آخر : [من أحيا الليالي الأربع وجبت له الجنة] وهي : ليلة الجمعة وليلة عرفة وليلة الفطر وليلة النحر ومعنى لم يمت قلبه لم يتحير عند النزع ولا على القيامة، وقيل لم يمت في حب الدنيا والإحياء يحصل بالذكر والصلاة ولو في معظم الليل ).
3- السادة الشافعية:
قال الإمام الشافعي (رحمه الله) في كتابه الأُم:
(وبلغنا أنه كان يقال : إن الدعاء يستجاب في خمس ليال في ليلة الجمعة , وليلة الأضحى , وليلة الفطر , وأول ليلة من رجب , وليلة النصف من شعبان).
4- السادة الحنابلة:
قال الإمام صلاح الدين البهوتي في كتابه كشاف القناع أيضا (1/ 444): (وأما ليلة النصف من شعبان ففيها فضل وكان في السلف من يصلي فيها،
وفي استحباب قيام ليلة النصف من شعبان ما ذكره الإمام ابن رجب الحنبلي في كتابه اللطائف في الوظائف . ويعضده حديث [من أحيا ليلتي العيدين وليلة النصف من شعبان , أحيا الله قلبه يوم تموت القلوب] رواه المنذري في تاريخه بسنده عن ابن كردوس عن أبيه قال جماعة وليلة عاشوراء وليلة أول رجب وليلة نصف شعبان.

السبت، 17 فبراير 2024

موقف الٳمام ٲحمد (رحمه الله) من تأويل الآيات وٲحاديث الصّفات؟!

 نماذج من تٲويلات الٳمام ٲحمد (رحمه الله) لآيات وٲحاديث الصّفات.



بقلم : ٲ.د. حسن المفتي
====
سٲلني بعضُ الٳخوة عن عقيدة الٳمام ٲحمد بن حنبل (رحمه الله) فيما يتعلَّق بآيات وٲحادیث الصفات، هل كان يؤولها ٲم يفوضها، فٲجبته بما نقل عن العلماء الٲعلام من فضلاء الحنابلة وغيرهم مع بعض الاستدراكات اللطیفة وكالآتي وبالله تعالی التوفیق:
بسم الله والحمدلله والصلاة والسلام علی رسول الله وآله واصحابه ومن والاه وبعد:

ٳنه ثبت بالاستقراء في بطون كتب علماء اهل السنة والجماعة من السلف والخلف ٲنه لا يوجد عالم ٳلا وقد اختار مذهب تٲويل آيات الصفات عند تفسيره لبعض لآيات الصفات ٲو شرحه لٲحادیث الصفات، بشكل ٲو بآخر، قلَّ ٲو كثُر، ٲو فوَّض المعنی جملة وتفصيلا الیه تعالی من غير تفصيل، ومنهم الامام احمد بن جنبل (رحمه الله).
فقد كان التنزیه منطلقه في نفي الجسمية عن الله تعالی، وكان ينفي الجهة والحد والمكان عنه تعالی، ونراه كذلك قد ٲوَّل ما جاء ما ظاهره مجيئ الله تعالی، بمجيئ قدرته تعالی دون ذاته العلية، كما ٲول ما ورد من مجيئ سُور القرآن الكريم يوم القیامة بمجيئ ثوابه الی صاحبه، وكل ذلك عین التٲويل الذي علیه جُل ٲهل السنة من الاشاعرة والماتريدية.
وٳليك ما يثبت من النقول الصحیحة الثابتة والموثقة بالمصادر وعلی النحو الآتي:

۱- ما نقله الٳمام الحافظ ٲبو بكر احمد بن الحسين البيهقي الشافعي الٲشعري
المتوفی ٤٥۸هـ في كتابه (مناقب الٳمام احمد) عن الإمام أبي الفضل عبد الواحد بن عبد العزيز بن الحارث التميمي المتوفی ٤۱۰هـ رئيس الحنابلة ببغداد وابن رئيسها في حينه ٲنه قال : (( وأنكر (ٲي الٳمام أحمد) على مَن يقول بالجِسم، (ٲي لله تعالی) ، وقال: إن الأسماء مأخوذة من الشريعة واللغة، وأهل اللغة وضعوا هذا الاسم (الجسم) على ذي طول وعرض وسمك وتركيب وصورة وتأليف ، والله سبحانه خارج عن ذلك، فلم يجز أن يُسمى جسماً ؛ لخروجه عن معنى الجسمية ، ولم يجئ في الشريعة ذلك ، فبطل )) .
ينظر: اعتقاد الٳمام المبجل ابي عبدالله احمد بن حنبل ، لابي الفضل التميمي، مطبوع في آخر طبقات الحنابلة ج۲ ص۲۹۸. ومناقب الامام احمد للبیهقي بتقديم الكوثري ج۱ ص ۲۰.

۲- سئل الإمام أحمد (رضي الله عنه) عن الاستواء فقال : (( استوى كما أخبر لا كما يخطر للبشر )) ذكره الإمام أحمد الرفاعي في (البرهان المؤيد (ص 24) والإمام الحصني في (( دفع شبه من شبه وتمرد ونسب ذلك على السيد الجليل أحمد )) (ص 17) ، وذكره الامام الرملي في فتاويه والنفراوي في “الفواكه الدواني” والشيخ محمد بن سليمان الحلبي في نخبة اللآلى وغيرهم.

۳- قال الحافظ البيهقي في مناقب احمد أيضاً : (( وأنبأنا الحاكم ، قال : حدثنا أبو عمرو بن السماك ، قال : حدثنا حنبل بن إسحاق ، قال : سمعت عمي أبا عبد الله - يعني : الإمام أحمد - يقول : احتجوا عليَّ يومئذ ـ يعني : يوم نوظر في دار أمير المؤمنين - فقالوا : (تجيء سورة البقرة يوم القيامة ، وتجيء سورة تبارك ) ، فقلت لهم : إنما هو الثواب ، قال الله تعالى : ( وَجَاءَ رَبُّكَ )(سورة الفجر من الآية: ۲۲) ، إنما تأتي قدرته ، وإنما القرآنُ أمثال ومواعظ )) انتهى. قال البيهقي : (( هذا إسناد صحيح لا غبار عليه ))، ثم قال : (( وفيه دليل على أنه كان لا يعتقد في المجيء الذي ورد به الكتاب ، والنزول الذي وردت به السنة .. انتقالاً من مكان إلى مكان ؛ كمجيء ذوات الأجسام ونزولها ، وإنما هو عبارة عن ظهور آيات قدرته ؛ فإنهم لما زعموا أن القرآن لو كان كلام الله وصفة من صفات ذاته لم يجز عليه المجيء والإتيان .. فأجابهم أبو عبد الله بأنه إنما يجيء ثواب قراءته التي يريد إظهارها يومئذ ، فعبر عن إظاهره إيَّاها بمجيئه . وهذا الجواب الذي أجابهم به أبو عبد الله لا يهتدي إليه إلا الحُذَّاقُ من أهل العلم ، المنزهون عن التشبيه )). وينظر كذلك: مقدمة (الٲسماء والصفات) للحافظ البیهقي مع تعلیقات الشيخ محمد زاهد الكوثري ج۱ص۳۱-۳۳ ط۱، دار التقوی، دمشق، ۱٤٤٥هـ ، ۲۰۲٤م. والبداية والنهاية لابن كثير:(٣٢٧/١٠)حيث نقله.

٤- ونقل أبو الفضل التميمي كذلك في كتاب (اعتقاد الإمام أحمد) (ص 38 -39) عن الإمام أنه قال : (( والله تعالى لا يلحقه تغير ولا تبدل ولا تلحقه الحدود قبل خلق العرش ولا بعد خلق العرش ، وكان ينكر- الإمام أحمد – على من يقول إن الله في كل مكان بذاته لأن الأمكنة كلها محدودة )) اهـ

٥- وبين الإمام الحافظ ابن الجوزي الحنبلي في كتابه (( دفع شبه التشبيه )) (ص 56) براءة أهل السنة عامة والإمام أحمد خاصة من مذهب المشبهة وقال: (( وكان أحمد لا يقول بالجهة للبارئ ))آهـ.

٦- وقال الحافظ ابن الجوزي فيه ٲيضا: "وكذلك قوله تعالى: (وَجَاء رَبُّكَ )، ذكر القاضي أبو يعلى عن الإمام أحمد بن حنبل أنه قال: في قوله تعالى: (أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ) (سورة البقرة) ، قال: المراد به: قدرته وأمره، قال: وقد بينه في قوله تعالى:(أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ )، ومثل هذا في التوراة، (وَجَاء رَبُّكَ )، قال: إنما هو قدرته.اهـ وقال: " والواجب على الخلق اعتقاد التنزيه وامتناع تجويز النقلة وأن النزول الذي هو انتقال من مكان إلى مكان يفتقر إلى ثلاثة أجسام: جسم عالي وهو مكان لساكنه، وجسم سافل، وجسم منتقل من علو إلى سفل وهذا لا يجوز على الله عز وجل. اهـ ثم قال: ومنهم من قال يتحرك إذا نزل، وما يدري أن الحركة لا تجوز على الله تعالى، وقد حكوا عن الإمام أحمد ذلك وهو كذب عليه". اهـ

۷- وذكر في صحيفة 144 من الفتاوى الحديثية لإبن حجر الهيتمي المُتوفّى سنة 973 هجرية : عقيدة إمام السُنّة أحمد بن حنبل: هي عقيدة أهل السُنّة والجماعة من المبالغة التامّة في تنـزيه الله تعالى عمّا يقول الظالمون والجاحدون عُلُوّا كبيرا مِن الجهة والجسمية وغيرهما مِن سائر سمات النقص بل وعن كل وصف ليس فيه كمال مُطْلق، وما اشتُهِرَبين جهلة المنسوبين إلى هذا الإمام الأعظم المجتهد مِنْ أنّه قائل بشيء مِن الجهة أو نحوها فكذب وبهتان وافتراء عليه فلَعن اللهُ مَنْ نسبَ ذلك إليه أو رماه بشيء من هذه المثالب التي برّأه الله منها” اهـ.

۸- قال القاضي بدر الدين بن جماعة في كتابه (( إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل (ص 108) إن الإمام أحمد كان لا يقول بالجهة للبارئ تعالى ))اهـ.

۹- وقال المحدث الفقيه بدر الدين الزركشي في كتابه (تشنيف المسامع ج٤ص٦٤۸): " ونقل صاحب الخصال من الحنابلة عن أحمد أنه قال عن من قال جسم لا كالأجسام كفر " اهـ.

۱۰- وذكر الإمام بدر الدين محمّد بن عبد الله الزركشي في كتابه (البرهان في علوم القرآن ج۲ ص۷۹-۸۰): "وممّن نُقل عنه التأويل عليّ وابن مسعود وابن عباس وغيرهم. وقال الغزالي في كتاب “التفرقة بين الإسلام والزندقة”: “إنّ الإمام أحمد أوّل في ثلاثة مواضع”. وأنكر ذلك عليه بعض المتأخرين، قلت: وقد حكى ابن الجوزي عن القاضي أبي يعلى تأويل أحمد في قوله تعالى: ( أوْ يَأْتِيَ رَبِّكَ)،قال: وهل هو إلاّ أمره، بدليل قوله: ( أوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ )واختار ابن برهان وغيره من الأشعرية التأويل، قال: ومنشأ الخلاف بين الفريقين: أنه هل يجوز في القرآن شئ لا يعلم معناه؟ فعندهم يجوز، فلهذا منعوا التأويل، واعتقدوا التنزيه على ما يعلمه الله.
وعندنا لا يجوز ذلك، بل الراسخون يعلمونه. قلت: وإنما حملهم على التأويل وجوب حمل الكلام على خلاف المفهوم من حقيقته لقيام الأدلة على استحالة المتشابه والجسمية في حق البارئ تعالى" اهـ.

۱۱- وذكر ذلك ايضا الٳمام فخر الدين الرازي في (أساس التقديس ج۱ ص٦۸)فقال: "الثالث نقل الشيخ الغزالي (رحمه الله) عن أحمد بن حنبل (رحمه الله) أنه أقر بالتأويل في ثلاثة أحاديث: أحدهما قوله عليه السلام ( الحجر يمين الله في الأرض ) وثانيهما قوله عليه السلام ( إني لاأجد نفس الرحمن من قبل اليمين) وثالثهما قوله عليه السلام حكاية عن الله عز وجل ( أنا جليس من ذكرني ) ...ثم قال الرازي: رُوي عنه عليه السلام أنّه تأتي سورة البقرة وآل عمران كذا وكذا يوم القيامة كأنّهما غمامتان. فأجاب أحمد بن حنبل رحمه الله، وقال: يعني ثواب قارئهما، وهذا تصريح منه بالتأويل".اهـ

۱۲- وورد في الفتوحات الربّانية على الأذكار النووية للمحدث محمد بن علاّن الصدّيقي الشافعي الأشعري المكّي المتوفّى سنة 1057هـ في باب الحثّ على الدعاء والإستغفار في النصف الثاني من كلّ ليلة ما نصّه: "وأنّه تعالى منـزّه عن الجهة والمكان والجسم وسائر أوصاف الحدوث، وهذا معتقد أهل الحقّ ومنهم الإمام أحمد وما نسبه إليه بعضهم من القول بالجهة أو نحوها كذب صراح عليه وعلى أصحابه المتقدمين كما أفاده ابن الجوزي من أكابر الحنابلة ". الفتوحات الربّانية على الأذكار النووية لابن علان الصديقي
ج۲ص۱۹٦.

فثبت بذلك ان الامام احمد (رضي الله عنه) كذلك كان من المؤولة، وٳن كان ٲقل من غيره، لكن حاله حال غيره من ائمة اهل السنة والجماعة من السادة الٲشاعرة والماتريدية في التٲويل في مواطن والتفويض في مواطن وحسب المقام، ونفي كل معنی يؤدي الی التشبیه والتجسيم (رضوان الله علیهم وعلینا ببركاتهم اجمعین).
===
ٲ.د. حسن الشيخ خالد المفتي الشافعي ، اربیل، كوردستان، العراق
٦ شعبان ۱٤٤٥هـ ۱٦-۲-۲۰۲٤م

الجمعة، 16 فبراير 2024

حوار مع صوفي سلفي

 حوار مع صوفي سلفي

يتوهم الكثير أن السلفية لقب يطلق على طائفة محدودة من الناس، والتي تتميز بأفكارها، ومظهرها، وأساليبها الخاصة في التعامل مع الآخر.

وهذا صحيح من جهة التسمية، فلقب السلفية مخصوص بتلك الطائفة، فهي التي رضيته لنفسها، وهكذا عرفها الناس.. لكن ذلك غير صحيح من حيث الواقع.. ذلك أن السلفية كظاهرة نفسية واجتماعية نراها في الواقع أعظم من أن تنحصر في طائفة دون طائفة أو مذهب دون مذهب.. فيمكن أن يكون أكثر الناس حربا للسلفية سلفي ولا يدري، بل قد يكون أشد عنادا منهم، وأكثر عصبية وحدة.. ونحن نرى ذلك في الواقع بوضوح لا يحتاج معه إلى دليل.

فالصوفي الذي يتوهم أنه متحرر من رق السلفية، لا يكون كذلك إلا إذا تحرر عقله من شيوخه وأئمته وسلفه ومن يسميهم أهل الله.. فلا يسلمهم عقله بالمجان، بل ينتظر منهم الحجة والبرهان، وقد قال الإمام الجنيد، وهو من يسمونه [سيد الطائفة]: (إن النكتة لتقع في قلبي من جهة الكشف فلا أقبلها إلا بشاهدى عدل من الكتاب والسنة)، وقال الشيخ عبد القادر الجيلاني مؤسس الطريقة القادرية: (كل حقيقة لا تشهد لها الشريعة فهي زندقة.. طِرْ إِلى الحق عز وجل بجناحي الكتاب والسنة، ادخل عليه ويدك في يد الرسول)

ولذلك فإن كل أولئك الذين يتلقون عقائدهم ومعارفهم الإلهية من ابن عربي أو الجيلي أو القونوي أو الدباغ أو غيرهم من غير تمريرها على محك الكتاب والسنة الموافقة للكتاب، ومن غير تمريره على العقل المقدس الذي أنزله الله على كل إنسان ليعرفه به، لا يختلف عن السلفية إلا في شيء واحد.. وهو أن شيخ السلفية هو ابن تيمية.. وشيخه هو ابن عربي أو غيره من المشايخ.

وقد عجبت لبعض أصدقائي من الصوفية حين ذكر لي أنه لا عذاب في الآخرة، وأن كل أولئك العتاة المتجرين الظلمة الذين قضوا حياتهم في حرب أولياء الله، لن يعيشوا في الآخرة إلا السعادة، مثلهم مثل المؤمنين، ولا فارق بينهم سوى المحل الذين يكونون فيه، فالمؤمنون في الجنة، وغيرهم من العتاة في النار.. وكأن الآخرة مجموعة فنادق راقية: للتقاة فنادقهم، وللفجرة فنادقهم.

لم أستعجل في الرد عليه حتى لا أقع في شباك السلفية المتسرعة، بل رحت أطلب منه أن يدلي بحجته، وأثبت له براءة صدري، وأني مستعد لو أقنعني بالعقل والمنطق أو بالكتاب والسنة الموافقة للكتاب أن أتبنى رؤيته، وأبشر بها في كل محل.

التفت إلي بصلف وكبرياء، وقال: إن بقيت تتبع عقلك، فسيحجبك عن الله..

قلت: لا بأس قد رميت عقلي.. فهلم بالدليل من الكتاب؟

قال: الكتاب أعظم من أن يتنزل فهمه على صدرك الممتلئ بالأغيار، والمشحون بالحجب التي تبعده عن الواحد القهار.

قلت: إن لم أرجع للكتاب.. ولا السنة.. ولا العقل.. فلمن أرجع؟

قال: لأهل الله… العارفين بالله.. أولئك الذين كشفت لهم الأسرار، وزالت عنهم الأغيار.. فشاهدوا الحقائق أوضح من نور النهار.

قلت: لا بأس.. فأسمعني كلامهم.. فلعل فيه من الحجة ما يجعلني أنقاد له.

قال: كلهم متفقون على ذلك.. لقد قال شيخنا عبد الغني النابلسي في شرحه على الفصوص، وفي [الفص الإسماعيلي]: (إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار انقضى يوم القيامة، وجاء يوم الخلود كما قال تعالى: {ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُود} [ق:34]، فإذا زال الحجاب بالتجلي على أهل النار، المكنى عنه في الحديث بوضع القدم، والمشار إليه في قوله تعالى: { فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَاب} [الحديد:13] الآية، فالباطن الذي فيه الرحمة هو التجلي، والعذاب في الظاهر، فعند ذلك ينقلب العذاب عذوبة لهم مع بقائه كما كان على الأبد، ولهذا قال: (يسمى) أي ذلك العذاب عذاب أهل النار (عذابا) مشتقا (من)العذوبة وهي الحلاوة لأجل (عذوبة طعمه) في أذواقهم وإن بقيت عينه في الظاهر معاقبة وإيجاعا (وذاك) أي ما هو في الظاهر من صورة المعاقبة (له) أي لما في الباطن من اللذة والعذوبة (كالقشر) الذي يكون للبوب والحبوب (والقشر صائن)، أي حافظ ساتر لما في داخله من اللب، وذلك بعد استيفاء مدة ما هم فيه من استيلاء الأوهام على خيالاتهم الفاسدة حتى يتحققوا بالواحد الحق في كل ما التبس عليهم فيه، ويشهدونه في الظواهر والبواطن، ويرجهون إلى ما كانوا فيه من البواطن) ([1])

قلت له: هذا كلام خطير، وهو يتنافى تماما مع ما ورد في القرآن الكريم وفي السنة المطهرة من وصف العذاب والألم والشدة التي يعانيها أهل جهنم، فقد قال تعالى في وصف عذاب أهل النار، وعظم ما هم فيه: {إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لّا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا} [الأحزاب:64-65]، فهل هذه اللعنة التي أخبر الله عن تنزلها عليهم رحمة؟

وقال تعالى في وصف حالهم وألمهم: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ يرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ} [المائدة:36-37]، فهل يمكن لمن ينزل فندقا ممتلئا بالعذوبة أن يطلب مغادرته؟

وقال تعالى في وصف طعامهم: {لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِن جُوعٍ} [الغاشية:6-7]، وقال: {ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ فَمَالِؤُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ} [الواقعة:51-56]، وقال: {إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا وَجَحِيمًا وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا} [المزمل:12-13]، فهل هذا وصف لعذاب أم لنعمة؟ وهل هو وصف لسجن ممتلئ بزنزانات التعذيب، أم هو وصف لفنادق ممتلئة باللذة والعذوبة؟

وقال تعالى في وصف آلامهم وصياحهم وعذابهم: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ} [فاطر:36-37]، وقال: { إِنا أَعْتَدْنَا لِلظالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا} [الكهف:29]، فهل يمكن لمن نزل الفنادق الممتلئة بالعذوبة أن يندم أو يطلب الخروج منها؟

بعد أن ذكرت له هذا وغيره، قال لي: أنت تقرأ القرآن بعقلك، وفي منزلتك.. لكن عندما ترقى إلى المنازل العليا، وتكشف لك الحقائق.. فستفهم من هذه الآيات التي كنت تقرؤها خلاف ما تفهم الآن.

قلت: لا بأس.. فهل وصلت أنت إلى تلك المحال، واكتشفت بنفسك تلك الحقائق؟

قال: أنا لا أحتاج لكل ذلك، فحبي لأهل الله وأوليائه، وتصديقي المطلق لهم، يجعلني أرى الحقائق بعيونهم، وأسمعها بآذانهم.. لقد قال الإمام الجنيد: (لو علمتُ أن لله عِلماً تحت أديم السَّماء أشرف من هذا العلم الذي نتكلم فيه مع أصحابنا وإخواننا، لَسَعيتُ إليه وأخذته)، وقال: (التصديق بعلمنا هذا: ولايَةٌ)، وقال الإمام أبو عبد الرحمن السُّلمي: (إن الصوفية: أمان الله في أرضه، وأخدانُ أسراره وعِلمِه، وصفوته من خلقِه، وهم ممدوحون بلسان النبوة.. فمن أنكر هذا المذهب فلقلة معرفته، وقِلة الاهتداء لحقائقه.. قال تعالى: { وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيم} [الأحقاف:11])

قلت له: لا بأس.. أليس الإمام علي من أهل الله، ومن العارفين به؟

غضب، وقال: ومن قال خلاف ذلك.. إننا معشر الصوفية نحب أهل البيت، ونعظمهم، بل إنه لا يوجد في الدنيا من يعظمهم مثلنا، وكل أسانيدنا لمشايخنا ترجع للإمام علي.

قلت: أعرف ذلك منكم، ولكن ليس الشأن في أن تحبه بقلبك، ثم تخالفه بفعلك حتى لا تصير كمن قال فيهم الفرزدق: (قلوبهم معك، وسيوفهم مع بني أمية)

قال: أولئك هم الروافض الكذبة أدعياء محبة أهل البيت.. أما نحن فنحبهم بصدق.

قلت: فقد قال الإمام علي خلاف ما قال أهل الله الذين نسبت لهم تلك الأقوال.. لقد قال مخاطبا أصحابه: (اعلموا أنه ليس لهذا الجلد الرقيق صبر على النار فارحموا نفوسكم، فإنكم قد جربتموها في مصائب الدنيا، أفرأيتم جزع أحدكم من الشوكة تصيبه، والعثرة تدميه، والرمضاء تحرقه؟ ! فكيف إذا كان بين طابقين من نار، ضجيع حجر، وقرين شيطان؟ !) ([2])

وقال مخاطبا الأحنف بن قيس: (فلو رأيتهم يا أحنف ! ينحدرون في أوديتها ويصعدون جبالها، وقد ألبسوا المقطعات من القطران، واقرنوا مع فجارها وشياطينها، فإذا استغاثوا بأسوأ أخذ من حريق شدت عليهم عقاربها وحياتها)

قال صاحبي الصوفي: ما ذكرته صحيح..وكلام الإمام علي كان مع العوام، لا مع الخواص.. فهذه العلوم أسرار.. ولا تباح لكل الناس.

قلت: فكيف أباحها هؤلاء ونشروها، ولم يستنوا فيها بسنة إمامهم الذي يزعمون انتسابهم إليه؟

نظر إلي نظرة طويلة تصورت أنه قد رجع فيها للحق، وأعمل فيها عقله وكلام ربه وكلام أهل الله الذي لا يقدم بين يدي الله.. لكني فوجئت به يصيح في وجهي صيحة شديدة، ويقول: لن أجادلك أكثر من هذا.. فأنت محجوب بعقلك.. وأنت أبعد الناس عن معاني أهل الله.. وأنت.. وأنت..

وبقي يردد ذلك، والزبد يتطاير من فمه كما يتطاير من أفواه من نراهم يطلقون على أنفسهم لقب السلفية.

([1]) الفصوص (1/333)

([2]) نهج البلاغة: الخطبة 183.


د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

أخطاء منهجية في التعامل مع مصطلحي (السلفية) و(الصوفية)

 أخطاء منهجية في التعامل مع مصطلحي (السلفية) و(الصوفية)

.
يختلف بعض الإخوة ومنهم حتى بعض طلبة العلم -مع الأسف- في مسألة من مسائل الفقه، فتراهم ينحاز أحدهم لطرف (السلفية) والآخر لطرف (الصوفية) ويعلو بينهما الجدل، وكل يحاول دعم (مذهبه) بما استطاع من الإدلة والأقيسة والقرائن، وهذا كله ليس من العلم في شيء.
.
الخطأ المنهجي القاتل؛ أن السلفية والصوفية في الحقيقة ليس مذهبين فقهيين، ولا ينبغي لهما ذلك.
فالسلف هم الصحابة والتابعون -رضي الله عنهم أجمعين- وقد اتفق المسلمون على تعظيمهم وتقديمهم على من سواهم (خير القرون قرني)، وفيهم الفقهاء المعروفون كعمر وعلي وعائشة وابن مسعود وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل، وهؤلاء قد اجتهدوا فاتفقوا في مسائل واختلفوا في مسائل، وقد أخذ عنهم من جاء بعدهم حتى تأصّلت المذاهب الفقهية المعروفة كالحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي، فادّعاء أن السلف لهم مذهب موحّد ادعاء باطل، وجعل هذا المذهب المدّعى في مقابل المذاهب الأربعة ادعاء باطل كذلك وهو خطير جدا، لأن فيه اتهاما صريحا أو مبطّنا لأئمة المذاهب الأربعة ونحوهم أنهم ابتدعوا فقها جديدا يخالف ما كان عليه السلف.
.
أما الصوفية فلم يقل أحد من رجالهم المعروفين بأن التصوف مذهب فقهي، بل هم يعظمون المذاهب الأربعة ويأمرون الناس باتباعهم، وقد استمر هذا -والحمد لله- في كل المدارس الشرعية ذات الطابع الصوفي إلى اليوم، وقد تخرجت من مدرسة الآصفية العريقة فما قرأت فيها سطرا واحدا يقول: مذهب الصوفية في هذه المسألة الفقهية كذا أو كذا، ثم اطلعت على مناهج المدارس الصوفية النقشبندية في مناطق مختلفة من تركيا، فوجدتهم متمسكين غاية التمسك بالمذهب الحنفي أو الشافعي، ولا يذكرون للتصوف قولا في الفقه أبدا.
.
هذا هو الوضع الطبيعي، فالتصوف هو علم التزكية والتربية الروحية، ولا يمكن أن يكون بديلا عن أي علم شرعي آخر كالعقيدة أو التفسير أو الحديث أو الفقه، وأما التصوف الفلسفي البعيد عن نور الوحي والبعيد عن معاني التزكية فهو تصوّف آخر لا شأن لنا به، وهو الذي ذمه أئمة التصوف الموثوقون، يقول السيد الإمام أحمد الرفاعي في البرهان المؤيد: "قال الحارث قال أبو يزيد لا ينقص ولا يزيد، قال الشافعي قال مالك أنجح الطرق وأقرب المسالك... صموا أسماعكم عن علم الوحدة (وحدة الوجود ) وعلم الفلسفة، وما شاكلهما، فإن هذه العلوم مزالق الأقدام إلى النار... أي سادة إن نهاية طريق الصوفية نهاية طريق الفقهاء، ونهاية طريق الفقهاء نهاية طريق الصوفية... والطريقة هي الشريعة والشريعة هي الطريقة"
.
نعم ربما يلتبس على غير طلبة العلم الجادّين بعض الأقوال الفقهية لرجالات التصوّف، والصحيح أن هذه الأقوال تعبر عن شخصية العالم الفقهية وليست شخصيته الصوفية، فحجة الإسلام الغزالي مثلا كان فيلسوفا وفقيها وصوفيا، فإذا ناقش الفلاسفة كان ذلك من شخصيته الفلسفية وإذا اجتهد في الفقه كان ذلك من شخصيته الفقهية وإذا تكلم في التزكية كان ذلك من شخصيته الصوفية. فلا ينبغي أن نخلط في ذلك.
.
وقد رأيت من بعض الصوفية من يشنّع على قول لسلفي غاية التشنيع وهو في الحقيقة قول لمالك أو أحمد إن لم يكن قولا لواحد من الصحابة، ورأيت كذلك من بعض السلفية من يشنّع على قول لصوفي غاية التشنيع وهو في الحقيقة قول للشافعي أو أحمد إن لم يكن قولا لواحد من الصحابة أيضًا.
.
لقد نسي هؤلاء وهؤلاء أن كثيرا من أئمتنا المتفق على إمامتهم كانوا يجمعون بين الطريقتين؛ طريقة الفقهاء وطريقة الصوفية ومنهم الشيخ الإمام عبد القادر الجيلاني الذي كان فقيها حنبليا وكان إمامًا من أئمة الدنيا في التزكية والتربية، أفلا تعجب من صوفي قادري يهزأ بقول لأحمد بن حنبل ظنا منه أن هذا قول خصمه (السلفي)! وفي المقابل ترى سلفيا تيميا يطعن بالشيخ عبد القادر وما علم أن الشيخ الإمام ابن تيمية كان حينما يذكر الشيخ عبد القادر الجيلاني يقول: (قدّس الله روحه) وقد حصل لي موقف في أحد مساجد قطر أني استشهدت بقول للشيخ عبد القادر فقام شاب معترضا فأفهمته والحمد لله أنه تفهم.
.
فيا إخواني ويا أخواتي نصيحتي العلمية والمنهجية أنه إذا عرضت لكم مسألة فقهية فارجعوا فيها إلى المذاهب المعتبرة في الفقه، وإذا أراد أحدكم التوسّع فلينظر في فقهاء الصحابة والتابعين، كما فعل شيخنا العلامة هاشم جميل في كتابه الرائع (فقه سعيد بن المسيّب)، وإذا عرضت لكم مسألة في التفسير فابحثوها في كتب التفسير المعتبرة، وفي الحديث في كتب الحديث، وهكذا، واتركوا التنابز بالألقاب فإنما هو حيدة عن طريق الحق وعن منهج العلم، وفيه ما فيه من ظلمة الروح وقساوة القلب.
.
هذه نصيحتي وهي التي ألقى بها ربي
والله يغفر لنا ويجعلنا من المقبولين عنده
وصلى اللهم على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين
.
د . محمد عياش الكبيسي
دكتوراه في العقيدة الاسلامية
قد يكون رسمًا توضيحيًا لـ ‏‏‏شخص واحد‏، و‏‏بانر‏، و‏بوستر‏‏‏ و‏نص‏‏
عرض الرؤى والإعلانات
أعجبني
تعليق
مشاركة