الخميس، 1 أكتوبر 2026

كيف يجتمع الأشاعرة والسلفيون على خدمة الإسلام رغم الخلاف؟

الأشاعرة والسلفيون: من صراع المذاهب إلى تكامل المعرفة

خلافٌ في مسائل الاعتقاد، ومشتركاتٌ تجمع، وطاقاتٌ علمية ينبغي أن تتكامل لا أن تتصارع

من المؤسف أن تتحول بعض الخلافات العقدية بين المسلمين إلى خصومات تستنزف الطاقات، وتستهلك الأعمار، وتدفع أتباع المدارس العلمية إلى الانشغال بتتبع أخطاء بعضهم بعضًا، وكأن انتصار أحد الفريقين لا يتحقق إلا بإسقاط الآخر!

ولعل الخلاف بين الأشاعرة والسلفيين من أبرز الأمثلة على ذلك؛ إذ تتسع في بعض البيئات دائرة التنازع حول مسائل الصفات الإلهية، والتأويل، والتفويض، والاستدلال العقلي، حتى تطغى هذه الخلافات على مساحات واسعة من الاشتراك الديني، وعلى إمكانات التعاون في ميادين العلم والدعوة والإصلاح.

لكن السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده هو:

هل يلزم من اختلاف الأشاعرة والسلفيين في بعض مسائل الاعتقاد أن يتحولوا إلى خصمين يتنافى وجود أحدهما مع وجود الآخر؟ أم يمكن أن يكون اختلافهم مجالًا للبحث والتصحيح والتكامل؟

إن الإجابة عن هذا السؤال تقتضي النظر إلى المسألة بعقل منصف، بعيدًا عن التهويل والتبسيط، وعن الأحكام العامة التي لا تميز بين الأقوال وأصحابها.


أولًا: خلافٌ في مسائل الاعتقاد، ومشتركاتٌ لا يجوز تجاهلها

الأشعري لا يقصد بعبادته إلا الله، والسلفي لا يقصد بعبادته إلا الله.

كلاهما يقرّ بأن الله سبحانه هو الخالق المستحق للعبادة، وأن محمدًا ﷺ رسول الله، وأن القرآن كتاب الله، وأن الإسلام دينه، وأن الصلاة والصيام والزكاة والحج من شعائر هذا الدين.

وكلاهما ينتسب إلى الأمة الإسلامية، ويؤمن بأصولها الكبرى، ويرجو رحمة الله وجنته، ويخشى عذابه، ويحب الله ورسوله، ويحرص ـ بحسب علمه واجتهاده ـ على نصرة الدين وخدمة المسلمين.

ولا يعني هذا أن الخلافات بينهما شكلية، أو أن المسائل العقدية المختلف فيها لا قيمة لها؛ بل قد تكون بعض هذه المسائل عميقة، ومتعلقة بمناهج الاستدلال وفهم النصوص وأصول الاعتقاد.

لكن الإنصاف يقتضي ألّا نسمح لهذه الخلافات بأن تحجب عنا المشتركات، أو أن نجعلها ذريعة للطعن في إسلام المخالف ونيته، أو الانتقاص من كل ما يقدمه من علم وخدمة.

فالاختلاف في مسألة لا يعني الاختلاف في كل شيء، والخطأ في اجتهاد لا يجعل صاحبه عدوًّا للدين بالضرورة.

ومن هنا ينبغي أن يبدأ الحوار: من الاعتراف بحقيقة الخلاف، دون تضخيمه، وبحقيقة الاتفاق، دون توظيفه لإنكار المسائل المختلف فيها.


ثانيًا: هل يلزم من القول ما يستخرجه الخصم منه؟

من القواعد المهمة في الجدل العلمي أن لازم القول ليس بالضرورة هو القول نفسه.

فقد يتبنى الإنسان مقدمة معينة، ثم يستخرج خصمه منها نتيجة يراها لازمة لها، بينما لا يسلّم صاحب القول بهذه النتيجة، بل قد يرفضها ويعدّها مناقضة لمقصوده.

وهنا ينبغي التمييز بين ثلاثة أمور:

  • ما يقوله الشخص صراحةً.

  • ما يلزم من قوله في نظر الناقد.

  • ما يلتزمه الشخص فعلًا بعد بيان ذلك اللازم له.

وهذا التمييز مهم في الخلاف بين الأشاعرة والسلفيين.

فالأشعري قد يرى أن بعض صيغ إثبات الصفات، أو بعض التفسيرات التي يطرحها خصمه، تفضي إلى التجسيم أو التركيب أو الحدوث؛ ولذلك يتحفظ عليها، أو يلجأ في بعض النصوص إلى التأويل أو التفويض.

لكن السلفي لا يقبل بالضرورة هذه المقدمات، ولا يرى أن إثبات الصفات على الوجه الذي يقرره يستلزم التجسيم أو التركيب أو الحدوث.

فهو يقول إن إثبات ما ورد في النصوص لا يعني تشبيه الخالق بالمخلوق، وإن الاشتراك في أصل المعنى لا يقتضي التماثل في الحقيقة والكيفية.

وفي المقابل، قد يرى الأشعري أن بعض صيغ الإثبات التي يتبناها السلفي تحتاج إلى مزيد من التحرير؛ حتى يتضح وجه تنزيه الله عن مشابهة المخلوقات.

وهكذا نجد أن الخلاف لا يدور دائمًا حول النتيجة النهائية وحدها، بل يدور أيضًا حول المقدمات التي يُبنى عليها الاستدلال، ومدى صحة اللوازم المستخرجة منها.

ومن الخطأ أن ينسب أحد الطرفين إلى الآخر لازمًا لا يقرّ به، ثم يعامله كما لو كان تصريحًا صادرًا عنه.

كما أن رفض الشخص للوازم قوله لا يكفي وحده لإثبات بطلان الإلزام؛ بل لا بد من فحص المقدمات، وبيان وجه اللزوم، ومناقشة الاعتراضات.

فالحوار العلمي لا يقوم على تكرار الاتهام، وإنما على تحرير محل النزاع.


ثالثًا: حين تختلف المدارس في مقدماتها العقلية

من المسائل التي تكشف عمق الخلاف بين المدرستين اختلافهما في بعض المقدمات الكلامية والفلسفية التي تتعلق بطبيعة الأجسام، ومعنى التركيب، وعلاقة ذلك بالحدوث.

ففي التراث الكلامي الأشعري حضورٌ لمباحث الجوهر والعَرَض، وأحكام الأجسام، والاستدلال بالحدوث على وجود الخالق. وقد تبنّى عدد من المتكلمين تصورات معينة في تركيب الأجسام، ومنها القول بالجوهر الفرد.

لكن هذه المباحث ليست محل اتفاق بين جميع المدارس، كما أن تفاصيلها وتطوراتها التاريخية ليست واحدة عند كل من انتسب إلى الأشعرية أو غيرها.

وفي المقابل، لا يتبنى علماء الاتجاه السلفي بالضرورة تلك المقدمات الكلامية، وقد يناقشونها من أساسها، ويرفضون بعض تصوراتها عن الأجسام والتركيب.

ومن هنا تنشأ إشكالات متبادلة:

فالأشعري قد يرى أن بعض صور الإثبات تفضي إلى لوازم لا يقبلها في حق الله سبحانه.

والسلفي قد يرى أن هذه اللوازم مبنية على مقدمات غير مسلّمة، وأن نفيها لا يستلزم نفي الصفات التي دل عليها الكتاب والسنة.

فهل يكفي أن يكرر كل فريق النتيجة التي انتهى إليها، أم ينبغي أن يعود الطرفان إلى المقدمات التي بُنيت عليها تلك النتائج؟

إن النقاش الجاد يبدأ من هنا.

أما الاكتفاء بعبارات من قبيل: «قولكم يستلزم كذا»، أو «دليلكم باطل»، دون تحرير محل النزاع، فلن ينتج إلا مزيدًا من الخصومة.

ومن المهم كذلك ألّا تُعرض المسائل الفلسفية الدقيقة على أنها بديهيات لا تقبل النقاش؛ فبعض المقدمات التي يراها فريق ضرورية قد ينازع فيها فريق آخر، ولا بد من إقامة الدليل عليها بدل افتراض التسليم بها.


رابعًا: لماذا لا يكون البحث في أدلة إثبات الخالق مجالًا للتعاون؟

يستعمل المتكلمون والفلاسفة وغيرهم من الباحثين أدلة عقلية متعددة في الاستدلال على وجود الله سبحانه، ومن بينها مباحث الحدوث والإمكان والحركة والتركيب، مع اختلافهم في صيغ هذه الأدلة ومقدماتها ونتائجها.

وقد يرى بعض الأشاعرة أن هذه الأدلة، بعد تحريرها، تسهم في دفع الاعتراضات العقلية وإثبات وجود الخالق.

بينما قد يتحفظ بعض السلفيين على مقدمات معينة فيها، أو على الطريقة التي تُبنى بها النتائج، ويرون أن النصوص الشرعية تقدم من الأدلة ما يغني عن كثير من المسالك الكلامية، أو يضبط استخدامها.

لكن لماذا ينبغي أن ينتهي هذا الاختلاف إلى رفض كل ما لدى الطرف الآخر؟

أليس من الممكن أن يجلس الباحثون من المدرستين لمناقشة هذه الأدلة، وفحص مقدماتها، والتمييز بين ما يصح منها وما يحتاج إلى تعديل؟

فإذا كانت هناك مقدمة غير دقيقة، أمكن تصحيحها.

وإذا كان هناك استدلال صحيح، أمكن الإفادة منه.

وإذا كانت النتيجة لا تلزم من مقدماتها، أمكن بيان ذلك.

وإذا كان الدليل صالحًا لإثبات وجود الخالق، لكنه لا يكفي وحده لإثبات قضية أخرى تتعلق بصحة دين معين، أمكن تحديد حدود دلالته.

إن نقد الدليل لا يعني هدم الغاية التي أُقيم من أجلها، كما أن المحافظة على الغاية لا تقتضي الدفاع عن كل مقدمة استُعملت في إثباتها.

وهنا يمكن أن يتحول الخلاف من معركة لإسقاط الخصم إلى مشروع مشترك لتحرير الأدلة، وتقوية الحجة، والرد على الاعتراضات.


خامسًا: بين وضوح النصوص والحاجة إلى النظر العقلي

يرى كثير من علماء الاتجاه السلفي أن نصوص الكتاب والسنة هي الأصل في باب الاعتقاد، وأن الواجب إثبات ما أثبته الله لنفسه وما أثبته له رسوله ﷺ، على الوجه اللائق بالله، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل.

ويتحفظون على بعض مسالك التأويل الكلامي؛ خشية أن تؤدي إلى صرف النصوص عن معانيها الراجحة، أو فتح الباب لتأويلات لا يضبطها دليل معتبر.

وفي المقابل، يرى علماء الأشاعرة أن التأويل في مواضعه ليس إنكارًا للنصوص، بل قد يكون وسيلة لفهمها على وجه يوافق أصول اللغة العربية، وقواعد الاستدلال، وما يرونه من أدلة التنزيه.

كما أن التفويض عندهم ليس بالضرورة قولًا واحدًا في جميع صوره؛ فقد يقع الخلاف في المراد به، وفيما يُفوَّض تحديدًا، وفي حدود المعرفة بمعاني النصوص.

ومن الإنصاف هنا أن نقول إن ليس كل تأويل تعطيلًا، كما أن مجرد التمسك بظاهر اللفظ لا يحسم وحده جميع الإشكالات المتعلقة بفهم النص.

فلا بد من النظر في دلالة اللفظ، وسياقه، واستعمال العرب له، وسائر النصوص المتعلقة بالمسألة، والقواعد التي تضبط فهمه.

وفي الوقت نفسه، لا يصح أن يتحول التأويل إلى وسيلة لصرف النصوص عن معانيها بلا ضابط، كما لا يصح أن يُتهم كل من خالف في تفسير نص بأنه معطّل أو محرّف.

أما الاستدلال العقلي، فليس من الدقة أن نجعله حكرًا على الأشاعرة، أو أن ننسب رفضه إلى جميع السلفيين.

ففي التراث السلفي نفسه حضور واسع للحجاج العقلي والرد على المخالفين، وإن اختلفت مناهج العلماء في استعماله وحدوده ومصادره.

كما أن الأشاعرة ليسوا كتلة واحدة في طرائق الاستدلال والتأويل والتعامل مع النصوص.

والسؤال الحقيقي ليس: هل نستخدم العقل أم نتركه؟

بل: كيف نستخدم العقل في فهم النصوص والدفاع عن الاعتقاد، دون أن نجعل مقدماتنا النظرية حاكمة على النص بغير دليل، أو نجعل فهمنا للنصوص بمنأى عن النظر الصحيح؟

هذا هو موضع البحث الذي يستحق الجهد.


سادسًا: هل يمكن أن يتعلم كل فريق من الآخر؟

إن تاريخ العلوم الإسلامية لا يقدم لنا صورة جامدة عن المدارس والمناهج، بل يكشف عن علماء جمعوا بين علوم متعددة، واستفادوا من مناهج مختلفة، وتركوا آثارًا علمية تجاوزت حدود الخلافات المذهبية.

ومن الأمثلة التي تستحق الدراسة شيخ الإسلام ابن تيمية، الذي خاض في المسائل العقلية والفلسفية والكلامية، مع تمسكه بما يراه دلالة النصوص الشرعية في باب الصفات.

كما نجد عند عدد من العلماء المنتسبين إلى الأشعرية عناية كبيرة بالحديث النبوي وعلومه، ومنهم ابن حجر العسقلاني والنووي وابن دقيق العيد، مع ضرورة مراعاة الفروق في انتساب هؤلاء العلماء ومواقفهم التفصيلية من المسائل العقدية.

والمقصود من هذه الأمثلة ليس إلغاء الخلافات، أو الادعاء بأن هؤلاء العلماء كانوا متفقين في مناهجهم، بل بيان أن الانتماء إلى مدرسة علمية لا يمنع صاحبه من التميز في علوم أخرى، ولا يجعل الإفادة من تراثه متوقفة على موافقة جميع آرائه.

فقد يستفيد الباحث من تحقيق حديثي عند عالم يخالفه في بعض مسائل الاعتقاد.

وقد ينتفع بدراسة عقلية أو لغوية عند عالم يختلف معه في منهجه.

وقد يصحح اعتراضًا وجّهه إليه مخالفه، دون أن يضطر إلى تبني مذهبه كله.

فلماذا نتعامل مع التراث العلمي وكأنه حزمة واحدة: إما أن نقبلها كلها، وإما أن نرفضها كلها؟

إن النضج العلمي يقتضي القدرة على التفريق بين المسائل، والأدلة، والمناهج، والأشخاص.


سابعًا: ليس كل ما عند فريق صوابًا، ولا كل ما عند الآخر خطأ

قد يصيب الأشعري في مسألة ويخطئ في أخرى، وقد يصيب السلفي في مسألة ويخطئ في أخرى.

وقد تكون الفكرة صحيحة في أصلها، لكن صاحبها لا يحسن عرضها أو الاستدلال لها.

وقد يكون الاعتراض قويًا في بعض جوانبه، لكنه يعتمد على مقدمة تحتاج إلى مراجعة.

وقد يملك أحد الباحثين دليلًا مهمًا، ثم يضعفه سوء التعبير أو التسرع في إطلاق الأحكام.

وهذا كله لا يختص بالأشاعرة والسلفيين، بل هو من طبيعة البحث البشري؛ إذ لا عصمة لأحد بعد رسول الله ﷺ، ولا تتحول صحة الفكرة إلى بطلان لمجرد أن قائلها ينتسب إلى مدرسة نختلف معها.

ومن هنا فإنني لا أرى أن الانتماء إلى إحدى المدرستين ينبغي أن يكون شرطًا للاستفادة من جهودها، ولا أن يكون الانتساب إلى مدرسة معينة مانعًا من نقدها.

بل إن من حق الباحث أن يقبل من هذا ويرد على ذاك، وأن يخالفهما معًا إذا ظهر له الدليل على خلاف ما ذهبا إليه.

فالحق لا يُعرف بمجرد أسماء الرجال، ولا يُوزن بمدى قرب صاحبه من جماعتنا، وإنما يُنظر في دليله وحجته.

وليس معنى ذلك أن كل الأقوال متساوية، أو أن الحقيقة لا يمكن الوصول إليها؛ بل معناه أن الوصول إليها يحتاج إلى علم، وصبر، وإنصاف، واستعداد لمراجعة المواقف.


ثامنًا: من عقلية الهدم إلى ثقافة البناء

لنتأمل قليلًا في طريقة تطور العلوم والصناعات.

إن كثيرًا من المنجزات البشرية لم تظهر مكتملة منذ البداية، بل مرت بمراحل من التجربة والخطأ، والنقد والتصحيح، والإضافة والتطوير.

وقد يبني باحث على جهد من سبقه، فيصحح خطأً، أو يكشف نقصًا، أو يضيف فكرة جديدة.

ولو جعل كل باحث غايته إلغاء جهود الآخرين لمجرد أنهم سبقوه أو خالفوه، لتعطلت مساحات واسعة من التطور العلمي.

والأمر نفسه يمكن أن نستفيد منه في البحث الشرعي والعقدي، مع مراعاة خصوصية العلوم الدينية ومناهجها وأدلتها.

فليس المطلوب أن نتعامل مع المذاهب العقدية كما نتعامل مع المنتجات التقنية، ولا أن نجعل صحة الاعتقاد مسألة تجريبية محضة؛ وإنما المقصود أن نستفيد من قيمة التراكم العلمي، ومن أهمية النقد المنضبط، ومن ضرورة تصحيح الأخطاء بدل الاكتفاء بالتشهير بأصحابها.

فإذا اكتشف باحث خللًا في دليل، فليبيّن موضعه.

وإذا وجد آخر جوابًا عن إشكال، فليعرضه.

وإذا ظهر أن بعض المقدمات غير صحيحة، فلتُراجع.

وإذا كان لدى المخالف علم نافع، فلا ينبغي أن نحرم أنفسنا منه لمجرد اختلافنا معه.

إن النقد الذي يكشف الخطأ ويفتح طريق التصحيح يبني المعرفة، أما النقد الذي لا غاية له إلا إسقاط الأشخاص وتشويه المدارس، فإنه قد يستهلك الجهد دون أن يقدم بديلًا علميًا نافعًا.


أخيرًا: ماذا تحتاج الأمة اليوم؟

تحتاج الأمة الإسلامية إلى علماء وباحثين يجمعون بين رسوخ العلم، وسعة الاطلاع، والقدرة على الحوار، والاستعداد لمراجعة الأفكار.

تحتاج إلى من يدرسون العقيدة دراسة عميقة، ويفهمون النصوص وأدوات الاستدلال، ويعرفون تاريخ الأفكار ومناهج أصحابها.

وتحتاج كذلك إلى من يقتحمون ميادين العلوم التجريبية والتقنية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية، ويقدمون إسهامات نافعة للبشرية، دون أن ينفصلوا عن قيمهم الدينية والأخلاقية.

ولا يعني ذلك أن تنصرف الأمة عن دراسة العقيدة، أو أن تتوقف عن نقد الأخطاء والانحرافات، بل يعني أن تضع كل جهد في موضعه، وأن توازن بين واجب تصحيح الاعتقاد وواجب بناء المعرفة وخدمة الإنسان.

إن الخلاف العلمي قد يكون نافعًا إذا دفع إلى مزيد من البحث، لكنه يصبح عبئًا حين يتحول إلى خصومة دائمة، ويغدو الانتصار للنفس أو للجماعة أهم من الوصول إلى الحقيقة.

وليس المطلوب أن يتنازل الأشعري عن كل ما يعتقده إرضاءً للسلفي، ولا أن يتخلى السلفي عن أصوله إرضاءً للأشعري؛ وإنما المطلوب أن يتحاور الطرفان بصدق، وأن يحرر كل منهما محل النزاع، وأن يزن الأقوال بالأدلة، وأن يميز بين الخطأ وصاحبه، وبين الخلاف العلمي والعداوة الشخصية.

وقد أجد الصواب عند الأشعري في مسألة، وعند السلفي في أخرى، وقد أرى أن كليهما يحتاج إلى مراجعة في مسألة ثالثة.

فلا أرى أن الانتماء المذهبي ينبغي أن يحجب عني الحق حيث ظهر، ولا أن يمنعني من الانتفاع بجهد علمي نافع.

إن الأمة لا تحتاج إلى أن يتطابق علماؤها في كل اجتهاد، بقدر ما تحتاج إلى أن يتحرروا من التعصب، وأن يتقنوا البحث، وأن يحسنوا الاختلاف، وأن يكمل بعضهم ما نقص عند بعض.

فبدلًا من أن تكون طاقات الأشاعرة والسلفيين مستنزفة في تبادل الاتهامات، لماذا لا تتجه إلى حوار علمي جاد، وإلى دراسة مشتركة للمسائل المختلف فيها، وإلى مواجهة الإلحاد والتشكيك، وإلى تطوير العلوم التي تحتاج إليها الأمة والإنسانية؟

إن اختلاف العقول لا يمنع اجتماع الجهود، وتعدد المناهج لا يبرر هدم المنجزات، والإنصاف لا يعني التنازل عن الحقيقة، بل يعني البحث عنها دون تعصب.

ولعل أعظم ما يمكن أن نتعلمه من هذا الخلاف أن ننتقل من سؤال: «كيف نُسقط المخالف؟» إلى سؤال أكثر نفعًا:

كيف نجعل اختلافنا بابًا للعلم، لا سببًا في هدم بعضنا بعضًا؟

فذلك أنفع للدين، وأبقى للعلم، وأجدى للأمة من معارك لا تنتهي، لا ينتصر فيها إلا التعصب، ويخسر فيها الجميع فرصًا كان يمكن أن تُستثمر في البناء والإصلاح.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق