الاثنين، 26 يوليو 2021

حكم ما يسمى الاغتصاب الزوجي !

 



💥حكم ما يسمى الاغتصاب الزوجي !
السؤال: شيخنا ظهر مؤخرا في مصر وانتشر في بعض الدول العربية مصطلح جديد يطلق عليه [ الاغتصاب الزوجي] ، فما هو؟ وما حكم الشرع فيه ؟ افيدونا جزاكم الله خيرا.
الجواب: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعـد: 
👈فان مصطلح الاغتصاب الزوجي غربي وغير اسلامي، ويعرِّفونه : بانه الجماع الذي يتم بدون موافقة أحد الزوجين، وإن نقص الموافقة كافي ليتم اعتباره اغتصاب حتى لو لم يتم استخدام العنف، يُعتبر الاغتصاب الزوجي شكلاً من أشكال العنف المنزلي والاعتداء الجنسي، على حد زعمهم.
وقد جعل الله تعالى العلاقة الزوجية في الشريعة الاسلامية قائمة على المودة والعطف والسَّكِيْنة والرحمة بين كِلا الزوجين ليسكن كل منهما للآخر، ولتكون أواصر المحبة والرحمة والعطف بينهما قائمة ومتينة، قال تعالى: { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَ‌حْمَةً  إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُ‌ونَ } [الروم :21].
 وكذلك قد امر تعالى الزوجين بحسن المعاشرة والصحبة والمعاملة، فقال: { وعاشروهن بالمعروف}. [النساء:19] . وقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – في سنن ابن ماجه : ((خِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ)).
👈ومن حسن المعاشرة أن يكون اتصال الزوجين بينهما بالتراضي والاقناع وعدم الاكراه، فليس من المعاشرة بالمعروف أن يكرهها على حاجته إذا كانت لا تستطيع ذلك لسبب ما، فلا يجبرها على الجماع بالقوة، بل عليه أن يعظها ويخوفَها بالله تعالى، ويتوددَ لها بالكلمة الطيبة والمعاملةِ الحسنة، ولا يقع عليها كما تقع البيهمة وليكن بينهما مقدمات، وليس للزوجة أن تمنع نفسها من زوجها ، بل يجب عليها أن تلبي طلبه كلما دعاها ما لم يضرها أو يشغلها عن واجب او يكون لها سبب شرعي .
👈فمن حقوق الزوج على زوجته أن لا تمنعه حقَّه من الاستمتاع بها إلا فيما حرّم الشرع كالجماع في أيام الحيض أو النفاس او موضع الدبر كما هو معلوم في الشريعة، فلا يجوز للزوجة أن تصدَّ زوجها عن الاستمتاع بها وترفض رغبته في مقاربتها، فإن لم تستجب لزوجها في الاستمتاع بها بغير عذر شرعي فهي آثمة وتبات تلعنها الملائكة، ففي الصحيحين عن أبي هريرة -رضي الله عنه-  قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ، فَأَبَتْ أَنْ تَجِيءَ، لَعَنَتْهَا المَلاَئِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ)). وقوله في صحيح مسلم : ((والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا مِنْ رَجُلٍ يَدْعُو امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهَا، فَتَأْبَى عَلَيْهِ، إِلَّا كَانَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ سَاخِطًا عَلَيْهَا حَتَّى يَرْضَى عَنْهَا)). 
 👈وهذا لو امتنعت الزوجة عن الجماع بدون سبب مقبول، أما لو كان هناك سبب شرعي فامتناعها حينئذ يكون مقبولا، لأن الوعيد في الحديث ليس على إطلاقه كما يتوهم بعضهم، بل هو مخصوص بمن لا عذر لها في ذلك. 
وقال ايضا -عليه الصلاة والسلام- في الحديث الصحيح في سنن الترمذي: ((إِذَا الرَّجُلُ دَعَا زَوْجَتَهُ لِحَاجَتِهِ فَلْتَأْتِهِ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى التَّنُّورِ)).
وأخرج الامام أحمد والحاكم في المستدرك وصححه عن عبد الله بن أبي أوفى- رضي الله عنه- ان رسول الله –صلى الله عليه وسلم-  قال: ((..وَلَا تُؤَدِّي الْمَرْأَةُ حَقَّ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهَا كُلَّهُ، حَتَّى تُؤَدِّيَ حَقَّ زَوْجِهَا عَلَيْهَا كُلَّهُ، حَتَّى لَوْ سَأَلَهَا نَفْسَهَا وَهِيَ عَلَى ظَهْرِ قَتَبٍ لَأَعْطَتْهُ إِيَّاهُ)) القتب ما يوضع على ظهر البعير.
وروى ابن حبان في صحيحه واحمد في مسنده عن عبد الرحمن بِن عوف-رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا صلت المرأة خَمْسَها، وصامَت شهرها، وحَفظت فرجها، وأطاعت زوجَها، قيل لها: ادخلي الجنةَ من أيّ أبواب الجنة شئت)). اطاعته في المعرف فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
قال الامام ابن عابدين –رحمه الله تعالى- في حاشيته على الدر المختار[3/4] : (من أحكام النكاح حل استمتاع كل منهما بالآخر، نعم له وطؤها جبرا إذا امتنعت بلا مانع شرعي).
وقال الامام ابو اسحق الشيرازي –رحمه الله تعالى- في المهذب في فقه الامام الشافعي [2/482 ]: (وتجب على المرأة معاشرة الزوج بالمعروف، من كف الأذى كما يجب عليه معاشرتها، ويجب عليها بذل ما يجب له من غير مطل).
وقال الامام منصور البهوتي الحنبلي- رحمه الله تعالى- في كشاف القناع عن متن الاقناع [5/188]: (وللزوج الاستمتاع بزوجته كل وقت على أي صفة كانت إذا كان  الاستمتاع  في القُبُل ...ما لم يضرها أو يشغلها عن الفرائض).
👍والخلاصة: 
لا وجود في الشرع لما يسمى بالاغتصاب الزوجي فهو اصطلاح مبتدع ، وقد اتفق الفقهاء على حرمة امتناع المرأة عن فراش زوجها بلا عذر ، وان الواجب على المرأة طاعة زوجها إذا دعاها للفراش، ولا يجوز لها الامتناع إلا لعذر كمرض، أو حيض، أو صوم واجب، أو ضرر يلحقها من الجماع بسبب تعب جسدي نتيجة عمل البيت وتربية الاولاد، فلا يجوز له عندئذ ٍأن يكرهها عليه بالقوة؛ لما في ذلك من الإضرار بها، وفي الحديث الصحيح الذي رواه ابن ماجه والدارقطني وغيرهما وصححه الالباني : ((لا ضرر ولا ضرار)). 
 فالأصل في علاقة الزوجين التفاهم والتراحم والتودد ، لا العنف والاكراه والتعنت، و لكن على الزوج أن يراعي حال زوجته ، ولا يطلب منها المعاشرة في أوقات ضيقها ونفورها، وعليه أن يصبر عليها في ذلك كله ويتودد لها حتى يتم اللقاء بينهما بأحسن حال . والله تعالى اعلم    
✍د. ضياء الدين عبدالله الصالح


الاثنين، 12 يوليو 2021

الأضحية ... !

 الأضحية ... !

أصل الأضحية كانت فداء نبي الله اسماعيل بكبش عظيم في أعظم امتحان لأب مع ابنه ولابن مع أبيه عليهم الصلاة والسلام
رأى إبراهيم عليه السلام رؤيا أنه يذبح ولده ورؤيا الأنبياء وحي
فتكلم مع ولده وصفيه في الأمر فاستسلم الولد
لكنّ الأمر عظيم .. قد لاتستطيع ان تتخيله مجرد خيال فكيف بك ان تتكلم به معه او ان تفعله ..؟!
لكن مقام ابراهيم عند الله مقام عظيم فهو خليل الرحمن
خليل يعني انه نال من الله اعظم المحبة
تخيل أن إبراهيم واسماعيل على نبينا وعليهما أفضل الصلاة وأتم التسليم قد انقادا لربهم فسيذبح الخليل فلذة كبده الذي طال عنده انتظار ولادته فقد ولد له وقد بلغ من العمر ست وثمانون سنة وكان عمر الابن أنه قد بلغ معه السعي وقد تعلق به قلبه
يا الله لهول هذا الموقف ... ماهذا الإمتحان العظيم ؟! سبحانه وتعالى لايسئل عما يفعل وهو الحكيم العليم وهو الرحمن الرحيم
قد أضجع الخليل خليله وصفيه وحبيبه على جنبه ووضع السكين على رقبته طاعة لربه !!! الله أكبر الله أكبر
اي قلب هذا كان لنبي الله إبراهيم وأي إيمان هذا وأي إحسان ... واي صبر هذا وما أعظمه من استسلام من ابنه إسماعيل عليه الصلاة والسلام
لقد امتحن الله خليله بخليله ونجح النبيان في الإمتحان
فكانت النتيجة ان ياتيه الوحي بكبش عظيم فداء لنبي الله اسماعيل( وفديناه بذبح عظيم )
ففُدي اسماعيل بكبش عظيم ...
(( فلما أسلما وتله للجبين وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ))
فهيّن علينا ان نذبح شاة او بعيرا او بقرة بدنانير يخلفها الله لنا .. وهي لمن استطاع منا
وهذه سنة نبي الله ابراهيم وسنة نبينا محمد عليهما الصلاة والسلام
تخيل الموقف وفكر بالأمر مليّا عندها ستضحّ ولاتتردد ...
اللهم تقبل منا اعمالنا يارحمن يارحيم
اللهم وعافنا واعف عنا واعنا يارب العالمين
اللهم إياك نعبد وإياك نستعين ونسألك جناتك جنات النعيم
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين


💥احكام عامة في الاضحية 🐏

 🐏

💥احكام عامة في الاضحية
السؤال: ممكن يا شيخنا أن تفصل لنا احكام الاضحية ، وحكم الاشتراك فيها ، وهل يضحى عن الميت منفردا؟ جزاكم الله خيرا
الجواب: الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعـد:

🐏 فالأضحية : اسم لما يذبح من بهيمة الأنعام -الغنم والبقر والابل - أيام عيد الأضحى تقرباً إلى الله عز وجل، وهي من شعائر الإسلام المشروعة بكتاب الله تعالى، وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلّم-، وإجماع المسلمين.
وفضلها عظيم فقد روى الترمذي وابن ماجه عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(( ما عمل ابن آدم يوم النحر أحب إلى الله من إهراق الدم، وإنه ليؤتى يوم القيامة بقرونها وأشعارها وأظلافها، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع بالأرض، فطيبوا بها نفسا)).

👍وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى أنها سنة مؤكدة، وهو مذهب الائمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد – رحمهم الله تعالى- وهو الراجح والمفتى به.

وذهب الامام أبو حنيفة إلى أنها واجبة على المستطيع، وهي إحدى الروايتين عن الامام أحمد، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وقال في مجموع الفتاوي : (هو أحد القولين في مذهب مالك، أو ظاهر مذهب مالك).
ويجب أن تكون الأضحية من بهيمة الأنعام من الإبل والبقر والغنم – ضأن وماعز- لقول الله تعالى: {ليَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ } [الحج: 34] .

وأن تبلغ السن المعتبرة شرعاً، لما رواه الامام مسلم عن جابر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((لا تذبحوا إلا مسّنة، إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن)).
قال الامام النووي في شرح مسلم [13/114]:( قال العلماء: المُسّنة هي الثنية من كل شيء من الإبل والبقر والغنم فما فوقها وهذا تصريح بأنه لا يجوز الجذع من غير الضأن في حال من الأحوال وهذا مجمع عليه على ما نقله القاضي عياض ( .

والمسنة: هي الثَّنِيَّة - إحدى الأسنان الأربع التي مقدَّم الفم ، ثنتان من فوق وثنتان من تحت- أو الثني من الإبل والبقر والغنم، فلا يجزئ من الإبل إلا ما أتم خمس سنين، ولا من البقر إلا ما أتم سنتين، ولا من المعز إلا ما أتم سنة، وأما الضأن فيجزئ منها الجذع، وهو ما أتم ستة أشهر، لما رواه أحمد وابن ماجه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((يجزئ الجذع من الضأن ضحية)).

🐏ويجب أن تكون خالية من العيوب المانعة من الإجزاء وهي أربعة:
العور البين؛ وهو الذي تنخسف به العين، أو تبرز ، أو تبيض ابيضاضاً يدل دلالة بينة على عورها .
والمرض البين: وهو الذي تظهر أعراضه على البهيمة كالحمى التي تقعدها عن المرعى وتمنع شهيتها، والجرب الظاهر المفسد للحمها أو المؤثر في صحته، والجرح العميق المؤثر عليها في صحتها ونحوه .
والعرج البين: وهو الذي يمنع البهيمة من مسايرة السليمة في ممشاها.

والهزال المزيل للمخ: لقول النبي -صلى الله عليه وسلّم- حين سئل ماذا يتقي من الضحايا فأشار بيده وقال: ((أربعاً: العرجاء البين ضلعها، والعوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعجفاء التي لا تنقى))، رواه الامام مالك في الموطأ من حديث البراء بن عازب، وفي رواية في سنن أبي داود عنه -رضي الله عنه- قال: قام فينا رسول الله -صلى الله عليه وسلّم- فقال: (( أربعٌ لا تجوزُ في الأضاحِي: العَوراءُ بيِّن عَوَرُها، والمريضةُ بيِّن مَرَضُها، والعَرجاءُ بين ظَلْعُها، والكَسِيرُ التي لا تُنْقِي)).

ويضاف اليها العمياء التي لا تبصر بعينيها، والمبشومة حتى تنشط ويزول عنها الخطر، والمتولدة إذا تعسرت ولادتها حتى يزول عنها الخطر، والمصاب بما يميتها من خنق وسقوط من علو ونحوه حتى يزول عنها الخطر، والزمنى وهي العاجزة عن المشي لعاهة، ومقطوعة إحدى اليدين أو الرجلين.

🐏ويكره التضحية بالعضباء: وهي ما قطع من أذنها أو قرنها النصف فأكثر، والبتراء من الإبل والبقر والمعز وهي التي قطع نصف ذنبها فأكثر، وما قطع من أليته أقل من النصف، فإن قطع النصف فأكثر فقال جمهور أهل العلم: لا تجزىء، فأما مفقودة الألية بأصل الخلقة فلا بأس بها. وما سقط بعض أسنانها ولو كانت الثنايا أو الرباعيات، فإن فقد بأصل الخلقة لم تكره.

🐏وتجزىء الأضحية الواحدة من الغنم عن الرجل وأهل بيته من حي وميت، فعن أبي أيوب الانصاري -رضي الله عنه- قال:( كَانَ الرَّجُلُ يُضَحِّي بِالشَّاةِ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، فَيَأْكُلُونَ وَيُطْعِمُونَ حَتَّى تَبَاهَى النَّاسُ، فَصَارَتْ كَمَا تَرَى). قال الامام الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وعن أبي رافع -رضي الله عنه-: (أن النبي -صلى الله عليه وسلّم- كان يضحي بكبشين أحدهما عنه وعن آله، والاخر عن أمته جميعاً) رواه أحمد.

وقال الامام ابن القيم [2/295]:( وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الشَّاةَ تُجْزِئُ عَنْ الرَّجُلِ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ وَلَوْ كَثُرَ عَدَدُهُمْ ).

🐪🐂ويجوز أن يشترك سبعة أشخاص سواء كانوا من أهل بيت واحد أو من بيوت متفرقين ، وسواء كان بينهم قرابة أو لا ، في واحدة من البقر أو الإبل ، وقد ثبت اشتراك الصحابة رضي الله عنهم في الهدي ، السبعة في بعير أو بقرة في الحج والعمرة ، لما روى الامام مسلم عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ -رضي الله عنهما- قَالَ : ( نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ ، وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ ).

قال الامام النووي في المجموع: (يجوز أن يشترك سبعة في بدنة أو بقرة للتضحية سواء كانوا كلهم أهل بيت واحد أو متفرقين أو بعضهم يريد اللحم فيجزئ عن المتقرب، وسواء كان أضحية منذورة أو تطوعا).

✨ويسن لمن أراد أن يضحي الكف عن قص أظافره وحلق شعره حتى يذبح أضحيته، لما في صحيح مسلم عن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظافره))، وفي رواية عنها ((فلا يأخذن شعراً ولا يقلمن ظفراً)).

فإن فعل شيئاً من ذلك فليست عليه فدية، لاسيما إذا كان محتاجاً إلى ذلك لطول أظافره طولاً فاحشاً مثلاً، على أن بعض أهل العلم من حمل النهي عن الأخذ من الأظافر والشعر خلال هذه المدة على الكراهة فقط.

والأصل في الأضحية أنها مشروعة في حق الأحياء كما كان رسول الله -صلى الله عليه وسلّم- وأصحابه يضحون عن أنفسهم وأهليهم .

🐏وذهب اكثر أهل العلم على جواز الاضحية عن الميت ، وقد نصوا على أن ثوابها يصل إلى الميت وينتفع به قياساً على الصدقة عنه ، وهو المُفتى به.

قال شيخ الاسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوي:( وتجوز الأضحية عن الميت كما يجوز الحج عنه والصدقة عنه) ، واجازه الشافعية اذا اوصى الميت ان يضحى عنه، وكرّه بعض الفقهاء ذلك لأنه لم يرد في السّنة الاضحية للميت استقلالا عن الاحياء.

ويجب أن يضحى بها في الوقت المحدود شرعاً وهو من بعد صلاة العيد يوم النحر إلى غروب الشمس من آخر يوم من أيام التشريق وهو اليوم الثالث عشر من ذي الحجة، فتكون أيام الذبح أربعة: يوم العيد بعد الصلاة، وثلاثة أيام بعده، فمن ذبح قبل فراغ صلاة العيد، أو بعد غروب الشمس يوم الثالث عشر لم تصح أضحيته لما روى البخاري عن البراء بن عازب -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلّم- قال: ((من ذبح قبل الصلاة فإنما هو لحم قدمه لأهله وليس من النسك في شيء)).

🐏ويسن أن يقسمها ثلاثة أقسام : يأكل الثلث ويتصدق بالثلث ويهدي الثلث ، وفيه قول أنه يأكل النصف ، ويتصدق بالنصف، والله تعالى اعلم.
✍د. ضياء الدين عبدالله الصالح

السبت، 10 يوليو 2021

فضل العشر من ذي الحجة والاعمال المستحبة فيها

 

💥فضل العشر من ذي الحجة والاعمال المستحبة فيها
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الامين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
فان الله تعالى قد فطر الإنسان على التقصير والنقص وعدم الكمال، ولكن من رحمت الله تعالى بعباده أن يّسر لهم مواسم الطاعات والخيرات وميادين المغفرة والرحمات، يتنافسون فيها في الطاعات ليُصلحوا الخلل ويكملوا النقص ويتداركوا التقصير، قال تعالى : {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ}[المطففين: 26].
ومن هذه المواسم الفاضلة عشر ذي الحجة، وهي أيام شهد لها الرسول صلى الله عليه وسلم بأنها أفضل أيام الدنيا، وحث على العمل الصالح فيها؛ بل إن لله تعالى أقسم بها، وهذا وحده يكفيها شرقاً وفضلاً، إذ العظيم لا يقسم إلا بعظيم ، وهذا يستدعي من العبد أن يجتهد فيها، ويكثر من الأعمال الصالحة، وأن يحسن استقبالها واغتنامها. وفي هذه الرسالة بيان لفضل عشر ذي الحجة وفضل العمل فيها، والأعمال المستحبة فيها.
نسأل الله تعالى أن يرزقنا حسن الاستفادة من هذه الأيام، وأن يعيننا على اغتنامها على الوجه الذي يرضيه.
فضل عشر ذي الحجة
1- أن الله تعالى أقسم بها:
وإذا أقسم الله بشيء دل هذا على عظم مكانته وفضله، إذ العظيم لا يقسم إلا بالعظيم، قال تعالى { وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ } . والليالي العشر هي عشر ذي الحجة، وهذا ما عليه جمهور المفسرين والخلف، وقال ابن كثير في تفسيره: وهو الصحيح.
2- أنها الأيام المعلومات التي شرع فيها ذكره:
قال تعالى: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} [الحج:28] وجمهور العلماء على أن الأيام المعلومات هي عشر ذي الحجة، منهم ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم.
3- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شهد لها بأنها افضل أيام الدنيا:
فعن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :((أفضل أيام الدنيا أيام العشر - يعني عشر ذي الحجة - قيل: ولا مثلهن في سبيل الله؟ قال : ولا مثلهن في سبيل الله إلا رجل عفر وجهه بالتراب)) [ رواه البزار وابن حبان وصححه الألباني]
4- أن فيها يوم عرفة :
ويوم عرفة يوم الحج الأكبر، ويوم مغفرة الذنوب، ويوم العتق من النيران، ولو لم يكن في عشر ذي الحجة إلا يوم عرفة لكفاها ذلك فضلاً.
5- أن فيها يوم النحر :
وهو أفضل أيام السنة عند بعض العلماء، قال صلى الله عليه وسلم ((أعظم الأيام عند الله يوم النحر، ثم يوم القر))[رواه أبو داود والنسائي وصححه الألباني].
6- اجتماع أمهات العبادة فيها :
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: (والذي يظهر أن السبب في امتياز عشر ذي الحجة لمكان اجتماع أمهات العبادة فيه، وهي الصلاة والصيام والصدقة والحج، ولا يتأتى ذلك في غيره).
👈فضل العمل في عشر ذي الحجة
عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ- يَعْنِي الْعَشْرَ-، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: "وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ)) [رواه البخاري].
وعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: ((كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فذكرت له الأعمال فقال: ما من أيام العمل فيهن أفضل من هذه العشرـ قالوا: يا رسول الله، الجهاد في سبيل الله؟ فأكبره. فقال: ولا الجهاد إلا أن يخرج رجل بنفسه وماله في سبيل الله، ثم تكون مهجة نفسه فيه)) [رواه أحمد وحسنه الألباني].
فالحديثان يدلان على أن كل عمل صالح يقع في أيام عشر ذي الحجة أحب إلى الله تعالى من نفسه إذا وقع في غيرها، وإذا كان العمل فيهن أحب إلى الله فهو أفضل عنده، وأن العامل في هذه العشر أفضل من المجاهد في سبيل الله الذي رجع بنفسه وماله، وأن الأعمال الصالحة في عشر ذي الحجة تضاعف من غير استثناء شيء منها.
✨استقبال عشر ذي الحجة؟
على المسلم أن يحرص على استقبال مواسم الطاعات ، واغتنامها وأن يُحسن استقبالها قبل أن تفوته فيندم، ولات ساعة مندم. ومنها استقبال عشر ذي الحجة بأمور اهمها :
1- التوبة الصادقة :
فعلى المسلم أن يستقبل مواسم الطاعات عامة بالتوبة الصادقة والعزم الأكيد على الرجوع إلى الله، ففي التوبة فلاح للعبد في الدنيا والآخرة، يقول تعالى: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور:31].
2- العزم الجاد على اغتنام هذه الأيام :
فينبغي على المسلم أن يحرص حرصاً شديداً على عمارة هذه الأيام بالأعمال والأقوال الصالحة، ومن عزم على شيء أعانه الله وهيأ له الأسباب التي تعينه على إكمال العمل.
3- البعد عن المعاصي:
فالمعاصي من أسباب للبعد عن الله تعالى والطرد من رحمته، وقد يحرم الإنسان رحمة الله بسبب ذنب يرتكبه، فإن كنت تطمع في مغفرة الذنوب والعتق من النار فليحذر المسلم من الوقوع في المعاصي في هذه الأيام وفي غيرها؟ ومن لاح له الاجر هانت عليه التكاليف، كما قال الامام ابن القيم رحمه الله.
👈الأعمال المستحبة في عشر ذي الحجة
ومن الأعمال التي يستحب للمسلم أن يحرص عليها ويكثر منها في هذه الأيام:
1- أداء مناسك الحج والعمرة.
وهما افضل ما يعمل في عشر ذي الحجة، ومن يسر الله له حج بيته أو أداء العمرة على الوجه المطلوب فجزاؤه الجنة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة)) [متفق عليه].
والحج المبرور هو الحج الموافق لهدي النبي صلى الله عليه وسلم، الذي لم يخالطه إثم من رياء أو سمعة أو رفث أو فسوق، المحفوف بالصالحات والخيرات.
2- الصيام :
وهو يدخل في جنس الأعمال الصالحة، بل هو من أفضلها، وقد أضافه الله إلى نفسه لعظم شأنه وعلو قدره، فقال سبحانه في الحديث القدسي: ((كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به)) [متفق عليه].
وقد خص النبي صلى الله عليه وسلم صيام يوم عرفة من بين أيام عشر ذي الحجة بمزيد عناية، وبين فضل صيامه فقال: ((صيام يوم عرفة احتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والتي بعده)) [رواه مسلم].
وعليه فيسن للمسلم أن يصوم تسع ذي الحجة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم حث على العمل الصالح فيها. وقد ذهب إلى استحباب صيام العشر الإمام النووي وقال: صيامها مستحب استحباباً شديداً.
3- الصلاة :
وهي من أجل الأعمال وأعظمها وأكثرها فضلاً، ولهذا يجب على المسلم المحافظة عليها في أوقاتها مع الجماعة، وعليه أن يكثر من النوافل في هذه الأيام، فإنها من أفضل القربات، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: ((وما يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه)) [رواه البخاري].
4- التكبير والتحميد والتهليل والذكر:
فعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد)) [رواه أحمد]. وقال البخاري في صحيحه: كان ابن عمر وأبو هريرة رضي الله عنهما يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران ويكبر الناس بتكبيرها. وقال: وكان عمر يكبر في قبته بمنى فيسمعه أهل المسجد فيكبرون، ويكبر أهل الأسواق حتى ترتج منى تكبيراً. وكان ابن عمر يكبر بمنى تلك الأيام وخلف الصلوات وعلى فراشه، وفي فسطاطه ومجلسه وممشاه تلك الأيام جميعاً.
ويستحب للمسلم أن يجهر بالتكبير في هذه الأيام ويرفع صوته به، وعليه أن يحذر من التكبير الجماعي حيث لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من السلف، والسنة أن يكبر كل واحد بمفرده.
5- الصدقة :
وهي من جملة الأعمال الصالحة التي يستحب للمسلم الإكثار منها في هذه الأيام، وقد حث الله تعالى عليها فقال: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ } [البقرة:254]، وقال صلى الله عليه وسلم: ((ما نقصت صدقة من مال)) [رواه مسلم].
💎أعمال أخرى يستحب الإكثار منها في هذه الأيام:
قراءة القرآن وتعلمه، والاستغفار، وبر الوالدين، وصلة الأرحام والأقارب، وإفشاء السلام وإطعام الطعام، والإصلاح بين الناس، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحفظ اللسان والفرج، والإحسان إلى الجيران، وإكرام الضيف، والإنفاق في سبيل الله، وإماطة الأذى عن الطريق، وكفالة الأيتام، وزيارة المرضى، وقضاء حوائج المسلمين وعدم ايذائهم، ـ وأداء الأمانات والوفاء بالعهد، وإغاثة الملهوف، وغض البصر عن محارم الله، والمحافظة على صلاة الجماعة، والمحافظة على السنن الراتبة، والحرص على صلاة العيد ، وذكر الله كثيرا، والحرص على الكسب الحلال، وإدخال السرور على المسلمين، والشفقة بالضعفاء، وسلامة الصدر وترك الشحناء ، والتعاون على البر والتقوى، وغيرها من الاعمال الصالحة المقربة الى الله تعالى.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
✍د ضياء الدين عبدالله الصالح

مقتطفات مهمة حول موضوع الأخذ من الشعر والظفر في عشر ذي الحجة لمن أراد أن يضحي

 

مقتطفات مهمة حول موضوع الأخذ من الشعر والظفر في عشر ذي الحجة لمن أراد أن يضحي
المقصود من هذه المقالة بيان أمور :
1-كيف يُشاع بين عوام المسلمين القول المخالف لقول جماهير أهل العلم ، وكيف يُنشر القول المخالف للدليل الأرجح ، حتى كأنه لا وجود لقول الجمهور والقول الأقوى فقها ودليلا !
2-وكيف يُشاع دليل القول المرجوح دون أدلة القول الراجح الذي عليه الجماهير .
3-وكيف تُشاع سطحية التفقه بمثل هذا المنهج الذي يستغل الظواهر أو تستغله الظواهر ؛ لأنه لا يحترم القول المخالف ، ولو احترم القول المخالف ، لما أعان على نشر السطحية ، حتى لو أخذ بالقول المرجوح .
4-وكيف يجب التعمق في تناول الأدلة ، عدم الاكتفاء بظاهر أحد الأدلة .
حيث ورد في هذه المسألة حديثان متعارضان :
الحديث الأول: هو حديث أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: « «إذا دخل العشر وعنده أضحية يريد أن يضحي، فلا يأخذن شعرا، ولا يقلمن ظفرا». وفي لفظ: «إذا دخلت العشر، وأراد أحدكم أن يضحي، فلا يمس من شعره وبشره شيئا». وفي لفظ: «إذا رأيتم هلال ذي الحجة، وأراد أحدكم أن يضحي، فليمسك عن شعره وأظفاره» . أخرجه الإمام مسلم في صحيحه [1977].
والحديث الثاني: أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قالت: «كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يهدي من المدينة، فأفتل قلائد هديه، ثم لا يجتنب شيئا مما يجتنبه المحرم» [البخاري [1698] ومسلم [1321] ]. وفي أحد ألفاظه عندهما: عن عَمْرَةَ بنت عبد الرحمن: « أن زياد بن أبي سفيان كتب إلى عائشة رضي الله عنها إن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: من أهدى هديا حرم عليه ما يحرم على الحاج حتى ينحر هديه، قالت عمرة: فقالت عائشة رضي الله عنها: ليس كما قال ابن عباس، «أنا فتلت قلائد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي، ثم قلدها رسول الله صلى الله عليه وسلم بيديه، ثم بعث بها مع أبي، فلم يحرم على رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء أحله الله له حتى نحر الهدي» .
فاختلف العلماء في الموقف من الحديث الأول (حديث النهي عن الأخذ من الشعر والظفر لمن أراد أن يضحي) ؛ لأسباب :
الأول : معارضة ظاهره لحديث عائشة (رضي الله عنها) .
الثاني : انفراده بحكم فقهي يعارض فقه الباب من خمس جهات :
1-وهو أن غير المحرم لا علاقة له بأحكام المحرم ؛ فقد أجمعوا مثلا على أنه لا بأس بالجماع في عشر ذي الحجة لمن أراد أن يضحي ، وأن ذلك مباح له ، فحلق الشعر والأظفار أحرى أن يكون مباحا . وكذلك التطيب ، لا يحرم على غير المحرم . وقد اعترض ابن حزم على هذا الإشكال بكلام فاسد ، مبني على عدم قوله بالتعليل وعلى جمود الأخذ بالظاهر ، ولذلك لم يأبه له الفقهاء ، حتى قال العيني عن كلام ابن حزم : «وهذا كلام ساقط ، ظاهر سقوطه ، لا يُـحتاج إلى بيانه ؛ لوضوحه» .
2-وأن الضحية ليست مختصة بالمحرم أصلا ، فالضحية مشروعة لكل قادر ، فلا علاقة بينها وبين أحكام الإحرام .
3-وأن من أراد الإحرام يُستحب له أن يتنظف بالأخذ من شاربه ونتف إبطه وحلق عانته وتقليم أظافره قبل إحرامه ، حتى في مذهب من أخذ بحديث النهي عن الأخذ من الشعر والظفر لمن أراد أن يضحي ، وقد يُحرم بعد دخول العشر ، وهو يريد أن يضحي . فهنا يتناقض أمران : أمر من مستحبات الإحرام ، وأمر لا علاقة له بالإحرام وهو الضحية .
4-أن العيد يُستحب له التنظف والتزين قبل صلاة العيد ، ومن سنن الفطرة في الزينة الأخذ من الشعر والظفر ، والضحية لا تُذبح إلا بعد صلاة العيد .
5-أن الضحية مستحبة على الراجح ، وهو قول عامة أهل العلم ، ولا يمكن أن يكون أمر مستحبا ويكون أمرٌ ليس من شروطه ولا من أجزائه (ليس ركنا ولا واجبا من واجباته) واجبا . وسيأتي شرح هذا الأمر بتفصيل أكبر .
ولهذا الإشكال في حديث النهي عن الأخذ من الشعر والظفر لمن أراد أن يضحي (حديث أم سلمة رضي الله عنها) تعددت مواقف العلماء منه :
الموقف الأول : من العلماء من مال إلى تضعيف حديث النهي عن الأخذ من الشعر والظفر لمن أراد أن يضحي ، وهو حديث أم سلمة رضي الله عنها ، بأنه حديثٌ وقع فيه اختلافٌ في رفعه إلى النبي ﷺ، حيث وَقَفَهُ بعضُ الرواة على أم سلمة رضي الله عنها، فجعل الحديثَ من كلامها لا من كلام النبي ﷺ.
والحقُّ أن الاختلاف في تضعيف حديث أم سلمة رضي الله عنها اختلافٌ قويٌّ، مع كونه حديثًا في صحيح مسلم !
فقد مال إلى تضعيفه أحد كبار نقاد الحديث، ألا وهو الإمام الدارقطني .
ومع هذا الاختلاف القويّ، إلا أن الأرجح عندي فيه هو صحة الرفع. وتصحيحه هو ما كان عليه أكثر النقاد، حسب ما وصلنا من أحكامهم: كالإمام أحمد، والترمذي والطحاوي وابن حبان والبيهقي وأبي مسعود الدمشقي، وغيرهم، فكلهم على تصحيحه.
ومع ذلك فيبقى التضعيف قولا وجيهًا، حتى إن الإمام الطحاوي مع ترجيحه قبولَ الحديث المرفوع، لم يستطع إغفالَ الفرق الكبير في درجة الصحة بين حديث أم سلمة وحديث عائشة المعارِض له، حيث قال في كتابه (شرح معاني الآثار): « ففي ذلك دليل على إباحة ما قد حظره الحديث الأول. ومجيء حديث عائشة رضي الله عنها أحسن من مجيء حديث أم سلمة رضي الله عنها , لأنه جاء مجيئا متواترا. وحديث أم سلمة رضي الله عنها , لم يجئ كذلك , بل قد طعن في إسناد حديث مالك , فقيل: إنه موقوف على أم سلمة رضي الله عنها ».
بل لقد نقل ابن عبد البر عن أكثر أهل العلم تضعيفَ حديث أم سلمة رضي الله عنها، وهو نقلٌ بخلاف ما نجده اليوم في المصادر؛ إلا إن أراد أن عدم أخذ عامة الفقهاء بحديث أم سلمة رضي الله عنها يدل على تضعيفهم له، فقوله حينئذ له وجهُهُ الذي تؤيده المصادر حتى اليوم ؛ إلا أن عدم الأخذ بظاهر الحديث لا يلزم منه التضعيف، إذ قد يكون مبنيًّا على تأويله (كما سيأتي) .
الموقف الثاني : موقف من قبل الحديثين وصحح الاحتجاج بهما ، فلجأ إلى الجمع بينهما . ولكنهم اختلفوا في أوجه الجمع ، فاختلف الحكم الفقهي بحسب جمعهم :
الوجه الأول في الجمع بين الحديثين : من مال إلى تحريم الأخذ من الشعر والظفر لمن أراد أن يضحي .
وهو الجمع الذي اختاره الإمام أحمد ، واستفاده من شيخه يحيى بن سعيد القطان . فقد قال الإمام أحمد : «ذكرتُ لعبدالرحمن بن مهدي حديثَ أمِّ سلمة وحديثَ عائشةَ: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث الهدي لم يحرم عليه شيء" ؟ فبقي ساكتا، ولم يجب. (قال الإمام أحمد : ) وذكرتُه ليحيى بن سعيد؟ فقال: ذاك له وجهٌ ، وهذا له وجه : وحديث أم سلمة لمن أراد أن يضحي بالمصر ، وحديث عائشة لمن بعث بهديه وأقام . (قال الإمام أحمد:) وهكذا أقول : حديث عائشة هو على المقيم الذي يُرسل بهديه ، ولا يريد أن يضحي بعد ذلك الهدي الذي بعث به ، فإن أراد أن يضحي لم يأخذ من شعره شيئا ولا من أظفاره ، على أن حديث أم سلمة هو عندي على كل من أراد أن يضحي في مصره».
وقد ردّ هذا الجمعَ ابنُ عبد البر، بقوله: « قد صحَّ أن النبي ﷺإذْ بعث بهديه لم يجتنب شيئًا مما يجتنبه المحرم، وصحَّ أنه كان يُضَحِّي ﷺ، ويحضُّ على الضحية، ولم يصحَّ عندنا أنه ﷺفي العام الذي بعث فيه بهديه (ولم يبعث بهديه لِيُـنْـحَرَ عنه بمكة؛ إلا سنةَ تسعٍ، مع أبي بكر)، ولا يُوجَد = أنه لم يُضَحِّ في ذلك العام».
والذي يُقوِّي جوابَ أبي عمر ابن عبد البرّ: أن النبي ﷺ لم يترك الضحية ، حتى في حجة الوداع ، لما حجَّ ، كما يدل عليه حديث ثوبان رضي الله عنه، قال: ضَحَّى رسول الله ﷺ، ثُمَّ قال: «يا ثَوْبَانُ، أَصْلِحْ لنا لَـحْمَ هذه الشَّاةِ» ، قال: فما زِلْتُ أُطْعِمُهُ منها، حتى قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ. أخرجه مسلم وأبو داود واللفظ له.
فإذا كان النبي ﷺ لم يترك الضحيةَ في حَجِّة الوداع، مع كونه ﷺ قد ساق معه من الهدي مائةً من الإبل نُحرت كلها بمنى يوم النحر ، مع ذلك فهو لم يترك الضحية حتى في هذا اليوم الذي أهدى فيه بمائة من الإبل ، وهو حاجٌّ مسافر = فَـلَأن لا يترك الضحية إذا أرسل هَدْيَه ليُنحر بعيدًا عنه بمكة، وهو مقيمٌ في المدينة = أَوْلى وأَحْرى !!
قلتُ وهناك جوابٌ آخر على جمع الإمام أحمد: أن مَن بعث بهديه إلى مكة أولى بأن يشابه حالُه حال المحرِم ممن اكتفى بالتضحية في بلده ؛ لأن من بعث بالهدي أشبهُ حالاً بالمحرِمِ في نسيكته ممن اكتفى بالتضحية في بلده .
ويدل على قوة هذه الأشبهيّة وعلى أثرها في فقه هذا الباب:
1-أن هذا الشَّبَهَ القوي بين الحاجّ والذي يُرسلُ الهدي من غير الحجاج هو الذي جعل ابن عباس رضي الله عنهما يقيس الحلالَ غير الحاجّ على المحرم في ترك محظورات الإحرام ، كما في قصة ردِّ عائشة لاجتهاده هذا ، التي سبق ذِكْرُها من الصحيحين .
2-كما أن هذا الاجتهاد هو اجتهاد عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أيضا: فقد صحَّ عنه أنه «كان إذا بعث بالهدي، يُمسك عما يمسك عنه المحرم، غير أن لا يلبي»، وصحّ عنه أيضًا: أنه سُئل عن الرجل يبعث بالهدى وهو مقيم ؟ فقال: «يُواعده يومًا، فإذا بلغ، أمسك هو عما يمسك عنه الحرام». بل هذا الاجتهاد هو اجتهادُ جماعة من السلف، ويخالفهم فيه آخرون منهم.
وعلى هذا: فإنه إن كان على من أراد أن يُضحي أن يمسك عن شعره وظفره ، فمن بعث بهديه أولى بأن يمسك عنهما . وهذا مما يدل على ضعف الجمع الذي رضيه الإمام أحمد من جهة الفقه والقياس !
وقد أشار الإمام الشافعي إلى هذا المعنى عندما قال عقب حديث عائشة: « في هذا دلالةٌ على ما وصفتُ، من أن المرء لا يُـحْرِمُ بالبَعْـثَةِ بهديه. يقول: البعثةُ بالهدي أكبر من إرادة الضحية».
أي : إذا كان المقيم ببعثه للهدي إلى مكة لم يحرم عليه الأخذ من الشعر والظفر ، فأولى منه من أراد أن يضحي .
بل ذهب الإمام الماوردي (ت450ﻫ) إلى أبعد من هذا الاستدلال، وبما يردّ على جمع الإمام أحمد أيضًا من وجهٍ آخر، حيث عدَّ هَدْيَ النبي ﷺ الذي بعثه مع أبي بكر رضي الله عنه، والذي ذَكَـرَتْـهُ عائشةُ رضي الله عنها = هو نفسه ضحايا النبي ﷺ، ومع ذلك لم يُـحَـرِّم النبي ﷺ على نفسه شيئًا مما يَـحْرُمُ على المحْرِم. فقال (رحمه الله): «فكان هَدْيَ رسولِ الله ﷺ، وضحاياه؛ لأنه كان بالمدينة، وأنفذها مع أبي بكر سنةَ تسعٍ. وحُكْـمُها أغلظُ؛ لِسَوْقِها إلى الحرم. فلما لم يُـحَـرِّمْ على نفسه شيئًا، كان غيره أولى إذا ضَحَّى في غير الـحَرَمِ».
وبهذين الجوابين يتبيّنُ أن هذا الجمع الذي ذهب إليه الإمام أحمد ليس هو الجمع القوي الذي يمكن أن يحلّ إشكالَ التعارض بين الحديثين ، فضلا عن بقية الإشكالات الفقهية التي سقناها آنفا .
وأما الوجه الثاني للجمع بين الحديثين: فهو جمعُ الإمام الطحاوي، وهو أنه ذكر من روايات حديث عائشة رضي الله عنها هذا اللفظ: «كنت أفتل قلائد هدي رسول الله ﷺ، ثم يبعث بالهدي، ويقيم عندنا، لا يجتنب شيئًا مما يجتنبه المحرم من أهله، حتى يرجع الناس»، ثم جعل الإمامُ الطحاويُّ حديثَ عائشةَ خاصًّا بالجماع، فهو الأمر الذي كان النبي ﷺلا يدعه، حتى عند عَزْمِه على الضحية، وهو بتخصيصه في عدم ترك الجماع لا يعارض أنه ﷺكان يُمسك عما سوى الجماع، وهو الأخذ من الشعر والظفر، الوارد في حديث أم سلمة. فجعل حديثَ عائشةَ في عدم الامتناع عن الجماع خاصة، وحديثَ أمِّ سلمةَ في الإمساك عن الشعر والظفر.
وهذا الجمع أيضًا ضعيف ، بل هو أضعف من الأول :
أولا: لأن الإمام الطحاوي إنما استدلّ بأحد ألفاظ الحديث، وترك الألفاظَ الأخرى الصريحة في التعميم، ومنها ما جاء في الصحيحين: كقولها رضي الله عنها عن النبي ﷺ: «ثُمَّ لَا يَجْتَنِبُ شيئا مِمَّا يَـجْـتَـنِـبُه الـمُحرِمُ»، وفي الرواية الأخرى: «فلم يَحْرُمْ على رسول الله صلى الله عليه وسلم شَيْءٌ أَحَلَّهُ الله، حتى نُحِرَ الْهَدْيُ».
وثانيًا: أن ابن عباس (رضي الله عنهما) لم يكن يمتنع عن الجماع فقط ، حين ردّت عليه عائشة (رضي الله عنها) بفعل النبي ﷺ . بل لقد كان ابن عباس يترك كلَّ شيءٍ يتركه المحرم، حتى إنه كان يتجرّد من ملابسه ! فعن رَبِيعَةَ بن عبد الله بن الـهُدير انه رَأَى عبد الله بن عباس وهو أميرٌ على البصرة ، في زمن علي بن أبي طالب ، مُتَجَرِّدًا على منبر البصرة ، فَسَأَل الناس عنه ؟ فَقَالُوا: إنه أَمَرَ بِهَدْيِهِ أن يُقَلَّدَ؛ فَلِذَلِكَ تَـجَرَّدَ. (قال رَبِيعَةُ:) فَلَقِيتُ عَبْدَ الله بن الزُّبَير، فَذَكَرْتُ لَه ذلك ؟ فقال: بِدْعَةٌ، وَرَبِّ الكَعْبَةِ». فلم يكن الاجتهادُ الذي تَـرُدُّ عليه عائشةُ اجتهادَ مَن يرى الامتناعَ عن النساء فقط ، بل كان يمتنع عن كل شيءٍ يمتنع منه المحرم ، ومنه النساء . وعلى هذا كان ابن عمر (رضي الله عنه) أيضا ، كما سبق نقل كلامه . فلا يصح حَـمْلُ كلام عائشة (رضي الله عنها) وحديثُها على أنها إنما تخالف اجتهادَ من كان يرى الامتناعَ عن النساء فقط ؛ لأن الذين كانت تردُّ عليهم لم يكن هذا هو اجتهادهم أصلا .
والوجه الثالث في الجمع بين الحديثين : وهو جمع من مال من العلماء إلى حمل حديث النهي عن الأخذ من الشعر والظفر على أنه نهي للكراهة ، وليس للتحريم . وبذلك جمعوا بين الحديثين، وهم الجمهور: وهذا هو ما ذهب إليه المالكية، والشافعي والشافعية، وبعض الحنفية (ونسبوه إلى الإمام أبي حنيفة)، وبعض الحنابلة . ونُقلَ القولُ به عن: عبدالله بن المبارك. بل نقل بعضُ الحنفيةِ الإجماعَ على هذا القول، فقد جاء في حاشية ابن عابدين: « ومما ورد في صحيح مسلم: قال رسول الله ﷺ: ­«إذا دخل العشر، وأراد بعضكم أن يضحي، فلا يأخذن شعرا ولا يقلمن ظفرا»، فهذا محمولٌ على الندب، دون الوجوب، بالإجماع».
وهذا الجمع هو أقوى وجوه الجمع ، على ثبوت صحة حديث أم سلمة (رضي الله عنها) .
فبغض النظر عن الاختلاف الذي ذكرناه للعلماء، ومالهم فيه من استدلالات لم أحصها كلها. وبغض النظر عن هذا الاجتهاد العميق الذي بذله العلماء في توجيه الحديثين المتعارضين؛ إلا أن ذلك كله لا يؤثر عندي في فهم النهي النبوي عن الأخذ من الشعر والظفر الوارد في حديث أم سلمة؛ فلو لم يرد حديث عائشة، بل لو لم يأت أيُّ حديثٍ يعارض حديث أم سلمة، ما كان حديثها عندي ليدلّ على تحريم الأخذ من الشعر والظفر ! وسيبقى عندي دالاًّ على الكراهة فقط !!
ذلك أن الضحية نفسها سنة (على الراجح)، وهو قول عامة أهل العلم . وقد دلَّ استقراء أحكام الشريعة واطّرادُ أصولها : أنه لا يمكن أن تستحبَّ الشريعةُ شيئًا، ثم هي مع استحبابها له تُوجب له أمرًا ليس هذا الأمرُ من شروط ذلك المستحب ولا جزءًا من أجزائه الواجبة؛ حيث إن هذا لو وقع لكان تناقضًا لا يقبله ترتيبُ الأحكام الشرعية بعضها على بعض؛ بل لا تقبله الأوامر المعقولة من العقلاء ! إذ كيف يكون الأصل مستحبًّا وفَرْعُه (الذي ليس من شروطه ولا من واجباته) واجبًا؟!
أرأيت لو قال الرئيس للمرؤوس : "لو أيقظتني الساعة الفلانية فهو حسن ، ولن ألومك ولن أعتب عليك إن لم تفعل . لكن إذا نويت إيقاظي فلا بد أن تجني ثمر شجر المزرعة ، وإلا سأكون غاضبا عليك " ، ولا علاقة بين استيقاظه في ذلك الوقت وجني الثمار ! مثل هذا الأمر لا يصدر من عاقل ، فضلا عن حكيم !!
ونحن قد عرفنا عدم وجود هذه العلاقة بين الضحية والأخذ من الشعر والظفر من أن الضحية تصح وتُتقبل حتى ولو أخذ المضحي من شعره وظفره عند من يرى حرمة الأخذ ، ولا ادعى أحد من العلماء أن أجر الضحية ينقص بالأخذ من الشعر أو الظفر ، فضلا عن أن يقول أحد ببطلان الضحية ! فضلا عن عدم التلازم الظاهر والتباين التام بين أحكام الضحية وحكم الأخذ من الشعر والظفر .
وبذلك يتبين أن من يُحرّم الأخذَ من الشعر والظفر، مع قوله باستحباب الضحية، فهو في تناقُضِ ترتيبِ أحكامِه بعضِها على بعض: كمن يُوجِبُ التسوُّكَ لصلاة النافلة، مع أن التسوُّكَ عنده ليس شرطا لها ولا جزءًا من أجزائها (أي: ليس ركنًا من أركانها، ولا واجبًا من واجباتها). وكمن يُوجب أَكْلَةَ السَّحَر لصيام النافلة، مع أنها عنده ليست شرطًا له ولا جزءًا من أجزائه. وكمن يُوجِبُ في صيام عاشوراء المستحبِّ صيامَ يومٍ قبلَه أو بعدَه، مع أن صيامَ يومٍ قبلَه أو بعده (لمخالفة اليهود) ليس شرطا لصحة صيام عاشوراء ولا ركنا من أركانه.
وهذا بخلاف ما لو كان الأمرُ شرطا من شروط الصحة للنافلة، أو واجبًا من واجباتها، كالطهارة التي هي شرطٌ لصلاة النافلة، وكأداء أركان حج النافلة أو أركان صلاة النافلة وواجباتهما؛ فإن أداء هذه الشروط والأركان كله واجبٌ على من أراد الدخول في تلك النوافل أو شرع في أدائها، مع أن أصل تلك الأعمال (وهو حج النافلة أو صلاة النافلة) ليس واجبًا ابتداءً، لكن بعزم الدخول فيهما وجب تحقيقُ شروطهما، وبالشُّرُوع في أدائهما وجب أداء واجباتهما وأركانهما.
وبهذا نرد على اعتراض ابن حزم ، عندما رد على من بين دلالة هذا الخلل في ترتيب الوجوب على المستحب ، بمثل تلك الصور التي يكون فيها المستحب لا يصح إلا بشروط وواجبات ؛ لأننا نقول لابن حزم : لكن الأخذ من الشعر والظفر ليس من شروط الضحية ولا من واجباتها ، فلا يستويان . خاصة أن ابن حزم يرى استحباب الضحية ، بل يستدل للاستحباب بحديث : « «من كان له ذبح يذبحه فأهل هلال ذي الحجة فلا يأخذن من شعره، ولا من أظفاره شيئا حتى يضحي» ، حيث قال ابن حزم : « فقوله - عليه السلام -: " فأراد أن يضحي"برهان بأن الأضحية مردودة إلى إرادة المسلم ، وما كان هكذا فليس فرضا» .
وبذلك يكون الراجح في الأخذ من الشعر والظفر لمن أراد الضحية هو عدم التحريم، كما هو قول جمهور الأئمة . وأن أقصى ما يصل إليه الحكم هو أنه مكروه كراهة تنزيه ، وليس محرما ، كما هو مذهب المالكية والشافعية وبعض الحنفية والحنابلة.
والله أعلم.
والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
تاريخ النشر : 1435/07/19 هـ
جميع الحقوق محفوظة لموقع
فضيلة الشيخ الشريف حاتم بن عارف العوني

من فقه العشر الأول من ذي الحجة*

 *

🌴من فقه العشر الأول من ذي الحجة*
✍️: وليد فائق الحسيني
-------------------------------
1- العشر الأول من ذي الحجة هي أعظم أيام السنة، وهي في النهار أعظم من نهار رمضان، لأن فيها يوم عرفة وهو سيد الأيام، ويوم النحر وهو أعظم الأيام، وأما في الليالي فليالي رمضان خير منها، لأن فيها ليلة القدر وهي أعظم الليالي.
2- كل عمل صالح في هذه العَشر هو خير وأحب إلى الله من مثله في سائر أيام السنة، لقوله صلى الله عليه وسلم: (ما من أيام العمل الصالح فيها أحبُّ إلى الله من هذه الأيام، يعني العشر الأوائل من ذي الحجة) "رواه البخاري"
3- أفضل الأعمال في هذه الأيام الحج الصوم والذكر، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم التسع الأول "رواه ابو داود" لان العاشر عيد لا يجوز صيامه.
وسبب صيامها كلها أن الصوم عبادة استغراقية، فالصائم يقضي كل لحظات النهار في عبادة الصوم، فلا تضيع منه لحظة من هذه الأيام .
4- ومن أفضل الأعمال فيها: الذكر، لقوله تعالى (ويذكروا الله في أيام معلومات) وهي العشر من ذي الحجة
وأفضل الذكر هو قراءة القرآن، وقد كان سلفنا الصالح يختمون القرآن في هذه العشر .
5- أفضل الذكر في هذه الايام بعد القرآن (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر) لحديث: (فأكثروا فيهن من التكبير ، والتهليل ، والتحميد)
"رواه أحمد وغيره"
6- يستحب التكبير بعد الصلوات، من يوم عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق، وصيغته: (الله أكبر . الله أكبر . الله أكبر . لا إله إلا الله، والله أكبر . الله أكبر . ولله الحمد)
ويستحب أن يزيد عليها : (الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا ، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله والله أكبر)
7- اليوم التاسع هو يوم عرفة، سيد الأيام، يستحب ان يخلو فيه المرء مع ربه، ويترك الدنيا، فيذكر ويستغفر ويدعو، وقد كان سلفنا الصالح يجمعون حوائج السنة كلها فيدعون بها يوم عرفة.
8- صيام يوم عرفة، يغفر الله فيه ذنوب سنتين، سنة ماضية وسنة قابلة "رواه مسلم" وهذا الفضل لا يوجد في عمل غيره.
9- أفضل الأعمال في يوم النحر وأيام التشريق هي الأضحية "الترمذي وابن ماجه"
10- يستحب لمن يريد أن يضحي أن لا يأخذ شيئا من شعره وظفره، من رؤية هلال ذي الحجة، او غروب شمس آخر ليلة من شهر ذي القعدة، وإلى أن يذبح أضحيته، ومن أشرك معه عائلته في أضحيته فلا يشملهم هذا الحكم.
----------------
-------------------------------------------------------------
مقتطفات مهمة حول موضوع الأخذ من الشعر والظفر في عشر ذي الحجة لمن أراد أن يضحي
المقصود من هذه المقالة بيان أمور :
1-كيف يُشاع بين عوام المسلمين القول المخالف لقول جماهير أهل العلم ، وكيف يُنشر القول المخالف للدليل الأرجح ، حتى كأنه لا وجود لقول الجمهور والقول الأقوى فقها ودليلا !
2-وكيف يُشاع دليل القول المرجوح دون أدلة القول الراجح الذي عليه الجماهير .
3-وكيف تُشاع سطحية التفقه بمثل هذا المنهج الذي يستغل الظواهر أو تستغله الظواهر ؛ لأنه لا يحترم القول المخالف ، ولو احترم القول المخالف ، لما أعان على نشر السطحية ، حتى لو أخذ بالقول المرجوح .
4-وكيف يجب التعمق في تناول الأدلة ، عدم الاكتفاء بظاهر أحد الأدلة .
حيث ورد في هذه المسألة حديثان متعارضان :
الحديث الأول: هو حديث أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: « «إذا دخل العشر وعنده أضحية يريد أن يضحي، فلا يأخذن شعرا، ولا يقلمن ظفرا». وفي لفظ: «إذا دخلت العشر، وأراد أحدكم أن يضحي، فلا يمس من شعره وبشره شيئا». وفي لفظ: «إذا رأيتم هلال ذي الحجة، وأراد أحدكم أن يضحي، فليمسك عن شعره وأظفاره» . أخرجه الإمام مسلم في صحيحه [1977].
والحديث الثاني: أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قالت: «كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يهدي من المدينة، فأفتل قلائد هديه، ثم لا يجتنب شيئا مما يجتنبه المحرم» [البخاري [1698] ومسلم [1321] ]. وفي أحد ألفاظه عندهما: عن عَمْرَةَ بنت عبد الرحمن: « أن زياد بن أبي سفيان كتب إلى عائشة رضي الله عنها إن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: من أهدى هديا حرم عليه ما يحرم على الحاج حتى ينحر هديه، قالت عمرة: فقالت عائشة رضي الله عنها: ليس كما قال ابن عباس، «أنا فتلت قلائد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي، ثم قلدها رسول الله صلى الله عليه وسلم بيديه، ثم بعث بها مع أبي، فلم يحرم على رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء أحله الله له حتى نحر الهدي» .
فاختلف العلماء في الموقف من الحديث الأول (حديث النهي عن الأخذ من الشعر والظفر لمن أراد أن يضحي) ؛ لأسباب :
الأول : معارضة ظاهره لحديث عائشة (رضي الله عنها) .
الثاني : انفراده بحكم فقهي يعارض فقه الباب من خمس جهات :
1-وهو أن غير المحرم لا علاقة له بأحكام المحرم ؛ فقد أجمعوا مثلا على أنه لا بأس بالجماع في عشر ذي الحجة لمن أراد أن يضحي ، وأن ذلك مباح له ، فحلق الشعر والأظفار أحرى أن يكون مباحا . وكذلك التطيب ، لا يحرم على غير المحرم . وقد اعترض ابن حزم على هذا الإشكال بكلام فاسد ، مبني على عدم قوله بالتعليل وعلى جمود الأخذ بالظاهر ، ولذلك لم يأبه له الفقهاء ، حتى قال العيني عن كلام ابن حزم : «وهذا كلام ساقط ، ظاهر سقوطه ، لا يُـحتاج إلى بيانه ؛ لوضوحه» .
2-وأن الضحية ليست مختصة بالمحرم أصلا ، فالضحية مشروعة لكل قادر ، فلا علاقة بينها وبين أحكام الإحرام .
3-وأن من أراد الإحرام يُستحب له أن يتنظف بالأخذ من شاربه ونتف إبطه وحلق عانته وتقليم أظافره قبل إحرامه ، حتى في مذهب من أخذ بحديث النهي عن الأخذ من الشعر والظفر لمن أراد أن يضحي ، وقد يُحرم بعد دخول العشر ، وهو يريد أن يضحي . فهنا يتناقض أمران : أمر من مستحبات الإحرام ، وأمر لا علاقة له بالإحرام وهو الضحية .
4-أن العيد يُستحب له التنظف والتزين قبل صلاة العيد ، ومن سنن الفطرة في الزينة الأخذ من الشعر والظفر ، والضحية لا تُذبح إلا بعد صلاة العيد .
5-أن الضحية مستحبة على الراجح ، وهو قول عامة أهل العلم ، ولا يمكن أن يكون أمر مستحبا ويكون أمرٌ ليس من شروطه ولا من أجزائه (ليس ركنا ولا واجبا من واجباته) واجبا . وسيأتي شرح هذا الأمر بتفصيل أكبر .
ولهذا الإشكال في حديث النهي عن الأخذ من الشعر والظفر لمن أراد أن يضحي (حديث أم سلمة رضي الله عنها) تعددت مواقف العلماء منه :
الموقف الأول : من العلماء من مال إلى تضعيف حديث النهي عن الأخذ من الشعر والظفر لمن أراد أن يضحي ، وهو حديث أم سلمة رضي الله عنها ، بأنه حديثٌ وقع فيه اختلافٌ في رفعه إلى النبي ﷺ، حيث وَقَفَهُ بعضُ الرواة على أم سلمة رضي الله عنها، فجعل الحديثَ من كلامها لا من كلام النبي ﷺ.
والحقُّ أن الاختلاف في تضعيف حديث أم سلمة رضي الله عنها اختلافٌ قويٌّ، مع كونه حديثًا في صحيح مسلم !
فقد مال إلى تضعيفه أحد كبار نقاد الحديث، ألا وهو الإمام الدارقطني .
ومع هذا الاختلاف القويّ، إلا أن الأرجح عندي فيه هو صحة الرفع. وتصحيحه هو ما كان عليه أكثر النقاد، حسب ما وصلنا من أحكامهم: كالإمام أحمد، والترمذي والطحاوي وابن حبان والبيهقي وأبي مسعود الدمشقي، وغيرهم، فكلهم على تصحيحه.
ومع ذلك فيبقى التضعيف قولا وجيهًا، حتى إن الإمام الطحاوي مع ترجيحه قبولَ الحديث المرفوع، لم يستطع إغفالَ الفرق الكبير في درجة الصحة بين حديث أم سلمة وحديث عائشة المعارِض له، حيث قال في كتابه (شرح معاني الآثار): « ففي ذلك دليل على إباحة ما قد حظره الحديث الأول. ومجيء حديث عائشة رضي الله عنها أحسن من مجيء حديث أم سلمة رضي الله عنها , لأنه جاء مجيئا متواترا. وحديث أم سلمة رضي الله عنها , لم يجئ كذلك , بل قد طعن في إسناد حديث مالك , فقيل: إنه موقوف على أم سلمة رضي الله عنها ».
بل لقد نقل ابن عبد البر عن أكثر أهل العلم تضعيفَ حديث أم سلمة رضي الله عنها، وهو نقلٌ بخلاف ما نجده اليوم في المصادر؛ إلا إن أراد أن عدم أخذ عامة الفقهاء بحديث أم سلمة رضي الله عنها يدل على تضعيفهم له، فقوله حينئذ له وجهُهُ الذي تؤيده المصادر حتى اليوم ؛ إلا أن عدم الأخذ بظاهر الحديث لا يلزم منه التضعيف، إذ قد يكون مبنيًّا على تأويله (كما سيأتي) .
الموقف الثاني : موقف من قبل الحديثين وصحح الاحتجاج بهما ، فلجأ إلى الجمع بينهما . ولكنهم اختلفوا في أوجه الجمع ، فاختلف الحكم الفقهي بحسب جمعهم :
الوجه الأول في الجمع بين الحديثين : من مال إلى تحريم الأخذ من الشعر والظفر لمن أراد أن يضحي .
وهو الجمع الذي اختاره الإمام أحمد ، واستفاده من شيخه يحيى بن سعيد القطان . فقد قال الإمام أحمد : «ذكرتُ لعبدالرحمن بن مهدي حديثَ أمِّ سلمة وحديثَ عائشةَ: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث الهدي لم يحرم عليه شيء" ؟ فبقي ساكتا، ولم يجب. (قال الإمام أحمد : ) وذكرتُه ليحيى بن سعيد؟ فقال: ذاك له وجهٌ ، وهذا له وجه : وحديث أم سلمة لمن أراد أن يضحي بالمصر ، وحديث عائشة لمن بعث بهديه وأقام . (قال الإمام أحمد:) وهكذا أقول : حديث عائشة هو على المقيم الذي يُرسل بهديه ، ولا يريد أن يضحي بعد ذلك الهدي الذي بعث به ، فإن أراد أن يضحي لم يأخذ من شعره شيئا ولا من أظفاره ، على أن حديث أم سلمة هو عندي على كل من أراد أن يضحي في مصره».
وقد ردّ هذا الجمعَ ابنُ عبد البر، بقوله: « قد صحَّ أن النبي ﷺإذْ بعث بهديه لم يجتنب شيئًا مما يجتنبه المحرم، وصحَّ أنه كان يُضَحِّي ﷺ، ويحضُّ على الضحية، ولم يصحَّ عندنا أنه ﷺفي العام الذي بعث فيه بهديه (ولم يبعث بهديه لِيُـنْـحَرَ عنه بمكة؛ إلا سنةَ تسعٍ، مع أبي بكر)، ولا يُوجَد = أنه لم يُضَحِّ في ذلك العام».
والذي يُقوِّي جوابَ أبي عمر ابن عبد البرّ: أن النبي ﷺ لم يترك الضحية ، حتى في حجة الوداع ، لما حجَّ ، كما يدل عليه حديث ثوبان رضي الله عنه، قال: ضَحَّى رسول الله ﷺ، ثُمَّ قال: «يا ثَوْبَانُ، أَصْلِحْ لنا لَـحْمَ هذه الشَّاةِ» ، قال: فما زِلْتُ أُطْعِمُهُ منها، حتى قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ. أخرجه مسلم وأبو داود واللفظ له.
فإذا كان النبي ﷺ لم يترك الضحيةَ في حَجِّة الوداع، مع كونه ﷺ قد ساق معه من الهدي مائةً من الإبل نُحرت كلها بمنى يوم النحر ، مع ذلك فهو لم يترك الضحية حتى في هذا اليوم الذي أهدى فيه بمائة من الإبل ، وهو حاجٌّ مسافر = فَـلَأن لا يترك الضحية إذا أرسل هَدْيَه ليُنحر بعيدًا عنه بمكة، وهو مقيمٌ في المدينة = أَوْلى وأَحْرى !!
قلتُ وهناك جوابٌ آخر على جمع الإمام أحمد: أن مَن بعث بهديه إلى مكة أولى بأن يشابه حالُه حال المحرِم ممن اكتفى بالتضحية في بلده ؛ لأن من بعث بالهدي أشبهُ حالاً بالمحرِمِ في نسيكته ممن اكتفى بالتضحية في بلده .
ويدل على قوة هذه الأشبهيّة وعلى أثرها في فقه هذا الباب:
1-أن هذا الشَّبَهَ القوي بين الحاجّ والذي يُرسلُ الهدي من غير الحجاج هو الذي جعل ابن عباس رضي الله عنهما يقيس الحلالَ غير الحاجّ على المحرم في ترك محظورات الإحرام ، كما في قصة ردِّ عائشة لاجتهاده هذا ، التي سبق ذِكْرُها من الصحيحين .
2-كما أن هذا الاجتهاد هو اجتهاد عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أيضا: فقد صحَّ عنه أنه «كان إذا بعث بالهدي، يُمسك عما يمسك عنه المحرم، غير أن لا يلبي»، وصحّ عنه أيضًا: أنه سُئل عن الرجل يبعث بالهدى وهو مقيم ؟ فقال: «يُواعده يومًا، فإذا بلغ، أمسك هو عما يمسك عنه الحرام». بل هذا الاجتهاد هو اجتهادُ جماعة من السلف، ويخالفهم فيه آخرون منهم.
وعلى هذا: فإنه إن كان على من أراد أن يُضحي أن يمسك عن شعره وظفره ، فمن بعث بهديه أولى بأن يمسك عنهما . وهذا مما يدل على ضعف الجمع الذي رضيه الإمام أحمد من جهة الفقه والقياس !
وقد أشار الإمام الشافعي إلى هذا المعنى عندما قال عقب حديث عائشة: « في هذا دلالةٌ على ما وصفتُ، من أن المرء لا يُـحْرِمُ بالبَعْـثَةِ بهديه. يقول: البعثةُ بالهدي أكبر من إرادة الضحية».
أي : إذا كان المقيم ببعثه للهدي إلى مكة لم يحرم عليه الأخذ من الشعر والظفر ، فأولى منه من أراد أن يضحي .
بل ذهب الإمام الماوردي (ت450ﻫ) إلى أبعد من هذا الاستدلال، وبما يردّ على جمع الإمام أحمد أيضًا من وجهٍ آخر، حيث عدَّ هَدْيَ النبي ﷺ الذي بعثه مع أبي بكر رضي الله عنه، والذي ذَكَـرَتْـهُ عائشةُ رضي الله عنها = هو نفسه ضحايا النبي ﷺ، ومع ذلك لم يُـحَـرِّم النبي ﷺ على نفسه شيئًا مما يَـحْرُمُ على المحْرِم. فقال (رحمه الله): «فكان هَدْيَ رسولِ الله ﷺ، وضحاياه؛ لأنه كان بالمدينة، وأنفذها مع أبي بكر سنةَ تسعٍ. وحُكْـمُها أغلظُ؛ لِسَوْقِها إلى الحرم. فلما لم يُـحَـرِّمْ على نفسه شيئًا، كان غيره أولى إذا ضَحَّى في غير الـحَرَمِ».
وبهذين الجوابين يتبيّنُ أن هذا الجمع الذي ذهب إليه الإمام أحمد ليس هو الجمع القوي الذي يمكن أن يحلّ إشكالَ التعارض بين الحديثين ، فضلا عن بقية الإشكالات الفقهية التي سقناها آنفا .
وأما الوجه الثاني للجمع بين الحديثين: فهو جمعُ الإمام الطحاوي، وهو أنه ذكر من روايات حديث عائشة رضي الله عنها هذا اللفظ: «كنت أفتل قلائد هدي رسول الله ﷺ، ثم يبعث بالهدي، ويقيم عندنا، لا يجتنب شيئًا مما يجتنبه المحرم من أهله، حتى يرجع الناس»، ثم جعل الإمامُ الطحاويُّ حديثَ عائشةَ خاصًّا بالجماع، فهو الأمر الذي كان النبي ﷺلا يدعه، حتى عند عَزْمِه على الضحية، وهو بتخصيصه في عدم ترك الجماع لا يعارض أنه ﷺكان يُمسك عما سوى الجماع، وهو الأخذ من الشعر والظفر، الوارد في حديث أم سلمة. فجعل حديثَ عائشةَ في عدم الامتناع عن الجماع خاصة، وحديثَ أمِّ سلمةَ في الإمساك عن الشعر والظفر.
وهذا الجمع أيضًا ضعيف ، بل هو أضعف من الأول :
أولا: لأن الإمام الطحاوي إنما استدلّ بأحد ألفاظ الحديث، وترك الألفاظَ الأخرى الصريحة في التعميم، ومنها ما جاء في الصحيحين: كقولها رضي الله عنها عن النبي ﷺ: «ثُمَّ لَا يَجْتَنِبُ شيئا مِمَّا يَـجْـتَـنِـبُه الـمُحرِمُ»، وفي الرواية الأخرى: «فلم يَحْرُمْ على رسول الله صلى الله عليه وسلم شَيْءٌ أَحَلَّهُ الله، حتى نُحِرَ الْهَدْيُ».
وثانيًا: أن ابن عباس (رضي الله عنهما) لم يكن يمتنع عن الجماع فقط ، حين ردّت عليه عائشة (رضي الله عنها) بفعل النبي ﷺ . بل لقد كان ابن عباس يترك كلَّ شيءٍ يتركه المحرم، حتى إنه كان يتجرّد من ملابسه ! فعن رَبِيعَةَ بن عبد الله بن الـهُدير انه رَأَى عبد الله بن عباس وهو أميرٌ على البصرة ، في زمن علي بن أبي طالب ، مُتَجَرِّدًا على منبر البصرة ، فَسَأَل الناس عنه ؟ فَقَالُوا: إنه أَمَرَ بِهَدْيِهِ أن يُقَلَّدَ؛ فَلِذَلِكَ تَـجَرَّدَ. (قال رَبِيعَةُ:) فَلَقِيتُ عَبْدَ الله بن الزُّبَير، فَذَكَرْتُ لَه ذلك ؟ فقال: بِدْعَةٌ، وَرَبِّ الكَعْبَةِ». فلم يكن الاجتهادُ الذي تَـرُدُّ عليه عائشةُ اجتهادَ مَن يرى الامتناعَ عن النساء فقط ، بل كان يمتنع عن كل شيءٍ يمتنع منه المحرم ، ومنه النساء . وعلى هذا كان ابن عمر (رضي الله عنه) أيضا ، كما سبق نقل كلامه . فلا يصح حَـمْلُ كلام عائشة (رضي الله عنها) وحديثُها على أنها إنما تخالف اجتهادَ من كان يرى الامتناعَ عن النساء فقط ؛ لأن الذين كانت تردُّ عليهم لم يكن هذا هو اجتهادهم أصلا .
والوجه الثالث في الجمع بين الحديثين : وهو جمع من مال من العلماء إلى حمل حديث النهي عن الأخذ من الشعر والظفر على أنه نهي للكراهة ، وليس للتحريم . وبذلك جمعوا بين الحديثين، وهم الجمهور: وهذا هو ما ذهب إليه المالكية، والشافعي والشافعية، وبعض الحنفية (ونسبوه إلى الإمام أبي حنيفة)، وبعض الحنابلة . ونُقلَ القولُ به عن: عبدالله بن المبارك. بل نقل بعضُ الحنفيةِ الإجماعَ على هذا القول، فقد جاء في حاشية ابن عابدين: « ومما ورد في صحيح مسلم: قال رسول الله ﷺ: ­«إذا دخل العشر، وأراد بعضكم أن يضحي، فلا يأخذن شعرا ولا يقلمن ظفرا»، فهذا محمولٌ على الندب، دون الوجوب، بالإجماع».
وهذا الجمع هو أقوى وجوه الجمع ، على ثبوت صحة حديث أم سلمة (رضي الله عنها) .
فبغض النظر عن الاختلاف الذي ذكرناه للعلماء، ومالهم فيه من استدلالات لم أحصها كلها. وبغض النظر عن هذا الاجتهاد العميق الذي بذله العلماء في توجيه الحديثين المتعارضين؛ إلا أن ذلك كله لا يؤثر عندي في فهم النهي النبوي عن الأخذ من الشعر والظفر الوارد في حديث أم سلمة؛ فلو لم يرد حديث عائشة، بل لو لم يأت أيُّ حديثٍ يعارض حديث أم سلمة، ما كان حديثها عندي ليدلّ على تحريم الأخذ من الشعر والظفر ! وسيبقى عندي دالاًّ على الكراهة فقط !!
ذلك أن الضحية نفسها سنة (على الراجح)، وهو قول عامة أهل العلم . وقد دلَّ استقراء أحكام الشريعة واطّرادُ أصولها : أنه لا يمكن أن تستحبَّ الشريعةُ شيئًا، ثم هي مع استحبابها له تُوجب له أمرًا ليس هذا الأمرُ من شروط ذلك المستحب ولا جزءًا من أجزائه الواجبة؛ حيث إن هذا لو وقع لكان تناقضًا لا يقبله ترتيبُ الأحكام الشرعية بعضها على بعض؛ بل لا تقبله الأوامر المعقولة من العقلاء ! إذ كيف يكون الأصل مستحبًّا وفَرْعُه (الذي ليس من شروطه ولا من واجباته) واجبًا؟!
أرأيت لو قال الرئيس للمرؤوس : "لو أيقظتني الساعة الفلانية فهو حسن ، ولن ألومك ولن أعتب عليك إن لم تفعل . لكن إذا نويت إيقاظي فلا بد أن تجني ثمر شجر المزرعة ، وإلا سأكون غاضبا عليك " ، ولا علاقة بين استيقاظه في ذلك الوقت وجني الثمار ! مثل هذا الأمر لا يصدر من عاقل ، فضلا عن حكيم !!
ونحن قد عرفنا عدم وجود هذه العلاقة بين الضحية والأخذ من الشعر والظفر من أن الضحية تصح وتُتقبل حتى ولو أخذ المضحي من شعره وظفره عند من يرى حرمة الأخذ ، ولا ادعى أحد من العلماء أن أجر الضحية ينقص بالأخذ من الشعر أو الظفر ، فضلا عن أن يقول أحد ببطلان الضحية ! فضلا عن عدم التلازم الظاهر والتباين التام بين أحكام الضحية وحكم الأخذ من الشعر والظفر .
وبذلك يتبين أن من يُحرّم الأخذَ من الشعر والظفر، مع قوله باستحباب الضحية، فهو في تناقُضِ ترتيبِ أحكامِه بعضِها على بعض: كمن يُوجِبُ التسوُّكَ لصلاة النافلة، مع أن التسوُّكَ عنده ليس شرطا لها ولا جزءًا من أجزائها (أي: ليس ركنًا من أركانها، ولا واجبًا من واجباتها). وكمن يُوجب أَكْلَةَ السَّحَر لصيام النافلة، مع أنها عنده ليست شرطًا له ولا جزءًا من أجزائه. وكمن يُوجِبُ في صيام عاشوراء المستحبِّ صيامَ يومٍ قبلَه أو بعدَه، مع أن صيامَ يومٍ قبلَه أو بعده (لمخالفة اليهود) ليس شرطا لصحة صيام عاشوراء ولا ركنا من أركانه.
وهذا بخلاف ما لو كان الأمرُ شرطا من شروط الصحة للنافلة، أو واجبًا من واجباتها، كالطهارة التي هي شرطٌ لصلاة النافلة، وكأداء أركان حج النافلة أو أركان صلاة النافلة وواجباتهما؛ فإن أداء هذه الشروط والأركان كله واجبٌ على من أراد الدخول في تلك النوافل أو شرع في أدائها، مع أن أصل تلك الأعمال (وهو حج النافلة أو صلاة النافلة) ليس واجبًا ابتداءً، لكن بعزم الدخول فيهما وجب تحقيقُ شروطهما، وبالشُّرُوع في أدائهما وجب أداء واجباتهما وأركانهما.
وبهذا نرد على اعتراض ابن حزم ، عندما رد على من بين دلالة هذا الخلل في ترتيب الوجوب على المستحب ، بمثل تلك الصور التي يكون فيها المستحب لا يصح إلا بشروط وواجبات ؛ لأننا نقول لابن حزم : لكن الأخذ من الشعر والظفر ليس من شروط الضحية ولا من واجباتها ، فلا يستويان . خاصة أن ابن حزم يرى استحباب الضحية ، بل يستدل للاستحباب بحديث : « «من كان له ذبح يذبحه فأهل هلال ذي الحجة فلا يأخذن من شعره، ولا من أظفاره شيئا حتى يضحي» ، حيث قال ابن حزم : « فقوله - عليه السلام -: " فأراد أن يضحي"برهان بأن الأضحية مردودة إلى إرادة المسلم ، وما كان هكذا فليس فرضا» .
وبذلك يكون الراجح في الأخذ من الشعر والظفر لمن أراد الضحية هو عدم التحريم، كما هو قول جمهور الأئمة . وأن أقصى ما يصل إليه الحكم هو أنه مكروه كراهة تنزيه ، وليس محرما ، كما هو مذهب المالكية والشافعية وبعض الحنفية والحنابلة.
والله أعلم.
والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
تاريخ النشر : 1435/07/19 هـ
جميع الحقوق محفوظة لموقع
فضيلة الشيخ الشريف حاتم بن عارف العوني