السلفية المدخلية يحتجّون بمقولة منسوبة إلى الإمام مالك عن البدعة الحسنة… دون فهم مراده!
يحتجون بمقولة الإمام مالك… فماذا عن اجتهادات الإمام مالك نفسه؟
قراءة نقدية في الاحتجاج بمقولة «البدعة الحسنة»، وفي الفهم المتشدد للمحدثات الدينية
من المفارقات التي تستحق التأمل في خطاب بعض المتشددين في باب البدعة أنهم يستحضرون مقولة منسوبة إلى الإمام مالك بن أنس رحمه الله، ويجعلونها سيفًا مسلطًا على كثير من الممارسات الدينية، دون تفصيل كافٍ بين ما يُحدث في الدين بغير دليل، وما يدخل في عمومات الشريعة، أو يكون من قبيل الوسائل والعادات والاجتهادات.
وتتردد في هذا السياق العبارة المشهورة:
«من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة، فقد زعم أن محمدًا ﷺ خان الرسالة».
وهي عبارة تحتاج نسبتها ولفظها وسياقها إلى بحث علمي، كما يحتاج الاستدلال بها إلى فهم دقيق لمعنى البدعة التي يتناولها الكلام.
فليس كل ما لم يُفعل في العهد النبوي بالصورة نفسها بدعة محرمة، وليس كل ما استحدثه الناس مذمومًا لمجرد أنه جديد؛ إذ لا بد من النظر في حقيقة الفعل، وأصله الشرعي، ومقصده، وكيفية ممارسته.
وهنا يبرز السؤال الذي نريد مناقشته:
إذا كان بعضهم يحتج بكلام الإمام مالك في التضييق على المحدثات، فهل يقرأ فقه الإمام مالك كاملًا؟ وهل يلتزم بالمعيار نفسه حين ينظر في اجتهادات الإمام وتصرفاته؟
دعونا نرجع إلى ما نقله علماء المالكية عن إمام دار الهجرة، وننظر في دلالات هذه الأخبار، دون أن نفترض مسبقًا صحة كل رواية، أو أن نجعل كل فعل منقول عنه دليلًا قاطعًا على مشروعية نظيره.
أولًا: الإمام مالك وتعظيم المدينة النبوية
نقل القاضي أبو بكر ابن العربي المالكي في كتابه أحكام القرآن، عند تفسير قوله تعالى:
﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [طه: 12]،
خبرًا عن الإمام مالك، مفاده أنه كان لا يركب دابة في المدينة، تعظيمًا لتربتها التي تضم الجسد الشريف للنبي ﷺ.
المصدر المذكور: ابن العربي، أحكام القرآن، 3/254، بحسب الإحالة المتداولة.
وليس المقصود من إيراد هذا الخبر الجزم بأن كل تفاصيله ثابتة، أو أن كل صورة من صور تعظيم الأماكن مشروعة؛ وإنما المقصود الوقوف عند الدلالة المنهجية التي يثيرها.
فإذا ثبت أن الإمام مالكًا اختار هذا التصرف تعظيمًا للمدينة النبوية، فإننا أمام اجتهاد في السلوك والتعظيم، يحتاج إلى فهم علته وتكييفه، لا إلى إصدار حكم متعجل عليه لمجرد أن صورته لم تُنقل عن جميع الصحابة.
وهنا نسأل أصحاب الفهم المتشدد:
هل يكفي أن نقول إن هذا التصرف لم يُنقل عن النبي ﷺ بهذه الهيئة، ثم نحكم عليه بالبدعة المحرمة؟ أم لا بد من بحث حقيقته ودليله، والتمييز بين الاجتهاد الشخصي والعبادة التي يُنشئها المرء من عند نفسه؟
إن عدم النقل ليس، بمفرده، دليلًا كافيًا على التحريم في كل مسألة.
ثانيًا: ذكرٌ عند دخول البيت، واستنباط من القرآن
نقل القاضي عياض في ترتيب المدارك أن الإمام مالكًا كان إذا دخل بيته قال:
«ما شاء الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله».
وذكر أن مالكًا استدل بقوله تعالى:
﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: 39].
كما ورد في النقل أن هذه الكلمات كُتبت على بابه لتذكيره بها عند الدخول.
المصدر المذكور: القاضي عياض، ترتيب المدارك، 1/130، بحسب الإحالة المتداولة.
وهذا المثال يفتح بابًا مهمًّا في فهم الاستنباط الفقهي.
فالآية تتضمن ذكرًا مشروعًا، وقد نُقل عن الإمام أنه استحضر معناها في مناسبة معينة، واتخذ من الكتابة وسيلة لتذكّر الذكر.
لكن هل يعني ذلك أن كل ذكر يُربط بمناسبة معينة يصبح سنة ثابتة عن النبي ﷺ؟ بالطبع لا.
وهل يعني، في المقابل، أن كل استحضار لذكر مشروع في مناسبة مناسبة لمعناه يُحكم عليه بالبدعة المحرمة؟ لا يصح أيضًا إطلاق هذا الحكم دون تفصيل.
فالفرق كبير بين أن يختار المرء ذكرًا مشروعًا ليستحضره عند موقف مناسب، وبين أن يعتقد أن الشارع خصّص ذلك الموضع بعبادة ذات فضيلة ثابتة، دون دليل.
وهنا تظهر ضرورة التفريق بين أصل الذكر، وبين تخصيصه تعبديًّا، وبين اتخاذ وسيلة مباحة للتذكير به.
ومن دون هذا التفريق تختلط الأحكام، ويصبح الخلاف في الوسائل والعادات شبيهًا بالخلاف في أصول العبادات، مع أن لكل باب أحكامه وضوابطه.
ثالثًا: إحياء بعض الليالي والمواظبة على العبادة
ونقل القاضي عياض عن بعض من عرفوا أحوال الإمام مالك أنه كان يُحيي أول ليلة من الشهر، كما نقل عن ابنته فاطمة أنه كان يواظب على حزبه من الصلاة، ويُحيي ليلة الجمعة.
المصدر المذكور: القاضي عياض، ترتيب المدارك، 2/50، بحسب الإحالة المتداولة.
وهنا لا بد من الدقة؛ لأن هذه المسألة تختلف عن مسألة الذكر أو اتخاذ وسيلة للتذكير به.
فثمة فرق بين أن يختار المسلم وقتًا مناسبًا للاجتهاد في الصلاة وقراءة القرآن، دون اعتقاد فضيلة شرعية خاصة لذلك الوقت، وبين أن يخصّص ليلة بعبادة معينة، ويعتقد أن لها مزية تعبدية ثابتة، أو يلتزم هيئة مخصوصة على أنها سنة شرعية تحتاج إلى دليل.
فليس كل انتظام في العبادة بدعة، كما أن مجرد كون الفعل عبادة مشروعة في أصله لا يكفي لإثبات فضيلة شرعية خاصة لوقت أو هيئة بعينها.
ولهذا لا يصح أن نأخذ خبرًا عن مواظبة الإمام مالك على العبادة، ثم نجعله دليلًا تلقائيًّا على مشروعية كل تخصيص مشابه؛ كما لا يصح أن نحكم على كل مواظبة بأنها بدعة لمجرد عدم ورود نص خاص بها.
الواجب هو تحرير محل النزاع: هل نتحدث عن اختيار شخصي للاجتهاد، أم عن تخصيص تعبدي يُنسب إلى الشرع؟
وهذا هو الفرق الذي يغيب عن كثير من النقاشات التي تختزل مسائل البدعة في أحكام عامة لا تراعي اختلاف الصور والمقاصد.
رابعًا: الوضوء والتأهب قبل رواية الحديث
ومن الأخبار المشهورة في ترجمة الإمام مالك ما نقله القاضي عياض من أنه كان إذا جلس للتحديث توضأ، وتهيأ بأحسن هيئة، وسرّح لحيته، وجلس بوقار وهيبة.
ونُقل عنه أنه كان يفعل ذلك تعظيمًا لحديث رسول الله ﷺ.
المصدر المذكور: القاضي عياض، ترتيب المدارك، 2/15، بحسب الإحالة المتداولة.
وهذا المثال يحتاج إلى تمييز واضح بين ثلاثة أمور:
العبادة المستقلة: وهي التي يُراد التعبد بها على صفة مخصوصة، ويُبحث عن دليل مشروعيتها.
الأدب والتعظيم: كحسن الهيئة والوقار عند مجالس العلم، مما قد يدخل في الآداب المشروعة.
الوسيلة والاجتهاد الشخصي: كاختيار هيئة معينة للتأهب لمجلس علم، دون اعتقاد أنها واجبة أو سنة ملزمة للجميع.
فلا يصح أن نعدّ كل هيئة لم يرد فيها نص خاص بدعة محرمة، كما لا يصح أن نحوّل كل اجتهاد شخصي لعالم إلى سنة ملزمة للناس.
إنما المطلوب أن نعرف حقيقة الفعل، والاعتقاد المصاحب له، والدليل الذي يستند إليه.
وهذا هو المنهج الذي ينبغي أن يسود عند دراسة تراث الأئمة: لا إفراط في التبديع، ولا تفريط في الاستدلال، ولا تحويل للأعراف والآداب إلى عبادات ملزمة بغير حجة.
خامسًا: أين الخلل في الفهم المتشدد للبدعة؟
بعد استعراض هذه النماذج، ينبغي أن نطرح السؤال الأهم:
هل المشكلة في التحذير من البدعة أصلًا؟ كلا؛ فالتحذير مما يُحدث في الدين بغير دليل ثابت في الشريعة.
قال رسول الله ﷺ:
«مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ».
رواه البخاري ومسلم.
لكن المشكلة تبدأ حين يُختزل هذا الأصل العظيم في قاعدة جامدة مؤداها أن كل ما لم يُنقل عن السلف بصورته وتفاصيله فهو بدعة محرمة.
فهذا التعميم لا يراعي الفرق بين إنشاء عبادة لا أصل لها، وبين وسيلة مباحة لأداء عبادة مشروعة، ولا بين عادة اجتماعية، واجتهاد فقهي، وتخصيص تعبدي يحتاج إلى دليل.
كما أنه لا يراعي أن الحكم على الفعل قد يختلف باختلاف حقيقته ومقصده والاعتقاد المصاحب له.
فليس كل جديد بدعة شرعية، وليس كل ما كان مشروعًا في أصله مشروعًا بكل هيئة أو تخصيص يُضاف إليه.
وهذا التوازن هو الذي يحفظ للفقه دقته، وللخلاف العلمي موضوعيته، وللنصوص الشرعية مكانتها.
أما أن نأخذ عبارة واحدة منسوبة إلى إمام، ثم نجعلها ميزانًا وحيدًا للحكم على كل ما يستحدثه الناس، دون بحث في ثبوتها أو معناها أو تطبيقاتها، فذلك ليس تحقيقًا علميًّا كافيًا.
سادسًا: وماذا عن المقولة المنسوبة إلى الإمام مالك؟
العبارة المشهورة في إنكار البدعة الحسنة تستحق بحثًا مستقلًّا في مصادرها وأسانيدها وألفاظها.
فلا يصح الجزم ببطلان نسبتها لمجرد أن ناقلًا أوردها بلا إسناد في موضع معين؛ إذ ينبغي البحث في طرق نقلها الأخرى. كما لا يصح الجزم بصحة كل لفظ متداول عنها لمجرد شهرته.
ثم إن ثبوت العبارة، إن ثبت، لا يغني عن فهم المراد منها، ولا يبيح تحميلها ما لا تحتمله.
فالسؤال ليس: هل نحترم الإمام مالكًا أم لا؟ بل السؤال: كيف نفهم كلامه على ضوء أصول الشريعة، ومجموع فقهه، وطريقة العلماء في التمييز بين المحدثات؟
ولا يجوز اتخاذ الأخبار المنقولة عن اجتهاداته دليلًا قاطعًا على صحة كل ممارسة مشابهة؛ فالأئمة يُستأنس بأقوالهم وأفعالهم، وتُدرس اجتهاداتهم، وتُوزن الأدلة وفق قواعد العلم.
لكن هذه الأخبار تذكّرنا بأمر مهم: أن دراسة فقه الأئمة أوسع من اقتباس عبارة واحدة، وأن الحكم على الممارسات يحتاج إلى تحقيق وتفصيل، لا إلى التعميم والانتقاء.
الخلاصة: اقرأوا الإمام مالك كاملًا، ولا تختزلوه في مقولة واحدة
يا من تحتجون بالإمام مالك في مسائل البدعة، إن الوفاء للعلم لا يكون بانتقاء ما يوافق موقفكم، وإغفال ما يثير أسئلة حول طريقة فهمكم وتطبيقكم للأصول.
اقرؤوا كلام الإمام، وادرسوا اجتهاداته، وتحققوا من الروايات المنقولة عنه، وميّزوا بين العبادات والوسائل والعادات والآداب، ولا تجعلوا مجرد عدم النقل دليلًا كافيًا على التحريم في كل صورة.
إن الدفاع عن السنة لا يكون بالتوسع في التبديع، كما أن تعظيم الأئمة لا يكون بتحويل اجتهاداتهم إلى نصوص معصومة؛ وإنما يكون بالعلم والعدل، والتحقق من النقول، وفهم الأدلة في سياقاتها.
وليس من الإنصاف أن نحتج بقول إمام حين نراه موافقًا لما نريد، ثم نغفل عن ضرورة فهم تراثه كاملًا حين تصبح المسألة أكثر تعقيدًا.
فالميزان هو الدليل، والفهم الصحيح، والعدل في تطبيق الأحكام؛ لا الشعارات، ولا الانتقاء، ولا التسرع في تبديع المخالف.
ومن أراد أن ينتصر للإمام مالك رحمه الله، فليحفظ مكانته العلمية، وليفهم منهجه الفقهي، وليتجنب أن يجعل اسمه وسيلة لتضييق ما وسّعه النظر الفقهي المنضبط.
رحم الله الإمام مالكًا، وسائر أئمة المسلمين، وجعلنا من أهل العلم والإنصاف، ممن يعرفون الحق بالدليل، ويحفظون للعلماء أقدارهم، ولا يجعلون الخلاف الفقهي بابًا للتعصب والخصومة.
#الإمام_مالك
#البدعة
#الفقه_الإسلامي
#المالكية
#السنة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق