الأربعاء، 11 مارس 2020

💥حكم تغسيل من مات بفايروس كورونا او اي مرض معدٍ.

💥حكم تغسيل من مات بفايروس كورونا او اي مرض معدٍ.
السؤال: شيخنا ما حكم غسل من مات بفايروس كورونا المُعدي، وقد ينتقل المرض الى من يقوم بغلسه، ، فهل يجوز دفنه بلا غسل او تكفين وبطريقة تمنع التلوث وانتقال المرض؟ عافاكم الله تعالى وحفظكم.
الجواب: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:
فقد ذهب جمهور العلماء الى وجوب اكرام الميت وان السّنة تعجيل دفنه، وان غسل الميت المسلم فرض أو واجب على الكفاية، إذا انتفت الموانع من غسله وتكفينه، وهذا مذهب السلف ومنهم الائمة الاربعة.
قال الامام ابن نُجيم الحنفي في البحر الرائق [1/68] : (الْغُسْلُ فَرْضٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْكِفَايَةِ لِأَجْلِ الْمَيِّتِ ) .
وقال القاضي عبدالوهاب البغدادي في التلقين في الفقه المالكي [1/55] : (وغسل الميت المسلم واجب وصفته كصفة غسل الجنابة ويجتهد في تنظيفه وإزالة الأذى عنه على الميسور) . والقول الآخر عند المالكية أن غسل الميت سنة مؤكدة. [ينظر : حاشية الدسوقي 4/94، حاشية العدوي على كفاية الطالب 7/425 ].
وقال الامام الماوردي في الحاوي [3/10] : (غُسْلُ الْمَوْتَى وَتَكْفِينُهُمْ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِمْ وَدَفْنُهُمْ حكمه فَفَرْضٌ عَلَى كَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُلُّ بِهِ مُخَاطَبُونَ ، فَإِذَا قَامَ بِهِ بَعْضُهُمْ سَقَطَ الْفَرْضُ عَنْ بَاقِيهِمْ ).
وقال الامام المرداوي في الإنصاف [2/470]: (غُسْلُ الْمَيِّتِ وَتَكْفِينُهُ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَدَفْنُهُ: فَرْضُ كِفَايَةٍ بِلَا نِزَاعٍ )
👈واما تغسيل وتكفين من مات بمرض مُعدٍ ومنه وباء فايروس كرونا:
فقد ذكر الفقهاء احوالا قد يتعذر فيها غسل الميت مثل أن يكون الميت قد احترق جسده، ولو غُسِّل بالماء لتفسخ، أو تفسخت جثته من غرق وغيره، أو ربما كان سبب وفاته مرضاً من الأمراض المعدية كالجذام والطاعون وغيرها من الأمراض بحيث لو غُسِّل لربما انتقل المرض إلى مُغَسِّلِهِ .
فقد اجاز جمهور العلماء في هذه الحالة ترك الغسل والانتقال منه إلى صب الماء من غير دلك، ويمكن في وقتنا الحاضر ان يرش عليه من مسافة مناسبة بواسطة خرطوم المياه لتجنب انتقال العدوى ، فإن تعذر ذلك انتقل إلى التيمم .
قال الامام ابن قدامة المقدسي في الشرح الكبير [2/337] : (مَن تَعَذَّرَ غَسْلُه لعَدَمِ الماءِ، أو للخَوْفِ عليه مِن التَّقَطُّعِ بالغَسْلِ، كالمَجُدُورِ، والغَرِيقِ، والمُحْتَرِقِ يُمِّمَ إذا أمْكَنَ، كالحَيّ العادِمِ للماءِ، أو الذى يُؤْذِيه الماءُ، وإن أمْكَنَ غَسْلُ بعضِه غُسِّلَ ويُمِّمَ للباقِى، كالحَيّ ويَحْتَمِلُ ألَّا يُيَمَّمَ، ويُصَلَّى عليه على حَسَبِ حالِه ).
وقد ذهب اغلب العلماء المعاصرين الى جواز ترك غسل او تيمم المصاب اذا قرر اهل الاختصاص من الاطباء الحُذَّاق أن في الغسل والتيمم خطورة على من باشره بالرغم من اتخاذ كافة الإجراءات الوقائية اللازمة لمنع انتقال عدوى المرض إلى المباشرين للغسل أو التيمم ، ولا باس حينئذٍ بلفه بكيس مانع لانتقال العدوى ثم يصلى عليه من بعيد من غير غسل ولا تيمم ، ويمكن كذلك اقامة صلاة الجنازة على قبره بعد الدفن.
لان الضرورات تبيح المحظورات، وهي تقدر بقدرها، وهذا الاجراء مقيد بعدم وجود المختصين الذين لديهم الخبرة في التعامل مع مثل هذه الحالات أو لم تتوفر الوسائل الوقائية المناسبة للتعامل مع هذه الحالات.
وكذلك اذا اقتضت الحاجة دفنه في قبر عميق ثم يصب عليه من الإسمنت أو أية مادة مناسبة عازلة تجنبا لانتقال العدوى جاز، لأن مصلحة حرمة الحي وحفظ نفسه أولى من مصلحة حفظ جثة الميت.
وهذا هو المستطاع والمقدور عليه بالنسبة لهذه الحالة الاستثنائية الخطرة ،لقوله تعالى: { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن:16]، ولقوله عليه الصلاة والسلام في صحيح البخاري: ((اذا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ)) .
👈وقد قرر العلماء أن من مات بالأوبئة والامراض المزمنة كالطاعون والجدري والجذام وغيرها ، ويقاس عليها اليوم وباء فايروس كورونا فهو شهيد آخرة بأذن الله تعالى، لما رواه الامام البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: المَطْعُونُ، وَالمَبْطُونُ، وَالغَرِقُ، وَصَاحِبُ الهَدْمِ، وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)). وما رواه الامام احمد واللفظ له والامام مسلم عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - صلي الله عليه وسلم -: ((ما تعدون الشهيد فيكم))؟ قالوا: من قتل في سبيل الله، قال: ((إن شهداء أمتي إذاً لقليل، القتل في سبيل الله شهادة، والبطن شهادة، والغرق شهادة، والنفساء شهادة، والطاعون شهادة ((.
فيكون له أجر شهيد في الآخرة، لكنه في الدنيا يطبق عليه ما يطبق على الميت العادي، من غسل وكفن ودفن وصلاة عليه. الا اذا تعذر الامر كما في حالة المرض المعدي وكما نقلنا عن العلماء في الفتوى جزاهم الله خيرا.

الثلاثاء، 10 مارس 2020

هل كان الحكم العثماني للبلاد العربية احتلالا؟

الجدل حول تقييم الوجود العثماني
من القضايا اللصيقة بمُنحنى العلاقات بين الأتراك والعرب، هو ذلك الجدل حول تقييم الوجود العثماني في الدول العربية، هل كان فتحًا أم احتلالًا؟
فكلما كانت العلاقات بينهما طبيعية لا يشوبها خلافات سياسية، كلما كانت أبعد عن وصفها بالاحتلال، ولا يكاد تناوله يتجاوز العمل البحثي، بينما في وقت التأزّمات السياسية بين الطرفين تجد هذا التوصيف حاضرًا بقوة، تتلقفه وسائل الإعلام العربية لتجعل منه قضية رأي عام.
وتشهد هذه الفترة التي أعقبت الربيع العربي، انحدارا في مستوى العلاقات بين تركيا ودول عربية اندلعت فيها الثورات واحترم خلالها الأتراك إرادة هذه الشعوب، ودول عربية أخرى تخشى من المد الديموقراطي الذي يهدد حكم الأسر والعوائل الحاكمة بالوراثة، ومن ثم شرعت هذه الدول في إطلاق الأقلام والمنابر لإعادة فتح القضية وتقرير ما تزعم أنه "حقيقة" الاحتلال العثماني للوطن العربي.
وتبنت الدراما هذا الاتجاه، فكان أحدث إنتاج لها في هذا المضمار مسلسل "ممالك النار"، الذي صور الوجود العثماني على أنه احتلال، ناهيك عن عرض حقائق مغلوطة لتشويه التاريخ العثماني، كما نشطت مواقع التواصل الاجتماعي في هذا الشأن، وصارت هناك برامج على "يوتيوب" مخصصة لذلك.

الحقيقة تقول:
أولا: إن مصطلح الاحتلال العثماني لم يستخدمه أي مؤرخ عربي طيلة حكم العثمانيين للبلاد العربية الذي بلغ حوالي أربعمائة عام، فالكتب التاريخية الشهيرة التي تناولت الدولة العثمانية لم تصفها بالاحتلال، ككتاب ابن أبي السرور "المنح الرحمانية في تأريخ الدولة العثمانية"، وكتاب "واقعة السلطان الغوري مع سليم العثماني" أو ما يسمى "آخرة المماليك" لابن زمبل الرمّال، وكتاب ابن إياس المسمى بـ "بدائع الزهور في وقائع الدهور"، وغيرها من كتب المؤرخين العرب.

ثانيا: بعض المؤرخين القوميين العرب، هُم من استخدموا هذا المُصطلح، تأثرًا بهذه النعرة التي نالت من العرب والأتراك معًا في القرن الماضي، لذا حق لنا نتساءل: هل كانت هذه هي نظرة العرب للحكم العثماني؟ هل كانوا ينظرون إلى العثمانيين على أنهم محتلون؟

ثالثا: "الحامية العثمانية" هي التسمية التي اصطلح عليها العرب في الماضي لوصف القوات العثمانية المرابطة في بلادهم، ولتلك التسمية دلالة قوية على أنهم رأوا في العثمانيين حُماةً لهم، خاصة أن المجتمعات الإسلامية لم تكن تقدم رابطة على رابطة الدين، فارتبطوا بالدولة العثمانية التي تمثل السلطة الإسلامية الأقوى التي يحتمون فيها من العدوان الأوروبي آنذاك، وتتيح لهم بهذه الوشيجة الحفاظ على شعائرهم الدينية وعاداتهم وأعرافهم.
وأما حركات التمرد فلم تكن حركات استقلالية أو انفصالية عن الدولة العثمانية كما يرى المؤرخ المصري عبد العزيز الشناوي، بل كانت حركات تزعمها أصحاب عصبيات أو قادة عسكريون أو زعماء دينيون من أتباع مذاهب دينية استهدفوا الانفراد بشؤون الإدارة والمال، على أن تكون الولاية في الأعم الأغلب في نطاق الدولة العثمانية، على سبيل المثال: حركة علي بك الكبير في مصر، والنزاع بين الزيدية والعثمانيين في اليمن.

رابعا: هناك شواهد تاريخية تدل على أن العرب لم يكونوا ينظرون إلى العثمانيين على أنهم محتلون، مثل تلك الاستغاثات والنداءات التي أطلقها علماء وأعيان الشام ومصر لإنقاذهم من الحكم المملوكي، فقد ذكر الدكتور محمد حرب في كتابه "العثمانيون في التاريخ والحضارة" ترجمة لوثيقة تاريخية في متحف طوب كابي في إسطنبول تحمل رقم 11634 (26)، وهي عبارة عن رسالة من علماء ووجهاء وأعيان وأشراف أهل حلب إلى السلطان سليم الأول، يناشدونه تخليصهم من الحكم الشركسي، ويشكون إليه من الظلم وتعطيل الشريعة.
  كما ذكر الدكتور حرب في نفس الكتاب أن علماء مصر كانوا يراسلون السلطان لكي يأتي على رأس جيشه ويخلصهم من الحكم المملوكي، وهو ما يتوافق مع مضمون كتاب المؤرخ العثماني عبد الله رضوان في كتابه تاريخ مصر (مخطوط رقم 4971) بمكتبة بايزيد في إسطنبول، حيث ذكر أن علماء مصر كانوا يلتقون سرًا بكل سفير عثماني يأتي إلى مصر ويقصون شكواهم ويستنهضون السلطان لتخليصهم.

خامسا: لنا أن نتساءل كذلك: لماذا لم يُطلق على الحكم الفاطمي والأيوبي والمملوكي في مصر أنه احتلال، مع أنها أنظمة لم تنشأ من الداخل؟ السبب أن المسلمين كانوا يعتبرون هذه الدول امتدادا للحكم الإسلامي وأن تغيرها هو مجرد تغيير في النظام السياسي الذي يحكم، فالموضوعية إذن تحتم أن توصف هذه الأنظمة بالاحتلال أسوة بالحكم العثماني، وإلا فلا.

سادسا: من طبيعة المُحتل أنه لا يهتم إلا باستنزاف ثروات البلاد التي سيطر عليها كما هو معلوم، فلا يهتم بأحوالها إلا فيما يصب في اتجاه مصالحه الاستعمارية، لكن بالنظر إلى آثار الحكم العثماني في الدول العربية، يقف الباحث على ذلك الميراث الضخم الذي خلفه العثمانيون من أوقاف ومساجد ومدارس وخانات وووكالات تجارية وتكايا وأماكن خربة تم إعمارها، أضف إلى ذلك النظم الإدارية الدقيقة التي فرضوها في الولايات التابعة لهم كما جاء في تاريخ الدولة العلية العثمانية لمحمد فريد بك، والخطط التوفيقية لعلي باشا مبارك.

سابعا: مما ينفي أيضا عن الدولة العثمانية صفة الاحتلال، أن طيلة الأربعة قرون التي سبقت عزل السلطان عبد الحميد، لم يُسمع عن علماء الدين المعتبرين من العرب دعوتهم للخروج على الحكم العثماني، وهو أمرٌ جديرٌ بالاهتمام، فعادة العلماء أنهم يعملون على تثوير الشعوب ضد المحتلين انطلاقا من واجبهم الديني تجاه الأمة على اعتبار أنهم قادة للرأي.

هل كان الحكم العثماني للبلاد العربية احتلالا؟  (مقال تحليلي - مرصد تفنيد الأكاذيب)
ثامنا: طبيعة المحتلين أنهم يفرضون لغتهم على البلاد التي يسيطرون عليها، وأقرب مثال على ذلك تأثر الشعب الجزائري باللغة الفرنسية التي فرضت عليهم فرضا من الاحتلال الفرنسي، أما اللغة العثمانية، فإنها لم تفرض نفسها على الشعوب الناطقة بالعربية التابعة للحكم العثماني، بل كان هناك تفاعلا طبيعيًا وتأثيرًا متبادلًا بين اللغتين، بل يمكن القول أن العثمانيين تأثروا باللغة العربية أكثر من تأثر العرب باللغة العثمانية، نتيجة لأن اللغة العربية هي لغة القرآن الكريم.

أخيرا.. ينبغي الإشارة إلى أن الحكم العثماني للدول العربية لم يكن على مستوى واحد طيلة الحقب التاريخية، فقد مر بفترات من القوة والضعف، وفترات من العدل والجور، شأنه كشأن الأنظمة الحاكمة.
ولئن كان تقييم الحكم العثماني أصبح مسألة نظرية في الوقت الحاضر، إلا أن القضية يتم توظيفها سياسيا ضد التحركات التركية الراهنة في المنطقة والرامية إلى حفظ أمنها القومي، ويستهدف القوى الناعمة التركية التي تنقل الثقافة التركية إلى الشعوب العربية، فمن ثم وجب الرد على تلك القضية الحاضرة بقوة في الخصومة السياسية مع تركيا.

الأحد، 8 مارس 2020

ماذا يحدث لفيروس كورونا في الجو الحار وهل سيختفي بالصيف؟

ماذا يحدث لفيروس كورونا في الجو الحار وهل سيختفي بالصيف؟

لفيروس كورونا المستجد قدرة على التكاثر في الجهاز التنفسي العلوي (دويتشه فيلله)

يثير فيروس كورونا المستجد "كوفيد-19" لبسا، وتضيع الحقيقة العلمية وسط تداول كمية هائلة من المعلومات غير الدقيقة. في هذا الموضوع نوجز آخر ما توصلت له الأبحاث العلمية وتقييم الخبراء والسلطات الصحية في ألمانيا ومنظمة الصحة العالمية.
ماذا يحدث لفيروس كورونا في الطقس الدافئ أو الحار وهل سيختفي في الصيف؟
لا يزال من السابق لأوانه معرفة كيفية تفاعل فيروس كورونا المستجد "كوفيد-19" مع الطقس الحار، وإن كان معروفا عن الفيروسات الأخرى من نوع كورونا، انتشارها ببطء شديد في الأوساط الدافئة. ويُعتقد أن السبب يكمن في الأشعة فوق البنفسجية التي تكون أقوى في الأشهر الدافئة والتي تقلص مدة بقاء الفيروسات في الهواء أو على الأسطح، حيث تفقد الكثير من السوائل وتموت. وعموما يمكن افتراض أن الطقس الحار قد يؤدي إلى عدد أقل من الإصابات بالفيروس.
مع ذلك، فقد قالت منظمة الصحة العالمية -الجمعة- إن من الخطأ الاعتقاد بأن فيروس كورونا سيختفي خلال فصل الصيف. وقللت المنظمة من شأن التوقعات بانحسار فيروس كورونا، واعتبرت أنه من الخطأ الاعتقاد بأن الفيروس سيختفي خلال فصل الصيف كما لو كان مجرد إنفلونزا.
ما مدى خطورة فيروس كورونا؟
وصف معهد روبرت كوخ خطر فيروس كورونا المستجد "كوفيد-19" على صحة الألمان بأنه "معتدل". وسبب ذلك يعود إلى أن مسار المرض غالبا ما يكون عاديا ولا يتخذ أشكالا حادة. غير أن الأمر يختلف لدى كبار السن أو الأشخاص الذين يعانون من أمراض سابقة. في هذه الحال يمكن للمرض أن يتخذ أشكالا حرجة قد تؤدي أحيانا للوفاة.

معهد روبرت كوخ وصف خطر فيروس كورونا المستجد "كوفيد-19" على صحة الألمان بأنه "معتدل" (رويترز)
معهد روبرت كوخ وصف خطر فيروس كورونا المستجد "كوفيد-19" على صحة الألمان بأنه "معتدل" (رويترز)
ما قدرة الفيروس الحقيقية على القتل؟
الواقع أن الباحثين لم يتمكنوا بعد من تقدير دقيق لمدى قدرة الفيروس القاتلة. ويفترض معهد روبرت كوخ أن 2% من كل مئة مصاب يموتون بسبب الفيروس. في بؤرة الفيروس الأولى (إقليم هوبي بالصين) أشارت السلطات الصينية إلى النسبة تصل 2.9%، غير أن العديد من الخبراء الألمان يعتبرون هذا الرقم مبالغا فيه.
والسبب هو أن الإحصاءات لا تأخذ بالحسبان، في الغالب، الأشخاص المصابين بأعراض ضعيفة أو معدومة. وبالتالي فإن النسبة المتداولة إعلاميا حول الحالات الحرجة التي تؤدي للوفيات مبالغ فيها. ويعتبر عالم الفيروسات الألماني كريستيان دروستن أن النسبة الحقيقية تقل عن 0.7%. ومع ذلك، لن تتوفر أرقام موثوقة ونهائية إلا في غضون بضعة أشهر.
ما قوة الفيروس وقدرته على الانتشار؟
لفيروس كورونا المستجد قدرة على التكاثر في الجهاز التنفسي العلوي، وهي حقيقة جعلت الباحثين يرفعون درجة قدرته على العدوى والانتشار، عكس ما كانوا يعتقدونه في البداية.
ويرى كريستيان دروستن أن 5% إلى 10% من الأشخاص الذين هم على اتصال بشخص مصاب، تُنقل لهم العدوى. وبالتالي فإن فيروس كورونا المستجد أكثر عدوى من عشر إلى عشرين مرة، مقارنة بفيروس سارس الذي تسبب في حدوث وباء عالمي بين عامي 2002/ 2003.
ووفقا لمعهد روبرت كوخ، فإن أي شخص كان خلال 15 دقيقة على الأقل، موجودا بقرب شخص مُصاب، يُعتبر شخصا مخالطا لمصاب بالعدوى. ويعتقد الخبراء أن حوالي 60% من مجموع السكان، يمكن أن يصابوا نظريا، بفيروس كورونا المستجد، وعندها فقط سيكون عدد كافٍ من الناس محصنين ضد الفيروس المستجد. لأنه بمجرد الإصابة به مرة، فلا يمكن عادة الإصابة به مرة أخرى. و60% هي نسبة نظرية ليكون فيها عدد كافٍ من الناس يتمتعون بالحصانة. وآنذاك فقط لن يتمكن الفيروس المستجد من مواصلة الانتشار. ويرى باتريك هينرفيلد محرر الشؤون العلمية في شبكة (SWR) الإعلامية الألمانية أن سيناريو إصابة 60% من مجموع السكان قد يكون واقعيا.
هل يمكن الإصابة بالفيروس مرة ثانية؟
بعد الإصابة بالفيروس للمرة الأولى يمكن لجهاز المناعة أن يتفاعل بسرعة أكبر مع العدوى الثانية ويشكل الأجسام المضادة المناسبة. وبالتالي، فمن الناحية المبدئية، لا يمكن الإصابة بالفيروس مرة ثانية. ولكن إذا تحول الفيروس أكثر من اللازم، فيمكن الإصابة به مرة أخرى. ففيروسات الإنفلونزا تتحول وتتغير باستمرار، ولذلك يجب تطوير لقاحات جديدة كل عام.
ما المدة الفاصلة بين الإصابة وظهور الأعراض؟
إذا أصيب شخص ما بالفيروس المستجد، تظهر الأعراض الأولى عادة بعد خمسة إلى ستة أيام، وفقا لمنظمة الصحة العالمية. غير أن هناك حالات فردية، يمكن أن تستمر فيها فترة حضانة الفيروس مدة قد تصل إلى 14 يوما. لذلك، يجب وضع الأشخاص المشتبه في إصابتهم بالحجر الصحي لمدة تصل إلى أسبوعين.
مَن الأشخاص الأكثر عرضة للخطر؟
تظهر الأرقام في الصين أن كبار السن، هم الأكثر عرضة للوفيات بسبب الفيروس. وقد قام العلماء بدراسة وتقييم حوالي ألف حالة وفاة، أظهرت أن الأشخاص فوق الستين معرضون للخطر بشكل خاص. ومع ذلك يجب أخذ هذا المعطى بحذر، فقد يتعلق الأمر وباحتمال كبير، بالسوابق المرضية للمعنيين، وفقا لمنظمة الصحة العالمية. ومن بين هذه الأمراض، في المقام الأول، ارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب والرئة والسرطان أو السكري. قد يكون هذا أحد الأسباب وراء الوفيات في الصين بين الذين تزيد أعمارهم على 60 عاما. كما أظهرت الدراسة أن الرجال، حاليا، معرضون لخطر الفيروس أكثر من النساء.
وفقا لمنظمة الصحة العالمية، لم يصب الأطفال، إلا في حالات محدودة بالفيروس المستجد. ولا يزال سبب هذا الأمر غامضا، وإن كان بعض الأطباء يفترضون أن فيروس كورونا أقل قدرة على الارتباط بمستقبلات معينة لدى الأطفال.

 الباحثون يعملون على قدم وساق في مختلف أنحاء العالم على تطوير لقاح ضد فيروس كورونا (غيتي)
 الباحثون يعملون على قدم وساق في مختلف أنحاء العالم على تطوير لقاح ضد فيروس كورونا (غيتي)
هل هناك أدوية مضادة لفيروس كورونا؟
حتى الآن، لا يوجد هناك دواء فعال ضد الفيروس، فالكثير من المصابين تكون لديهم أعراض خفيفة (حوالي 80% من الحالات المسجلة) وهم لا يحتاجون إلى العلاج على الإطلاق. ووفقا لدراسة أولى من الصين، فإن أقل من 5% فقط من الحالات يمكن وصفها بالحرجة. وهنا يمكن التخفيف من أعراض المرض ولكن لا يوجد بعد دواء يقضي عليه تماما.


متى سيتم طرح لقاح مضاد للفيروس المستجد؟
يعمل الباحثون على قدم وساق في مختلف أنحاء العالم على تطوير لقاح ضد الفيروس. غير أنه من شبه المؤكد أنه لن يكون هناك لقاح متاح للجميع قبل نهاية العام الجاري. وفي ألمانيا، تسارع عدة مختبرات بحثية الزمن في ماربورغ وميونيخ وتوبنغن لتطوير لقاح مضاد للفيروس. وحتى الآن، لا توجد هناك دراسات وصلت للمرحلة السريرية. وهذا يعني، أن لا أحد يجري حاليا تجارب على البشر. وإنما تقتصر التجارب على الحيوانات فقط.
ما قدرة الفيروس على البقاء حيا فوق الأسطح؟
لا تزال تنقصنا الدقة لتحديد المدة التي يبقى فيها فيروس كورونا حيا على الأسطح مختلفة. لكننا نعرف أن فيروسات كورونا مُغلفة. ويفترض الخبراء بالتالي أن الفيروس قادر على البقاء حيا ومعديا لمدة أربعة أيام على مختلف السطوح. ويرى معهد روبرت كوخ أن طرق انتقال العدوى الأساسية تتم عبر الجهاز التنفسي. وبالتالي فمن غير المرجح الإصابة بالعدوى، على سبيل المثال، بواسطة البضائع المستوردة مثل الأغذية والألعاب والأدوات وأجهزة الحاسوب.. إلخ.
هل يمكن انتقال العدوى للحيوانات المنزلية الأليفة؟
يُعتقد أن أصل فيروس كورونا المستجد من الخفافيش، وبالتالي فهو قادر مبدئيا على البقاء على قيد الحياة وينتعش في الأعضاء الداخلية للحيوانات، لكن انتقال الفيروس من البشر إلى الحيوانات الأليفة لم يثبت بعد، وهناك حالة وحيدة غير مؤكدة في كوريا الجنوبية.
المصدر : وكالات,الجزيرة,دويتشه فيلله

السبت، 7 مارس 2020

هل عمل المرأة خارج منزلها حرام ؟

هل عمل المرأة خارج منزلها حرام ؟
هذا السؤال يطرح ليس استفتاءا عند بعض الناس بل مناكفة لمن يرى ان الاصل هو قرار المرأة في البيت فيقال او -يُشغب- على صاحب القول بإن يعكس عليه السؤال !
بداية لا بد ان نضع بديهيتين لا بد منها
1- ان الاصل في العلمانية هو خروج المرأة من منزلها لتعرض نفسها ومفاتنها في الطرقات والاعمال
2- أنّ الاصل في الاسلام هو قرار المرأة في بيتها لقوله تعالى 《وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الاولى》فهذا الاصل القرآني شامل لكل نساء المسلمين في كل الازمان !
ولكن هل هذا يعني حبس المراة في المنزل حتى تموت ؟
هكذا يفهم حمقى العلمانيين الاية الكريمة ..
من قال ان المرأة تحبس في البيت اصلا ؟
وألم تكن تخرج النساء في زمن النبي لحضور الصلاة ؟
الاية ببساطة تتكلم عن اصل حال المرأة انه القرار في بيتها وذلك ابتعادا عن اماكن وجود الرجال والاختلاط بهم .
ولكن المرأة تخرج من بيتها لزيارة اقاربها او لطلب علم او لقضاء حاجة او غيرها من الامور التي تتطلبها الحياة ..
وها نصل الى سؤالنا الاصلي , هل عمل المرأة خارج منزلها حرام ؟
في الحقيقة لا بد ان نبحث عن ما هو عمل المرأة اصلا ؟
فالجواب ينقسم الى ثلاثة نقاط
1- هناك اعمال ينبغي شرعا على المراة الدخول فيها كتطبيب النساء وتعليم الفتيات في المدارس او مراكز التحفيظ ..
2- هناك اعمال ليس بالضرورة وجود المراة فيها كالمحاكم والاختصاصات الهندسية والفنية ولكن ان حصل وجود المرأة فيها يكون اضطرارا .
3- هناك صنف من الاعمال تأثم المرأة والله اعلم لوجودها فيها كأن تكون المرأة ميكانكية سيارات او مضيفة في مطار وغيرها من هذه الاعمال .
فلا يمكن ان نحكم على كل الاعمال التي تدخلها المرأة انها شرعية من عدمه الا بعد ان ننظر في حال العمل ومدى الاختلاط فيه ومدى امتهانه لكرامة المرأة
الان سوف يقول البعض
هناك نساء مضطرة لتعمل كذا وكذا لتعيل اطفالها في حال وفاة زوجها ..
نحن قلنا مسبقا ان الاصل قائم لا تلغيه الضرورة وهي تقدر بقدرها
والله المستعان

الجمعة، 6 مارس 2020

💥حكم لبس الكمامة في الصلاة ؟


💥حكم لبس الكمامة في الصلاة
السؤال: شيخنا هل يجوز لبس الكمامة في الصلاة بعد انتشار فايروس كورونا اليوم لمنع انتقال العدوى؟ جزاكم الله خيرا
الجواب: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:
فقد اتفق الفقهاء من الائمة الاربعة على كراهة التلثم [وهو تغطية الفم والانف] في الصلاة للرجل والمرأة لغير حاجة ؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يغطي الرجل فاه في الصلاة) رواه أبو داود وابن ماجه.
وهي كراهة تنزيهيه لا تمنع صحة الصلاة كما ذكر النووي في المجموع 3/175.
وأما التلثم لحاجة بوضع الكمام الذي يجعل على الفم والأنف ونحوه فجائز ، لأن الكراهة تندفع مع وجود الحاجة، وهي تُنزل منزل الضرورة ،وعليه فلا كراهة في وضع الكمامة للوقاية من الأمراض أو خشية من العدوى كما في هذه الأيام من الانفلونزا وغيرها من الامراض ،او من البرد او الغبار، أو سائر المؤذيات عموما مثل دخان السيارات أو روائح الثوم والبصل أو روائح القمامات وما أشبهها، فلا بأس بلبس هذه الكمامات.
(أما التلثم فيمنع إذا كان لكِبر ونحوه، ويكره لغير ذلك، إلا أن يكون ذلك شأنه، كأهل المئونة، أو كان في شغل عمله من أجله فيستمر عليه) . [شرح إرشاد السالك في مذهب إمام الأئمة مالك 1/190].
وعليه فلا حرج من لبس الكمامة في الصلاة لحاجة وكإجراء احترازي من انتشار المرض او لسبب اخر مثل البرد والغبار و شم رائحة مؤذية ، وهذا من باب الاخذ بالأسباب وهو من تمام التوكل على الله تعالى ولا ينافيه ابدا ، وخصوصا في هذه الأيام مع انتتشار هذا الوباء ومع شدة الزحام الذي تزيد فيه نسبة العدوى.
واما من منع ذلك بحجة ما جاء في النهي عن تغطية الرجل فاه في الصلاة في حديث ابي هريرة الذي مر ذكره آنفا فمردود عليه ،لان الحديث مختلف فيه ، فذهب كثير من العلماء الى تضعيفه ، وحسنه بعضهم. فهي مسألة خلافية يسوغ الاختلاف فيها . والله تعالى اعلم
ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏‏شخص أو أكثر‏، ‏أشخاص يجلسون‏‏ و‏أشخاص نائمون‏‏‏

الاثنين، 2 مارس 2020

💥ما حكم التطهر بماء زمزم ؟


 
السؤال: شيخنا كنت اتوضأ في العمرة بماء زمزم واغتسل به احيانا ، ولكن احدهم نهاني وقال: لا يجوز الوضوء والغسل بماء زمزم لأنه ماء مبارك، افتونا مأجورين.
الجواب: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:
فقد اختلف الفقهاء في جواز التطهر بماء زمزم على قولين :-
القول الاول: جواز الوضوء والغسل بماء زمزم، تبركاً وتشريفاً ولعدم ثبوت نهي فيه، ولأنه ماء طهور فأشبه سائر المياه .
وهـذا مذهـب جمهور الفقهاء، منهـم الحنفية والمالكية والشافعية ورواية عند الحنابلة.
وكره الحنفية استعماله في إزالة الخبث حاشية [ابن عابدين 1/180].
وإزالة النجاسة بماء زمزم خلاف الأولى عند الشافعية [إعانة الطالبين 1/107]
ويحرم إزالة النجاسة فقط في قول في مذهب الحنابلة [الإنصاف 1/27، 29].
لان الحدث ليس فيه إهانة لماء زمزم؛ لأنه ماء طهور، لاقى بدنًا طاهرًا، بخلاف الخبث، فإن فيه إهانة، وهو ماء مبارك ليس كسائر المياه.
واحتج الجمهور بما يأتي :
1 – حديث انس بن مالك -رضي الله عنه- قال: (( رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-وحانت صلاة العصر فالتمس الناس الوضوء فلم يجدوا فأُتي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بوضوء فوضع في ذلك الاناء يده وامر الناس ان يتوضؤوا منه فرأيت الماء ينبع من تحت اصابعه حتى توضؤا من عند اخرهم )) متفق عليه.
وجه الدلالة : ان الماء الشريف يجوز رفع الحدث به وماء زمزم مثله ماء شريف متبرك به فلا بأس برفع الحدث به .
2 –حديث علي بن ابي طالب -رضي الله عنه-: ((ان رسول الله-صلى الله عليه وسلم- دعا بسجل من ماء زمزم فشرب منه وتوضأ)). [مسند الامام احمد ، السنن الكبرى للبيهقي، وحسّنه الشيخ الالباني في ارواء الغليل برقم 1124].
3 –حديث ابي ذر الغفاري-رضي الله عنه- : (انه ازال به الدم الذي ادمته قريش حين جرحوه) . رواه مسلم.
4 – ثبوت غسل اسماء بنت ابي بكر -رضي الله عنها- ولدها عبد الله بن الزبير -رضي الله عنهما- حين قتل وتقطعت اوصاله بماء زمزم بمحضر من الصحابة وغيرهم ولم ينكر ذلك احد.
ووجه الدلالة في النصين واضح اذ لو كان هناك نهي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأنكر الصحابة ذلك .
القول الثاني : يكره التطهر بماء زمزم لان ذلك ينافي التشريف والتكريم .
وهذا مذهب العباس بن عبد المطلب -رضي الله عنه- حيث نقل عنه انه قال في ماء زمزم : (لا احلها لمغسل لكن لمحرم لشارب حل وبل) [رواه ابن أبي شيبة 1/ 36]. وهو رواية عن الامام احمد بن حنبل.
واُجيب : نهي العباس عن الاغتسال من ماء زمزم لعلة وهي تنزيه المسجد من التعري، او لقلة الماء وكثرة الشارب فيضيق ذلك على الناس، فلا يحمل النهي هنا للتحريم . ثم ان العباس -رضي الله عنه- لم يرفع التحريم للنبي عليه الصلاة والسلام فهو اذاً من قبيل الموقوف عليه .
👍المفتى به:
هو قول الجمهور بجواز الوضوء والغسل بماء زمزم ، وذلك لعدم ثبوت نهي عن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- عن ذلك، ولصحة ما استدل به الجمهور، وانه ماء طهور كسائر المياه ، وان شرفه لا يلزم منه التحريم، فهو كالماء الذي نبع بين اصابع النبي -صلى الله عليه وسلم- وتوضأ منه الناس .
وكذلك من المعلوم ان هاجر وابنها -عليهما السلام- لم تكن تستعمل ماءاً سواه وكذلك من نزل معها وبعدها من العرب، ( فشرع من قبلنا شرع لنا اذا لم يثبت في شرعنا ناسخ له على التعيين ) .
وكذلك لا يوجد دليل يمنع إزالة الخبث به، لكن إن وجد غيره في إزالة الخبث، فتركه أولى، وإن لم يوجد غيره، فلا مانع من إزالة الخبث به، بشرط ان يكون في مواضع الوضوء وليس من مبردات شرب الماء. والله تعالى اعلم .

السبت، 29 فبراير 2020

طاولة السفرة .. !

طاولة السفرة
دعا الأخ إخوانه إلى الطعام ، وطار مسرورا وفرحا بتلبية الدعوة ، واجتماع الشمل ، فالحياة متع ، ومن أمتع متعها عند الصالحين اجتماع الأخوة في الله على الطعام ، وكلما زاد السرور والحبور ، وأقبل أهل البيت على إعداد الطعام بشوق ونفس طيبة ، لأنه طعام يقدم للصالحين الأتقياء .
استعدت الأسرة لاستقبال هذه القلوب الخيرة ، لتناول الطعام ، وليسود الوثام ، ويفوز أهل البيت بدعاء الصالحين . فاجتهدت ربة البيت ، وقدمت الطعام البسيط ، في تنسيق بديع ، وطهي متقن . ووضعت ذلك على طاولة نظيفة ، صفت حولها الكراسي بعدد الحضور .
فلما تم الأمر ، واطمأن صاحب الدعوة على التنسيق الطعام ، وحسن توزيعه أمام الضيوف ، وحانت لحظة الانتقال ؛ تقدم فدعا إخوانه إلى الطعام في الحجرة المجاورة .
انتقلوا إلى الحجرة المجاورة ، وما إن تقدم أحدهم ـــ وقد كان شابا متحمسا للإسلام مسموع الكلمة بينهم ـــ حتى رفض الأكل على الطاولة ، معتبرا ذلك مخالفة للسنة ، فإن النبي (ص) (( لم يأكل على خوان قط)).
أحدث الموقف ضجة وربكة ، وأثار امتعاضا وبلبلة ، وتقدمت الأيد فرفعت الطعام عن الطاولة ، فمن حامل للصحون ، إلى حامل للملاعق ، إلى رافع الأكواب ...و...و...
أخرجت الطاولة حتى يتسع المكان ويتمكنوا من فرش الأرض ، وأخرجت الكراسي حيث لا لزوم لها ، وفرشت أوراق الجرائد!!! ووضع الطعام عليها ، وتحلق القوم بين راض وساخط ، مقر ومعترض .
أما صاحب الدعوة فقد آلمه هذا الصنيع ، وأفقده الإحساس بالرضى ، ومما لا شك فيه أن أهله أشد منه امتعاضا ، فما من امرأة في الوجود إلا وتعتبر جودة الطعام ، ودقة إعداده ، وحسن تنسيقه من أهم اختصاصاتها ، يسعدها الثناء عليها في ذلك ، ويسوؤها أن تضيع جهودها عبثا ويؤلمها أن تتفوق امرأة أخرى عليها
أكلوا الطعام بين راض وساخط ، مستريح ومنغص عليه ، وكثرت الاعتراضات والمداخلات والتساؤلات حول الابقاء على منضدة السفرة أم إلغائها واستبدالها بجلسة أرضية
...و...و...
الإسلام دين الذوق الرفيع ، والإحساس المرهف ببدائع صنع الله ، وهو دعوة إلى الترقي في حياة الفرد المسلم ، وفي حياة الجماعة المسملة يوما بعد يوم .
والإسلام مع التطور والتقدم نحو الرقي والكمال بمعناها الحقيقي الذي يجعل الإنسان في سعادة وهناء ، لا التطور الوهمي الواقف عند القشور غير النافذ إلى اللباب . ولقد نعى القرآن الكريم على أولئك الجامدين الواقفين عند القديم ـــ من حيث هو قديم ـــ دون استخدام العقل فيما يفيد الإنسان ، فقال تعالى : ((قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون ، قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون ، أنتم وآباؤكم الأقدمون) [الشعراء:74ـ76]. والإسلام لا يمانع أن نكتسب عادات حسنة من غيرنا ، إن كانت صالحة لنا وللحياة ، وليس لها تأثير سلبي على عقيدتنا ، بل يحصن أتباعه على البحث عن كل نافع في الحياة يعين على أمر الله في يسر وسهولة ، وكلما كان الأمر أيسر على الإنسان ، كان الإسلام إليه أميل ، ما لم يكن إثما أو قطيعة رحم .
ومن المسلمات أن رسول الله (ص) عندها أرسل ، لم يرسل لنسف قواعد المجتمع القائم من أساسها ، ولكنه بعث لتصحيح الانحراف في العقيدة ، وما تبعه من انحراف وخلل في السلوك . أما ما كان حسنا ، موافقا الفطرة والهدى ؛ فقد أقرهم عليه ولم يلغه . وهذا واضح تماما في موضوع الأنكحة في الجاهلية ، حيث أبطل ما لا يتفوق والفطرة ، وأبقى الأسلوب أو النهج الحسن ، الذي يرضى عنه االله تعالى ، وفيه مصلحة الأطراف جميعها . ففي صحيح البخاري عن عروة بن الزبير أن عائشة (رضي الله عنها) زوج النبي (ص) أخبرته أن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء ، منها نكاح الناس اليوم ، يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته فيصدقها ثم ينكحها ، وهذا الذي أقرهم الاسلام عليه وألغى الثلاثة الأخرى وهي :نكاح الاستبضاع ، والعشرة يدخلون على المرأة الواحدة ، والبغاء (1) . وواضح أيضاً في موضوع حلف الفضول الذي قال عنه الرسول (صلى الله عليه وسلم): (( لو دعيت به في الإسلام لأجبت ))(2).
فهو إذن لا يلغي كل شيء من المجتمع ، بل يلغي السيىء ، ويبقى على الحسن .
ومن المعلوم أيضاً أن السنة : قول أو فعل أو تقرير ، وعندما يقر النبي (صلى الله عليه وسلم) إنساناً على شيء فقد وافقه ، ويلمح في الإقرار جانب طبيعة الناس وعاداتهم المتأصلة فيهم ، فهو إن أقر شيئاً ، أقر عادة أو فهماً أو رأياً أو سلوكاً ، وهذه الأمور لا تنبت من فراغ ، بل من خلفية عند الإنسان ، هي المجتمع وما يسود فيه من قيم فكرية أو سلوكية... الخ.
أما السنة الفعلية ، فهي تصنف تحت العزائم ،فما يفعله الرسول (صلى الله عليه وسلم) قد لا يستطيع فعله عموم الناس ، فمن يستطيع أن يصوم صومه ؟ أو قيامه؟ أو يذكر الله ذكره ؟... الخ ولذا فهي لأصحاب العزائم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) انظر الحديث في فتح الباري ج9 ص 150.
(2) فقه السيرة للشيخ محمد الغزالي ص 75 ط الرابعة دار الكتب الحديثة .
أما السنة القولية ، فهي تصنف في الرخص ، وهي لعامة الناس وخاصتهم ، ولذا يقول (صلى الله عليه وسلم) : (( ... فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ))(1).
ومن المعلوم أيضاً ، أن سلوك الرسول (صلى الله عليه وسلم) في حياته قسمان : قسم لكونه نبي ، فنحن متأسون به فيه ، ولنا الأجر لقوله تعالى : (بقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) [ الأحزاب:21]. وقس خاص به لكونه بشر ، نقلده ونتبعه إن أردنا ، دون إلزام ، أو لا تتبعه فيه دون أن يكون علينا إثم أو مؤاخذة ، من ذلك: عدم أكله الضب ن فلما قال له خالد بن الوليد (رضي الله عنه) : أحرام الضب يا رسول الله ؟ قال: ((لا ، ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعاقة )) (2) فهذا جانب شخصي بحت .
هذه مقدمة تيسر لنا الدخول في صلب موضوعنا ، وهو تناول الطعام على طاولة السفرة .
أما الحديث الذي استشهد به المعترض على طاولة السفرة فهو لأنس (رضي الله عنه) وله روايتان في صحيح البخاري :
الأول : عن قتادة عن أنس (رضي الله عنه) قال : لم يأكل النبي (ص) على خوان حتى مات ، وما أكل خبزا مرفقا حتى مات ))(3).
(1) متفق عليه . اللؤلؤ والمرجان ص 309 حديث 846 .
(2) متفق عليه . اللؤلؤ والمرجاني ص 507 حديث 1273
(3) فتح الباري ج 11 ص 234
والثانية : عن قتادة عن أنس (رضي الله عنه) قال : ما علمت النبي (ص) أكل على سكرجة قط ، ولا خبز له مرفق قط ، ولا أكل على خوان قط . قيل لقتادة فعلى ما كانوا يأكلون ؟ قال : على الشفرة)) (1) .
ورد في هاتين : الروايتين ثلاث كلمات ، في حاجة لتوضيح وهي : خوان ، سكرجه ، السفر.
أما الخوان : فهو المائدة ما لم يكن عليها الطعام ، وهي ما يؤكل عليه ، أو يوضع عليه الطعام للأكل ، وهو شيء مرتفع عن الأرض ، ويشبهه في زمننا هذا المنضدة (الطاولة) والطبلية ، وكل ما يرتفع عن الأرض . والكلمة (خوان) معربة .
والسكرجة : قصعة مدهون، وقيل قصعة لها قوائم ، وهي أيضا إناء صغير يؤكل فيه الشيء القليل من الإدم . وهي (فارسية) . ويشبهها في زماننا الصحون العميقة والسلطانيات ... الخ ..
والسفر : جمع سفرة ، والسفرة طعام المسافر ، وما يحمل فيه هذا الطعام من منديل ونحوه ، وسميث سفرة لأنها تبسط إذا أكل عليها .
ويشبهها في زماننا مفارش النايلون ، والخوص ، والورق ، والمشمع ... الخ ما يوضع على الأرض مباشرة (2) .
والسؤال الآن : لماذا لم يأكل النبي (ص) على هذه الأشياء أو فيها أو يستعملها؟
(1) فتح الباري ج 9 ص 438
(2) انظر في هذا الشرح : فتح الباري ، لسان العرب المحيط ، المعجم الوسيط.
والجواب : إما لأنها كانت غير معروفة لهم ، أو معروفة ولكنها غير منتشرة . وإما زهدا من النبي صلى الله عليه وسلم .
ولنناقش هذين الجوابين حتى نصل إلى الحقيقة ، ولنقف عند الجواب الأول : أنها غير منتشرة عندهم وفي زمانهم .
قال العسقلاني في الفتح ( ج 9 ص 438)
: (( قال شيخنا في شرح الترمذي : تركه الأكل في السكرجة إما لكونها لم تكن تصنع عندهم غذ ذاك ، أو استصغارا لها ، لأن عادتهم الاجتماع على الأكل ،
أو لأنها ... كانت لوضع الأشياء التي تعين على الهضم ، ولم يكونوا غالبا يشبعون ، فلم يكن لهم حاجة بالهضم)).
ويؤكد هذا الرأي أن أنسا ( رضي الله عنه) كان من آخر الصحابة وفاة ، فقد عمر حتى بلغ مئة وثلاث سنين ، ومات سنة ثلاث وتسعين من الهجرة (1) في خلافة الوليد بن عبد الملك (3) وقد استعمله أبو موسى الأشعري (رضي الله عنه) عندما كان واليا على البصرة ، فجعله عاملا له على فارس (3) .
إذن فقد عاش أنس (رضي الله عنه) حتى فتحت البلاد مثل فارس والروم ، واختلطت الشعوب ، ودخلت عادات وكلمات لم يكن للعرب عهد أو علم لها ، أو كان لهم ، ولكنها لم تكن منتشرة في محيطهم مثل خوان وسكرجة . وهذا يؤكد أن كلام أنس (رضي الله عنه)
_______________________
(1) أنس بن مالك لعبد الحميد طهماز ص 174
(2)تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 209
(3) أن بن مالك لعبد الحميد طهماز ص 157
عنه ) حدث بعد انتشار هذه الأشياء في بيوت المسلمين على أثر احتكاكهم بالفرس ، لا سيما وقد عمل أنس (رضي الله عنه) في بلاد فارس ـــكما تقدم ـــ.
ومما يقوى هذا الرأي ، أن المسلمين الأوائل كان فيهم الأغنياء والسادة ، ولم نقرأ أو تسمع أنهم كانوا يملكون شيئا من تلك الأشياء ، مع علمنا أن النبي (ص) كان يأكل في بيوت بعضهم وعلى موائدهم ، ولا يعقل ألا يستخدموها إذا كانت متوفرة في بيئتهم .
أما الجواب الثاني : أنه لم يأكل عليها أو يستخدمها زهدا منه فقد أورد العسقلاني في الفتح (ج11ص234) قول ابن بطال : ((تركه عليه الصلاة والسلام الأكل على الخوان وأكل المرفق إنما هو لدفع طيبات الدنيا اختبارا لطيبات الحياة الدائمة)).
ونحن لا نميل الى هذا الرأي ، لأن النبي (ص) لم يكن في زمانه وفي مجيطه من يأكل على أو في هذه الأشياء ويستخدمها ، رغم أن فيهم الأغنياء والسادة ـــ كما أسلفت ـــ ولم يؤثر عن النبي (ص) أنه امتنع عن الأكل عند بعضهم لأن عنده خوان أو سكرجة أو ما شابه ذلك بدافع الزهد أو الترفع عن نعيم الدنيا. قال ابن القيم تعليقا على موضوع الضب : (( بل كان يأكل ما جرت عادة أهل بلده بأكله)) (1) فقضية العادة واردة ، وكما هو معروف من حياة النبي (ص) أنه كان لا يجد ما يملأ به بطنه ، فإن وجد أكل وتنعم ، فقد
(1) زاد للعاد ج 4 ص 217
أكل الثريد (1) واحتز من كتف الشاة (2) واختص بطعام أو شراب اتحافا له (3) . وهو أعلم خلق الله بقوله تعالى : (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ) [الأعراف:32] وهو الملام في قوله تعالى : ( يأيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك ولله غفور رحيم) [التحريم:1] أتراه بعد ذلك يقف هذا الموقف ؟!
كما أن الأكل في هذه الأشياء أو عليها لا ينافي الزهد ، لأن الزهد ليس في هذه ليس في هذه الأمور ، بل قد يأكل المرء ويلبس ويتنعم في الحياة وهو من أزهد الناس ، قال سفيان الثوري : الزهد في الدنيا قصر الأمل ، وليس بأكل الغليظ ولا لبس العباء ، وقال الحسن البصري : ليس الزهد في الدنيا يتحريم الحلال ولا إضاعة المال ، ولكن أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدك ، وكان الفضيل بن عياض يقول عمن ترك الطيبات من اللحم والخبيص للزهد : ما للزهد وأكل الخبيص ، ليتك تأكل وتتقى الله ، إن الله لا يكره أن تأكل الحلال إذا اتقيت الحرام (4) ...
يتبين لنا من السود السابق أن النبي (ص) لم يأكل على خوان أو في
(1) رواه البخاري من حديث أنس (رضي الله عنه) . روضة المحبين لابن القيم ص 398
(2) متفق عليه . اللؤلؤ والمرجان ص74 حديث 201
(3) حديث سهل بن سعد في صحيح البخاري . انظر فتح الباري ج9ص205
(4) من كتاب مخطوط للمؤلف بعنوان ((وفقيد آخر))
سكرجة لأنها كانت غير مألوفة ولا متوفرة في زمانهم ولا محيطهم ، وليس للزهد أو التقشف .
ثم إن حديث أنس (رضي الله عنه) بروايتيه ، ليس الإلزام،ولكنه مجرد إخبار ، والإخبار غير ملزم إذا أخذنا بعين الاعتبار موضوع السنة من قول أو فعل أو تقرير .
ويؤكد عد الإلزام أن أنسا نسفه (رضي الله عنه) كان له خوان يأكل عليه ، ويتمتع بالطيبات . أورد العسقلاني في الفتح (ج9ص437) : ((عن قتادة ؛ كنا تأتي أنسا وخبازه قائم ، زاد ابن وماجه : وخوانه موضوع . فيقول : كلوا ، وفي الطبراني من طريق راشد بن أبي راشد قال : كان لأنس غلام يعمل له النقانق ويطبخ له لونين طعاما ويخبز له الحواري ويعجنه بالسمن )).
ولو كان الأمر ملزما ، لكان أنس (رضي الله عنه9 أول وأسرع من يلتزم ، ثم إن الأحاديث التي تخبز عن حياة النبي(ص) يهذه الصيغ كثيرة (( ما شبع رسول الله (ص) في يوم شبعتين)) (( ما شبع رسول الله (ص) من غذاء وعشاء)) ((ما جمع بين غداء وعشاء ثلاثة أيام ولاء)) (( ما رأى رسول الله (ص) منخلا من حين ابتعثه الله تعالى حتى قبضه إليه))(1)
والإخبار هنا لا يخرج عن قول من يقول في زماننا هذا : (( ما علمت أن النبي (ص) ركب في غواصة قط )) أو (( ما علمت أن النبي (ص) رأى الأهرامات قط)) أو (( لم يأكل النبي (ص) الموز حتى
(1) انظر في هذه الأحاديث الترغيب والترهيب ج 4 ص 190ـ200 .
مات)) لا فرق بين هذه العبارات وتلك التي في حديث أنس (رضي الله عنه) .
كما ان النفي في الحديث تضمن عدة أشياء منها : ما أكل مرفقا . ونحن الآن نأكل المرقق بلا حرج ، ونأكل لب القمح ، بل لب القمح هو الغالب على دقيق الناس اليوم ، وأكثره وفرة حتى تكاد تعجز أن تجد دقيقا بنخالته في ظل المطاحن الحديثة والدقيق المستورد ، بينها النبي (ص) ـــ بأبي وأمي ــ كان يأكل مطحون الشعير بلا منخل ، لقلة الطعام وعدم توفره هذه الأشياء كما أسفلنا .
وخلاصة القول :
أن الاسلام يحث على طلب كل ما يسر الحياة للناس من غير إثم ، والطاولة من تيسير الحياة ، لاسيما إذا وجدت ، وربات البيوت أعلم الناس بذلك ، كما أن هناك فئة من الناس لا تحسن التربع أو الجلوس أرضا لأسباب خلقية ( جسدية )
وأن الإسلام مع الرقي والتطور الذي لا يمس عقيدة الناس وسلوكهم بسوء ، وهو دين شامل للناس جميعهم ، وللبيئات كافة في كل زمان .
وأن طاولة السفرة لا ارتباط بينها وبين الزهد أو التواضع من قريب أو بعيد ، فقد يكون الكبر مع الأكل على الأرض ، كما يكون مع الأكل على الطاولة ، والعكس أيضا صحيح .
وأن الاهتمام بمثل هذه القضايا وجعلها محور الحياة ، يصرف الناس والشباب عن أشياء أهم وأنفع لهم والسلام وللدعوة .

تغيير المنكر وأحكامه

تغيير المنكر
رجع الشاب من مغتربه بعد غياب سنة كاملة ، كان فيها مكدا مجدا ، رجع بمبلغ من المال يرفع عن أسرته نير الديون ، ويعطيها دفعة إلى الأمام نحو الاستقرار والعيش الكريم ، رجع إذن بغنى مادي نسبي . ولكن الغنى الأكبر في حياته ، كان في لفهم الذي بدأ يتغلغل في عقله عن طبيعة هذا الدين ، وفي الحب الجارف الذي سيطر على كيانه لنصر الإسلام والدعوة إليه ، وحمل القاضي والداني من الأقارب والأحباب والأصحاب على الالتزام به ، والسير على نهجه .
وللغنى غوائله ، ولجريان المال في اليد فعله الساحر الذي يزلزل كيان الإنسان ، ويهز قواعد الثبات عنده ـــ إلا من حرم الله ـــ وصف الله هذه الحالة بقوله : ( كلا إن الإنسان ليطغى ، أن راه استغنى )
[ العلق : 6ـ7 ].
فهو طغيان بأي شكل من الأشكال كان .
والناس مع الغني يتنازلون عن الشيء الكثير ، وأقرب تنازلاتهم التسليم له بما يقول أو يفعل ، وأضعف الإيمان السكوت عن رضى أو مداراة .
وللحماس أيضا غوائله ، من الاعتزاز بالنفس ، والاغترار بالبضاعة القليلة من الفهم أو العلم ، وما يتبع ذلك من استعلاء على الآخرين ، وتطاول على المتقدمين ، وحمل الناس بالحق أو بالباطل على موافقة صاحبه على رأيه أو موقفه ، واتهام المخالفين بالمروق من الدين ، أو الفهم السقيم .
عاد الشاب المغترب بغنى مادي نسبي ضمن له السكوت من الآخرين ، وبحماس ملتهب جعله كالسيل لا يقف ، ولا يلتفت إلى جانبي الوادي ، يجرف في طريقه كل معترض أو مخالف .
الفرحة نعم البيت بالأخ الأكبر والابن البكر الذي عاد بعد غياب سنة كاملة ، لأول مرة في حياته وحياتهم ، وجد أخيه العروس التي لم يمض على زواجها ستة أشهر في البيت تنتظره مع بقية العائلة ، وبعد أن سلم وجلس ، وتبادل الفرحة معهم ، لاحظ التغير على أخيه في ملبسها وزينتها ، فقد أصبحت زوجة ، وهي الآن في شهور العسل ...
امتعض لهذه الملابس القصيرة ، التي تكشف عن الساقين ، والشعر المكشوف ، والزينة الواضحة ، التي لا تختفي عن قريب أو بعيد ، فغضب غضبة مضرية ، وأمر أخته بتبديل هذه الثياب ، وعدم الخروج بها إلى الشارع ، مهما كانت الظروف ، ولو كانت رغبة الزوج نفسه ، لأنها مخالفة لأمر الله ، و((لا طاعة المخلوق في معصية الخالق )) .
فاشتد النقاش ، وعلا الصوت ، فحسم الأب القضية بإرجاء الحوار والحديث في هذا الموضوع إلى ما بعد .
شعر الشاب المتحمس أنها مناورة ، وأنهم لن يستجيبوا لدعوة الله التي يحملها لهم من مغتربه ، وهم المسلمون !! ولكن فتنة المدينة الحديثة ، وحب التقليد ومسايرة العصر طغت عليهم ، وهو يريد إرجاعهم إلى حظيرة الإسلام ، إلى التدين الصحيح .
مضت الأيام وهم لا يستجيبون لدعوته ، يملؤهم الاستخفاف بصغر سنه ، والأخت ما زالت على عنادها ، فقام إلى ملابس العرس جميعها ، فأخذها وكومها كومة في منتصف الحديقة ، وسكب عليها ((الكاز)) وأشعل فيها النار ، بين صباح واعتراض ورجاءات وتوسلات ، ولكن السيل الجارف من الحماس داس على كل هذه المعوقات وتخطاها ، ونقذ الشاب ما يريد ، وهو بذلك مسرور لأنه غير المنكر بيده ، كما قال النبي (ص) اقتنعوا أو لم يقتنعوا ، المهم أنه استراح لمقدرته على تغيير المنكر ، وبأعلى درجات التغيير .
الإسلام دين متكامل ، تتجمع أجزاؤه لتكمل بعضها بعضا ، فهي كالحلقات المتصلة في سلسلة ، فالحلقة الواحدة تتصل مع هذه بطرف ، ومع تلك بطرف ، وإذا قطعت واحدة نقض التسلسل والتماسك .
ورغم قوة التماسك والتكامل هذه ، إلا أن المشرع وضع داخل بناء الإسلام نفسه ، وفي منهجه أسس المناعة الداخلية ضد الانحراف والتميع والتفكك ، حتى يبقى الاسلام قويا .
وطالما أن أفراد المسلمين أخذوا بمبدأ المناعة الداخلية فالإسلام في نفوسهم وحياتهم بخير ، أما إن تركوا قضية المناعة جانبا ، وانشغل كل واحد بنفسه ؛ دارت الدائرة عليهم ، بعد أن تصيب غيرهم ، فهم ليسوا بمنأى عن الشر .
والمناعة التي نقصدها هي الموضوع : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وهي قضية الاسلام الهامة التي تبقيه حيا في نفوس المسلمين ما تمسكوا بها .
والأمر بالمعروف ـــ وهو الشق الأول لهذا المبدأ العظيم ـــ أيسر على النفوس من تغير المنكر ، ولذا يجد الداعي إلى تعيير المنكر الكثير من العنت والعداوات ، حتى ولو كان حصينا ماهرا .
ونحن لسنا في حاجة للتدليل على أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حياة المسلمين ، فالنصوص كثيرة من الكتاب يعرفها الجميع ، وما أظن أن هناك أحدا من المسلمين البالغين إلا وطرق
سمعه شيء من هذه النصوص ، حتى بات الجهل بها ليس عذرا ، كما هي المقولة العليمة المعروفة : (( لا يعذر في دار الإسلام الجهل بالأحكام )).
ولمن الأمر في قضيتنا هذه ، هو الفهم التطبيقي لبعض جوانب هذا المبدأ الحيوي ، الذي لا بد أن يعم المسلمين ، ويرفرف على حياتهم .
ولعل أقرب هذه النصوص مأخذا ، قول النبي : ((من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطيع فبلسانه ، فإن لم يستطيع فبقلبه وذلك أضعف الأيمان )) (1) . والنبي (ص) في هذا النص حدد درجات تغيير المنكر ، وأناط المسؤولية بآحاد المسلمين (أفرادا) ـــ وفي نصوص أخرى أناطها بالجماعة ـــ وبذلك لا يعذر أحد بترك الجهاد في تغيير المنكر ، بدعوى أن لا جماعة تساعده ، وجعل هذه الدرجات في مكنة كل فرد على اختلاف مقدراتهم . فسقط الاعتذار ، وردت الحجج على المتخاذلين.
ولكن القضية التي التبست على كثير من الناس ، هي قضية تحديد الدرجة التي يكون عليها الفرد عند تغيير المنكر في حادة معينة ، فوقع الخلط ، وهذا بدوره أدى إلى كثير من المصادمات والمشاكل في حياة الناس ، أفرادا وجماعات .
ولكي نبسط القضية نقول : أن تغيير المنكر بالقلب ـــ وهي أضعف الإيمان ـــ درجة تعم الجميع ، ولم تترك عذرا لأحد . فكل مسلم ـــ مهما كان ضعيفا ـــ يملك تغيير المنكر بالقلب ، وحدوده (( كراهية المنكر ، وعدم مودة فاعلية مهما كانوا )) . يوضح هذا الموقف قول سيدنا أبراهيم (عليه السلام) بعد أن نصح قومه ، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر ، فلم يستجيبوا له : ( وأعتز لكم وما تدعون من دون الله ، وأدعوا ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا ) [الشعراء:168ـ169] وهذه درجة يملكها كل فرد من المسلمين ، فإن قال قائل : قد يجبر فرد على
(1) رواه المسلم . رياض الصالحين ص 100
المشاركة تحت ضغط الوظيفة أو العائلة أو سلطان جائر !! قلنا : قد !! ولكن القلب وكراهيته لا يملكها أحد من البشر ، ولا سلطان على القلب إلا لله رب العالمين ، فلتكن الكراهية المركوزة في القلب ، والتي لا تترك صاحبها يستمتع بشيء خالطه المنكر ، تماما كما هي درجة المضطر الذي أبيح له أكل الجيفة !! هل يستلذ بها أو يقوم عليها ؟!!
أما الدرجة الثانية ، وهي تغيير المنكر باللسان ، فهي لفئة مخصوصة ، أكثر قدرة من الفئة السابقة ، وهي طبقة الوعاظ ، والعلماء ، والمعلمين ، وكل فرد مسلم يملك هذه المقدرة ، سواء أكانت علما أو جرأة أو فصاحة ، وكلما خص إنسان بنعمة من هذه النعم أكثر من غيره ؛ لزمته الحجة ، وكان أكثر مسؤولية أمام الله عز وجل عن تقصيره ، قال النبي الله موسى (عليه السلام) عندما أمره الله أن يذهب إلى فرعون لينصحه ويأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر : (وأخي هارون هو أفصح مني لسانا ، فأرسله معي ردءا يصدقني ، إني أخاف أن يكذبون)[القصص:34].
وأما الدرجة الثالثة ، وهي تغيير المنكر باليد ، فهي مسؤولية فئة من الناس قد خصهم الله بالسلطان ، فهم مسؤولون عن تغييره بأيديهم داخل سلطانهم ولا يعذرون بتركه .
ومجال السلطان يختلف من واحد إلى آخر ، فالحاكم في دولته أكبر سلطانا من الوزير في وزارته ، والوزير في وزارته أكبر سلطانا من المدير في دائرة داخل الوزارة الواحدة ، ورئيس القسم أقل مسؤولية من المدير ، والأب في أسرته يملك سلطانا على أهله وأولاده ، والمدرس في تلاميذه له هذا السلطان ... الخ . ولكن العكس ليش صحيحا ، ومن هنا جاء الخلط . فالمدرس يملك سلطانا على تلاميذه ، ولكن ليس له سلطان على المدرسة كلها بما فيها المدير مثلا ، في حين أن المدير له سلطان على هذا المدرس وغيره من المدرسين وكذلك على تلاميذ المدرسة جميعا ، والأب له سلطان على أبنائه وزوجته ، ولكن ليس له سلطان على الحكومة أو الدولة بأسرها ... وهكذا.
فصاحب السلطان ـــ المقدر بقدره ، كل حسب ما وهبه الله من سعة السلطة أو ضيقها ـــ مسؤول أمام الله عن تغيير المنكر بيده داخل سلطانه وفي حدوده .
وهنا تنشأ تساؤلات : هل للمسلم أن يترك درجة هو فيها إلى درجة أضعف ؟ كأن يملك التغيير باليد ، فيتركها إلى اللسان ، أو باللسان ، فيتركها إلى القلب بغير عذر ؟ وما هو العذر المسوغ لهذا التحول من درجة إلى أخرى أقل ؟
وقبل أن يجيب عن هذه الأسئلة ، نحب أن نوضح أن كلمة أو درجة ((بيده)) لا تعني حرفية الكلمة ، بل قد تكون اليد القوة والسلطان القاهر ، فأمره هنا ـــ وإن كان باللسان ـــ في قوة التغيير باليد . أرأيت لو أن حاكما مر في شارع فرأى خمارة أقيمت ، فهل عليه أن يأخذ فاسا بيده ويحطمها أو يزيلها ، أم يكفي فيها الأمر بإزالتها ؟ وهذا الأمر من الحاكم له قوة التغيير باليد . أرأيت لو أن أبا رأى قد ترك شعره حتى أصبح خنفوسا ، متشبها بالكفار والفاسقين ، فهل عليه أن يمسك بالمقص ويزيل الشعر ، أم يكفيه الأمر باللسان ، وهو بالنسبة له في قوة التغيير باليد ؟
إذن اليد هنا تعني ـــ في معناها الواسع ـــ السلطان القاهر أو الأمر الذي لا يرد أو يكسر .
وأما بالنسبة للأسئلة السابقة ، وإن كان ظاهر الحديث يوحي بالتدرج من اليد إلى اللسان إلى القلب ، ولكني أعتقد أنه لا يُقصد هذا الترتيب لذاته ، بل الأمر فيه متروك لتقدير الداعية نفسه للموفق الذي أمامه ،ودليل هذا أن الله عز وجل قال:( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ) (النحل:125) ويلمح عكس هذا الترتيب تماماً في تغير المنكر في الحياة الزوجية مثلاً ، فالمرأة التي تنشز عن طاعة زوجها ، أو يتوقع منها هذا ــ وهو منكر بلا شك ــ وضع الله لزوجها أسس تأديبها ، فبدأ بأخف الأمور ، منتهياً بأصعبها فقال تعالى :(واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن ، واهجروهن في المضاجع ، واضربوهن ، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً) (النساء : 34).
والترتيب في تغير المنكر بين الدرجات ليس بلازم ، وإنما يترك الأمر لتقدير الداعية لنفسه ، ولموفقه ، وللمنكر المراد تغييره ، وأصلح الطرق وأقومها في الوصول إلى الغاية المرجوة.
أما الأعذار التي تبيح للمسلم الانتقال من درجة إلى درجة اخرى ، أو الأخذ بدرجة دون غيرها فكثيرة ، أهمها في تقديري : الخوف على النفس أو المال ، دون تحقيق الغاية المرجوة من الانكار. هذه واحدة ، والثانية : أن يؤدي تغير المنكر إلى نتائج عكسية فتحدث فتنة أو منكر أشد.
أما دعوى ترك التغيير كلياً ـــ أي إنكار المنكر ـــ خوف عدم النجاح، فهذه خدعة الشيطان، يخوف بها أولياءه، لأن المسلم عليه أن يدعو بتعقل وروية، بلغ النجاح أولم يبلغ ، فقد وقع أجره على الله .
وهناك نقطة تحتاج إلى توضيح في قضية تغيير المنكر، وهي شروط تغيير المنكر . ورغم ما قال العلماء في بيانها وتعدادها ، إلا أنني أرى أن أهم شرطين هما :
1- أن يكون المنكر منكراً في الشرع ، مجمعاً عليه من العلماء ، أما ما كان في مذهب واحد من مذاهب العلماء ، فلا يجوز الإنكار فيه. قال سفيان الثوري ( رحمة الله): ((إذا رأيت الرجل يعمل العمل الذي قد اختلف فيه، وأنت ترى غيره فلا تنه)) (1) لأن هذا الموفق مدعاة للبلبلة والشوشرة بلا مبرر قوي ، ولا فائدة ترجى من ورائه.
2- أن يأمن الداعي من وقوع فتنة لا يدري إلا الله تعالى ما تكون عاقبتها (2) بمعنى أن يتولد عن تغيير المنكر منكر أشد ، ولعل من أبرز الصور في هذا الجانب ، ما حدث مع شيخ الاسلام ابن تيمية ـــ رحمه الله ـــ عند احتلال دمشق ، فعاث الجنود فيها فساداً ، ومن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سفيان الثوري . الدكتور محمد البيانوني ص98.
(2) مقدمة كتاب المنهج الأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد ص 26.
قسادهم شرب الخمر ، وما يتبعه من سكر وعربدة ، فلما قيل له في تغيير المنكر عليهم قال : دعوهم . لأنهم لو فاقوا قتلوا المسلمين . فهو قد ترك تغيير هذا المنكر ، خوفاً من منكر أشد و بلاء أعظم .
ومن القضايا التي تلتبس على كثير من الناس ، قضية تغيير المنكر من الأصغر على الأكبر ، بمعنى هل للابن تغيير منكر عليه أبوه ؟ وهل للتلميذ إنكار المنكر على أستاذه؟... وهكذا . والجواب : نعم ، للأصغر تغيير المنكر الذي يقيم عليه الأكبر ، ولسنا بصدد التوسع في هذه النقطة فمجالها بطون الكتب ، أو دراسة أوسع ، ولكننا نبسط القول فيها فنقول : له أن يغير المنكر باللسان (( الموعظة الحسنة)) مع الأدب والأحترام والتوقير، فإن أصر الأكبر على موقفه ، فللأصغر تغييره باليد ، مع الأخذ في الأعتبار عدم فتنة أو مشكلة أكبر من المنكر ذاته (1)
ومن القضايا التي يجب الالتفات إليها في تغيير المنكر ـــ لاسيما باليد ـــ أن اتلاف المنكر لا بد يقتصر على المحرم نفسه ، ولا يتجاوزه إلى الحلال أو المباح ، أو الحلال الذي لابسه حرام ، فلو تبدل الوضع لأصبح حلالا صرفا ، هنا لا يجوز التعدي بالا تلاف . ولكي نوضح هذه النقطة وتبسطها نقول : لو أن زجاجة فيها خمر . الخمر حرام ، لكن الزجاجة لا خمر لها استخدامات مفيدة ، فيقتصر الأمر على إراقة الخمر ولا يتعداها إلى كسر زجاجة ، وفي قصتنا ، إن الملابس في حد ذاتها مباحة ، وحلال لها ، ولكن الذي جعلها محرمة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع إحياء علوم الدين ج2ص315 ـ319 فقد بسط الغزالي القول فيها
كونها تخرج بها ليراها غير المحارم ، فأصبحت حراما ، فلو تغير الوضع ، ولم تخرج بها ليراها الأجانب ، واقتصرت في لبسها على البيت وأمام محارمها المنصوص عليهم في سورة النور (الآية :31) لأصبحت الملابس حلالا ولبسها مباحا ولا حرج فيه ، هنا لا يجوز التعدي بإتلاف الملابس كما حدث مع صاحب الحادثة .
وأريد بعد كل هذا أن أهمس في آذان الدعاة ، همسات تنفذ كن الأذن فتصل إلى القلب ، فتخالطه وتلامس شغافه ، وتبلل جفافه .
يا دعاة الإسلام ، يا من اتخذتم طريق الدعوة إلى الله مسلكا صبغ حياتكم ، وقالبا شكل أمانيكم وطموحاتكم ، يا من اخترتم أعلى درجات الحسن في الحياة الدنيا والآخرة بشهادة رب العالمين : (ومن أحسن قولا ممن دعا الى الله وهمل صالحا وقال إنني من المسلمين ) [ فصلت :33] .
تعالوا نسأل أنفسنا أسئلة ،نتعرف من خلالها على حقيقتنا وحقيقة من يحيط بنا ، حقيقة البيئة التي نتحرك فيها . من نحن ؟ ومن الناس الذين نعيش معهم ونتوجه إليهم بالدعوة ؟ ما البيئة التي نعيش فيها نحن وهم ؟ نحن مسلمون ، والناس الذين نعيش معهم مسلمون ، فهم أهلنا وإخوتنا وأقاربنا ، يشعدون أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، ويصلون صلاتنا ، ويأكلون دبيحتنا ، لهم ما لنا ، وعليهم ما علينا آمالنا وطموحاتنا وآلامنا واحدة ، لا فرق .. لا فرق ..
الفراق الوحيد بيننا وبينهم ، أن الإسلام في قلوبنا متحرك ، وفي قلوبهم نائم مخدر . الإسلام في قلوبنا متحرك عن الحياة كلها ، ونفذ إلى كل خلية في الكون وفي أجسادنا ، وعندهم اقتصر على صلوات بلا روح ، وعبادات فوعت من هدفها ، وقيم جمدت في خزانة تاريخ الإسلام .
نحن من عهد قريب كنا مثلهم ، فأنعم الله علينا بالفهم والهداية ، ففهمنا واهتدينا ، وصدق الله عظيم : ( كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعلمون خبيرا ) [ النساء:94] ، ولو عاد الواحد منا إلى الوراء ، لتذكر أنه كان واحدا من هؤلاء ، فمن الله عليه بانسان داعية ـــ رجل أو امرأة ـــ فتح عينيه على حقيقة الإسلام فكأنه يوم رآها كأنما ولد من جديد ، وهو يحمل لهذا الإنسان كل حب ومودة ومنة في رقبته إلى يوم القيامة ، يشهد له بالأستاذية وبالفضل ، الذي خرج به من الظلام إلى النور ، ومنالضلال إلى الهدى ، ومن الضياع إلى الوضوح والاستقرار الرؤية الصائبة .
ولو عدنا إلى الوراء ، لتذكرنا أن هذا الذي فتح عيوننا على حقيقة الإسلام ، أخذنا إليها برفق ولين ، ولم يأتنا بالضغط والقسوة والشدة ، لأن الذي يوافقك على رأيك مكرها ، وافقك خوفا لا زال عند رأيه الأول )) ، وأن تقدم لإنسان جرعة عسل يستسيغها أحب إليه من برميل علقم .
وندرك أهمية الرفق في الدعوة إلى الله ، من هذا التركيز والاهتمام اللذين أولاهما الاسلام للرفق واللين ، ففي القرآن الكريم والسنة المطهر فيض من النصوص التي تطالب بهذا الرفق ، فالله تعالى يقول : ( أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم يمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين ) [ النحل : 125ٍ] وفي الصحيحين من جديث عائشة (رضي الله عنها) قال رسول الله (ص) : (( إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله )) (1) وفي صحيح مسلم من حديث عائشة (رضي الله عنها) : (( إ، الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ، ولا ينزع من شيء إلا شانه)) (2) ذبك أن التوفيق والنجاح مقرون بالرفق ، لأن القضية أساسا تتعامل مع القلوب الآخرين دونه , ولذلك يقول الله عز وجل لنبيه (ص) : ( فما رحمة من الله لنت لهم ، ولو كنت فظا غليظ القلب لا نفضوا من حولك ) [ آل عمران : 159] ولهذا كانت توجيهات الرسول (ص) ــ المجرب الأساليب ، وأستاذ الدعوة النجاح والفلاح ، ففي حديث جرير بن عبدلله (رضي الله عنه) قال : سمعت الرسول الله (ص) يقول : (( من يحرم الرفق يحرم الخير كله )) (3) وفي حديث عائشة ( رضي الله عنها) أن النبي (ص) قال (( إن الله رفيق )
متفق عليه. رياض الصالحين ص 275.(1)
(2)المصدر السابق.
(3) رواه مسلم . رياض الصالحين ص 275.
يحب الرفق ، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف ،وما لا يعطي على ما سواه))(1).
ولعلكم سمعتم أو قرأتم القصة الرمزية (الأسطورة) التي تتحدث عن المنافسة بين الشمس والريح في مقدرة كل منهما على إجبار بدوي في الصحراء على خلع ردائه ، فقالت الريح : أنا أقدر منك،