الثلاثاء، 20 أكتوبر 2026

السلفية المدخلية يحتجّون بمقولة منسوبة إلى الإمام مالك عن البدعة الحسنة… دون فهم مراده!

 السلفية المدخلية يحتجّون بمقولة منسوبة إلى الإمام مالك عن البدعة الحسنة… دون فهم مراده!

يحتجون بمقولة الإمام مالك… فماذا عن اجتهادات الإمام مالك نفسه؟


قراءة نقدية في الاحتجاج بمقولة «البدعة الحسنة»، وفي الفهم المتشدد للمحدثات الدينية

من المفارقات التي تستحق التأمل في خطاب بعض المتشددين في باب البدعة أنهم يستحضرون مقولة منسوبة إلى الإمام مالك بن أنس رحمه الله، ويجعلونها سيفًا مسلطًا على كثير من الممارسات الدينية، دون تفصيل كافٍ بين ما يُحدث في الدين بغير دليل، وما يدخل في عمومات الشريعة، أو يكون من قبيل الوسائل والعادات والاجتهادات.

وتتردد في هذا السياق العبارة المشهورة:

«من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة، فقد زعم أن محمدًا ﷺ خان الرسالة».

وهي عبارة تحتاج نسبتها ولفظها وسياقها إلى بحث علمي، كما يحتاج الاستدلال بها إلى فهم دقيق لمعنى البدعة التي يتناولها الكلام.

فليس كل ما لم يُفعل في العهد النبوي بالصورة نفسها بدعة محرمة، وليس كل ما استحدثه الناس مذمومًا لمجرد أنه جديد؛ إذ لا بد من النظر في حقيقة الفعل، وأصله الشرعي، ومقصده، وكيفية ممارسته.

وهنا يبرز السؤال الذي نريد مناقشته:

إذا كان بعضهم يحتج بكلام الإمام مالك في التضييق على المحدثات، فهل يقرأ فقه الإمام مالك كاملًا؟ وهل يلتزم بالمعيار نفسه حين ينظر في اجتهادات الإمام وتصرفاته؟

دعونا نرجع إلى ما نقله علماء المالكية عن إمام دار الهجرة، وننظر في دلالات هذه الأخبار، دون أن نفترض مسبقًا صحة كل رواية، أو أن نجعل كل فعل منقول عنه دليلًا قاطعًا على مشروعية نظيره.


أولًا: الإمام مالك وتعظيم المدينة النبوية

نقل القاضي أبو بكر ابن العربي المالكي في كتابه أحكام القرآن، عند تفسير قوله تعالى:

﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [طه: 12]،

خبرًا عن الإمام مالك، مفاده أنه كان لا يركب دابة في المدينة، تعظيمًا لتربتها التي تضم الجسد الشريف للنبي ﷺ.

المصدر المذكور: ابن العربي، أحكام القرآن، 3/254، بحسب الإحالة المتداولة.

وليس المقصود من إيراد هذا الخبر الجزم بأن كل تفاصيله ثابتة، أو أن كل صورة من صور تعظيم الأماكن مشروعة؛ وإنما المقصود الوقوف عند الدلالة المنهجية التي يثيرها.

فإذا ثبت أن الإمام مالكًا اختار هذا التصرف تعظيمًا للمدينة النبوية، فإننا أمام اجتهاد في السلوك والتعظيم، يحتاج إلى فهم علته وتكييفه، لا إلى إصدار حكم متعجل عليه لمجرد أن صورته لم تُنقل عن جميع الصحابة.

وهنا نسأل أصحاب الفهم المتشدد:

هل يكفي أن نقول إن هذا التصرف لم يُنقل عن النبي ﷺ بهذه الهيئة، ثم نحكم عليه بالبدعة المحرمة؟ أم لا بد من بحث حقيقته ودليله، والتمييز بين الاجتهاد الشخصي والعبادة التي يُنشئها المرء من عند نفسه؟

إن عدم النقل ليس، بمفرده، دليلًا كافيًا على التحريم في كل مسألة.


ثانيًا: ذكرٌ عند دخول البيت، واستنباط من القرآن

نقل القاضي عياض في ترتيب المدارك أن الإمام مالكًا كان إذا دخل بيته قال:

«ما شاء الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله».

وذكر أن مالكًا استدل بقوله تعالى:

﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: 39].

كما ورد في النقل أن هذه الكلمات كُتبت على بابه لتذكيره بها عند الدخول.

المصدر المذكور: القاضي عياض، ترتيب المدارك، 1/130، بحسب الإحالة المتداولة.

وهذا المثال يفتح بابًا مهمًّا في فهم الاستنباط الفقهي.

فالآية تتضمن ذكرًا مشروعًا، وقد نُقل عن الإمام أنه استحضر معناها في مناسبة معينة، واتخذ من الكتابة وسيلة لتذكّر الذكر.

لكن هل يعني ذلك أن كل ذكر يُربط بمناسبة معينة يصبح سنة ثابتة عن النبي ﷺ؟ بالطبع لا.

وهل يعني، في المقابل، أن كل استحضار لذكر مشروع في مناسبة مناسبة لمعناه يُحكم عليه بالبدعة المحرمة؟ لا يصح أيضًا إطلاق هذا الحكم دون تفصيل.

فالفرق كبير بين أن يختار المرء ذكرًا مشروعًا ليستحضره عند موقف مناسب، وبين أن يعتقد أن الشارع خصّص ذلك الموضع بعبادة ذات فضيلة ثابتة، دون دليل.

وهنا تظهر ضرورة التفريق بين أصل الذكر، وبين تخصيصه تعبديًّا، وبين اتخاذ وسيلة مباحة للتذكير به.

ومن دون هذا التفريق تختلط الأحكام، ويصبح الخلاف في الوسائل والعادات شبيهًا بالخلاف في أصول العبادات، مع أن لكل باب أحكامه وضوابطه.


ثالثًا: إحياء بعض الليالي والمواظبة على العبادة

ونقل القاضي عياض عن بعض من عرفوا أحوال الإمام مالك أنه كان يُحيي أول ليلة من الشهر، كما نقل عن ابنته فاطمة أنه كان يواظب على حزبه من الصلاة، ويُحيي ليلة الجمعة.

المصدر المذكور: القاضي عياض، ترتيب المدارك، 2/50، بحسب الإحالة المتداولة.

وهنا لا بد من الدقة؛ لأن هذه المسألة تختلف عن مسألة الذكر أو اتخاذ وسيلة للتذكير به.

فثمة فرق بين أن يختار المسلم وقتًا مناسبًا للاجتهاد في الصلاة وقراءة القرآن، دون اعتقاد فضيلة شرعية خاصة لذلك الوقت، وبين أن يخصّص ليلة بعبادة معينة، ويعتقد أن لها مزية تعبدية ثابتة، أو يلتزم هيئة مخصوصة على أنها سنة شرعية تحتاج إلى دليل.

فليس كل انتظام في العبادة بدعة، كما أن مجرد كون الفعل عبادة مشروعة في أصله لا يكفي لإثبات فضيلة شرعية خاصة لوقت أو هيئة بعينها.

ولهذا لا يصح أن نأخذ خبرًا عن مواظبة الإمام مالك على العبادة، ثم نجعله دليلًا تلقائيًّا على مشروعية كل تخصيص مشابه؛ كما لا يصح أن نحكم على كل مواظبة بأنها بدعة لمجرد عدم ورود نص خاص بها.

الواجب هو تحرير محل النزاع: هل نتحدث عن اختيار شخصي للاجتهاد، أم عن تخصيص تعبدي يُنسب إلى الشرع؟

وهذا هو الفرق الذي يغيب عن كثير من النقاشات التي تختزل مسائل البدعة في أحكام عامة لا تراعي اختلاف الصور والمقاصد.


رابعًا: الوضوء والتأهب قبل رواية الحديث

ومن الأخبار المشهورة في ترجمة الإمام مالك ما نقله القاضي عياض من أنه كان إذا جلس للتحديث توضأ، وتهيأ بأحسن هيئة، وسرّح لحيته، وجلس بوقار وهيبة.

ونُقل عنه أنه كان يفعل ذلك تعظيمًا لحديث رسول الله ﷺ.

المصدر المذكور: القاضي عياض، ترتيب المدارك، 2/15، بحسب الإحالة المتداولة.

وهذا المثال يحتاج إلى تمييز واضح بين ثلاثة أمور:

  • العبادة المستقلة: وهي التي يُراد التعبد بها على صفة مخصوصة، ويُبحث عن دليل مشروعيتها.

  • الأدب والتعظيم: كحسن الهيئة والوقار عند مجالس العلم، مما قد يدخل في الآداب المشروعة.

  • الوسيلة والاجتهاد الشخصي: كاختيار هيئة معينة للتأهب لمجلس علم، دون اعتقاد أنها واجبة أو سنة ملزمة للجميع.

فلا يصح أن نعدّ كل هيئة لم يرد فيها نص خاص بدعة محرمة، كما لا يصح أن نحوّل كل اجتهاد شخصي لعالم إلى سنة ملزمة للناس.

إنما المطلوب أن نعرف حقيقة الفعل، والاعتقاد المصاحب له، والدليل الذي يستند إليه.

وهذا هو المنهج الذي ينبغي أن يسود عند دراسة تراث الأئمة: لا إفراط في التبديع، ولا تفريط في الاستدلال، ولا تحويل للأعراف والآداب إلى عبادات ملزمة بغير حجة.


خامسًا: أين الخلل في الفهم المتشدد للبدعة؟

بعد استعراض هذه النماذج، ينبغي أن نطرح السؤال الأهم:

هل المشكلة في التحذير من البدعة أصلًا؟ كلا؛ فالتحذير مما يُحدث في الدين بغير دليل ثابت في الشريعة.

قال رسول الله ﷺ:

«مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ».

رواه البخاري ومسلم.

لكن المشكلة تبدأ حين يُختزل هذا الأصل العظيم في قاعدة جامدة مؤداها أن كل ما لم يُنقل عن السلف بصورته وتفاصيله فهو بدعة محرمة.

فهذا التعميم لا يراعي الفرق بين إنشاء عبادة لا أصل لها، وبين وسيلة مباحة لأداء عبادة مشروعة، ولا بين عادة اجتماعية، واجتهاد فقهي، وتخصيص تعبدي يحتاج إلى دليل.

كما أنه لا يراعي أن الحكم على الفعل قد يختلف باختلاف حقيقته ومقصده والاعتقاد المصاحب له.

فليس كل جديد بدعة شرعية، وليس كل ما كان مشروعًا في أصله مشروعًا بكل هيئة أو تخصيص يُضاف إليه.

وهذا التوازن هو الذي يحفظ للفقه دقته، وللخلاف العلمي موضوعيته، وللنصوص الشرعية مكانتها.

أما أن نأخذ عبارة واحدة منسوبة إلى إمام، ثم نجعلها ميزانًا وحيدًا للحكم على كل ما يستحدثه الناس، دون بحث في ثبوتها أو معناها أو تطبيقاتها، فذلك ليس تحقيقًا علميًّا كافيًا.


سادسًا: وماذا عن المقولة المنسوبة إلى الإمام مالك؟

العبارة المشهورة في إنكار البدعة الحسنة تستحق بحثًا مستقلًّا في مصادرها وأسانيدها وألفاظها.

فلا يصح الجزم ببطلان نسبتها لمجرد أن ناقلًا أوردها بلا إسناد في موضع معين؛ إذ ينبغي البحث في طرق نقلها الأخرى. كما لا يصح الجزم بصحة كل لفظ متداول عنها لمجرد شهرته.

ثم إن ثبوت العبارة، إن ثبت، لا يغني عن فهم المراد منها، ولا يبيح تحميلها ما لا تحتمله.

فالسؤال ليس: هل نحترم الإمام مالكًا أم لا؟ بل السؤال: كيف نفهم كلامه على ضوء أصول الشريعة، ومجموع فقهه، وطريقة العلماء في التمييز بين المحدثات؟

ولا يجوز اتخاذ الأخبار المنقولة عن اجتهاداته دليلًا قاطعًا على صحة كل ممارسة مشابهة؛ فالأئمة يُستأنس بأقوالهم وأفعالهم، وتُدرس اجتهاداتهم، وتُوزن الأدلة وفق قواعد العلم.

لكن هذه الأخبار تذكّرنا بأمر مهم: أن دراسة فقه الأئمة أوسع من اقتباس عبارة واحدة، وأن الحكم على الممارسات يحتاج إلى تحقيق وتفصيل، لا إلى التعميم والانتقاء.


الخلاصة: اقرأوا الإمام مالك كاملًا، ولا تختزلوه في مقولة واحدة

يا من تحتجون بالإمام مالك في مسائل البدعة، إن الوفاء للعلم لا يكون بانتقاء ما يوافق موقفكم، وإغفال ما يثير أسئلة حول طريقة فهمكم وتطبيقكم للأصول.

اقرؤوا كلام الإمام، وادرسوا اجتهاداته، وتحققوا من الروايات المنقولة عنه، وميّزوا بين العبادات والوسائل والعادات والآداب، ولا تجعلوا مجرد عدم النقل دليلًا كافيًا على التحريم في كل صورة.

إن الدفاع عن السنة لا يكون بالتوسع في التبديع، كما أن تعظيم الأئمة لا يكون بتحويل اجتهاداتهم إلى نصوص معصومة؛ وإنما يكون بالعلم والعدل، والتحقق من النقول، وفهم الأدلة في سياقاتها.

وليس من الإنصاف أن نحتج بقول إمام حين نراه موافقًا لما نريد، ثم نغفل عن ضرورة فهم تراثه كاملًا حين تصبح المسألة أكثر تعقيدًا.

فالميزان هو الدليل، والفهم الصحيح، والعدل في تطبيق الأحكام؛ لا الشعارات، ولا الانتقاء، ولا التسرع في تبديع المخالف.

ومن أراد أن ينتصر للإمام مالك رحمه الله، فليحفظ مكانته العلمية، وليفهم منهجه الفقهي، وليتجنب أن يجعل اسمه وسيلة لتضييق ما وسّعه النظر الفقهي المنضبط.

رحم الله الإمام مالكًا، وسائر أئمة المسلمين، وجعلنا من أهل العلم والإنصاف، ممن يعرفون الحق بالدليل، ويحفظون للعلماء أقدارهم، ولا يجعلون الخلاف الفقهي بابًا للتعصب والخصومة.

#الإمام_مالك
#البدعة
#الفقه_الإسلامي
#المالكية
#السنة

إثبات براءة الإمام مالك من هذا القول


 مقولة الإمام مالك التي يحتج بها المداخلة أدعياء السلفية ، ذكرها الإمام الشاطبي بلا إسناد - وهذا الاثر لايصح عن إمام مالك رحمه الله بل عمل بخلاف هذا القول واليكم بعض محدثات الإمام مالك بن أنس:

(1) قال القاضي ابن العربي (ت:543ه) عند الكلام على قوله تعالى: ﴿إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى﴾[طه:12] في أحكامه، ما نصه: ((إن قلنا: إن خلع النعلين كان لينال بركة التقديس فما أجدره بالصحة، فقد استحق التنزيه عن النعل، واستحق الواطئ التبرك بالمباشرة، كما لا تدخل الكعبة بنعلين، وكما كان مالك لا يركب دابة بالمدينة، برا بتربتها المحتوية على الأعظم الشريفة والجثة الكريمة)) [أحكام القرآن للقاضي ابن العربي الإشبيلي (254/3)]..فأحدث إمام دار الهجرة سيدنا مالك بن أنس طريقة مخترعة لم تعهد قبل في تعظيم حضرة سيدنا المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم وهو في قبره الشريف..
(2) قال القاضي عياض (ت:544ه): ((كان مالك إذا دخل بيته قال: “ما شاء الله ولا حول ولا قوة إلا بالله”، فسئل عن ذلك فقال: قال الله تعالى: ﴿ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله﴾[الكهف:39] الآية، وجنته: بيته. وقيل: إن ذلك كان على باب مالك مكتوبا، يريد ليتذكر برؤيته قول ذلك متى دخل)) [ترتيب المدارك (130/1)] استنبط الإمام مالك ذكرا محدثا انطلاقا من الآية الكريمة، وقيده بكيفية محدثة لم تعهد من قبل..
(3) قال القاضي عياض (ت:544ه): ((قال الزبير بن حبيب: كنت أرى مالكا إذا دخل الشهر أحيا أول ليلة منه، وكنت أظنه يفعل ذلك ليفتتح به الشهر. وقالت فاطمة بنت مالك: كان مالك يصلي كل ليلة حزبه، فإذا كانت ليلة الجمعة أحياها كلها)) [ترتيب المدارك (50/2)]..التزم إمام دار الهجرة مالك بن أنس إحياء أول ليلة من الشهر بالعبادة، ولا دليل على هذا التخصيص بهذه الكيفية من غير عمومات النصوص..
(4) قال القاضي عياض (ت:544ه): ((كان مالك إذا جلس للحديث توضأ، وجلس على صدر فراشه، وسرح لحيته، وتمكن في جلوسه بوقار وهيبة، ثم حدث. فقيل له في ذلك، فقال: أحب أن أعظم حديث رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم ولا أحدث به إلا على طهارة)) [ترتيب المدارك (15/2)]..أحدث إمام دار الهجرة سيدنا الإمام مالك بن أنس كيفية جديدة لم ترد في تعظيم حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم!، والتزم التوقيت لعبادة الوضوء بصورة محدثة..
..الخ
فهذه الأفعال كلها: “بدعة ضلالة” وفق توجيه المخالف لمقولة الإمام!، وهذا يدلك على براءة الإمام مالك من هذا الفهم السقيم لمقولته
_
📌 هل فهم هؤلاء الإمام مالك بحق؟ | قراءة علمية في اجتهادات إمام دار الهجرة
الكثير ممن يتوسعون في التبديع ويضيّقون واسع الفقه يحتجون بمقولات يُنسب فيها للإمام مالك رحمه الله التضييق الشديد في المحدثات (والتي يذكرها الشاطبي بلا إسناد يصح عنه). لكن: هل طَبّق الإمام مالك هذا المفهوم على نفسه واجتهاده؟
دعونا نستعرض صوراً وثّقها كبار علماء المالكية عن سيرة الإمام مالك بن أنس، تُظهر كيف كان يفهم "الابتداع والتعظيم":
1️⃣ ترك ركوب الدابة في المدينة المنورة
المصدر: أحكام القرآن للقاضي ابن العربي (3/254).
الفعل: كان الإمام مالك لا يركب دابة قط في المدينة المنورة!
العلة: تعظيماً لتربةٍ تضم الجسد الشريف للنبي ﷺ ورغبة في المباشرة بالقدم.
👉 الأثر الفقهي: أحدث الإمام كيفية ووسيلة مخترعة لم تكن في عهد الصحابة لتعظيم المدينة وتربتها.
2️⃣ تقييد ذكر خاص بدخول البيت
المصدر: ترتيب المدارك للقاضي عياض (1/130).
الفعل: كان إذا دخل بيته قال: (ما شاء الله ولا حول ولا قوة إلا بالله)، بل وقيل إنه كتبها على بابه ليتذكرها.
العلة: استنباطاً من قوله تعالى: ﴿ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله﴾.
👉 الأثر الفقهي: أحدث ذكراً مقيداً بسبب/مكان بناءً على استنباط خاص من الآية لم يُعهد فيه نص صريح.
3️⃣ التزام إحياء أول ليلة من الشهر وليلة الجمعة
المصدر: ترتيب المدارك للقاضي عياض (2/50).
الفعل: كان الإمام مالك يُحيي أول ليلة من كل شهر هجري، وكان يواظب على إحياء ليلة الجمعة برمتها بالصلاة.
👉 الأثر الفقهي: تخصيص أوقات معينة بالعبادة والتزامها دون وجود نص خاص يحدد تلك الليالي بخصوصها، اعتماداً على عمومات الأدلة.
4️⃣ الهيئة الخاصة والمواظبة على الوضوء لرواية الحديث
المصدر: ترتيب المدارك للقاضي عياض (2/15).
الفعل: كان إذا جلس لتحديث الناس يتوضأ، ويلبس أفضل ثيابه، ويسرح لحيته، ويجلس بوقار وهيبة. وقال: "أحب أن أعظم حديث رسول الله ﷺ".
👉 الأثر الفقهي: التزم الوضوء وهيئة مخصوصة لفعالية علمية (تحديث الناس) تعظيماً للسنة، وهو هيئة وتوقيت لم يأتِ به أمر صريح.
💡 الخلاصة والرسالة:
لو طَبّقنا الفهم "الجامد والضيق" لمفهوم البدعة الذي يتبناه بعض الأدعياء اليوم، لكانت هذه الأفعال كلها عندهم في خانة (المرذول أو المبتدع)!
وهذا أدل دليل على أن الإمام مالك رحمه الله بريء من هذا الفهم الضيق، وأن الفقه الإسلامي أوسع وأعمق من اختزاله في ظواهر الفهم السقيم.

الشخصية «الكموجية» عند بعض المدخلية: حين يقرأ المرء النص ولا يفهم معناه!

 


الشخصية «الكموجية» عند بعض المدخلية: حين يقرأ المرء النص ولا يفهم معناه!

من طرائف كتب الأدب حكايةٌ تُروى عن رجل سأل الإمام الإشبيلي:

— ما الكموج؟

فسأله الإمام:

— أين قرأت هذه الكلمة؟

قال الرجل:

— في قول امرئ القيس:

وليلٍ كموج البحر أرخى سدولهُ
عليَّ بأنواع الهموم ليبتلي

فأجابه، بحسب الرواية المتداولة:

«الكموج دابةٌ تقرأ ولا تفهم!»

سواء صحت هذه الحكاية بلفظها أم كانت من طرائف الأدب المتناقلة، فإن معناها يفتح لنا بابًا واسعًا للتأمل!

فما أكثر من يقرأ ولا يفهم، وينقل ولا يتحقق، ويحفظ الألفاظ ولا يدرك المعاني، ثم يتصدر للحديث في أعظم القضايا، وكأن مجرد القراءة جعلته من أهل العلم والتحقيق!

🔹 حين تصبح القراءة دليلًا على الجهل بدلًا من العلم!

إن الشخصية «الكموجية» ليست حكرًا على عصر دون عصر، ولا على بيئة دون أخرى؛ بل يمكن أن تظهر في كل زمان ومكان.

تجد صاحبها يقرأ آيةً من القرآن الكريم، أو حديثًا نبويًّا، أو كلامًا لأحد العلماء، ثم يستخرج منه معنى لا يدل عليه النص، ويبني عليه حكمًا لا تحتمله العبارة، وربما جعل فهمه القاصر ميزانًا يخطّئ به العلماء والدعاة والمخالفين!

والمشكلة ليست في أن يخطئ الإنسان في الفهم؛ فالخطأ يقع من كل أحد، وإنما المشكلة أن يجهل أنه لم يفهم، ثم يحوّل جهله إلى أحكام على الناس، ويقدّم ظنونه على أنها علمٌ وتحقيق!

🔹 من سوء فهم الحديث إلى قلب دلالته!

تأملوا مثلًا حديث النبي ﷺ:

«تقتل عمارًا الفئة الباغية».

وهو حديث مشهور ثابت في صحيح البخاري، وله طرق وروايات في كتب الحديث الأخرى.

فإذا جاء أحدهم فخلط بين أسماء الرجال، أو ادعى أن اسم «عمار» تصحيف عن «عثمان»، من غير دليل معتبر ولا رجوع إلى مصادر الحديث، فهل يكون قد حقق المسألة العلمية، أم كشف عن خلل في فهم الرواية وضبطها؟

إن النصوص الحديثية لا تُفهم بالأوهام، ولا تُغيَّر ألفاظها لمجرد أن دلالتها لا توافق تصورًا مسبقًا عند قارئها.

فالواجب أن نخضع آراءنا للنصوص الثابتة، لا أن نلوِي أعناق النصوص لتوافق آراءنا.

🔹 حين يتحول سوء الفهم إلى سلاح للتبديع والتجريح!

ومن أبرز مظاهر هذه العقلية أن يقرأ المرء مسألةً فقهية مختلفًا فيها، أو يسمع قولًا لعالم لا يوافق اختياره، ثم يسارع إلى التبديع والتضليل والتجريح، وكأن الخلاف في كل جزئية دليل على فساد المنهج أو انحراف العقيدة!

وهنا تظهر خطورة الجهل المركب: لا يكتفي صاحبه بسوء فهم المسألة، بل يجعل فهمه الناقص معيارًا للحكم على الآخرين.

فكم من مسألة تحتاج إلى جمع النصوص، ومعرفة أسباب ورودها، وفهم كلام العلماء في سياقه، والتمييز بين مسائل الاجتهاد ومسائل الاعتقاد؛ فإذا بها تختزل في مقطع قصير، أو عبارة مبتورة، أو حكم متسرع يُوزَّع على المخالفين بلا علم ولا تثبت!

وهكذا يصبح التبديع أسهل من البحث، والتجريح أسرع من الفهم، والتصنيف بديلًا عن الدليل!

🔹 «جمعة البخاري» أم الإمام محمد بن إسماعيل البخاري؟

ومن طرائف الخلط بين اللفظ ومعناه ما يُتداول عن شخص أنكر وجود الإمام البخاري بسبب قراءته لعبارة «جمعه البخاري» على أنها اسم «جمعة»، لا فعلًا بمعنى أنه جمع الروايات وصنّفها!

إن صح هذا المثال عن صاحبه، فهو يكشف عن مشكلة تتجاوز الخطأ اللغوي العابر: إنها مشكلة من يقرأ العبارة من غير أن يفهم تركيبها، ولا يراعي سياقها، ولا يرجع إلى أبسط مصادر التراجم والتاريخ.

فالإمام هو محمد بن إسماعيل البخاري، صاحب «الجامع الصحيح»، المعروف بصحيح البخاري.

والفرق بين «جَمَعَه البخاري» و«جُمعة البخاري» ليس مسألةً معقدةً تحتاج إلى لجان بحثية؛ وإنما هو من أساسيات فهم اللغة والسياق!

فإذا كان المرء لا يميز بين الفعل والاسم في عبارة واضحة، فكيف يتصدر للفصل في دقائق الخلافات العلمية، والحكم على مناهج العلماء والدعاة؟

ومع ذلك، ينبغي التثبت من نسبة هذه الواقعة إلى شخص بعينه قبل الاستشهاد بها على أنها حادثة ثابتة.

🔹 أيُّ فهمٍ للسلف هذا الذي لا يحتمل إلا رأيًا واحدًا؟

ومن أعجب المفارقات أن بعض المنتسبين إلى السلفية يكثرون من ترديد عبارة «فهم السلف»، ثم يجعلون فهمهم الشخصي هو الممثل الوحيد لذلك الفهم!

فإذا خالفهم عالم، أو داعية، أو طالب علم، لم يبدأوا دائمًا بتحرير محل النزاع، وجمع الأدلة، والنظر في أقوال أهل العلم؛ بل قد يبدأ بعضهم بالتصنيف والتبديع والتشنيع، وكأن مخالفة اجتهاده الشخصي خروجٌ عن منهج السلف!

وهنا ينبغي أن نسأل:

هل فهم السلف هو ما دلّت عليه النصوص وقرره العلماء بأدلتهم، أم هو كل ما يفهمه شخصٌ معاصر ثم ينسبه إلى السلف؟

وهل الانتساب إلى منهج السلف يمنح صاحبه عصمةً من الخطأ، أم أن أقوال المنتسبين إليه تُوزن كما تُوزن أقوال غيرهم بميزان العلم والدليل؟

إن دعوى اتباع السلف لا تغني عن صحة الفهم، وكثرة الاستشهاد بالنصوص لا تعوّض ضعف الاستدلال بها.

وهذا نقدٌ لبعض الممارسات التي تظهر عند بعض المنتسبين إلى التيار المدخلي، لا حكمٌ على كل من انتسب إلى السلفية أو خالفنا في مسألة علمية.

🔹 الخلاصة: اقرأ لتفهم، لا لتبحث عن خصم!

إن العلم ليس بكثرة ما يقرؤه الإنسان، ولا بعدد النصوص التي يحفظها، ولا بسرعة الأحكام التي يصدرها على المخالفين.

العلم أن تفهم الكلام في سياقه، وتعرف دلالة الألفاظ، وتجمع النصوص المتعلقة بالمسألة، وتفرّق بين القطعي والاجتهادي، وتتحقق من النقول، وتملك من التواضع ما يجعلك تقول: لا أعلم، أو لعلني أخطأت.

أما أن تقرأ ولا تفهم، ثم تجزم؛ وتنقل ولا تتحقق، ثم تحكم؛ وتختلف مع عالم، ثم تجرّحه وتبدّعه؛ فهذه ليست علامة رسوخ في العلم، بل علامة تستوجب مراجعة النفس والمنهج.

فالكموجية ليست في أن يجهل الإنسان مسألةً؛ وإنما في أن يجهلها، ثم يتصرف وكأنه أعلم الناس بها!

ولذلك، قبل أن نرفع شعار «فهم السلف»، فلنتعلم أولًا كيف نفهم النصوص، وكيف نتحقق من النقول، وكيف نختلف بأدب، وكيف نزن الأقوال بالدليل، لا بالأسماء والتصنيفات.

فليس كل قارئٍ عالمًا، وليس كل حافظٍ محققًا، وليس كل من أكثر من التبديع والتجريح قد ازداد قربًا من العلم.

وأخطر الجهل أن يرتدي ثوب العلم، ثم يتحدث باسم السلف، ويخاصم باسم السنة، ويطعن في الناس باسم المنهج!

قصة وعبرة… وما أشبهها ببعض الخطابات المدخلية في واقعنا المعاصر!

 


حين يُطالَب المظلوم بالصمت باسم الأمن والاستقرار!

قصة وعبرة… وما أشبهها ببعض الخطابات المدخلية في واقعنا المعاصر!

تأمّل معي هذه القصة الرمزية، ففيها من العبرة ما يستحق الوقوف عنده.

كان رجل يسير في طريقه آمنًا، لا يتوقع أن يعترضه خطر، فإذا بلصّ مسلّح يخرج عليه، ويسلبه محفظة نقوده، ثم يقول له بكل وقاحة:

«انسَ ما حدث، وامضِ في طريقك بسلام!»

حاول الرجل أن يعترض، وأن يطالب بحقه، فإذا باللص يرفع صوته مهددًا:

«قلت لك: انسَ ما حدث، وامضِ بسلام! وإلا…»

وبينما الرجل المظلوم في حيرته، ظهر شخص لا يقلّ سوءًا عن اللص، وراح يعظ المسروق قائلًا:

«لماذا تريد إثارة المشكلات؟ أليس السلام خيرًا من الخصام؟ ألم تسمع قول الله تعالى:**

﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾؟

توكل على الله، واقبل بالسلام، ولا تفتح أبواب الفتنة!

فأجابه الرجل المقهور:

«أيّ سلام تتحدث عنه؟ لقد سُرقت أموالي، وأُخذ حقي، وأنا لا أطلب الاعتداء على أحد، بل أريد استرداد ما سُلب مني. فإن لم أستطع اليوم، فسأظل أطالب بحقي غدًا، وبعد غد، ما دمت قادرًا على المطالبة به».

وهنا ارتفعت الأصوات من كل جانب:

«أنت تثير الفوضى!»

«أنت تهدد الأمن والاستقرار!»

«أنت تشعل الفتنة، وتزعزع الطمأنينة!»

وربما انتهى الأمر باتهامه بالإرهاب، لمجرد أنه رفض أن يبتلع الظلم، ويغادر المكان صامتًا!

فتساءل الرجل مستنكرًا:

كيف يصبح المعتدى عليه متهمًا، بينما ينجو المعتدي من المساءلة؟

كيف يُوصَف المظلوم بأنه مصدر الشر، لمجرد أنه طالب بحقه؟

أليس في هؤلاء عاقل يقول للّص: أَعِدْ إلى الرجل ماله، وكُفَّ عن ظلمه، ثم تحدّثوا عن الأمن والسلام؟

أليس العدل أولى من مطالبة الضحية بالتنازل، وأليس إنصاف المظلوم أجدر بحفظ الاستقرار من إسكات صوته؟

إن المفارقة الساخرة في هذه القصة أن الجهود لا تُبذل لاسترداد الحق المسلوب، ولا لمحاسبة المعتدي، بل لإقناع الضحية بأن تسكت، وأن تعتبر صمتها سلامًا، وتنازلها حكمة، واعتراضها فتنة!

وهكذا يُراد للظالم أن يطمئن إلى أن أفعاله لن تُواجَه، وللمظلوم أن يخشى عاقبة المطالبة بحقه، وللناس أن يعتادوا رؤية الظلم ما دام مغلفًا بشعارات الأمن والاستقرار.

فما علاقة هذه القصة بالخطاب المدخلي؟

إن وجه الشبه الذي نريد التنبيه إليه يظهر حين يتبنّى بعض المنتسبين إلى التيار المدخلي خطابًا يجعل الاعتراض على أخطاء السلطة أو انتقاد المسؤولين مدخلًا لاتهام الناقد بإثارة الفتن، أو تهديد الجماعة، أو مخالفة منهج السلف؛ بينما لا يحظى نقد الفساد والظلم بالقدر نفسه من الاهتمام والوضوح.

وحين يحدث ذلك، يصبح السؤال مشروعًا:

هل المقصود فعلًا حماية المجتمع من الفوضى، أم أن النتيجة العملية لهذا الخطاب قد تكون حماية المسؤول المخطئ من النقد والمساءلة؟

إن الدعوة إلى الأمن ليست خطأ، والتحذير من الفتن ليس مذمومًا في ذاته، وطاعة ولي الأمر لها أصلها وضوابطها في الشريعة؛ لكن الخطأ أن تتحول هذه المعاني إلى شعارات تُستخدم لإسكات كل صوت ناقد، أو لتبرير الأخطاء، أو للتقليل من شأن المظالم.

فليس كل اعتراض خروجًا، وليس كل نقد فتنة، وليس كل من طالب بالإصلاح عدوًا للاستقرار.

وفي المقابل، ليس كل معارض محقًا في كل ما يقول، ولا تصبح كل وسيلة للاعتراض مشروعة لمجرد أن صاحبها يرفع شعار مقاومة الظلم؛ بل لا بد من التمييز بين النقد المسؤول، والظلم المقابل، والوسائل المشروعة وغير المشروعة.

فالعدل لا يناقض الأمن، والنصيحة لا تعني السكوت عن الخطأ، وحفظ الاستقرار لا يقتضي منح أحد حصانة من النقد والمحاسبة.

إن الأمن الحقيقي لا يتحقق بإسكات المظلوم، بل برفع الظلم عنه؛ ولا يترسخ بتخويف الناس من المطالبة بحقوقهم، بل بإقامة العدل، ومحاسبة المعتدي، وصيانة كرامة الإنسان.

والخلاصة:

إذا كان اللص قد سرق مال الرجل، فلا تجعلوا الرجل متهمًا لأنه طالب باسترداده!

وإذا أخطأ مسؤول، فلا تجعلوا نقد خطئه جريمة في حق المجتمع!

وإذا رفع أحد صوته مطالبًا بالإصلاح، فلا تسارعوا إلى اتهامه بإثارة الفتنة قبل أن تنظروا في حقيقة ما يقول، ومدى عدالة مطلبه، ومشروعية وسيلته.

فليس كل من رفع شعار الأمن حريصًا على العدل، وليس كل من طالب بالعدل ساعيًا إلى الفتنة.

والميزان الذي ينبغي أن نحتكم إليه ليس هوية المتكلم، ولا قربه من السلطة أو بُعده عنها، بل الحق والعدل والإنصاف.

فأعيدوا للمظلوم حقه، وحاسبوا الظالم على ظلمه، ثم حدّثونا عن الأمن والاستقرار!

قصة وعبرة .. سرقة_فلسطين

 سرقة_فلسطين



تأمل معي في هذه الطرفة : كان رجل يمشي في طريقه مسترسلآ لا يحذر خطرآ ؛ فإذا لص يخرج عليه مدججآ بالسلاح ؛ ويسلبه حافظة نقوده ثم يقول له : انس ما حدث ! وامضي في طريقك ! ..
وحاول الرجل الكلام والمقاومة فإذا اللص يقول له فى حزم : قلت لك : انس ما كان وامض فى طريقك بسلام ! وإلاّ ........
وجاء كاهن خسيس يقول للرجل المقهور : إنه يدعوك للمرور بسلام ! السلام أولى بك ؛ ألم تسمع قوله تعالى :
{[ وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله ]} ..
توكل على الله واقبل السلام ! ..
قال الرجل البائس : إنني مسروق ؛ ويجب أن أسترد مالي، وإذا لم يكن اليوم لي ؛ فإلى الغد القريب أو البعيد ! ..
وارتفعت أصوات من هنا ومن هناك تقول له : أتهدّد الأمن ؛ وتعكر الجو ؟ إنك إرهابي مزعج تثير الفتن وتمنع الاستقرار ..
وقال الرجل : كيف يوصف المعتدي عليه بأنه إرهابي ؟.
كيف يوصم المغلوب على أمره بأنه شر ؟.
أما يود عاقل أو عادل يقول: ردّوا للمظلوم ما أخذ منه ؟.
المضحك أن جهودآ مكثفة تبذل فى هذه الأيام لإقرار السلام أو بتعبير صريح لإكراه المسروق على السكوت ؛ وتهديده إذا استأنف الصياح بأنه إرهابي جدير بالقتل ! ..
إن قضية اغتصاب فلسطين وتشريد أهلها نموذج حي للسطو الصفيق والحق المضيم ؛ ونموذج لأزمة الأخلاق والضمائر من عصور سحيقة
الشيخ الغزالي
كتاب جهاد الدعوة..بين عجز الداخل وكيد الخارج