الخميس، 30 نوفمبر 2017

( إقامة البرهان في استحباب الاحتفاء بمولد النبي العدنان)

كثر الجدل عن جواز وعدم جواز الاحتفال بمولد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وفي المقال الاتي بيان حكمه مثبتا ما يدعيه بالادلة والبراهين 

مفهوم الاحتفاء بالمولد الشريف : هو الاجتماع في يوم مولده لقراءة القرآن والذكر وتدارس سيرته العطرة عليه الصلاة والسلام لا أكثر من ذلك .
أولا : القرآن الكريم .
1-قال الله تعالى (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا ) وقال (وماارسلناك إلا رحمة للعالمين ).
وجه الاستدلال:
قال ابن عباس رضي الله عنهما : فضل الله العلم , ورحمته محمدا صلى الله عليه وآله وسلم قال تعالى (وما أرسلناك ألا رحمة للعالمين)الدر المنثور ج4ص367.
فمولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو مولد الرحمة المهداة للعالمين , فلنفرح بها , والفرح أمر عقلائي فلا بأس به مالم يوقع في محذور او يقترن بمحذور , فا الاحتفاء بمولده هو صورة من صور استجابتنا لقوله تعالى (فليفرحوا ) , وقرأ رويس عن يعقوب الحضرمي (فبذلك فلتفرحوا) بصيغة الخطاب.
2- قال الله تعالى ( ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات الى النور وذكرهم بأيام الله ) .
ووجه الاستدلال : أن التذكير بأيام الله تعالى سنة الأنبياء عليهم السلام ومعنى أيام الله نعمه التي حصلت في الأيام , ففيه ارتباط النعم بالأيام أي بالأوقات , وهذه ما يسمى بالمناسبات , ومولد النبي صلة الله عليه وآله وسلم يوم من أيام الله أي نعمة من نعم الله التي حصلت في يوم معين فالتذكير بها هو منهج الأنبياء عليهم السلام , وهو أمر الله تعالى فمن قال غير ذلك فقد خالف امر الله تعالى .
ثانيا :السنة النبوية .
1-لما قدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم المدينة صام يوم الاثنين وقال هذا يوم ولدت فيه وفيه انزل علي ..
ووجه الاستدلال : ان هذا تعظيم ليوم مولده عليه السلام فهو احتفاء.
2-وأقر النبي صلى الله عليه وآله وسلم اليهود في صومهم يوم عاشورا , وقولهم اليوم الذي نجى الله فيه موسى .
ووجه الاستدلال :
أن الله نجى الأمة بمولد رسول الله صلى الله عليه ,وآله وسلم , فلهذا صامه كما صام في يوم عاشوراء الذي نجى الله فيها موسى عليه السلام .
وهذا الاستدلال هو استدلال الحافظ ابو الفضل ابن حجر العسقلاني , نقله عنه الامام السيوطي ,رحمهما الله .
ثالثا : من اول من عمل المولد النبوي الشريف؟
سيجيبنا الحافظ ابن كثير رحمه الله :
(الملك المظفر أبو سعيد كوكبري ,أحد الأجواد السادات ,الكبراء والملوك الأمجاد ,له آثار حسنة , وكان يعمل المولد الشريف في ربيع الأول ويحتفل به احتفالا هائلا ,وكان مع ذلك شهما شجاعا ,فاتكا ,عاقلا عالما عادلا رحمه الله وأحسن مثواه ..الى ان قال ... وكان يصرف في المولد 3000دينار)فانظر رحمك الله الى هذا المدح والثناء عليه من ابن كثير ,إذ أنه وصفه بأنه عالم عادل شهم , شجاع , الى قوله رحمه الله واحسن مثواه , ولم يقل مبتدع زنديق , فاجر مرتكب للفواحش والموبقات , كماهي دعوى المعارضين في من يقول بعمل المولد الشريف . راجع البداية والنهاية (13\136).
وانظر الى قول الإمام الحافظ الذهبي في سير اعلام النبلاء (22\336)حيث ترجم للملك المظفر قال (كان متواضعا خيرا سنيا يحب الفقهاء والمحدثين).
وأما ما نقل ان اول من اقامه الرافضة العبيديون فهو كذب وافتراء فإنهم يقولون انه موجود في البداية والنهاية لابن كثير (11\172), وليس بصحيح !!
رابعا :أقوال الفقهاء في الاحتفاء بمولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم :
1-قال شيخ الاسلام ابن تيمية في من يحتفلون بالمولد ويعظمون هذا اليوم (يكون له فيه خير عظيم لحسن قصده وتعظيمه للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ).
2- قال الامام احمد بن حنبل رحمه الله (وأي شئ أحسن من أن يجتمع الناس يصلون ويذكرون ما أنعم الله به عليهم ).
3- والاحتفاء بمولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم فعل اهل مكة , قال الشرباصي رحمه الله (روي بالتاريخ أن أهل مكة كانوا يذكرون مولد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالخير , وكانوا يزورون الدار التي ولد فيها , وكان بعضهم يقول الشعر في مولده والتنويه به كقول العباس بن عبد المطلب يخاطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم :
وأنت لما ولدت أشرقت الأ ارض .....وضاءت بنورك الأفق .
4-وللسيوطي رسالة ضمن (الحاوي للفتاوي) بعنوان (حسن المقصد في عمل المولد) حيث ذكر الاحتفاء بمولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال (وهو من البدع الحسنة التي يثاب صاحبها لما فيها من تعظيم قدر النبي صلى الله عليه وآله وسلم , وإظهار الفرح بمولده الشريف .
5-قال شيخ الاسلام رحمه الله في اقتضاء الصراط المستقيم ص 266(وكذلك ما يحدثه بعض الناس إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى عليه السلام , وإما محبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتعظيما له , والله قد يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد ) قال (فإن هذا لم يفعله السلف مع قيام المقتضى له وعدم المانع منع )انتهى .
6- شيخ الاسلام احمد بن حجر العسقلاني رحمه الله حيث اثنى على المولد , وقيد ذلك فقال :
فينبغي ان يقتصر فيه على ما يفهم الشكر لله تعالى من نحو ما تقدم من التلاوة والإطعام والصدقة وانشاد شئ من المدائح النبوية والزهدية المحركة للقلوب الى فعل الخير والعمل للآخرة).
7- الإمام الحافظ محمد بن أبي بكر عبد الله القيسي الدمشقي , حيث الف كتاب في المولد الشريف واسماه (جامع الآثار في مولد النبي المختار).و(اللفظ الرائق في مولد خير الخلائق).
8- الامام الحافظ عبد الرحيم بن الحسين العراقي له كتاب بعنوان (المورد الهني في المولد السني).
9- الحافظ الملا علي القاري الحنفي ,الف كتاب بعنوان (المولد الروي في المولد النبوي ).
10- العلامة ابن دحية له كتاب (التنوير في مولد البشير النذير).
11- الامام الحافظ ابن ناصرالدين الدمشقي له كتاب (مورد الصادي في مولد الهادي) .
12- وامامنا شمس الدين ابن الجزري رحمه الله, له كتاب بعنوان , (التعريف بالمولد الشريف ) ولا ننسى انه صاحب كتاب (النشر في القراءات العشر).
13- الحافظ ابن الجوزي الحنبلي , قال في المولد الشريف :إنه أمان ذلك العام , وبشرى عاجلة بنيل البغية والمرام لمن يقرؤه ويحتفل به )
14- الامام عبد الرحمن بن اسماعيل الدمشقي المعروف بأبي شامة شيخ الامام النووي رحمة الله عليهم فقداكثر الثناء على الملك المظفر بما كان يفعله في الخيرات ليلة المولد الشريف , وقال في كتابه الباعث على انكار البدع والحوادث) ص13 ( ومن أحسن ما ابتدع في زماننا من هذاالقبيل ماكان يفعل في مدينة اربل جبرها الله تعالى كل عام في اليوم الموافق ليوم مولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الصدقات والمعروف وإظهار الزينة والسرور فإن ذلك مع ما فيه من احسان الى الفقراء مشعر بمحبته للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وتعظيمه وإجلاله في قلب فاعله وشكرا لله على ما من به من إيجاد رسوله الذي ارسله الله رحمة للعالمين صلى الله عليه وسلم وعلى جميع الأنبياء والمرسلين .)
15- الحافظ القسطلاني شارح البخاري قال في المواهب اللدنية (1\148) (فرحم الله امرءا اتخذ ليالي في شهر مولده المبارك اعيادا , ليكون اشد علة على من في قلبه مرض وإعياء داء).
وكثير كثير من العلماء والفقهاء .
خامسا : الرد على شبهات من أنكر الاحتفاء بمولده صلوات الله عليه وآله .
الاولى :قالوا :
لوكان الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم من الدين لبينه الرسول للأمة او فعله في حياته او فعله اصحابه رضي الله عنهم , ولا يقولن قائل ان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لم يفعله تواضعا منه فإن هذا طعن فيه عليه السلام.انتهى كلام المعترض ..
الجواب والله الموفق للصواب:
1- لايوجد قطعا من الفقهاء او الأصوليون من قال بأن كل مالم يفعله النبي او الصحابة أن فعله محرم .
2- لأن الترك امر عدمي وليس امرا وجوديا , والعدم لا حكم له .
3- متى يكون الترك دالا على تحريم الفعل ؟
في موضعين :
الأول : أن يصرح بالترك مثل حديث , (من ترك اللباس تواضعا لله وهو يقدر عليه كساه الله من اي حلل الايمان شاء يلبسها )يعني ترك اللباس الفاخر.
الثاني: في الأمور غير معقولة المعنى , التي لاتدرك حكمتها وتعليلها بالعقل , كعدد الركعات وصفة الوضوء والتيمم وكثير من العبادات المحضة .
والاحتفال بالمولد لم يصرح فيه احد بالترك , وهو معقول المعنى اي مدرك الحكمة والفائدة والمقصد .
4- وقد تبين حسنه عقلا , فهو حسن شرعا والدليل قوله صلى الله عليه وآله وسلم (من سن في الإسلام سنة حسنة كان له اجرها واجر من عمل بها لاينقص من اجورهم شيئا ) الحديث .وهو معروف .
وهذاالحديث اقوى دليل على الترغيب في احداث كل ماله اصل في الشرع وإن لم يفعله المصطفى صلى الله عليه وسلم وصحابته رضي الله عنهم , وليس إحياء السنن فحسب .
5- قال امام فقهاء المحدثين الشافعي رضي الله عنه (كل ماله مستند من الشرع فليس ببدعة ولو لم يعمل به السلف لأن تركهم للعمل به قد يكون لعذر قام لهم في الوقت أو لما هو أفضل أو لعله لم يبلغ جميعهم علم به)ا.ه.
6- ونقول لكم (من فمك ندينك). فهناك امور كثيرة لم يفعلها النبي صلى الله عليه وسلم. وساضرب امثلة يسييرة فالحصر لايمكن لكثرتها :
الاول : جمع الناس على امام واحد في صلاة التراويح في المسجد في جميع ليالي رمضان, حيث قال عمر رضي الله عنه :نعمت البدعة هذه والتي ينامون عنهاافضل . والمراد بالبدعة اي الحسنة لأنها مصلحةمرسلة لأنه رآهم يصلونها أوزاعا متفرقين فجمعهم ولم شملهم وهذا من مقاصد الشرع.
الثاني : في الحرمين الشريفين يصلون التراويح ثم يصلون التهجد !!!وهذه غريبة لم تكن معروفة , حتى ان العلامة الألباني رحمه الله يرى بانها بدعة !!.
الثالث:دعاء ختم القرآن استحبه احمد بل قال انه سنة واستدل بفعل سفيان بن عيينة وبفعل اهل مكة .
الرابع : قول المنادي (صلاة القيام اثابكم الله ), لم يقل احد انها بدعة ولم تثبت عن النبي ولا عن احد من السلف اصلا .
الخامس: تقسيم التوحيد الى ثلاثة اقسام , تقسيم صحيح -كما يرى البعض-, لكن النبي لم يقسمه هذاالتقسيم ولا السلف الصالح.
السادس:عمل مصليات للنساء خاصة .لم تحدث الا في عصرنا فقط .
السابع : زيادة عمر بن عبد العزيزفي خطبة الجمعة (أن الله يأمر بالعدل والاحسان ) الآيات .وتتابع الأئمة عليها من غير نكير !!!.
الثامن : زيادة صلاح الدين الأيوبي على االأذان الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم جهرا , بعد الفراغ من الأذان , مبطلا بذلك السلام الذي كان في بلاد مصر والذي يقوم به المؤذنون ايام الدولة الفاطمية .
التاسع : جمعيات التحفيظ وهيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك هل هذه كلها بدع وضلالات بناء على قولكم .!!!
7- ان زمن النبي زمن بناء وجهاد وتأسيس , فالناس مشغولون بالجهاد والبناء فالأولويات في الاشتغال بامور التأسيس لا بالكماليات .
8- أي قضية جزئية لابد ان نردها الى اصلها الكلي , فإن لم نتمكن فلا يجوز التكلم في هذه القضية الجزئية .فمرد قضية المولد هو المصالح المرسلة , حيث فيها النفع العام ولا يحصل فيها مفسدة ولا تخالف نصا , ولا يوجد شئ يقدر الانسان ان يوصل فيه افكاره مثل المناسبات الوجدانية .
9- ثم ان ثقافة الاحتفالات -اصلا- لم تكن موجودة وقتئذ , فهل كان علي رضي الله عنه يقوم بعمل حفلة بمناسبة حفظ الحسن بن علي للقرآن , مثلا ونحو ذلك !!
الشبهة الثانية :
قالوا :يوم ولادته هو نفس يوم وفاته , فالفرح فيه ليس بأولى من الحزن ,ولو كان الدين بالرأي لكان اتخاذ هذا اليوم مأتما وحزنا اولى من اتخاذه فرحا!!!
الجواب والله الموفق للصواب:
هذه الشبهة لاتخرج الا من شخص لايعرف معنى الحزن ولا يعرف معنى الفرح ولا يدري ايهما اولى .
ولن اجيب انا بل ساترك الامام السيوطي هو الذي يجيبكم .
قال (ان ولادته صلى الله عليه وآله وسلم أعظم النعم , ووفاته اعظم المصائب لناا , والشريعة حثت على إظهار النعمة وشكرها , والصبر والسكون على المصائب , وقد امر الشارع بالعقيقة عند الولادة , وهي إظهار وشكر وفرح بالمولود,ولم يأمر عند الموت بذبح عقيقة ولا غيره ,بل نهى عن النياحة واظهار الجزع ,فدلت قواعد الشريعة على أنه يحسن في هذا الشهر ,اظهار الفرح بولادته صلى الله عليه وآله وسلم دون إظهار الحزن بوفاته )قلت : ولهذا نحن اهل السنة والجماعة ليست لدينا شعائر عزاء , وإنما لدينا شعائر الزواج والأفراح والأعياد ونحوها ولله الحمد.
الشبهة الثالثة :
قالوا هذا اجتماع فيه تخصيص والتخصيص بدعة !!
هذه المرة سيجيبكم النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
عن معاوية رضي الله عنه :ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج الى حلقة من اصحابه , فقال : ما اجلسكم ؟ قالوا :جلسنا ندعوا الله ونحمده على ماهدانا إليه ومن علينا بك.(لااااااحظ),قال :
آلله ما أجلسكم الا ذلك ؟قالوا :آلله , والله ما اجلسنا الا ذلك .قال : اما اني لم استحلفكم تهمة وانما اتاني جبريل فاخبرني ان الله يباهي بكم الملائكة)رواه مسلم والنسائي والترمذي.
وهذا فيه فوائد منها :
1- جواز الاجتماع في حلقات الذكر والدعاء .
2- جواز تخصيص مجلس خااص لتذكر نعمة الهداية وشكر الله على ذلك.
3- جواز الاجتماع لشكر الله على ما من به من ارسال محمد صلى الله عليه وسلم فتامل قولهم (ومن علينا بك) , فالاحتفال بالمولد هو عين ما فعله الصحابة رضي الله عنهم واقرهم عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
الشبهة الرابعة :
قولهم أن ابن تيمية وابن الحاج والشاطبي -صاحب الاعتصام -والفاكهاني , أنكروا المولد وعدوه بدعة مطلقا ..!!!
والرد على هذه الشبهة للدكتور الغويلي فليتفضل مشكورا :
(القول السليم في الردِّ على من أنكر الاحتفال بمولد الرسول الكريم
الدكتور أمين لغويلي )
من السنن الإلهية الحكيمة الجارية في الخلق "سنة التفاضل"، هذه السنة التي أجراها سبحانه في سائر المخلوقات، حيث جعل لها رُتبا ودرجات، ومراتب وطبقات، ففاضل بين الأجناس والأنواع والأفراد في جميع الأشياء. فضَّل بعض الأمم على بعض، وبعض الناس على بعض، وبعض النبيئين على بعض...، ومن وجوه التفضيل هذه، تفضيله تعالى لبعض الأيام والليالي على بعض، وبعض الشهور على بعض، وإضافتُها لنفسه احتفاء بها وتشريفا لها وتعظيما لشأنها، فجعل لها بذلك حرمة وقدسية ومكانة، وأمر رسله عليهم السلام بتنبيه الناس إلى هذه المزية وتذكيرهم بهذه الأفضلية، من ذلك خطابُه تعالى لكليمه موسى عليه السلام بقوله:" ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن اخرِج قومك من الظلمات إلى النور، وذكرهم بأيام الله"، وحكمة التذكير بأيام الله هذه، التماس ما فيها من فتوحات والتعرض لما فيها من نفحات، كما جاء في حديث نبينا صلى الله عليه وسلم: "ألا إن لله في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها". (أخرجه الطبراني في المعجم الكبير: )14/125 [15861]، وفي الأوسط: 6/422 [2966]).
ومن الشهور التي خصها الله تعالى بالتكريم والتفضيل شهر ربيع الأول، هذا الشهر المبارك الذي له مكانة خاصة في قلوب المسلمين قاطبة، وفي قلوب أهل الوراثة المحمدية خصوصا، فكلما اقترب هلال هذا الشهر على البزوغ إلا وحمل إليهم ذكرى ميلاد سيد الوجود وحبيب الرحمن، الذي بفضل رسالته صارت هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس. ولا شك أن لكل أمة عظيمة تاريخ وذاكرة وذكريات، ومن شأن الأمم العظيمة أن تحافظ على هُويتها بالاحتفاء بأمجادها وذكرياتها وتخليد أيامها العظيمة.
فإذا كان هذا الشهر قد كرمه الله بهذه المزية، فهل يجوز من هذا المنطلق تعظيمه والاحتفاء به باعتباره من أيام الله التي ينبغي التذكير بها، ومن نعمه التي ينبغي شكرها والتحدث بها؟ أم أنه بالمقابل يجب أن يمر هذا الشهر وذلك اليوم كسائر الشهور والأيام، دون التفاتٍ إلى ما أنعم الله به علينا فيه، ودون شكره على ذلك؟ وما حكم اجتماع الناس للاحتفال بمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الشهر المبارك الكريم؟
لعل أولَ ما ينبغي على العالِم وعلى الباحث فِعله عندما يُطرح عليه مثل هذا السؤال، هو النظر فيما مضت به الفتوى في هذا المجال، حتى لا يحكم بما يُخالف اجتهادات علماء الإسلام وهو لا يدري. والملاحظ أن كثيرا من الناس لا يلتزمون هذا الشرط، وكأن المسألة جديدة لم يَسبق أن عُرضت على علماء الإسلام أو تكلموا فيها. مع أن المقرر في أصول العلم أن المُتحدث في مسألة تكلم فيها العلماء خصوصا إذا اختلف معهم في الفتوى، أن يستحضر قولهم وأدلتهم ثم ينقضها واحدا واحدا، ثم بعد ذلك يشرع في الاستدلال لصحة ما يذهب إليه، كما فعل الإمام السيوطي رحمه الله حين استحضر رسالة الإمام الفاكهاني "المورد في الكلام على المولد" كاملة بأدلتها، قبل أن يُدلي برأيه في المسألة.
بعد هذا نقول إن مسألة الاحتفال بالمولد من المسائل التي عُرضت على العلماء قديما وتعددت فتاواهم فيها عبر العصور. وقد اختلفت مضامين تلك الفتاوى بين مجيز للاحتفال بإطلاق، ومجيز بشروط وبتحفظ، ومانع من غير توقف ولا تحفظ. والراجح فيها عند جمهور من أفتى منهم جوازُ الاحتفال بمولده صلى الله عليه وسلم وجَمعِ الناس عليه، وتعريفِ الناس بشمائله الكريمة وبسيرته العطرة، وهذا الترجيح هو بحسب عدد القائلين بالجواز من العلماء من جهة، ووزنهم ومكانتهم في العلم من جهة ثانية، وكثرة المصالح التي يُحققها الاحتفال بذكرى المولد، في مقابل قلة المفاسد التي نبه إليها المتحفظون والمانعون، والتي إذا زالت من الاحتفال زال ما بنوا عليه رأيهم من المنع بلا إشكال. وقد جمعتُ بعض فتاوى أهل العلم في المسألة مرتبة حسب التسلسل الزمني لعصورهم. ولا بأس من البداية برأي المانعين وأدلتهم، ثم نَعطِف برأي المتحفظين والمجيزين وردودهم على تلك الاعتراضات.
قال صالح الفوزان في رسالته:" حكم المولد"، مستقصيا القائلين بمنع الاحتفال بهذه الذكرى:
"
فمِمّن أنكر الاحتفال بهذه المناسبة شيخ الإسلام ابن تيمية في "اقتضاء الصراط المستقيم"، والإمام الشاطبي في "الاعتصام"، وابن الحاج في "المدخل"، والشيخ تاج الدين علي بن عمر اللخمي[الفاكهاني] ألَّف في إنكاره كتاباً مستقلاً، والشيخ محمد بشير السهسواني الهندي في كتابه "صيانة الإنسان"، والسيد محمد رشيد رضا ألَّف فيه رسالة مستقلة، والشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ألف فيه رسالة مستقلة، وسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، وغير هؤلاء ممن لا يزالون يكتبون في إنكار هذه البدعة كل سنة في صفحات الجرائد والمجلات، في الوقت الذي تقام فيه هذه البدعة".
ونزيده على إحصائه من أغفل ذكرهم أيضا من المعاصرين المُحرِّمين للاحتفال بالمولد بالإضافة لما ذَكر: الشيخ ناصر الدين الألباني ومشايخ السعودية: كالشيخ ابن العثيمين وابن حميد، ومن المصريين عبد الرحمن عبد الخالق، ومن الكويتيين حامد العلي، وكلهم من متشددي علماء المدرسة السلفية المتأخرة.
وقد أورد الفوزان هنا قسمين من العلماء، عددٌ من المتقدمين إلى حدود القرن العاشر الهجري، وهم أربعة، وعدد من المعاصرين. فأما المتقدمون فلا يصفو له منهم في المنع بإطلاق إلا اثنان، الشاطبي والفاكهاني، وأما ابن تيمية وابن الحاج، فمن المتحفظين من الاحتفال، بحيث إذا زال تطرقُ البدع لذكرى المولد فقد قالوا برجاء الثواب والقَبول لفاعل ذلك كما سيتبين من إيراد أقوالهم.
وأما المعاصرون الذين ذُكروا فلا يمثلون إلا قولا واحدا هو قول متشددي المدرسة السلفية المعاصرة، ولا سلف لهم في هذا القول إلا ثلاثة على أبعد تقدير، بالتسليم جدلا بموافقة ابن تيمية للفاكهاني والشاطبي. ومن هذا المنطلق نبقى مع أدلة المانعين بإطلاق من المتقدمين والأمور الباعثة على التوقف عند المتحفظين. فأما الفاكهاني فقد قال أن إحياء المولد - باعتبار أن النبي عليه السلام لم يحتفل به ولا احتفل به الصحابة الكرام، لا يخلو إما: "أن يكون مكروها أو حراما، وحينئذ يكون الكلام فيه فصلين، والتفرقة بين حالين، أحدهما: أن يعمله رجل من عين ماله لأهله وأصحابه وعياله، لا يُجاوِزون في ذلك الاجتماع على أكل الطعام، ولا يقترفون شيئا من الآثام، وهذا الذي وصفناه بأنه بدعة مكروهة وشناعة، إذْ لم يفعله أحد من متقدمي أهل الطاعة، الذين هم فقهاء الإسلام وعلماء الأنام، سُرُج الأزمنة وزين الأمكنة. والثاني: أن تدخله الجناية وتقوى به العناية حتى يعطي أحدهم الشيء ونفسه تَتبعه، وقلبه يؤلمه ويوجعه، لما يجد من ألم الحيف، وقد قال العلماء: أخذ المال بالجاه كأخذه بالسيف، لا سيما إن انضاف إلى ذلك شيء من الغناء مع البطون الملأى، بآلات الباطل من الدفوف والشبابات، واجتماع الرجال مع الشباب المُرد والنساء الفاتنات، إما مختلطات ﺑﻬن أو مُشرِفات، والرقص بالتثني والانعطاف، والاستغراق في اللهو ونسيان يوم المخاف، وكذلك النساء إذا اجتمعن على انفرادهن رافعات أصواﺗﻬن بالتهنيك والتطريب في الإنشاد، والخروج في التلاوة والذكر المشروع والأمر المعتاد، غافلات عن قوله تعالى: "إن ربك لبالمرصاد"، وهذا الذي لا يختلف في تحريمه اثنان، ولا يستحسنه ذوو المروءة الفتيان، وإنما يحلو ذلك لنفوس موتى القلوب وغير المستقلين من الآثام والذنوب، وأزيدك أﻧﻬم يرونه من العبادات لا من الأمور المُنكرات المحرمات فإنا لله وإنا إليه راجعون، [بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ].
فأما أن المولد لم يحتفل به النبي عليه السلام ولا الصحابة الكرام كما ذكره ابن تيمية أيضا وهو أقوى ما تمسك به المانعون، فتحصيل حاصل، إذ لو فعلوه لكانت المسألة منصوصة لا نحتاج للاستفتاء فيها ولا الاختلاف في تقدير حكمها، وإنما رُفعت هذه المسألة للعلماء باعتبار أن بعض الناس لما لحِظوا مشاركة بعض المسلمين للنصارى في أعيادهم، -خصوصا في الاحتفال بمولد السيد المسيح عليه السلام، ورأوا أن ذلك فيه فتحُ بابٍ لاستمالة العامة والصغار، بحيث صارت معرفتُهم بمناسبات النصارى والشهور الشمسية أكثرَ من معرفتهم بأيام الإسلام وأحداثه من الهجرة والإسراء والمعراج والمولد وغيرها- أخذتهم الغيرة لذلك فاستفتوا العلماء في جواز أن يصرفوا عناية الناس عن ذلك إلى العناية بأيام الإسلام وذكرياته العظيمة. فكانت هذه قضيةٌ حادثة تحتاج إلى حكم من المجتهدين ليروا هل لها أصل في الدين، أم أنها لا أصل لها فيه، فأفتى أكثرهم بأن لها أصلا في الدين، خصوصا وأن النبي عليه السلام كان يصرف الصحابة إلى الحديث عما أولاه الله من المنن، وبما فضله الله به من العطاء، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : "جلس ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون، قال بعضهم : إن الله اتخذ إبراهيم خليلا، وقال آخر: موسى كلمه الله تكليما، وقال آخر: فعيسى كلمة الله وروحه، وقال آخر: آدم اصطفاه الله، فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال: "قد سمعت كلامكم وعجبكم، إن ابراهيم خليل الله وهو كذلك، وموسى نجي الله وهو كذلك، وعيسى روحه وكلمته وهو كذلك، وآدم اصطفاه الله وهو كذلك، ألا وأنا حبيب الله ولا فخر، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة، تحته آدم فمن دونه ولا فخر، وأنا أول شافع وأول مشفع يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول من يحرك حَلق الجنة فيفتح الله لي فيُدخلنيها، ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين على الله ولا فخر". (أخرجه الترمذي، تحفة الأحوذي )1/86)، والدارمي (1/26)، والقاضي عياض في الشفا (1/408). وهو حديث قوي وله شواهد، رواه البيهقي في دلائل النبوة، (5/270-500) وأصله في الصحيحين).
فكانت هذه الفتوى من جمهور العلماء مستندة إلى هذا النظر المقصدي بنية صرف الناس عن أيام الأمم الأخرى إلى أيام الإسلام وذكرياته. والعجب كل العجب من القائلين بالتعليل بالمقاصد كيف يبدعون هذا الاحتفال، فهل التذكير بالنبي عليه السلام وبشمائله في أي وقت وفي كل وقت من المصالح أو من المفاسد؟ أليس من حفظ الدين تذكير المسلمين بأيام الإسلام ومنها يوم ميلاد سيد المرسلين؟ أليس بعث الله محمدا ليحل الطيبات ويحرم الخبائث، أتُرى تعظيم يوم ميلاد أبي الطيب من الطيبات أم من الخبائث؟
وأما كلام الفاكهاني فإنه كما هو ظاهر فيه خروج شديد عن موضوع الفتوى - من جواز الاحتفال على طريقة السلف في الاحتفاء بالأيام الفاضلة أو عدم جوازه- إلى التفصيل في المخالفات التي تصدر من بعض الناس بعد الاجتماع للاحتفال، فلا شك أن ما ذكره الشيخ حرام بمفرده دون انضمامه إلى الاحتفال، فكيف يُسمى هذا الاجتماع والاختلاط ونهبُ الأموال لِفعل ذلك تعظيما لمولده عليه السلام، بل هذا لعمري استهزاءٌ بذلك اليوم العظيم، وهذا لا يختلف اثنان في شناعته في سائر الأيام، فضلا عن فعله في يوم من الأيام الفاضلة. وفي مثل هذا الخلط وعدم تحديد مناط الفتوى قال الإمام أبو بكر بن العربي رحمه الله في كتابه قانون التأويل: "هذا التقصير هو الذي يزل فيه المدعون للعلم، فإنهم ينكرون القول لحرف فيه مزج من الباطل، وإنما ينبغي أن يُفرَّق بينهما ويُخلَّص أحدُهما من الآخر، والإنصاف دين". (ص:247).
ولذلك نقول إن الاحتفال الذي يُستفتى فيه كما قال الإمام السيوطي هو الاجتماع بالذكر وقراءة القرآن والصلاة على النبي العدنان وذكرِ أخلاقه وشمائله عليه الصلاة والسلام، وأن يُعَد لهم سِماط يأكلونه من مال حلال، ثم ينصرفوا من غير زيادة على ذلك ولا نقصان. ومن ثم كان كلام الفاكهاني خارجا عن المسألة المُستفتى فيها، مُخبِرا عن مسألة أخرى وهي ارتكاب الحرام وإساءةُ الأدب في يوم من الأيام الفاضلة، وهكذا كلام أكثر المعاصرين من المانعين، إنما يتكلمون كثيرا في المخالفات الواقعة عند ذلك الاجتماع لا في نفس الاجتماع، وكذلك المتحفظين، ومن ثم نمر إلى أدلتهم في الاجتماع في ذلك اليوم إذا خلا من المخالفات وأنواع البدع المكروهة والمُحرمة.
ومن أقوى الأدلة التي تمسكوا بها أيضا: أن في هذا الاحتفال مضاهاة للنصارى في الاحتفال بميلاد المسيح عليه السلام، وتشبها بهم في ذلك، وقد نُهينا عن التشبه بهم. وجوابه أن تعظيم الأنبياء ومحبتهم ليس مما نهينا عن مشابهتهم فيه، ودليله أن النبي عليه السلام لما علم بصيام اليهود يوم عاشوراء احتفاء بذلك اليوم وشكرا لله لأنه نجى موسى فيه، لم يخالفهم في الاحتفاء به وفي صيامه، بل وافقهم في تعظيمه وفي صيامه، وإنما خالفهم بأنْ زاد وبالغ في شكر الله أكثر منهم لأنه أولى بموسى منهم، فأمر بصيام التاسع والعاشر، وكذلك ينبغي علينا نحن أن نزيد أكثر منهم في الاحتفاء بنبينا عليه السلام، لأنه خير النبيئين، ولا حدَّ لذلك كما قال الإمام البوصيري رحمه الله:
دع ما ادعته النصارى في نبيهم ....واحكم بما شئت مدحا فيه واحتكم
فإن فضل رسـول الله ليس لـــه حـــد..... فيُعـــرب عــنه نــاطـق بفــم
فإن قيل إن النبي عليه السلام لم يفعل ذلك ولا حض عليه وكذلك الصحابة، وتركُهم دليل على المنع؟ فنقول إن الترك قد يكون دليلا على المنع لو أن ذلك عُرض عليهم أو اقتُرح عليهم أو قام مقتضاه وتركوه، والحق أنهم لم يتركوه، وإنما لم يفعلوه لعدم قيام المقتضى ووجود المانع. فأما عدم قيام المقتضى في زمن النبي عليه السلام، فلأن المقصد من إقامة المولد تعظيم النبي عليه السلام ومحبته والتذكير بشمائله، والصحابة كانوا معظمين للنبي عليه السلام محبين له لا يحتاجون إلى من يذكرهم بشمائله وهو يسعى بين ظهرانيهم كقرآن يمشي على الأرض، مع أنه عليه السلام نبههم إلى أنه يُعظم اليوم الذي وُلد فيه ويشكر الله عليه، لقوله في صيام الاثنين: "ذلك يوم وُلدت فيه"، فيكون تعظيم الشهر من هذا القبيل، باعتباره شهرا وُلد فيه. لذلك كانت تقام الاحتفالات بمكة في كل أيام الاثنين من شهر ربيع الأول.
وأما عدم قيام المقتضى في زمان الصحابة الكرام، فلأنهم لم يكن الناس على عهدهم يُشاركون الكفار وأهل الكتاب في أعيادهم بما ظهر بعد عصر الصحابة. وأما وجود المانع فلانشغالهم بحروب الردة ونشر الإسلام وقيام الفتنة بمقتل عثمان رضي الله عنه، وبتدوين الدواوين وجمع السنة وغير ذلك من الأولويات، وكلما حدث مقتضى شيء فعلوه. ومثال ذلك أن النبي عليه السلام لم يجمع القرآن في المصحف، فلما حدث مقتضى جمعه من مقتل القراء والحفاظ ومخافة أن يذهب كثير من القرآن بمقتلهم، تَوَجب فعل ذلك وإن لم يفعله النبي عليه السلام، فلما قالوا لعمر كما يقول المانعون اليوم: "كيف نفعل شيئا لم يفعله النبي عليه السلام"، قال: "هذا والله خير"، فلنا فيهم أسوة حسنة بإحداث أقضية لمعالجة الخلل الذي يقع أو يستجد في المجتمع الإسلامي، نحو قول عمر بن عبد العزيز: "تُحدث للناس أقضية بحسب ما أحدثوا من الفجور". فلما ظهر مُقتضى ذلك اجتهد العلماء فأفتوا بأن الاحتفال له أصل في الدين وإن لم يَفعله السلف، والعامل بمقتضى قول إمام مجتهد فليس بمبتدع في الدين كما قرره العلماء.
وأما المتحفظون الذين سردهم الشيخ الفوزان في المانعين، وهم ابن تيمية وابن الحاج رحمهم الله، فقد قال ابن تيمية[728هـ] في اقتضاء الصراط المستقيم: "فتعظيم المولد واتخاذه موسما قد يفعله بعض الناس ويكون له فيه أجر عظيم لحسن قصده وتعظيمه لرسول الله صلى الله عليه وسلم"، وهذا الأجر هو المقصود، وإن أخطأ المُفتون بالجواز، فإن المجتهد إذا أخطأ فله أجر الاجتهاد، ومتبعه مأجور إن شاء الله.
أما العلامة محمد بن عبد الله بن الحاج الفاسى القيرواني التلمساني المالكي[737هـ] فقد كره ما يُستعمل في هذه الذكرى من آلات الطرب والاختلاط فتحفظ من ذلك، ثم قال في تبرير الاحتفال بهذا الشهر والرد على المانعين: "فكان يجب أن يُزاد فيه من العبادات والخير شكرا للمولى سبحانه وتعالى على ما أولانا من هذه النعم العظيمة، وإن كان النبي عليه السلام لم يزد فيه على غيره من الشهور شيئا من العبادات، وما ذاك إلا لرحمته بأمته ورفقه بهم لأنه عليه الصلاة والسلام كان يترك العمل خشية أن يُفرض على أمته رحمة منه بهم[..] لكن أشار عليه السلام إلى فضيلة هذا الشهر العظيم بقوله للسائل الذي سأله عن صوم يوم الإثنين فقال عليه الصلاة والسلام: "ذلك يوم ولدت فيه"، فتشريف هذا اليوم متضمن لتشريف هذا الشهر الذي وُلد فيه، فينبغي أن نحترمه حق الاحترام ونفضله بما فضل الله به الأشهر الفاضلة وهذا منها، [..] فعلى هذا فينبغي إذا دخل هذا الشهر الكريم أن يُكرَّم ويعظم ويُحترم الاحترام اللائق به، وذلك بالاتباع له في كونه عليه الصلاة والسلام كان يخص الأوقات الفاضلة بزيادة فعل البر فيها وكثرة الخيرات"، ثم أجاب من يسأل لِم لم يلتزم النبي عليه السلام في هذا الشهر ما التزمه في الأوقات الفاضلة؟ قال: "فالجواب [..] إنما هو ما قد عُلم من عادته الكريمة في كونه عليه الصلاة والسلام يريد التخفيف عن أمته والرحمة لهم سيما فيما كان يخصه عليه الصلاة والسلام". (المدخل، 2/ 229-230)
فكيف يُعد ابن الحاج بعد هذا كله من المانعين من تعظيم يوم المولد والاحتفال به عند ذي صدق أو عقل؟
وأما العلماء الذين أفتوا بالجواز فإن المشهورين منهم فقط لا يُحصون كثرة، ولا يُضاهون علما، فمنهم:
1- أبو الخطاب ابن دحية الكلبي السبتي[633هـ]، ويعد كتابه "التنوير في ميلاد السراج المنير" أقدم ما يعرف من الكتب المؤلفة في المولد، ألفه لأمير إربل صهر صلاح الدين عندما رأى عنايته بالاحتفال بالمولد النبوي سنة 604هـ.
2- القاضي أبو العباس أحمد اللخمي العزفي السبتي[633هـ]، وهو أول من ندب لهذا الاحتفال بالمغرب، وألف فيه كتابه: "الدر المنظم في مولد النبي الأعظم"، وبين في مقدمته أن الذي حمله على دعاء الناس لذلك متابعة المسلمين للمسيحيين في احتفالاتهم بالأندلس وسبتة، ثم أتم كتابه وحمل لواءه في ذلك ابنه أبو القاسم محمد العزفي أمير سبتة الذي ظل يقيم هذا الاحتفال إلى وفاته سنة 677هـ، وهو الذي أشار على الخليفة الموحدي عمر المرتضى بإقامته بمراكش أيضا، وكان ابنه أبو طالب عبد الله العزفي هو الذي حدا بالمرينيين أيضا لإقامته بفاس.
3- الحافظ شهاب الدين عبد الرحمن الشافعي: أبو شامة المقدسي[665هـ] المعروف بشيخ الإمام النووي قال: "ومن أحسن ما ابتدع في زماننا هذا ما يُفعل كل عام في اليوم الموافق ليوم مولد الرسول صلى الله عليه وسلم من المعروف والصدقات وإظهار الفرح والسرور، فإن ذلك مع ما فيه من الإحسان للفقراء يُشعر بمحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيمه في قلب فاعل ذلك". (الباعث على إنكار البدع والحوادث، ص: 36).
4- الإمام تقي الدين السبكي [664هـ]: ذكر نور الدين الحلبي[1014هـ] في سيرته أن الإمام شيخ الإسلام تقي الدين السبكي رئيس علماء الشافعية بمصر اجتمع عنده في مجلسه كثير من علماء عصره فأنشد الشاعر الصرصري قوله في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم:
قــليل لمدح المصطفى الخط بالذهبْ .....عــلى ورق مـــن خــط أحــسن مــن كــتب
وأن تنهض الأشراف عند سماعـــــــــــه .......قياما على الأقدام أو جثيا على الركب
فقام الإمام السبكي و قام معه كل من كان بالمجلس وحصل أنس كثير من ذلك المجلس، قال المؤلف "وعمل المولد واجتماع الناس له كذلك مستحسن". (السيرة الحلبية، 1/128).
5- الشيخ محمد بن عباد أبو عبد الله الرندي [730هـ]: سئل هذا العارف بالله عما يقع في المولد النبوي من إيقاد الشموع و غيرها فأجاب: "الذي يظهر أنه عيد من أعياد المسلمين وموسم من مواسمهم" .(الونشريسي: المعيار المعرب، 11/278).
وقد استند العارف بالله محمد بن عباد المذكور في رسائله الكبرى إلى قصة المرأة التي نذرت أن تضرب بالدف على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدم سالما من الغزو فاستشف منها جواز الاحتفال بمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة بعد أن استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في الوفاء بنذرها حينما رجع سالما فأذن لها و فعلت ما نذرته. والحديث أخرجه الإمام البخاري في الصحيح ووجه الاستدلال به إباحته عليه السلام للمرأة التي نذرت أن تحتفل بالضرب بالدف على رأسه إن رده الله سالما أن تنفذ نذرها بقوله: "إن كنتِ نذرت وإلا فلا"، وقوله عليه السلام في حديث آخر: "من نذر أن يطيع الله فليُطعه، ومن نذر أن يعصه فلا يعصه"، وموطن الشاهد منهما أن نذر المرأة الاحتفال فرحا بسلامته عليه السلام لو كان نذر معصية لما أباح لها الوفاء به، فلم يبق إلا أنه نذر طاعة أو مباح على أقل تقدير، فيكون الفرح بمولده عليه السلام قياسا على هذا إما طاعة وقربة أو مباحا على أقل تقدير، والمباح يحوِّله قصد التقرب إلى طاعة كما هو منصوص في محله من كتب الأصول.صولأأ
6- الحافظ ابن حجر العسقلاني[852هـ] خاتمة الحفاظ وأمير المؤمنين في الحديث: وقد استنبط تخريج جواز عمل المولد من حديث ثابت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه "قدم المدينة فوجد اليهود يصومون عاشوراء فسألهم فقالوا هو يوم أغرق الله فيه فرعون و نجى فيه موسى فنحن نصومه شكرا لله، فقال صلى الله عليه وسلم نحن أولى بموسى منكم"، قال الحافظ: "فيستفاد منه فعل الشكر لله على ما مَنَّ به في يوم معين من إسداء نعمة أو دفع نقمة، ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة، والشكر لله يحصل بأنواع العبادة كالسجود والصيام والصدقة والتلاوة، وأي نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبي نبي الرحمة في ذلك اليوم، وعلى هذا فينبغي أن يُتحرى اليوم بعينه حتى يطابق قصة موسى في يوم عاشوراء، [...] وأما ما يُعمل فيه، فينبغي أن يُقتصر فيه على ما يُفهِم الشكر لله تعالى من نحو ما تقدم ذكرُه من التلاوة والإطعام والصدقة وإنشاد شيء من المدائح النبوية والزهدية المحركة للقلوب إلى فعل الخير والعمل للآخرة. وأما ما يتبع ذلك من السماع واللهو وغير ذلك فينبغي أن يقال: ما كان من ذلك مباحًا بحيث يقتضي السرور بذلك اليوم لا بأس بإلحاقه به، وما كان حراما أو مكروهًا فيُمنع، وكذا ما كان خلاف الأولى. (الإمام السيوطي، حسن المقصد في عمل المولد، ص: 18 ).
7- الحافظ شمس الدين السخاوي[876 هـ]: وهو من المعروفين بالتشدد في مجال البدع قال: "إن عمل المولد أُحدث بعد القرون الثلاثة الأولى ثم لازال أهل الإسلام بسائر الأقطار يعملونه و يتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات و يعتنون بقراءة مولده الكريم و يظهر عليهم من بركاته كل فضل عظيم". (السيرة الحلبية، 1/128).
8- الإمام الحافظ جلال الدين السيوطي[911هـ]: وقد ألف فيه رسالته الماتعة "حسن المقصد في عمل المولد"، وضمنه أقوال العلماء المُجيزين للاحتفال بهذه الذكرى وأنه موافق لهم، وبين ثناء العلماء على أول من أحدث ذلك وهو الملك المظفر صاحب إربل أبو سعيد كوكبرى بن زين الدين علي بن بكتكين [630هـ]، أحد الملوك الأمجاد والكبراء الأجواد، وممن أثنى عليه بذلك: ابن كثير في تاريخه، وسبط ابن الجوزي في مرآة الزمان، وابن خلكان في وفيات الأعيان وغيرهم.
9- الإمام القسطلاني[922هـ]: ما أثبته الإمام القسطلاني في شرحه على صحيح البخاري من جواز الاحتفال بالمولد النبوي بما هو مشروع لا منكر فيه، واستشف هذا الجواز من حديث البخاري في باب الجنائز من كون أبى بكر الصديق تمنى الموت في هذا اليوم لكونه اليوم الذي ولد فيه الرسول صلى الله عليه وسلم ورجح أنه فيه توفي فعلا. (إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري، 2/475)
10- الشيخ أحمد بن زيني دحلان: مفتي الشافعية بمكة [1066هـ]، قال:"العادة أن الناس إذا سمعوا ذكرى وضعه صلى الله عليه وسلم يقومون تعظيما له صلى الله عليه وسلم، وهذا قيام مستحب لما فيه من تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم، و قد فعل ذلك كثير من علماء الأمة الذين نقتدي بهم. (السيرة الحلبية، 1/92).
11- الدكتور أحمد الشرباصي مفتي الأزهر في عصره: حيث قال في جواب لمن سأله عن بدعية المولد: "ورغم أن هذا العمل بدعة فهو عادة حسنة إذا خلا من المناكر ولم يصاحبه أمر غير مشروع، لأن حياة الرسول صلى الله عليه وسلم فيها من العبر و العظات ما يحيي موات النفوس و يأخذ بها إلى طريق الخير و البر...ثم قال: و لو أننا أخذنا بالنظرية التي تقول لا نحتفل بالمولد لأن ذلك ليس من الدين لقضينا على ذكريات كثيرة نجني من تذكرها و الاحتفال بها خيرا كثيرا و توعية إسلامية كبرى.
هذه إذا بعض فتاوى علماء الإسلام على مر العصور في ندب أو إباحة الاحتفال بالمولد. وأقل ما يقال باعتبار مخالفة عدد قليل من علماء الإسلام لهذه الفتاوى أن المسألة خلافية فيتسع للمقلد أن يتبع أحد القولين، ومعلوم أن المتبع لفتوى إمام مجتهد ليس بمبتدع إطلاقا، كما أن المسائل الخلافية التي تَحتاج إلى حسم تُرفع من لدن العلماء لأمراء المسلمين ليختاروا أحد الأقوال، وبعد ذلك لا يجوز عند السلف مخالفة اختيار الأئمة درءا للفتنة ولمًّا لشمل المسلمين.
من ذلك ما أخرجه الطبري في تاريخ الملوك والأمم أن عثمان بن عفان رضي الله عنه حين حج بالناس بعد صدر من خلافته أتم الصلاة بهم في منى، فلاحظ الناس عليه ذلك، وكان أن لقي عبدُ الله بن مسعود عبدَ الرحمن بن عوف، فسأله عبدُ الله عن ذلك وقال: "ما أصنع؟ فقال عبد الرحمن: "اعملْ أنت بما تعلم"، فقال ابن مسعود رضي الله عنه: "الخلاف شر"، يقصد مخالفة الإمام، قال: "قد بلغني أنه صلى أربعا فصليت بأصحابي أربعا"، فقال عبد الرحمن: "قد بلغني أنه صلى أربعا فصليت بأصحابي ركعتين، وأما الآن فسوف يكون الذي تقول" (الإمام الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ص: 5/57)، فانظر رحمك الله كيف لم يستجز الصحابة مخالفة الإمام في مسألة منصوصة لهم دليل من السنة عليها، فكيف تصح المخالفة في مسألة اجتهادية وافق اختيار الإمام فيها الراجح من قول جمهور العلماء. لذلك كان التشنيع بالتضليل والتبديع دون مراعاة الخلاف في هذه المسألة وفي غيرها ليس من دأب أهل الحكمة والنظر والفقه في شيء، ولذلك ندعو جمهور الأمة إلى التوحد، والالتزام بأدب الخلاف وترك التنابز والتشنيع في هذه المسائل الخلافية.
الشبهة الخامسة :
قالوا : صح ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال (من أحدث في أمرنا هذا ماليس منه فهو رد). والمولد ليس من الدين فهو مردود على صاحبه .
والجواب والله الموفق للصواب :
1- هذا الحديث إنما سيق في حق من احدث قوانين وأنظمة جائرة , ولهذا لم يورده البخاري في باب الاعتصام بالكتاب والسنة , وإنما اورده في باب آخر ,وهو باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود , وأورد حديث العسيف ثم حديث من احدث في امرنا هذا ماليس منه فهو رد, ومسلم بتبويب النووي في كتاب الأقضية .
2- والحديث يتضمن النهي عن المحدثات التي ليست من الدين .
3- حيث انه قال (ماليس منه) ولم يقل (ماليس فيه ) مثل ان تقول :زيد ليس منا يعني انه يخالفنا , ولكن لو قلت :زيد ليس فينا , يعني انه ليس موجود ولكنه منا,
4- قالمحدثات قسمان :
الاول : محدثات ليست من الدين وهي البدع المذمومة مثل تكاليف النكاح المبالغ فيها او اقامة مآتم للعزاء ولطم الخدود ونحوها .
الثاني : محدثات ليست في الدين يعني ليست موجودة بعينها في الوحي ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كقضية جزئية ,ولكنها من الدين كونها معقولة المعنى , وترجع الى اصول عامة كلية حث عليها الدين , كطريقة جمع القراءات القرآنية فإنها بدعة ومحدثة ولكنها حسنة لما فيها من المصالح , وهذا معنى قول عمر رضي الله عنه لما جمع الناس على امام واحد في التراويح حيث قال (نعمة البدعة هذه ) يعني المحدثات التي ليست في الدين اي ليست منصوصا عليها ولكنها من الدين باعتبار مافيها من مصلحة جمع كلمة المسلمين وتتفق مع قواعد الشريعة وطرق الاستدلال عندج الأئمة المجتهدين .
ومنه قول سعيد بن طارق الأشجعي قلت : يا ابت إنك صليت خلف رسول الله وابي بكر وعثمان وعلي أفكانوا يقنتون في الفجر ؟ قال : أي بني محدث).
فسعيد سأل عن شئ حاصل موجود وهو قنوت الصبح , قأجاب بأنه محدث يعني لم تكن المداومة على قنوت الفجر ايام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم , ولكن المداومة احدثت كما احدث عثمان رضي الله عنه الأذان الأول للجمعة , فقوله اي بني محدث يعني على سبيل الإقرار وليس على سبيل الإنكار .
والاحتفاء بمولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم , ليس في الدين ولكنه من الدين لأن مصالحه معقولة المعنى ففيه تذكير برسول الله صلوات الله عليه وإذكاء محبته في القلوب , وكل امة تفتخر بعظمائها وتتغنى بهم , فرسول الله احق من يفتخر به وفي رفعه لذكره (ورفعنا لك ذكرك) وفيه جمع الناس على ذكر الله ومحبة نبيه عليه السلام , وفيه اطعام الطعام وادخال السرور على قلوب المومنين وغير ذلك من المصالح التي هي حسنة جميلة من الدين .
فتبين من ذلك ان المولد لاينطبق عليه الحديث (من احدث في امرنا هذا ماليس منه فهو رد) لأن المولد ليس في الدين أي ليس ضمن قضايا جزئية اوحى الله بها الى نبيه صراحة ونصا-تنزلا على قول من يقول ليس هنالك دليل- وإنما هو من الدين من حيث الأصول والمقاصد العامة الكلية للدين .والله أعلم

الأربعاء، 29 نوفمبر 2017

لمصلحة من تحاربون ذكرى مولد النبي عليه صلاة وسلام - فديو

أقوال وحجج المعارضين للاحتفال بالمولد النبوى الشريف

أقوال وحجج المعارضين للاحتفال بالمولد النبوى الشريف

درج العلماء من اتباع الوهابية وتابعيهم السلفيين على انكار الاحتفال بالمولد النبوى الشريف ، وليس رأيهم أن الاحتفال يعد خلاف الأولى أو خطأ يسيرا ، لكن باعتباره بدعة .. ضلالة ..فى النار .. وهو حرام ويؤدى الى الشرك الأكبر المخرج من الملة ... ولا يجوز المشاركة فيه ولا الاعانة عليه .... حتى إن اكل الحلوى وبيعها وتصنيعها وإهدائها حرام فى شهر ربيع الأول .
وهكذا وبسهولة يصل بهم الحال الى تضليل أئمة أهل السنة والجماعة من الحفاظ والفقهاء والمفسرين على مدى ألف عام ، ولا يدرون أنهم بهذا يهدمون الدين ، فإن هذا الدين لم يصل الى القرن الخامس عشر الهجرى إلا عن طريق هؤلاء العلماء .
فإن كان الحافظ ابن حجر العسقلانى او الحافظ السيوطى أو الحافظ السخاوى أو الحافظ النووى أو الحافظ الدمشقى أو شيخ الحفاظ العراقى أو الحافظ ملا على قارى أو الحافظ ابن كثير أو الامام الحافظ ابن الجزرى أو الحافظ العسقلانى أو العالم الحافظ ابن الديبغ ........ الخ
ان كان هؤلاء على ضلالة ومبتدعون وعقيدتهم خرقاء ، فإن هذا قدح فى الإسلام نفسه حيث أن فيه إثبات للمبطلين أن الإسلام الذى بين أيدينا ليس هو الإسلام الصحيح مادام من نقلوه ضالون مبتدعون مضلون .
وفى هذه الورقة نعرض لأهم حجج وأدلة المعترضين ، وستجد عزيزى القارىء أنها لاتثبت أمام النقد وهى أدلة قد أخذ صاحبها قرارا بالحكم اولا ثم بدأ يلوى نصوصا وأدلة لإثباته .
فأقول وبالله التوفيق :
1- اول سند لهم حديث النبى صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم " من أحدث فى أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " وحديث " إياكم ومحدثات الأمور فكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة فى النار " فيقولون ان لفظة "كل" هنا تشمل العموم
وهم بهذا يجعلون علماء الأمة بل والصحابة أصحاب بدع وعلى رأسهم الخليفة عمر بن الخطاب
- فالقرآن لم يجمعه رسول الله وإنما جمع فى عهد أبو بكر الصديق
- نقل مقام ابراهيم من موضعه (ملاصقا للكعبة) الى مكان آخر حيث أبعده عمر بن الخطاب .
صلاة التراويح فى جماعة – فكرة بناء المراحيض والميضأة بالمسجد – زيادة الأذان الأول يوم الجمعة – زيادة ورحمة الله وبركاته فى التشهد بعد السلام عليك أيها النبى – وحديثا : ختم القرآن ليلة 27 من رمضان فى الحرم وغيرها من المحدثات
كل هؤلاء وغيرهم ابتدعوا أشياء رأوها حسنة ولم تكن فى عهد رسول الله ولم ياذن بها او يقرها النبى صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بل إنها من ضمن العبادات .
فهل هؤلاء من اهل الضلال والبدع المنكرة !!!
2- يقولون لايوجد فى الدين شىء اسمه بدعة حسنة :
وهذا لايقوله إلا من يريد التفريق بين المسلمين وإشعال نار الفتن بينهم ،،،
- يقول الحافظ الإمام النووى فى قول النبى صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم :"كل بدعة ضلالة " هذا عام مخصوص ، والمراد غالب البدع ، والبدعة مالم يكن فى عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وهى منقسمة الى حسنة وقبيحة (يقول هذا فى شرحه لصحيح مسلم )
- ويقول أمير المؤمنين فى الحديث الحافظ شيخ الإسلام ابن حجر العسقلانى شارح صحيح البخارى :"وكل مالم يكن فى زمنه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم يسمى بدعة ، لكن منها مايكون حسن ومنها مايكون خلاف ذلك "
- والامام الشافعى يقول : البدعة بدعتان : بدعة محمودة وبدعة مذمومة ، فما وافق السنة فهو محمود وما خالف السنة فهو مذموم
- وقال سلطان العلماء العز بن عبد السلام : البدعة منقسمة الى واجبة ومحرمة ومندوبة ومكروهة ومباحة ، وذلك بعرضها على قواعد الشريعة ، فإن دخلت فى قواعد الإيجاب فهى واجبة وان دخلت فى قواعد التحريم فهى محرمة ...... الخ
3- يقولون ان الدولة الفاطمية العبيدية الشيعية التى حكمت مصر 357-567هجرية هم أول من أحدث المولد النبوى وهذا وهم ، فالحافظ ابن كثير يقول فى البداية والنهاية أن الملك المظفر أبو سعيد كوكبرى أحد الملوك الأمجاد له آثار حسنة وكان يعمل المولد الشريف فى ربيع الأول ويحتفل به احتفالا هائلا ....الخ ما قال .
4- يقولون إن النبى صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم لم يحتفل بمولده والصحابة لم يحتفلوا بمولد النبى ولو كان الاحتفال بمولده مشروع أو ذو فائدة لاحتفل به النبى والصحابة ، وحين نحتفل به نحن فإننا نتهمهم بأنهم كتموا عنا شيئا ولم يدلونا عليه .
وهذا كلام المجادلين بالباطل :
فكون شىء لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ليس معناه أنه حرام ، ولا يشك عاقل فى فرح الصحابة به صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ولا فرح التابعين بمن رأوه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ، لكن الفرح به يأخذ أساليب وأشكالا مختلفة حسب الشخص وحسب العصر والعادات والسلوكيات ، ولا حرج فى الأساليب والمظاهر ، فالفرح به صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم عبادة لكن التعبير عن هذا الفرح وسيلة يباح فيها كل المباحات ولكل وجهة هو موليها ، فمن يفرح ويعبر عن فرحه بتلاوة الكتاب الذى نزل عليه ومن يفرح بمدحه ومن يفرح بإطعام الطعام ومن يفرح ببذل المال ومن يفرح بتأليف كتاب ومن يفرح بمدارسة سيرته بل إن العباس فرح بالرقص أمامه حين قال له : أشبهت خلقى وخلقى .
فالفرح به من الأمور الأساسية فى الدين ، بل إن الفرح بمولده على الخصوص يخفف العذاب عن أبى لهب وهو من أشد الناس كفرا وذلك لأنه فرح بمولده وأعتق جاريته ثويبية كما جاء فى صحيح البخارى

الاثنين، 27 نوفمبر 2017

اشارات في القرآن والسنة حول یوم المولد ..

(( خواطر حول المولد النبوي )) :

# اشارات في القرآن والسنة حول یوم المولد :
یوم مولد النبي من اسعد ايام الدنيا ومن شعائر الله، قال تعالی: {ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ} ،وهو من ایام الله، واكبر نعمه علی البشریة، قال تعالی: (..وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ ۚ ..)، ولٲهمیته ولادة النبي، وحیاته فقد اقسم الله بعمره، فقال تعالی ـ { لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُون َ} ، وقد سئل النبي عن سبب صومه لیوم الاثنین فقال: ( ذاك يوم ولدت فیه ) صحیح مسلم. وهناك آثار اخری تركتها للاختصار .
# بعض الناس ينكرون ٳحياء المولد الشریف، ويعتبرونا من اعظم البدع، ویحاربون من یفعلونها بشدة وقسوة لو حاربوا بها اليهود والظالمین والعلمانیین، لتحررت الامة الاسلامیة وانتصرت وعلت..!!!

# احياء المولد لابٲس به، بل وقد یكو سنة حسنة يؤجر فاعلها ،لحدیث : ( مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا.. ) صحیح مسلم . ولكن البٲس في كیفیة الٳحیاء.. فٳن احیاءها بالاحتفالات، وازعاج الناس ،والغناء،والشركیات،.. فهذا لاشك انه منكــر..
اما ٳحیاءها في المساجد، بالقاء المحاضرات ، والٲشعار علی الناس، حول اخلاق المصطفی، وسیرته العطرة.. او بالتصدق علی الفقراء والمساكین، فهذا وامثاله فعل مبـاح وسنة حسنة ..
# لمن یقولون ان الاحتفال بالمولد النبوي مشابهة وتقلید لما یفعل النصاری في ذكری مولد المسیح علیه السلام .. نقول لو احتفل المسلمون مثلهم باطلاق الٲلعاب الناریة، وشرب الخمور ، والاختلاط الماجـن..فهذا حرام وتقلید ،وهذا لایفعله المسلمون، فاتقوا الله ولاتشبهوهم بالكفــار .!!
# ولمن یقولون هذا لم يفعله النبي والصحابة اذا فهي بدعة.. نقول كثير من الامور مافعلوه ،كاستحداث المذاهب، واسم السلفیة، وتنقیط القرآن، وتقسیم التوحید لربوبية وٲلوهیة وٲسماء وصفات، ومسٲلة ولایة العهد للملوك، وتصویر الصلوات والخطب ونشرها، والانتخابات ،و.. فلماذا لا تنكـرون هذه الامور وتنكرون المولد..!!
ٲلیس هذا تطففــا، وظلمــا، وتناقضـاً..؟!!
# واخیرا نقول ،اتقـوا الله ،وكونوا رحماء بالمسلمین، وبٲمتكم الاسلامیة، كفانا تفرقا وتشرذما وتحاربا، فقد ٲكل اعداءنا رطبنا ويابسنا، واستغل ضعفنا وتفرقنا، واشتغلوا علی اشعال الفتن بیننا في مسائل يتحمل الخلاف، ولایستوجب التفــرق والنزاع، ونجحوا في ذلك مع الٲسف لجهلنا وغفلتنا ..!!

حكم الاحتفال بذكرى المولد النبوي

حكم الاحتفال بذكرى المولد النبوي 


أولا: أدلة القائلين ببدعية الاحتفال بذكرى المولد النبوي
ثانيا: ردود مجيزي الاحتفال بالمولد النبوي وأدلتهم
خلاصة 
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه
انقسم العلماء في الاحتفال بالمولد النبوي الشريف إلى فريقين متعارضين، الأول يقول ببدعيته، والثاني يحكم أن هذا الاحتفال مباح، ومأجور مقيمه. ولكل من الفريقين دفوعات وأدلة يستند إليها.
أولا: أدلة القائلين ببدعية الاحتفال بذكرى المولد النبوي
أفتى ثلة من أجلة العلماء بعدم جواز الاحتفال بالمولد النبوي، من جملتهم شيخ الإسلام ابن تيمية، والإمام الشاطبي، وابن الحاج المالكي، والشيخ ابن باز، وغيرهم من الأئمة رحمهم الله. ويستندون في ذلك الحكم إلى مجموعة من الأدلة نجملها في النقاط التالية:

1- أن الاحتفال بالمولد لا أصل له في الكتاب والسنة، ولم يقمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة ولا أحد في القرون الثلاثة الفاضلة. قال العلامة الفاكهاني: "ولا أعلم لهذا المولد أصلاً في كتاب ولا سنة" [1]. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إنّ هذا لم يفعله السلف مع قيام المقتضي له، وعدم المانع منه، ولو كان هذا خيراً محضاً أو راجحاً لكان السلف ـ رضي الله عنهم ـ أحقّ به منّا، فإنّهم كانوا أشدّ محبّة لرسول الله (صلّى الله عليه وسلم) وتعظيماً له منّا، وهم على الخير أحرص" [2].
2- ويتفرع عن الدليل الأول حجة المانعين الثانية القائلين فيها أن المولد بدعة محدثة، قال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله: "لا يجوز الاحتفال بمولد الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ولا غيره؛ لأن ذلك من البدع المحدثة في الدين؛ لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يفعله، ولا خلفاؤه الراشدون، ولا غيرهم من الصحابة- رضوان الله على الجميع- ولا التابعون لهم بإحسان في القرون المفضلة، وهم أعلم الناس بالسنة، وأكمل حباً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومتابعة لشرعه ممن بعدهم" [3].
3- أن إقامة المولد تشبه بدين النصارى، الذين يحتفلون بعيد ميلاد المسيح عليه السلام، وقد نهينا عن التشبه بهم، كما قال صلى الله عليه وسلم: "ومن تشبه بقوم فهو منهم" [4].
4- أن الفرح بهذا وإظهار السرور، فيه قدح في محبة العبد لنبيه الكريم صلى الله عليه وسلم، إذ هذا اليوم باتفاق هو اليوم الذي توفي فيه النبي صلى الله عليه وسلم فكيف يفرح فيه. ويقول ابن الحاج: "ثم العجب العجيب كيف يعملون المولد للمغاني والفرح والسرور لأجل مولده عليه الصلاة والسلام كما تقدم في هذا الشهر الكريم وهو عليه الصلاة والسلام فيه انتقل إلى كرامة ربه عز وجل وفجعت الأمة فيه وأصيبت بمصاب عظيم لا يعدل ذلك غيرها من المصائب أبداً فعلى هذا كان يتعين البكاء والحزن الكثير وانفراد كل إنسان بنفسه لما أصيب به" [5].
5- اشتمال هذه الموالد على كثير من الكبائر وعظائم الأمور والتي يجد فيها أصحاب الشهوات بغيتهم مثل: الطرب والغناء الماجنين واختلاط الرجال بالنساء، وتناول المحرمات. قال العلامة سيدي محمد البناني في معرض حديثه عن إبطال الإيصاء بالمعصية: "أَوْ يُوصِيَ بِإِقَامَةِ مَوْلِدٍ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَقَعُ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ مِنْ اخْتِلَاطِ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ وَالنَّظَرِ لِلْمُحَرَّمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْمُنْكَرِ" [6].
6- تخصيص المولد بيوم للاحتفال به بدعة، يقول صالح الفوزان: "إن عموم الدليل يقتضي أن تكون جميع الأيام بالنسبة للاحتفال سواسية، فتخصيص يوم واحد في جميع البلاد بالاحتفال بدعة، وإن لم يكن أصل العمل بدعة" [7].
7- أن الاحتفال بالمولد هو من الغلو في الدين، إذ يرفع بعض المحتفلون رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مرتبة الألوهية[8].
8- أن العبادات مبنية على التوقيف من الشارع، ولا مجال فيها للاجتهاد.
===============================
ثانيا: ردود مجيزي الاحتفال بالمولد النبوي وأدلتهم
أجاز جمهور من أكابر العلماء الاحتفال بذكرى المولد النبوي، ومن بينهم شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني، والحافظ السيوطي، والحافظ السخاوي، وابن عاشر المالكي، وابن مرزوق، والشيخ سعيد حوى، والشيخ يوسف القرضاوي، وغيرهم من علماء الأمة. ويجيبون على أدلة المانعين بما يلي:

1- ترك النبي لا يدل على التحريم؛ فإنه من المعلوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفعل جميع المندوبات والمباحات، لذلك تحريم كل ما تركه لا يعد مقبولا وسائغا، حيث لا يحق لأحد أن يحرم على نفسه أو على غيره "إلا بدليل صحيح واضح، وإلا فهو معتد ومبتدع ومتنطع" [9] وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه" يؤيد هذا، إذ لم يقل: وإذا تركت شيئا فاتركوه، وهذا دليل على أن ما تركه النبي ولم يفعله يبقى على أصله؛ وهو الإباحة؛ ولو قلنا بحرمة كل متروكات النبي لضيقنا دائرة الإباحة ووسعنا دائرة التحريم، وهذا عين المشقة ورأس الحرج الذي نفاهما الله عن هذا الدين القائم على التيسير.
ولذلك يقول المستشار فيصل مولوي: "إن ذلك (أي الاحتفال بالمولد النبوي) جائز شرعاً ولو لم يكن له أصل بمعنى أنّه لم يحتفل به الصحابة والتابعون ولا تابعو التابعين من أهل الفقه في الدين وهم خير القرون" [10].
2- ولا يصح الاستدلال بعدم احتفال الصحابة رضي الله عنهم بالمولد النبوي على عدم جواز ذلك، لأنهم رضي الله عنهم عاشوا تلك الأحداث بالفعل كما يقول الدكتور يوسف القرضاوي: "وكانوا يحيون مع الرسول صلى الله عليه وسلم، كان الرسول صلى الله عليه وسلم حياً في ضمائرهم، لم يغب عن وعيهم، كان سعد بن أبي وقاص يقول: كنا نروي أبناءنا مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم كما نحفِّظهم السورة من القرآن، بأن يحكوا للأولاد ماذا حدث في غزوة بدر وفي غزوة أحد، وفي غزوة الخندق وفي غزوة خيبر، فكانوا يحكون لهم ماذا حدث في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يكونوا إذن في حاجة إلى تذكّر هذه الأشياء" [11].
وترك السلف (في القرون الثلاثة الفاضلة) لم يكن مقترناً بتحريم الاحتفال أو كراهيّته فغاية ما هناك أنّهم لم يفعلوا، وقد أمر الله بما في هذه الآية: وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ [12]. ولم يقل في حق النبي: (وما تركه فانتهوا عنه) فكيف الحال في حقّ السلف؟!
3- أما الزعم أنها بدعة محدثة وضلالة، فالعلم قائم أن البدعة هو إحداث أمر في الدين لا أصل له في الشرع، أو التعبد لله بغير الطريقة النبوية. وليس في إقامة المولد شيء من هذا، قال الحافظ السيوطي: "هو من البدع الحسنة التي يثاب عليها صاحبها لما فيه من تعظيم قدر النبي صلى الله عليه وسلم وإظهار الفرح والاستبشار بمولده الشريف" . والصحيح أن تسمى سنة حسنة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء" [13]. ولقد سن الصحابة والخلفاء الراشدون من الأعمال ما لا خلاف حولها كصلاة تراويح رمضان، وكذاك الصحابي الذي يروي الحديث خبره: فقد أخرج البخاري رضي الله عنه في صحيحه عن رفاعة بن رافع الزرقي قال: "كنا يوما نصلي وراء النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رفع رأسه من الركعة قال: سمع الله لمن حمده قال رجل وراءه: ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، فلما انصرف قال: من المتكلم أي ِأنّ النبيّ لما انتهى من صلاته سأل من المتكلم من الذي قال حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه فقال المتكلم أنا، قال صلى الله عليه وسلم: رأيت بضعة وثلاثين ملكًا يبتدرونَها أيهم يكتبها أول" . ومن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ" . وفي لفظ آخر: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ" . نفهم من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما ليس منه" أن المحدث إنما يكون ردًا أي مردودًا إذا كان على خلاف الشريعة، وأن المحدث الموافق للشريعة ليس مردودًا.
4- ثم "إنّ هذا الاحتفال ليس نوعا من العبادات التي يشرّعها الله، ولكنّه من أنواع العادات والأعراف التي يخترعها النّاس، ثمّ يأتي الشّرع بإباحتها إذا لم يكن فيها حرام، أو بمنعها إذا اشتملت على محرّمات. وبما أن ذكرى المولد في الأصل تذكير بسيرة الرّسول (صلَى الله عليه وسلَم) وأخلاقه فهي مباحة وفيها من الأجر إن شاء الله ما لا يخفى" [14].
5- أما القول بأن هذه الاحتفالات هي نوع من عبادة الأشخاص، كقول محمد حامد الفقي: "والمواليد والذكريات التي ملأت البلاد باسم الأولياء هي نوع من العبادة لهم وتعظيمهم" [15]، فمردود لأن العنصر المقوّم لصدق العبادة على العمل هو الاعتقاد بألوهية المعظّم له أو ربوبيّته، أو كونه مالك لمصير المعظّم المحتفل، وأن بيده عاجله وآجله، ومنافعه ومضارّه ولا أقل بيده مفاتيح المغفرة والشفاعة.
وأمّا إذا خلا التعظيم عن هذه العناصر، واحتفل بذكرى رجل ضحّى بنفسه ونفيسه في طريق هداية المحتفلين، فلا يعدّ ذلك عبادة له، وإن أقيمت له عشرات الاحتفالات، وألقيت فيها القصائد والخطب. ومن المعلوم أن المحتفلين المسلمين يعتقدون أن النبي الكريم عبد الله ورسوله، فلأجل تكريمه يقيمون الاحتفال أداءً لشكر النعمة.
6- أما القول في أن في الاحتفال تشبه بالنصارى فهو ظني يقول ابن تيمية: "وكذلك ما يحدثه بعض الناس إمّا مضاهاة للنصارى في ميلاد المسيح (عليه السلام)، وإمّا محبّة للنبي وتعظيماً له والله لقد يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد لا على البدع" [16] نلاحظ أن شيخ الإسلام غير متأكد من أن الناس يقلدون النصارى بإحيائهم المولد، وذكر أنهم مثابون على المحبة والاجتهاد، لأن الأساس الذي ينبني عليه عمل المسلم هو الكتاب والسنة وحكم الشريعة، فلا تكون المضاهاة مانعة عن إتباع الكتاب والسنّة، وإن افترضنا أن أول من احتفل، احتفل تقليدا للنصارى إلا أن المحتفلين في هذه القرون براء من هذه التهمة.
7- أما تخصيص يوم بالاحتفال، يكون بدعة إذا اعتقد المحتفل وادّعى ورود الشرع به، أو حثّه على هذا التخصيص، فإن غاب هذا الاعتقاد انتفى الحكم ببدعية الاحتفال، ومعلوم أن جميع مجيزي الاحتفال بالمولد متفقون على جوازه في سائر الأيام. يقول سعيد حوى: "إن أصل الاجتماع على صفحة من السيرة أو على قصيدة في مدح رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ جائز ونرجو أن يكون أهله مأجورين، فأن يخصص للسيرة شهر يتحدث عنها فيه بلغة الشعر والحب فلا حرج. ألا ترى لو أن مدرسة فيها طلاب خصصت لكل نوع من أنواع الثقافة شهرا بعينه فهل هي آثمة، ما نظن أن الأمر يخرج عن ذلك" [17].
8- وقول ابن الحاج وغيره أن "هذه الاحتفالات مشتملة على أمور محرّمة في الغالب، كاختلاط النساء بالرجال" . لا يبيح تعميم الحكم على الاحتفالات البريئة من هذه المنكرات، ويذكر صاحب المعيار فتوى لابن عباد يقول فيها: "قال بعض الفضلاء: ...وما أنكر من أنكر ما يقع في هذا الزمان من الاجتماع (لإقامة المولد) في المكاتب للأطفال، إلا خيفة المناكر، واختلاط النساء والرجال، فأما إذا أمن ذلك، فلا شك في حسن ما يفعل من الاجتماع وذكر محاسنه، والصلاة عليه صلى الله عليه وسلم في سائر البقاع،... ولا يجوز تعظيم نبي الله تعالى إلا بما يرضيه ويرضي الله تعالى" [18].
9- ومن أدلة الإباحة القول بانعقاد الإجماع على جواز الاحتفال بالمولد النبوي، حيث أن أول إحياء للمولد كان في القرن الرابع، ولم يعترض أحد من العلماء حتى القرن السابع، وجاءت الأخبار بحضور جم غفير من الفقهاء إلى هذه الاحتفالات، ذكر ابن خلكان طرفاً من وصف الاحتفال بالمولد. فقال: "إن أهل البلاد كانوا سمعوا بحسن اعتقاده فيه (أي اعتقاد ملك إربل في المولد) فكان في كل سنة يصل إليه من البلاد القريبة من اربل مثل بغداد، والموصل، والجزيرة، وسنجار، ونصيبين، وبلاد العجم، وتلك النواحي، خلق كثير من الفقهاء، والصوفية، والوعاظ، والقراء، والشعراء" [19].
10- واستدل أيضا بأدلة عامة أخرى كثيرة منها ما في صحيح مسلم حين سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيام الاثنين فقال: "ذاك يوم ولدت فيه" . وما ذكره السيوطي فيما رواه البيهقي عن أنس من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عق عن نفسه بعد النبوة. وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي على نفسه، كل ذلك شكرانا لنعمة النبوة.
خلاصة
بعد عرض أدلة الفريقين يتبين أن ليس هناك دليل خاص يمنع من الاحتفال بالمولد النبوي، وأن جميع الأدلة العامة التي يقدمها المعارضون مردود عليها، ونخلص إلى القول بأنه: إذا خلا الاجتماع على إقامة المولد النبوي من المنكرات، فلا حرج فيه. بل فيه من الفوائد الكثيرة والجليلة ما يجعل مقيميه ممن يحيون ما أميت من سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وذلك بذكر مناقبه صلى الله عليه وسلم وشمائله، ومدحه والصلاة عليه، وإظهار شكر هذه النعمة العظيمة، وهذه الرحمة المسداة. فلا حرج إذن في أن يعتمد شهر المولد كشهر تهيج فيه عواطف المحبة نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا حرج في أن يعتمد شهر المولد كشهر يكثر فيه الحديث عن شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الأحد، 19 نوفمبر 2017

الرد على من يدعي بدعية المولد النبوي - #_لمحمد_ﷺ_أنتمي

الرد على من يدعي بدعية المولد النبوي هداهم الله وثبتنا على صراطه المستقيم وجعلنا ممن ينشر دينه ويدعو اليه:
ما كان المسلمون الأولون في القرون الثلاثة الأولى يفكرون في تعيين زمن خاص يذكّرون فيه الناس بعظمة سيدنا محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأنهم كانوا يحتفلون به في كل وقت وحين تذكيرا بشمائله وذكرا لفضائله وهديا على سنته وسيرته واتباعا لمنهاجه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فما هي أدلة جواز الاحتفال بالمولد النبوي الشريف في زماننا هذا؟
أدلة جواز الاحتفال بمولده الشريف صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
إن أول ما يجب أنْ نؤكده أنَّ المدار في ثبوت الحكم على وجود الدليل، فحيث وُجد ثبت الحكم سواء عمل به كل الصحابة أو بعضهم، وسواء عمل به الأئمة المجتهدون أو لا. ولا يوجد أحد من العلماء اشترط في الدليل أن يعمل به الصحابة والذين اتبعوهم بإحسان والأئمة المجتهدون، بل صرحوا بأن "الدليل متى استوفى الشروط المقررة لِقَبوله وجب الأخذ به".[1].
الأول:
أن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف تعبير عن الفرح والسرور بالمصطفى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كيف لا وقد انتفع به الكافر؛ ففي السيرة النبوية أن أبا لهب قد جوزي بتخفيف العذاب عنه يوم الاثنين بسبب إعتاقه ثويبة لما بشّرته بولادته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ[2]. وفي ذلك يقول الحافظ شمس الدين محمد بن ناصر الدين الدمشقي[3]:
إذا كان هذا كافرا جاء ذمه
وتبّت يداه في الجحيم مخلدا
أتى أنه في يوم الاثنين دائما
يخفف عنه للسرور بأحمدا
فما الظن بالعبد الذي كان عمره
بأحمد مسرورا ومات موّحدا
الثاني:
أنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يعظم يوم مولده ويشكر الله تعالى فيه على نعمته الكبرى عليه وتفضله عليه بالوجود لهذا الوجود إذ سعد به كل موجود وكان يعبر عن ذلك التعظيم بالصيام كما جاء في الحديث عن أبي قتادة الأنصار رضي الله عنه أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئل عن صوم يوم الاثنين فقال:"ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَيَوْمٌ بُعِثْتُ أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ" [4]، وهذا في معنى الاحتفال به إلا أن الصورة مختلفة والمعنى واحد سواء كان ذلك بصيام أو إطعام طعام أو اجتماع على ذكر أو صلاة على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وسماع شمائله الشريفة. كما أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما أخرج البيهقي في السنن الكبرى: "عَقَّ عَنْ نَفْسِهِ بَعْدَ النُّبُوَّةِ"[5] مع أن جده عبد المطلب قد ورد أنه عقَّ عنه في سابع ولادته والعقيقة لا تعاد مرة ثانية فيحمل ذلك أن الذي فعله النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إظهار للشكر على إيجاد الله إياه رحمة للعالمين وتشريع لأمته.
الثالث:
أن الفرح به صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر مطلوب بالقرآن لقول ربنا جل وعلا: قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ [6]، والله جل جلاله أمرنا أن نفرح بالرحمة ورسولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو أعظم الرحمة مصداقا لقوله عز وجل: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ [7].
الرابع:
أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يلاحظ ارتباط الزمان بالحوادث الدينية العظمى التي مضت وانقضت فإذا جاء الزمان الذي وقعت فيه كان فرصة لذكرها وتعظيم يومها لأجلها ولأنه ظرف لها ولقد أصّل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذه القاعدة بنفسه كما جاء في الحديث عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أنه لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَجَدَ الْيَهُودَ يَصُومُونَ عَاشُورَاءَ، فَسُئِلُوا عَنْ ذَلِكَ، فَقَالُوا: هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي أَظْفَرَ اللَّهُ فِيهِ مُوسَى وَبَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى فِرْعَوْنَ وَنَحْنُ نَصُومُهُ تَعْظِيمًا لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "نَحْنُ أَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ ثُمَّ أَمَرَ بِصَوْمِهِ" [8].
الخامس:
أن ذكرى مولده الشريف تحثُّ على الصلاة والسلام المطلوبين في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [9]، وما كان يحث على المطلوب شرعا فهو مطلوب شرعا، فكم للصلاة على النبي وآله من فوائد وإمدادات حسية ومعنوية يَمُسّ القلمَ لُغوبٌ في تعداد آثارها ومظاهر أنوارها قلبيا وعقليا وسلوكيا.
السادس:
أن الغالب على الناس في ذلك اليوم مدارسة شمائله ومعجزاته وإرهاصاته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومعرفة ذلك مما يستدعي كمال الإيمان به عليه الصلاة والسلام وزيادة المحبة والشوق إليه إذ الإنسان مطبوع على حب الجميل خَلقا وخُلقا عِلما وعَملا حالا واعتقادا ولا أجمل ولا أكمل ولا أفضل من أخلاقه وشمائله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
السابع:
التعرض لمكافآته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأداء بعض ما يجب له علينا ببيان أوصافه الكاملة وأخلاقه الفاضلة وقد كان الشعراء يَفِدُون إليه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالقصائد ويرضى عملهم ويجزيهم على ذلك بالطيبات، فإذا كان يرضى عمن مدحه فكيف لا يرضى عمن يصلي عليه ويجمع شمائله الشريفة ويذكِّر بها تقربا إليه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ باستجلاب محبته ورضاه. ومن نافل القول أنَّ مَن استجلب محبته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقد استجلب محبة الله تبارك وتعالى، وإذا تعلق قلب العبد بالله جل وعلا أحب كل ما يقرب إلى الله ويزيده، ويبقى أنه أشد حبا لله، فلا حب يوازي ذلك الحب، وإنما يحب بحب الله وله. قال ابن تيمية رحمه الله: "فإنك إذا أحببت الشخص لله كان اللهُ هو المحبوبَ لذاته، فكلما تصورته في قلبك تصورت محبوب الحق فأحببته، فازداد حبك لله، كما إذا ذكرت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والأنبياء قبله والمرسلين وأصحابهم الصالحين وتصورتهم في قلبك، فإن ذلك يجذب قلبَك إلى محبة الله المنعِم عليهم وبهم إذا كنت تحبهم لله؛ فالمحبوب لله يجذِب إلى محبة الله، والمحب لله إذا أحب شخصا لله فإن الله هو محبوبه، فهو يحب أن يجذبه إلى الله تعالى، وكل من المحب لله والمحبوب لله يجذب إلى الله"[10].
الثامن:
يؤخذ من قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في فضل يوم الجمعة وعدّ مزاياه وأنه اليوم الذي فيه وُلد آدم عليه السلام تشريفٌ للزّمانِ الذي ثبت أنه كان ميلادًا لأي نبي من الأنبياء عليهم السلام فكيف باليوم الذي وُلد فيه سيد الأنبياء وأشرف المرسلين. ولا يختص هذا التعظيم بذلك اليوم بعينه بل يكون له خصوصا ولنوعه عموما مهما تكرر كما هو الحال في يوم الجمعة شكرا للنعمة وإظهارا لمزِيّة النبوة. كما يعظَّم المكان الذي ولد فيه نبي ويؤخذ هذا من أمر جبريل عليه السلام النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بصلاة ركعتين ببيت لحم ثم قال له: "أتدري أين صليت؟" قال: "لا" . قال: "صليت ببيت لحم حيث ولد عيسى عليه السلام" [11]. والعبرة كما قال الأصوليون بعموم اللفظ لا بخصوص السبب حتى يقوم الدليل على التخصيص.
التاسع:
أن الله جل وعلا قال: وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءكَ فِي هَـذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ [12]، يظهر منه أن الحكمة في قص أنبياء الله عليهم السلام تثبيت فؤاده الشريف بذلك ولاشك أننا اليوم وقد أضحت الحياة لاهية والقلوب سقيمة نحتاج إلى تثبيت أفئدتنا بأنبائه وأخباره أشد من احتياجه هو صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
العاشر:
ليس كل ما لم يفعله السلف ولم يكن في الصدر الأول فهو بدعة منكرة سيئة يحرم فعلها ويجب الإنكار عليها بل يجب أن يُعرَض ما أحدِث على أدلة الشـرع فيما اشتمل على مصلحة فيطلب تحصيلها بفعله، وما فيه من مفسدة فيطلب اجتنابها بتركه، وما خلا عنهما فيجوز فعله وتركه على السواء. ومسألة عدم فعل الصحابة لشيءٍ يحتمل أن يكون أمراً اتِّفاقياً، ويحتمل أن يكون ذلك عندهم غير جائز أو يكون جائزاً وغيره أفضل منه فتركوه إلى الأفضل، ويحتمل أن يكون تركوه لئلا يتخذ عادةً متبعة ويترك ما سواه من أنواع الأدعية ويحتمل غير هذه الاحتمالات، والقاعدة أن ما دخلَه الاحتمال سقط به الاستدلال. والتَّرك وحده "إن لم يصحبه نصٌّ على أن المتروك محظور لا يكون حجة في ذلك، بل غايته أن يفيد أن ترك ذلك الفعل مشروع."[13].
الحادي عشر:
ليست كل بدعةٍ محرمةٌ ولو كان الأمر كذلك لحُرِّم جمع أبي بكر وزيد وعمر رضي الله عنهم القرآنَ وكتابته في المصاحف خوفا على ضياعه بموت الصحابة القراء رضي الله تعالى عنهم أجمعين، ولحُرِّم جمع عمر الناسَ على إمام واحد في صلاة القيام مع قوله نعمت البدعة هذه. ولا يخفى على من يمارس علم الأصول أن الشارع قد سمّى بدعة الهدى سُنة ووعد فاعلها أجرا، قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ" [14].
الثاني عشر:
يؤخذ من أن أكثر أعمال الحج إنما هي تخليد لذكريات مشهودة ومواقف محمودة فالسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار والذبح بمنى كلها حوادث ماضية يُحيي المسلمون ذكراها بتجديد صورتها في الواقع.
الثالث عشر:
- كل ما تم ذكره سابقا من الوجوه في مشروعية المولد النبوي إنما هو في المولد الذي خلا من المنكرات المذمومة التي يجب الإنكار عليها مما لا يرضى به صاحب المولد الشريف صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من ارتكاب المحرمات وكثرة الإسراف فهذا لاشك في تحريمه ومنعه لما اشتمل عليه من المحرمات، لكن تحريمه يكون عارضيا لا ذاتيا.

السبت، 18 نوفمبر 2017

الرد على شبهات المشككين :حول ذكرى الاحتفال بالمولد النبوي !

الرد على شبهات المشككين :
أدعياء السلفية يقولون : المولد ما فعله رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) – ما فعله الصحابة – ما فعله التابعون. ولو كان خيراً لسبقونا إليه:
الجواب :
قال ابن تيمية في كتابه "اقتضاء الصراط المستقيم" :
"إن ما تركه الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) مع قيام المقتضى له لا يجوز إحداثه لأن إحداثه من البدع .
قال: وأما ما رآه المسلمون من مصلحة إن كان لسبب أمر أحدث بعد النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فهاهنا يجوز إحداث ما تدع الحاجة إليه" اهـ .
ونحن نقول وبالله التوفيق:
إن ذكرى المولد لم يكن سبب يقتضي إقامتها في عهده ( صلى الله عليه وسلم )، أو في عهد القرون الثلاثة، حتى ولا التفكير في إقامتها، وإنما حدث الموجب لإقامتها بعد ذلك حين انصرفت النفوس عن الخير .
وقد سبق القول بأن إحياء الذكرى ذات هدف نبيل، وأسلوب غير مباشر للتذكر بما تم على يده ( صلى الله عليه وسلم ) من صنوف الخير، وسبب من أسباب استمالة القلوب واجتذاب النفوس إلى الخير والصلاح .
وفي عهد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وعهد أصحابه كانت المشخصات تغني عن الذكريات، فكان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يعيش بين ظهراني أصحابه يتفقدهم بشخصه، ولا تلم بأحدهم شبهة إلا كشفها، ولا تنزل به غاشية إلا جلاها، ولا يحتك في صدر أي منهم نزعة أو يطرقه وسواس إلا كان عند الرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) دواؤه وشفاؤه، وكان يدخل في أنفسهم، وفي مسرى مشاعرهم، ومشارب تفكيرهم، فتعمر قلوبهم بالإيمان، ونفوسهم بالسكينة، وكانوا وهم بهذا الشعور يقطعون المسافات الطويلة بقلب مطمئن ، ونفس ساكنة .
وإنه بعد لحاقه ( صلى الله عليه وسلم ) بالرفيق الأعلى ظلت أفواههم رطبة ندية بسيرته العطرة، يتنسمون منها أرواح الهدى، ويتزودون بخير الزاد .
قلوبهم عامرة مشخصة لذكره ( صلى الله عليه وسلم ) وما تم على يده مما شاهدوه بأعينهم، فكان ( صلى الله عليه وسلم ) مقياساً فصلاً في خواطرهم وآرائهم وأهوائهم ورغباتهم وخلجات نفسهم لا مكان في قلوبهم لهوى نفس .
وأنه لا سبيل بعد هذا كله أن يقال عن إقامة الذكرى: "ما فعلها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) – ما فعلها الصحابة – لو كانت خيراً لسبقونا إليه " ، اللهم إلا أن يقول ذلك من لا يعقل أن الذكريات التي تقام من أجل تحقيق تلك النتائج أو بعضها لا يفكر فيها إلا عندما تفقد المشخصات المبصرة بالعيون، أو عندما يضعف أثرها في القلوب حين يبعد العهد بها .
وكان يغني التابعين وتابعيهم عن التفكير في هذه الذكريات والحاجة إليها ما امتلأت به صدورهم من تلك السيرة العطرة ونتائجها مما شاهدوه من هدي الصحابة ومن بعدهم وما تلقوه منهم. فطبع جلهم على الصلاح لا يفارقون العلم وحلقاته، ويتنافسون في صقل نفوسهم وتزويدها بما ازدهر في عصرهم من علوم القرآن والحديث والسيرة والفقه والأخلاق .
فأنى لمثل هذه النفوس أن تفكر في إقامة الذكرى، بينما القلوب مشحونة بالاتباع، مشخصة فيها السيرة العطرة، وكأن أحداثها مبصرة بأعينهم .
وهذا بالإضافة إلى أن جو الصعيد الرسمي في العهد الأموي الذي كان يلعن فيه علي بن أبي طالب زوج فاطمة بنت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ويطارد أولادها ويقتلون: لم يكن يوحى للاحتفاء بذكرى تذكر الناس بما لهؤلاء من شأن .
وكذلك الحال في أوائل عهد الدولة العباسية يوم بدأت مطاردة أهل البيت العلوي، والجدل حول من هو أحق بميراث النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في الخلافة، هل هم بنو عمه أم بنو بنته فاطمة "وما كان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ممن يورث ولكنه التبرير لشهوة السلطان بأي سبيل" .
ونتيجةً لتأثر المجتمع الإسلامي مما فيه من أصناف الجماعات، وما دخل عليهم من الفتن ، وإطلال الأطماع والشهوات، وتنافس الناس على شؤون الدنيا والانشغال بها: قل من تسعدهم الأوقات بدراسة القرآن الكريم، ومد أيديهم إلى الكتب للاستبصار بسيرة الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) والاستئناس بسيرة السلف الصالح .
وكلما تباعد الزمان ساءت الأمور ودعت الحاجة إلى ابتكار أسلوب يذكر الأمة بما هو عليه ( صلى الله عليه وسلم ) من صفات وشمائل، وما أفاض الله به من أنواع الخير كسبب للوقاية من الدعايات والمغريات التي يحارب بها أعداء الإسلام أمة الإسلام .
ولما كان أسلوب التوجيه المباشر هو أسلوب لا يقترب من النفس البشرية. لذا فاللجوء إلى الأساليب غير المباشرة أسلوب ناجح في الوصول إلى صدور الناس واستمالتهم إلى الخير والصلاح .
وانبثق عن هذا فكرة الاحتفاء بذكرى مولد الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) للوصول إلى تلك النتائج إذ لا أسهل من الاجتماع في مناسبة على مجلس فيه ذكر وفيه تذكير لإيصال ما يراد إيصاله إلى أهله. وعلى هذا فلا سبيل إلى اعتراض المعترضين على الاحتفاء بهذه الذكرى .
وتنبهت الأمم الإسلامية في المشرق والمغرب إلى ما لهذا الأسلوب من آثار في الوصول إلى صدور الناس وإثارة للعواطف الكريمة التي تثيرها تلك الذكرى وما تحمله من شكر المولى عز وجل على ما من به من إيجاده ( صلى الله عليه وسلم )، وما تنميه في قلوب الأمة من تعظيم لقدر هذا النبي ( صلى الله عليه وسلم )، وإظهار الفرح والسرور بمولده والعرفان لما فاض من طلعته الميمونة في إنارة الطريق وشحن القلوب بجلاله ومحبته وتعظيمه ( صلى الله عليه وسلم )، كلما تجددت تلك الذكرى، فكان فيها جلاء لصدأ القلوب، وجلوس لمجلس خير، يتحقق فيه مبرات وصلات وذكر وقراءة قرآن وإشاعة لسيرته ( صلى الله عليه وسلم )، وكثرة صلاة وتسليم عليه، ومدحه وغرس لحبه الذي لا يتحقق الإيمان إلا به .
وحسب هذا المجلس بركة ما يشاهد فيه من امتلاء القلوب بالخشية، وتذلل الوجه بالضراعة، ورفع الأيدي بالرجاء، واشتغال الألسن بالدعاء، وانكسار النفوس بالتذلل، وصدق الآمال في أرحم الراحمين، وليس في استدرار الرحمة مثل اجتماع الهمم وتعاون القلوب في وقت واحد وصعيد واحد، فلا بدع أن عم الجمع الرحمة ونال بعضهم بركة بعض، ووهب الله مسيئهم لمحسنهم، وطالحهم لصالحهم كما هو الحال في كل اجتماع شرعه الله كالوقوف بعرفات والجماعات والجمع والعيدين وغيرها، وكما هو الحال يوم المحشر الذي تزدحم فيه الخلائق فينال المؤمنين فيه بركات الرسل والأنبياء وعباد الله الصالحين .
فنهج ملوك الدول السلامية وشعوبها على المواظبة على الاحتفال بهذه الذكرى لهذه الغايات .
وكان أكثر الأمم احتفالاً بها بعد مصر : الشام الجزيرة والموصل واليمن وإفريقيا والمغرب والأندلس .
وحتى بعد قضاء صلاح الدين في سنة 567 على الدلة الفاطمية
وانصرافه إلى الاستعداد المستمر لرد غارات الصليبيين لم يحل ذلك دون مواصلة الشعب للاحتفاء بهذه الذكرى حتى إن الملك المظفر أبو سعيد ملك إربل المتوفي سنة 630 وهو أمير تابع لصلاح الدين، وصهره زوج أخته حافظ على الاحتفاء بهذه الذكرى وألف له الحافظ ابن دحية المتوفى سنة 633 حين مر على إربل سنة 604 كتاباً في المولد سماه: "التنوير في مولد البشير النذير" حسن فيه الاحتفال وأقام على ذلك وجوه الاستدلال .
واستمر عمل المولد في سائر أقطار الإسلام على مستوى الحكومات والشعوب منذ نشأت في سنة 362إلى اليوم وتطورت مظاهر الاحتفال بذكراه حتى وصلت إلى ما هي عليه الآن مما سبق ذكره.
قال السخاوي: ولا يزال أهل الإسلام يحتفلون بشهر مولده ويعملون الولائم ويتصدقون في ليلته بأنواع من الصدقات .
وليس المهم من فعله من الحكام أو الشعوب، وإنما من طالع الوفيات وكتب الطبقات والتاريخ يعلم أن القرن الرابع والخامس والسادس والسابع كان زاهراً بالعلماء، ومع ذلك لم ينقل عن أحد منهم إنكاراً على إقامته حتى جاء ابن تيمية المتوفى أوائل القرن الثامن سنة 728 فأنكر فعله شاذاً عن الجمهور .
وإن المرء يستغرب عده المولد من المحدثات الممنوعة مع ما نقلناه عنه أن للمسلمين إحداث ما تقضي به المصلحة وتدعو إليه الحاجة من الأمور التي لم يكن المقتضي لها قائماً في عهد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ولا في عهد أصحابه .
فهل كان الصحابة في عهده ( صلى الله عليه وسلم ) وبعد عهده في حاجة إلى إقامة ذكريات تشحذ عزائمهم إلى الاتباع والتعظيم والمحبة وعندهم المشخصات التي شاهدوها بأعينهم، وبقيت حيةً في قلوبهم بعد وفاته ( صلى الله عليه وسلم )، تلقنها التابعون مشافهةً عملاً وعلماً .
ولم يقل بقول ابن تيمية في بدعة المولد إلا فئة تأثرت بأقواله من معاصريه وبعدهم ، كابن الحاج المتوفي سنة 733، والفاكهاني المتوفى سنة 734، والشاطبي المتوفى سنة 790 لما شبه لهم أنه عبادة وإحداث في الدين وزيادة فيه، وفاتهم أن المولد هو أسلوب اجتماعي لتحقيق أغراض دينية مشروعة، فخلطوا بين الأسلوب وبين ما قصد به من تحقيق غايات دينية مشروعة .
ولم يلتفت جماهير العلماء إلى إنكارهم بل المنقول عن جل العلماء وسوادهم الأعظم تحبيذه والتأليف فيه وحضور مجالسه .
قال أبو شامة في كتابه "الباعث على إنكار البدع والحواد" مادحاً لهذا العمل: "وإنه يحسن ويندب إليه ويشكر فاعله ويثني عليه"اهـ .
والمهم بيانه: إن المقتضي لإقامة الاجتماع لذكرى المولد لم يكن قائماً في عهده ( صلى الله عليه وسلم ) ولا عهد أصحابه كما ذكرناه عن الصحابة ثم التابعين، من عمران القلوب بهديه ( صلى الله عليه وسلم )، حيث أغنت المشخصات عن إقامة الذكريات .
أما حين بَعُدَ العهد وانشغل الناس بالدنيا عن الدراسة والاستبصار بسيرة الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) وصدأت القلوب، فلا حرج على من اتخذ أسلوباً للوصول إلى صدور الناس في جلاء الصدأ، وليس أنسب من اختيار يوم ميلاده لتشخيص ذكراه في القلوب، واستعراض بعض ما جاء به ترقيقاً للقلوب بأسلوب غير مباشر ، يقرب من النفس البشرية .
فلا سبيل إلى الاعتراض على الاحتفاء بهذه الذكرى لما تحققه من غاية نبيلة سبق ذكرها ... والله الهادي إلى سواء السبيل .

ليس كل جديد بدعة وليس كل شيء لم يفعله رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فهو بدعة ضلالة .


ليس كل جديد بدعة

البدعة بمعناها الاصطلاحي الشرعي، ضلالة يجب الابتعاد عنها، ينبغي التحذير من الوقوع فيها. ما في ذلك ريب ولا خلاف .
وأصل ذلك قول رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فيما اتفق عليه الشيخان: "من أحدث في أمرنا ماليس منه فهو رد". وقوله فيما رواه مسلم :        "إن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة".
ولكن ما هو المعنى المراد من كلمة (بدعة) هذه ؟
هل المراد بها معناها اللغوي الذي تعارف عليه الناس، فيكون المقصود بها إذن، كل جديد طارئ على حياة المسلم مما لم يفعله رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ولا أحد من أصحابه ولم يكن معروفاً لديهم؟.. وإذن،
" .

=-=-=-=-=-=

فالمسلمون كلهم، من أقصى عالمهم المعمور إلى أقصاه، يعانون اليوم  من ضلالة لا مفر لهم منها، إذ أنهم غارقون في بحار من البدع كيفما تقلبوا وأينما اتجهوا أو تحركوا: أبنية بيوتهم بدعة، والأثاث الذي فيها بدعة، وموائدهم بدعة، طراز ثيابهم بدعة، والأساليب التي تنهض عليها أنشطتهم الثقافية والعملية والاجتماعية، كلها من ظلمات من البدع المتراكمة!... وهي ليست مصيبة حاقت بهذا الجيل وحده، بل إنها الضلالة التي انحرفت فيها أجيال المسلمين من بعد عصر الصحابة إلى يومنا هذا، ثم إلى أن تقوم الساعة. ذلك لأن الحياة _ منذ بعثة  المصطفى ( صلى الله عليه وسلم )_ ما تزال تتحول بأصحابها من حال إلى حال، وتنقلهم من طور إلى آخر. ولا مطمع في إمكان التغلب على قانونها هذا وربطها بمسمار من الثبات والجمود على حالة واحدة على مر الأزمنة والعصور. وحتى الفترة القصيرة التي عاشها النبي ( صلى الله عليه وسلم ) مع أصحابه، لم تجمد الحياة خلالها على نسق مطرد ثابت، بل استقبل النبي وأصحابه منها أطواراً إثر أطوار. ولكن (لحسن حظ ذلك الرعيل الأول) كان المصطفى ( صلى الله عليه وسلم ) بين ظهرانيهم، وكان يرحب بسنة الكون هذه دون أي مقاومة لها أو ثورة عليها. فكم من عرف جديد أيده، وكم من كشف طارئ على حياة الصحابة والعرب رحب به ودعا إليه، بعد أن تأمل فرآه لا يخالف من أصول الدين وأحكامه شيئاً، بل ربما يسر سبيل إحيائه والأخذ به على خير وجه؛ حتى استظهر من ذلك علماء الشريعة الإسلامية القاعدة القائلة:"الأصل في الأشياء الإباحة"، واستنبط من ذلك علماء الحنفية وآخرون أن العرف_بقيود معينة مصدر لا يستهان به من مصادر الشريعة وأحكامها.
       إذن فلا يعقل أن يكون المقصود بالبدعة هذا المعنى اللغوي          العام. بل ما رأينا واحداً من علماء المسلمين وفقهائهم ذهب في تفسير البدعة وتعريفها هذا المذهب العجيب. وإنما تنطوي الكلمة على معنى اصطلاحي خاص، فما هو؟
*   *   *
أمامي تعريفات كثيرة للبدعة، كلها يدور في فلك معنى اصطلاحي واحد، وإن تخالفت من حيث الصياغة والأسلوب. ولكني أختار منها تعريفين عرفها بهما الإمام الشاطبي في كتاب (الاعتصام). وذلك لسببين:
أحدهما: أن الشاطبي يعد في مقدمة من خدم هذا البحث وتناوله بالشرح والتحليل من جوانبه .
ثانيهما: أنه يعد من أكثر العلماء المتقدمين محاربة للبدعة  وتشدداً في الابتعاد عنها .
التعريف الأول أنها: "طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشريعة، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله عز وجل".
والتعريف الثاني أنها: "طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشريعة، يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية".
وإنما رددها الشاطبي رحمه الله بين هذين التعريفين، نظرأ لرأي من حصر البدعة في العبادات ، ولرأي من عممها في سائر أنواع السلوك والتصرفات. على أنه مال فيما بعد إلى أن البدعة إنما تختص بالعبادات سواء منها القلبية وهي العقائد أوالسلوكية وهي سائر أنواع العبادات الأخرى .
ولا يعنينا الآن أن نقف عند هذا الترديد بأي نظر أو تمحيص. إنما الذي يعنينا أن نلاحظ قولهم في التعريف: "طريقة في الدين   مخترعة .." .
إذن، فلكي يأخذ السلوك معنى البدعة وحكمها، يجب أن  يمارسه صاحبه على أنه داخل في بنية الدين وأنه جزء لا يتجزأ منه ، مع أنه في واقع الأمر على خلاف ذلك.. وتلك هي روح البدعة وسر تحذير الشارع منها. وذلك هو الملاحظ في تسميتها: (بدعة) .
والمستند الذي يشكل الدليل القطعي على ذلك قوله ( صلى الله عليه وسلم ): "من أحدث في أمرنا هذا ماليس منه ..." إذ المقصود بـ "أمرنا هذا" ، الدين، كما هو واضح؛ وقوله( صلى الله عليه وسلم ) فيما أخرجه الطحاوي:"ستة ألعنهم لعنهم الله وكل نبي مجاب: الزائد في دين الله، والمكذب بقدر الله ، والمتسلط بالجبروت يذل من أعز الله ويعز به من أذل الله، والتارك لسنتي، والمستحل لحرم الله،  والمستحل من عترتي ما حرم الله" .
ويتضح من ذلك أن مناط إنكار البدعة وردها على صاحبها، أن المبتدع يقحم في بنية الدين وجوهره ما ليس منه. ولما كان المشرع هو الله عز وجل ، لم يبق مجال لأي تزيد أو تغيير على شرعه .
والأمثلة على ذلك كثيرة، نذكر منها: اختراع صلاة زائدة على ما ثبت في الشرع من المكتوبات والنوافل، واختراع صيام يوم لفضيلة لم يرد بشرعه في قرآن أو سنة ثابتة، وإيجاب الاقتصار على لون واحد    من الطعام على المائدة تزهداً، واختراع التقرب إلى الله بتحميل الجسم من المشاق مالم يرد به دليل من الشرع، ورفع الصوت بالأذكار والقصائد أمام الجنائز، والأذان عند إدخال الميت قبره .
ونذكر منها في أمور العقائد كل ما تزيدته الفرق المبتدعة على الدين من عقائد وأفكار باطلة .
أم سائر الأفعال والتصرفات الأخرى، التي قد تصدر من  الإنسان، دون أن يتصور أنها جزء من جوهر الدين أو واحد من أحكامه، وإنما يندفع إليها ابتغاء تحقيق هدف أو مصلحة له، دينية كانت أو دنيوية: فهي أبعد ما تكون عن احتمال تسميتها بدعة، وإن كانت مستحدثة في حياة المسلمين غير معروفة لهم من قبل. بل مآلها أن تصنف إما تحت ما سماه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ): (سنة حسنة) أو تحت ما سماه: (سنة سيئة) .
وأنت تعلم أنه ( صلى الله عليه وسلم ) قال فيما رواه مسلم وغيره: "من سن في

الإسلام سنة حسنة(1)فله أجرها وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء. ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء".
وأمثلة هذا السنة الحسنة كثيرة لا تكاد تحصى. نذكر منها دراسة كل ما جد من المعارف والعلوم التي تحقق مصلحة من مصالح الدين أو الحياة أو المصالح الأخرى، وإقامة المؤسسات والمجامع التي تخدم الهدف ذاته ، وإقامة أجهزة إعلام ووسائل نشر ، وإنشاء مجلات وصحف تخدم المصالح الإسلامية أو واحدة منها، طبق الترتيب الذي صنفها الشارع على أساسه . وتنظيم اللقاءات والمؤتمرات والندوات التي تدعو إليها الضرورة أو الحاجة لإنجاز شيء من تلك المصالح أو رعايتها .
وإننا لنرى أن من أمثلة هذه السنة الحسنة: تلك الاحتفالات التي يقوم بها المسلمون عند مناسبات معينة، كبدء العام الهجري ، ومولد المصطفى ( صلى الله عليه وسلم )، وعند ذكرى الإسراء والمعراج، وذكر فتح مكة وغزوة بدر ، ونحوها ، مما يتوخى منه تحقيق خير يعود إلى مصلحة الدين سواء على مستوى الضرورات أو الحاجيات أو التحسينيات .
ومن المفروغ منه أن ذلك كله مشروط بأن لا تستتبع هذه الأعمال آثاراً ضارة تودي بجدوى ما حققته من المصالح أو تلحق الضرر بمصلحة مقدمة عليها .
*    *    * 

(1)               ليس المقصود بالسنة الحسنة هنا، ما توهمه بعضهم من إحياء سنة مندثرة للنبي ( صلى الله عليه وسلم ). إذ لو كان المعنى كذلك لاستلزم أن تكون للنبي سنة سيئة أيضاً، نظراً إلى ما تقتضيه تتمة الحديث . وإنما المقصود استحداث أمر لم يكن من قبل، فيه خير للمسلمين .


=-=-=--=-=-=-

إن احتفالات المسلمين بذكرى مولده ( صلى الله عليه وسلم ) والمناسبات المتشابهة، لا تسمى بدعة قبل كل شيء . لأن أحداً من القائمين على أمرها لا يعتقد أنها جزء من جوهر الدين وأنها داخلة في قوامه وصلبه، بحيث   إذا أهملت ارتكب المهملون على ذلك وزراً . وإنما هي نشاطات اجتماعية يتوخى منها تحقيق خير ديني. فإن هم توهموا ذلك كانت بسبب ذلك بدعة .
ثم إنها لا تدخل تحت ما يسيء إلى نتائجها، فإن التنبيه يجب أن يتجه إلى هذا الخلط، لا إلى جوهر العمل بحد ذاته. وإلا فكم من عبارة صحيحة مشروعة يؤديها أناس على غير وجهها، فتؤدي إلى نقيض الثمرة المرجوة منها. أفيكون ذلك مبرراً للتحذير من أدائها والقيام بها .
نعم، إن اجتماع الناس على سماع قصة المولد النبي الشريف، أمر استحدث بعد عصر النبوة، بل ما ظهر إلا في أوائل القرن السادس الهجري . ولكن أفيكون ذلك وحده كافياً لتسميته بدعة، وإلحاقه بما قال عنه المصطفى ( صلى الله عليه وسلم ): "كل من أحدث في أمرنا هذا ماليس منه فهو رد"؟. إذن فليجردوا حياتهم من كل ما استحدث بعد عهده ( صلى الله عليه وسلم )، إن كانوا يستطيعون. فإن كل ذلك من البدع!.
وإني لأعجب لأناس، ينتقلون من مؤتمر إسلامي إلى آخر ، ويتصدرون فيه باحثين وأعضاء عاملين، دون أن يتذكروا أنه هو الآخر بدعة (بالمعنى الذي يتوهمون) لا فرق بينه بين احتفالات المسلمين  بالمولد ونحوه شروى نقير، اللهم إلا أن تكون تلك المؤتمرات يبذل عليها من الأموال الطائلة ما لا يعطي ثمرة ولا نتيجة، وقد تشيع فيها أمور لا ترضي الله عز وجل، على حين لا يكلف اجتماع طائفة  من 


 المسلمين في أحد البيوت أو المساجد للاحتفال بذكرى المولد أو الهجرة شيئاً من ذلك . ولكنهم ما إن يوضعون أمام الحديث عن المولد ونحوه، إلا وتجدهم ثاروا وهاجوا ونعتوا الاجتماع عليه بأنه ضلال وبدعة .
ترى لو وضعت هذا الاحتفالات ضمن إطار مؤتمرات ، دعي إليها الناس من الأقطار، وأنفق عليه المال الطائل، أتتحول بفضل ذلك من بدعة باطلة إلى عمل مبرر؟
وغني عن البيان أنني لا أنكر شيئاً من هذه المستجدات على اختلافها، بل إنني لا أدعو إليها أيضاً لذاتها..إذ هي أمور تقبل أو ترفض على ضوء النتائج الآتية من ورائها، فهي كالماء الذي يأخذ لون الإناء الذي يتجمع فيه، وما تنسحب أحكام الشريعة الإسلامية على سائر ما يستجده الناس من شؤون وعادات، إلا بناء على هذه القاعدة التي لا مجال لأي ارتياب فيها .
وإنني لأذكر مولداً حضرته في أحد المساجد، كانت ثمرته العاجلة أن أعلن كثير من الحاضرين توبتهم عن موبقات كانوا يرتكبونها، وأعلن آخرون بدء التزامهم بعبادات كانوا معرضين عنها أو متساهلين بشأنها، والتزم آخرون بالعكوف على دراسة القرآن، وآخرون برد ما عليهم من مظالم والتزامات لإخوان لهم. ولم يخرجوا من المسجد حتى تعاهدوا وتواثقوا على ذلك .. فبأي ميزان من موازين الشريعة الإسلامية أعد مثل هذا الاحتفال ضلالة تجب محاربتها، لمجرد أن عصر النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لم يشهدها ومن ثم فلم يتح له أن يؤيدها ؟!! …
أجل، من الضروري الدعوة إلى تنقية مثل هذه الحفلات، وسائر الشؤون المستجدة الأخرى، من الشوائب، والتحذير مما قد يتسلل إليها من المنكرات .. لكن حتى لو ظهر في هذه المستجدات قليل     من الشر، فإننا نقبلها ونحافظ عليها تمسكاً بما قد تنتجه من الخير الكثير، على أن نحافظ على تطبيق القاعدة القائلة: (درء المفاسد مقدم على جلب المصالح ).
*   *   *
أقول بعد هذا كله: فلنفرض أننا مخطئوون في فهم (البدعة) على هذا النحو، وأن الصواب ما يقوله الآخرون من أن كل ما استحدثه الناس، حتى مما لا يدخلونه في جوهر الدين وأحكامه، بدعة محرمة _ فإن المسألة تغدو عندئذ من المسائل المختلف في شأنها والخاضعة للاجتهاد .
ومما هو معروف في آداب الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أن القائم بهذا الشأن ينبغي (كلما وقف في موقف عام) أن ينهى عن المنكرات المجمع على أنها كذلك، ولا ينصرف  عنها إلى النهي عما اختلف فيه المسلمون من المسائل الاجتهادية التي       لا يكلف المجتهدون فيها بأكثر من الوقوف عند ما قضت به    اجتهاداتهم وفهومهم . إذ الإمعان في النهي عن هذه المسائل لا يمكن أن ينتهي إلا إلى إثارة أسباب الشقاق وتصديع وحدة المسلمين وبث عوامل البغضاء فيما بينهم  .
       وإن في حياتنا ومن حولنا من المنكرات الشنيعة والمفاسد الخطيرة التي لا خلاف في مدى جسامتها وسوء آثارها، ما يكفي لأن نمضي العمر كله في معالجتها والسعي إلى جمع الكلمة وتوحيد الصف للقضاء عليها. فلماذا نتشاغل عن هذا الذي أجمعت الأمة على أنه من المنكر الذي لا عذر في السكوت عليه، ثم نشتغل بالانتصارلاجتهاداتنا الشخصية وحرب ما يقابلها ويكافئها من الاجتهادات الأخرى؟ .
ألا إن أعظم مصيبة رانت على حياتنا، إنما هي مصيبة هذا

التدابر والشقاق الذي مني به العالم العربي والإسلامي على عرضه وطوله، ومن ثم فإنها لأعظم منكر يشيع في أرجاء عالمنا الإسلامي .
فمن كان يريد أن ينهض بواجب النهي عن المنكر، فليبدأ من هنا .. على أن يتخذ لنفسه عدة واحدة في مسعاه هذا، ألا وهو الإخلاص . الإخلاص، ذلك السر الأقدس الذي يسحق الأنانية والعصبية، ويفرق بين أدق ما يلتبس على كثير من الدعاة والربانيين، في مجال السلوك والتطبيق: الانتصار للنفس .. والانتصار لله" . انتهى .
وقال الدكتور سعيد رمضان البوطي في ترجمة والده العلامة الصالح البركة الشيخ ملا رمضان في كتابه "هذا والدي"(1)ما أنقله هنا إتماماً للفائدة:
موقف من المولد:
كان يحضر مجالس المولد النبوي الشريف، إن لم يكن فيها منكر أو بدعة عملية أو قولية، وكان يعدها_ إن خلت من البدع والمنكرات_ من مجالس الذكر التي كان يندب إليها سيدنا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وكان يراها داخلة في معنى قوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه مسلم في صحيحه: "لا يقعد قوم يذكرون الله تعالى إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله تعالى فيمن عنده"، فالحديث دليل على فضل الاجتماع على ذكر الله عز وجل، لا شك أن الاجتماع على الصلاة على رسول الله ومدحه والثناء عليه من أفضل أنواع ذكر الله عز وجل .
ولكن إذا شاب هذه المجالس منكر، كاختلاط الرجال بالنساء، أو كإنشاد أبيات تخالف هدي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ). فإن الحكم يتبع ما تقتضيه المفسدة لا المصلحة، تطبيقاً للقاعدة الشرعية القائلة: "درء
      المفاسد مقدم على جلب المصالح"(1) .
أما القيام عند ذكر ولادته ( صلى الله عليه وسلم )، فالذي أذكره أنه في السنوات الأولى من إقامته في دمشق، كان لا يشترك مع الناس في القيام عنده، إذ كان يراه بدعة دخيلة على مجلس الذكر الذي هو الإصغاء إلى سيرة سيدنا رسول الله.. ولعله كان يتبع في ذلك ما ذكره ابن حجر الهيتهي في فتاواه الحديثية من أن القيام بحد ذاته بدعة. ولكن اجتهاده في  ذلك اختلف فيما بعد، فكان يشترك مع الناس في القيام . وأظن أنه إنما عدل عن رأيه الأول، ترجيحاً لما قد لاحظه من القصد إلى تعظيم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالقيام .. فالتعظيم مشروع بل مطلب، وأداة التعظيم عي اللغة وما اجتمع عليه عرف الناس مما لا يصادم نصاً ولا يخالف حكما شرعياً ثابتاً(2) .
وكان يعجبه الإنشاد الذي يتضمن الثناء على الله عز وجل، أو يتضمن مدح سيدنا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بالنهج المشروع، ويؤثر أن يكون المنشدون والسامعون على حالة من التأدب مع الله عز وجل، والأدب
 (1)    أقول: لو أن أرباب النحلة أدعياء السلفية  فصلوا هذا التفصيل في بيان حكم المولد والتداعي إليه، لأيدناهم في ذلك. ولكن العجب أنهم ينكرون أصل التلاقي على تلاوة سيرة رسول الله والصلاة عليه والمدح له، مهما كان المجلس خالياً من المنكرات، ومهما شاع فيه معنى ذكر الله عز وجل .. والغريب أنهم لا يرون في التداعي إلى دراسة سيرة محمد بن عبد الوهاب بمناسبة مرور كذا عام على ولادته أو وفاته في ظل ندوات ومؤتمرات ينفق عليها المال الوفير، بدعة محرمة .. فإذا تحول العمل ذاته إلى دراسة حياة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) والثناء عليه والصلاة عليه ،  تحول العمل كله عندئذ إلى بدعة محرمة، واتجه الهجوم عليه من كل صوب .. ترى لماذا تصبح البدعة عملا مشروعاً عندما تكون لصالح محمد بن عبد الهاب، وتبقى بدعة محرمة عندما تكون لصالح سيدنا محمد رسول الله ؟!!..
(2)     وللعلامة الكبير الشيخ محمد العطار رسالة قيمة بعنوان "استحباب القيام عند ذكر مولده عليه الصلاة والسلام" قمنا بنشرها مع عدد من رسائل علماء دمشق في هذا  الموضوع . (الناشر).




=-=-=-=-==-=--=-==-=-=

مع رسوله، لا أن يهتاجوا هياج من يبحثون عن الطرب بالأنغام والألحان .
وربما رأى فيهم من يصفق بيديه، لطرب استخفه، فينكر بشدة، وربما أخذه الغضب. إذ المجلس مجلس ذكر وثناء على الله وصلاة   على رسوله، والتصفيق رعونة أنكرها جمهور الفقهاء، فما ينبغي أن يشوب المجلس المبرور والمبارك شيء يخالف الشرع أو لا يتفق مع  آدابه .
وبعد هذا البيان الشافي و النقول المفيدة، والأقوال المجموعة المحررة نقدم كتاب الشيخ _ أبي الحسنين _ رحمه الله تعالى، وهو من أجلة علماء مكة المكرمة، ولعل مناسبة تأتي لترجمته بعون الله تعالى .
ولا ندعي له العصمة ولا الإحاطة ولا الصواب المطلق، ومن ادعى احتكار الصواب لنفسه أو لشيخه فهو أجل الخاطئين وأكذبهم أجمعين .
كما أننا نعلن أن هذا الكتاب ليس محاجة لخصوم الاحتفال بالمولد، لأنهم _ وقد اغتروا بأنفسهم واحتكروا الصواب لآرائهم _لن يقتنعوا، ولن يغيروا من مواقفهم لأن الاختلاف ليس طلباً للحق وإنما هو انتصار للعصبية والذات .
وليس المراد أن نلزمهم باجتهادنا، ولا نطلب منهم أن يتخلوا عما اختاروه لأنفسهم، فاللدد في الخصومة، والجدل خصيصتهم ووظيفتهم وتجارتهم، وطريق شهرتهم، وتحقيق شهوتهم .
ولكن المراد هو تحصين من لم يصب بداء التعصب والتقليد الأعمى، وتعريف من اغتر بأقوالهم وشبههم .
على أننا نذكر _ من باب الإنصاف والعدل في الحكم _أن هذا الكتاب والذي سبقه لا نقصد فيه الإساءة إلى أشخاص بأعينهم، ولا نعمم الحكم على كل من تمذهب بمذهب (السلفية) ففيهم من هو بريء من التعصب والهوى، طالب للحقيقة، وناشدٌ للصواب .
فنسأل الله سبحانه أن يؤلف بين قلوب المؤمنين، ويجمع  كلمتهم، ويرزقهم الحب والتعاون والإلفة ووحدة الكلمة، وسلامة المنهج، وأن يهدينا جميعاً لما اختلف فيه من الحق بإذنه، إنه يهدي     من يشاء إلى صراط مستقيم .
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين .

ليس كل شيء لم يفعله رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فهو بدعة ضلالة . 

قصة وعبرة ...حدث في مثل هذا العصر !!!
أحد إخواننا المصريين كان يعيش في أفغانستان فقال : دعوت إثنين من إخواننا إلى وجبة غداء . 
قال : فجاءا على دراجتيهما الهوائية فوضعا الدراجتين وصعدا إلى غرفة الضيوف ولما جاء وقت الغداء ذهبت وأحضرت مائدة الطعام ( وهي مائدة مدورة من الخشب يستخدمها إخواننا وأخواتنا المصريين ) فوضعتها ثم ذهبت لآتي
بالطعام فلما رجعت ذهلت لما رأيت المائدة محطمة وكل جزء في مكان !!!
... فقلت : ما هذا ؟
قالا : ما أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما على خوان قط . فقال : فأحرجت ماذا أقول لزوجتي ؟إ
يقول : فلما أنهيا أكلهما قمت بدون علمهم فأخذت حديدة ( جاكوج ) ونزلت فحطمت دراجتيهما !!!
فلما نزلا للمغادرة ورأيا دراجتيهما محطمة قالا : ما هذا ؟
قلت : ما ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم دراجة قط . إ إ إ
الفائدة : ليس كل شيء لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو بدعة ضلالة .


؛؛؛؛ هـــــــــــو والله خيــــــــــــــــــــــــــــــر !!!!! قصة وعبرة.
جاء عمر ابن الخطاب إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنهما بعدما إستشهد كثير من قراء الصحابة رضوان الله عليهم في حرب اليمامة ضد مسيلمة الكذاب فأشار عليه بجمع القرآن في مصحف واحد .
... أتدرون إخواني الكرام بماذا أجابه أبو بكر الصديق رضي الله عنهما ؟ قال له :
...... كيف نفعل ش...يئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ إ
وتدرون بماذا أجابه عمر ابن الخطاب ؟ لم يأتي له بآية من الكتاب ولا حديث من السنة ولم يقل له : أنت من الخلفاء الراشدين المهديين ولك أن تفعل ما تراه .
لا لا أبدا إ بل قال : هـــــــــــو والله خيــــــــــــــــــــــــــــــــــــر إ إ إ
فاقتنع أبوبكر الصديق برأي عمر بن الخطاب رضي الله عنهما بعد إلحاح ومجادلة ثم استدعوا زيد بن ثابت أعلم الصحابة بالفرائض رضي الله عنه وأخبروه بالمسألة .
أتدرون إخواني الكرام بماذا أجابهما زيد رضي الله عنهم ؟ قال لهما : كيف تفعلان شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ إ
الثلاثة يعلمون أنهم يريدون أن يفعلوا شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم . وتدرون بماذا أجابه أبو بكر الصديق ؟
لم يستدل بآية من الكتاب ولا بحديث من السنة ولا قال : أنا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسم . ولا قال عمر بن الخطاب : إن أبابكر من الخلفاء الراشدين ونحن السلف الصالح لنا أن نفعل ما نشاء إ إ إ .
لا لا أبدا بل قال أبو بكر الصديق له : والله هو خير إ إ إ حتى إقتنع زيد وكان يقول : والله لو كلفوني بنقل جبل لكان أهون علي من ذلك إ
ولهذا إعتبر العلماء جمع القرآن في مصحف واحد من البدع الحسنة إ
الثلاثة يعترفون بأنهم يفعلون شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم . ولم يستدلوا بآية من القرآن الكريم ولا بحديث من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يستدلوا بأنهم السلف الصالح لهم أن يسنوا ما يشاءون .
فجاء من بعدهم بقرون وقرون ليقولوا : إنهم لم يفعلوا شيئا جديدا يسمى بدعة حسنة ولم يكن عملهم بدعة . فلماذا إذن كانوا يهابون ذلك العمل ولاسيما أبوبكر وزيد ؟
فهل نحن أعلم منهم وأفهم وأفقه من السلف الصالح ؟ إ
ومن كلام عمر بن الخطاب ثم أبي بكر الصديق ( هو والله خير ) نفهم أن كل شيء كان خيرا ومصلحة حقيقية لا تعارض النصوص أي الكتاب والسنة ولا يخالفهما فهو جائز فعله بل مندوب ومستحب وأحيانا يكون واجبا . وللكلام بقية .