حين يصبح المصلّون أخطر من المحتلّين!
حوار ساخر يكشف اختلال الأولويات عند المدخلية
من سلسلة: حواري مع المدخلي
قلتُ له:
— أخبرني، ما سلّم الأولويات عندك في مواجهة أعدائك الذين تريد القضاء عليهم؟ مَن تبدأ بهم أولًا؟
قال دون تردّد:
— الخوارج!
قلتُ مستغربًا:
— الخوارج؟ ومن تقصد بهم؟ الصهاينة الذين يحتلون الأرض ويقتلون الأبرياء؟
قال:
— لا.
قلتُ:
— أم الماسونيين الذين تتحدثون عن مؤامراتهم؟
قال:
— لا.
قلتُ:
— أم إسرائيل التي تحتل فلسطين، وتقصف أهلها، وتقتل الأطفال والنساء، وتدمّر البيوت فوق رؤوس أصحابها؟
قال:
— لا.
قلتُ:
— أم الذين يضطهدون المسلمين في الهند، ويضيّقون عليهم بسبب دينهم؟
قال:
— لا.
قلتُ:
— أم الذين اضطهدوا الروهينغا في ميانمار، أو الذين يضطهدون الإيغور في الصين؟
قال:
— لا.
قلتُ:
— أم القوى التي استعمرت بلاد المسلمين، وخلّفت وراءها الخراب والدمار؟ أم الطغاة الذين يضيّقون على الدعاة، ويحاربون الحركات الإسلامية، ويقمعون شعوبهم؟
قال:
— لا، لا، ليس هؤلاء!
قلتُ وقد بدأ العجب يأخذ مني كل مأخذ:
— فمن إذن؟ أ意كون أعداؤك الملحدين والعلمانيين ودعاة التغريب والانحلال؟
قال:
— ليس هؤلاء أيضًا!
قلتُ:
— لقد أتعبتني! فمن هؤلاء الذين وضعتهم في مقدمة قائمة أعدائك، قبل كل هؤلاء؟
ابتسم وقال بثقة:
— تعال معي إلى المسجد، وسأريك بنفسك!
قلتُ متعجبًا:
— إلى المسجد؟! وهل أعداؤك الذين تريد القضاء عليهم موجودون في المسجد؟
قال:
— نعم، وستراهم بعينيك!
دخلنا المسجد، فإذا برجال يصلّون، وآخرين يقرؤون القرآن، وشباب يذكرون الله، وكلٌّ منهم مشغول بعبادته.
أشار إلى رجل يجلس في زاوية المسجد يتلو القرآن، وقال:
— أترى هذا؟ إنه خارجي وباطني!
ثم أشار إلى شاب يرتدي ربطة عنق، وقال:
— وهذا إخواني خارجي!
ثم أشار إلى آخر، وقال:
— وهذا يخرج زكاة الفطر نقدًا، مخالفًا للسنة!
وأشار إلى رجل رفع يديه في الدعاء، فقال:
— وهذا يرفع يديه في الدعاء!
ثم قال عن آخر:
— وهذا يسمع الموسيقى!
وعن شاب آخر:
— وهذا يضع صورته الشخصية على فيسبوك!
ثم أخذ يتنقّل بين المصلّين، لا يكاد يرى أحدًا إلا ألصق به تهمة:
— هذا أشعري!
— وهذا يقرأ كتب القرضاوي!
— وهذا صوفي مبتدع!
— وهذا لا يفهم السنة!
حتى أشار إلى رجل يلبس عمامة خضراء، وقال:
— انظر إلى هذا! صوفي خارجي مبتدع!
وقفتُ مذهولًا، ثم قلت له:
— دعني أفهم منك!
هؤلاء الذين رأيتهم يصلّون، ويقرؤون القرآن، ويصومون، ويذكرون الله، ويرفعون أكفّهم بالدعاء، أَهُم عدوّك الأول؟!
أهؤلاء أخطر على الأمة من احتلال أرضها، وقتل أبنائها، ونهب خيراتها، وقمع شعوبها، وإضعاف قوتها؟
أهؤلاء الذين تختلف معهم في مسائل فقهية أو عقدية، أو تعترض على بعض اختياراتهم، هم الذين ينبغي أن تتصدر مواجهتهم كل القضايا؟
قال ببرود:
— نعم! لأننا إذا قضينا على هؤلاء، فسيسهل على خليفتنا أن يقهر بقية الأعداء!
نظرت إليه طويلًا، ثم قلت:
— الآن فهمت!
لم تعد المسألة عندك مجرّد خلاف علمي، ولا نصيحة شرعية، ولا دفاع عن السنة كما تزعم؛ بل أصبحت معركة مفتوحة مع المخالفين، يتقدّم فيها التصنيف على الإصلاح، والتبديع على التعليم، والتحذير على البناء، والخصومة على جمع كلمة المسلمين في مواجهة الأخطار الحقيقية.
ثم قلت له:
— ومن علّمك هذا العلم العجيب في معرفة أعداء الأمة؟
قال مزهوًّا:
— شيخنا ربيع المدخلي، قطب السنة!
قلت له:
— أليس من الأولى أن تراجع هذا الميزان الذي تزن به الناس؟ وأن تسأل نفسك: كيف أصبح المسلم المخالف لك في اجتهاد أو مذهب أخطر عندك من محتلٍّ يقتل الأبرياء، أو مستبدٍّ يقمع الشعوب، أو قوةٍ تضطهد المسلمين؟
وكيف تحوّل الاختلاف في مسائل العلم والاجتهاد إلى معركة تستنزف طاقات المسلمين، وتفرّق صفوفهم، وتحوّل المساجد إلى ساحات للتصنيف والتنازع؟
إن الدفاع عن السنة لا يكون بتحويل كل مخالف إلى عدو، وإنكار المنكر لا يعني أن نغضّ الطرف عن منكر أكبر، وإن ترتيب الأولويات ليس ترفًا فكريًا؛ بل هو من صميم الحكمة والفقه.
وليس معنى هذا أن نسكت عن الأخطاء، أو أن نساوي بين الحق والباطل، أو أن نبرّر الانحرافات؛ وإنما أن نضع كل قضية في موضعها، وكل خلاف في حجمه، وكل مواجهة في سياقها الصحيح.
فليس كل خلاف يستحق معركة، وليس كل خطأ يستحق أن يتحول صاحبه إلى عدو، وليس من الحكمة أن ينشغل المرء بملاحقة المخالفين في تفاصيل الخلاف، بينما تتراكم على الأمة قضايا الاحتلال والاستبداد والجهل والتخلّف والتمزّق.
ثم قلت له في ختام الحوار:
— يا صاحبي، إذا كان هذا هو سلّم الأولويات عندك، فماذا بقي من الأولويات أصلًا؟!
إذا كان المصلّي الذي يخالفك في مسألة فقهية عدوًّا تتقدّم محاربته على كل شيء، وإذا كان قارئ القرآن متهمًا حتى تثبت براءته من تصنيفاتك، وإذا كان اختلاف المذاهب سببًا للهجر والتحذير والتنازع، فمن الذي سيبقى لك لتتعاون معه على الخير؟
وهل تنتصر الأمة حين ينشغل أبناؤها بعضهم ببعض، أم حين يعرفون مواضع الخلل، ويميّزون بين مراتب الأخطاء، ويجمعون جهودهم فيما ينفع دينهم وأوطانهم؟
إن أخطر ما يصيب الأمة ليس وجود خلاف بين أبنائها فحسب، بل أن تفقد القدرة على ترتيب خلافاتها وأولوياتها؛ فتجعل من المختلف معها خصمًا دائمًا، ومن القضايا الكبرى شأنًا مؤجلًا!
عندها لن يحتاج أعداؤها إلى تمزيق صفوفها؛ فبعض أبنائها يتكفّلون بذلك، وهم يظنون أنهم يحسنون صنعًا!
وما إن انتهيت من كلامي، حتى ارتفع صوته:
— أنت خارجي!
ثم انهال بالسبّ والقذف، وانصرف غاضبًا.
فقلت في نفسي:
حين يعجز التصنيف عن الإجابة، يحضر الاتهام؛ وحين يعجز الحوار عن الإقناع، يرتفع صوت الشتائم!
يتبع…

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق