🧠 أزمة الاحتفال بالمولد.. صراع عقول لا نزاع نصوص!
منذ فترة والناس يختلفون حول مسألة المولد النبوي الشريف: أهو بدعة وضلالة؟ أم هو ذكرى ووسيلة حية لربط القلوب بالنبي ﷺ؟
لكن الحقيقة أن الخلاف ليس في المولد نفسه، بقدر ما هو في الإطار الفكري الذي ينظر منه كل فريق، مع إحسان الظن بالجميع في أصل محبة النبي ﷺ. ويمكننا إجمال هذا الاختلاف في عقلين وفكرين:
🧊 1. الإطار المتحجر: حرفية جامدة
إذا سمع أصحاب هذا الإطار كلمة "مولد"، استحضرو فورًا قاعدة جاهزة: "كل بدعة ضلالة".
لا يسألون: ما طبيعة هذا الاحتفال؟ هل فيه قرآن وصلاة على النبي؟ هل فيه إطعام للفقراء وتذكير بالسيرة؟
بل يتجاوزون كل ذلك إلى الحكم المسبق: "بدعة محرمة".
وهذه طريقة في التفكير سماها علماء الاجتماع "التفكير الإطاري"؛ حيث تُحاكم الأمور مسبقًا وفق قالب ذهني ضيق، بدلًا من النظر في الواقع ومقاصده الشرعية.
🌱 2. الإطار الحي: مقاصد وحياة (منهج الأزهر الشريف)
بينما ينظر علماء الأزهر الشريف من إطار أوسع وأعمق: المولد فرصة لتذكير الناس بالسيرة العطرة، وبعث المحبة في القلوب، وربط المجتمع برسوله الكريم ﷺ.
هم لا يكتفون بالشكل الظاهري، بل يسألون: ما الأثر التربوي والروحي والاجتماعي لهذا اليوم؟
هنا يصبح المولد وسيلة لتجديد الصلة بالنبي ﷺ في زمن طغت فيه المادة والبعد عن الدين.
🔍 3. المفارقة والتناقض الفكري
المفارقة العجيبة أن المعترض يرفض المولد بحجة "لم يفعله النبي ﷺ"، بينما هو نفسه يفعل ويقبل أشياء كثيرة لم تكن على عهد النبي ﷺ، لأنها تحقق مصلحة ومشروعية:
يقرأ القرآن في مصاحف مجموعة ومطبوعة لم يجمعها النبي ﷺ.
يقبل أذان عثمان رضي الله عنه الثاني يوم الجمعة للتنبيه.
يصلي التراويح في المسجد بانتظام جماعي ولم تكن صلاتها هكذا بالصفوف طوال الشهر على عهده.
يدرس علوم الحديث والمصطلح وأصول الفقه ولم تكن مدونة ولا معروفة هكذا.
يتعلم في الجامعات والمعاهد الحديثة، ولم يؤسس النبي ﷺ جامعات!
كل هذا لم يفعله النبي ﷺ بنفسه، ومع ذلك نقبله لأنه يحقق مقصودًا مشروعًا.. فلماذا يتعطل العقل ويقف التمحيص عند المولد فقط؟!
⚖️ 4. جوهر الإشكال وخلاصة القول
القضية إذن ليست نصوصًا فقهية بحتة، بقدر ما هي إطار فكري ضيق:
المانع للمولد: يحاكم الأفعال على ظاهرها الحرفي فقط ويرفض الوسائل المستحدثة.
غيره: ينظر إلى المقاصد الكلية: هل الاحتفال يقرّب الناس من الله ورسوله؟ هل يوقظ القلوب الغافلة؟
المولد النبوي ليس معركة بين "دين وبدعة"، بل هو انعكاس لعقلين:
عقل جامد: يرى الدين قوالب متحجرة توقفت عند زمن معين.
عقل حي: يرى الدين رسالة ممتدة، يحق للأمة أن تعبّر عن حبها لرسولها ﷺ بوسائل مباحة تناسب عصرها.
وبهذا يتضح أن الخلاف حول المولد ليس مسألة فقهية صرفة، بل هو أزمة "إطار فكري" حبس أصحابه أنفسهم فيه، حتى صاروا يرون الضلال حيث يرى غيرهم النور، والبدعة حيث يرى غيرهم المحبة والوفاء!
شارك المقال لتعم الفائدة الفكرية، ونشر ثقافة سعة المدارك وفقه المقاصد!
#دكتور_مصطفى_منصور #المولد_النبوي_الشريف #فقه_المقاصد #تجديد_الفكر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق