الثلاثاء، 14 مايو 2024

حكم الحلف بغير الله ؟!

 


#حكم_الحلف_بغير_الله ؟!
تضافر الحلف بغيره سبحانه في الكتاب العزيز والسنّة النبوية، أمّا الكتاب فقد حلف بأشياء كثيرة، وأمّا السنّة فقد حلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم في غير مورد بغير اسم اللّه.

فقد أخرج مسلم في صحيحه: أنّه جاء رجل إلى النبي، فقال: يا رسول اللّه أي الصدقة أعظم أجراً؟ فقال: أما ـ و أبيك ـ لتنبئنَّه أن تصدّق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل البقاء 1و أخرج مسلم أيضاً: جاء رجل إلى رسول اللّه ـ من نجد ـ يسأل عن الاِسلام، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: خمس صلوات في اليوم والليل.
فقال: هل عليَّ غيرهنّ؟
قال: "لا...إلاّ أن تطوع"، وصيام شهر رمضان".فقال: هلّ عليَّ غيره؟
قال: "لا... إلاّ تطوّع، وذكر له رسول اللّه الزكاة.
فقال الرجل: هل عليّ غيره؟
قال: "لا... إلاّ أن تطوّع".فأدبر الرجل وهو يقول: واللّه لا أزيد على هذا ولا أنقص منه.
فقال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: أفلح ـ وأبيه ـ إن صدق.
أو قال: دخل الجنة ـ و أبيه ـ إن صدق. 2

وقد حلف غير واحد من الصحابة بغيره سبحانه، فهذا أبو بكر بن أبي قحافة على ما يرويه مالك في موطّئه: أنّ رجلاً من أهل اليمن أقطع اليد والرجل قدم فنزل على أبي بكر فشكا إليه أنّ عامل اليمن قد ظلمه، فكان يصلي من الليل، فيقول أبو بكر: وأبيك ما ليلك بليل سارق.3

وهذا علي بن أبي طالب عليه السلام قد حلف بغيره سبحانه في غير واحد من خطبه: فقال: ولعمري ما علي ّمن قتال من خالف الحق وخابط الغي من إدهان ولا إيهان 4ولعمري ما تقادمت بكم ولا بهم العهود.5

إلى غير ذلك من الاَقسام الواردة في كلامه عليه السلام وسائر أئمّة أهل البيت عليهم السلام.

نعم ثمة أحاديث استدل بها على المنع عن الحلف بغير اللّه، غير أنّها ترمي إلى معنى آخر.

الحديث الاَوّل

إنّ رسول اللّه سمع عمر، وهو يقول:وأبي، فقال: إنّ اللّه ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، ومن كان حالفاً فليحلف باللّه أو يسكت.6

والجواب: انّ النهي عن الحلف بالآباء قد جاء لاَنّهم كانوا ـ في الغالب ـ مشركين وعبدة للاَوثان فلم يكن لهم حرمة ولا كرامة حتى يحلف أحد بهم، ولاَجل ذلك نرى أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم جعل آباءَهم قرناء مع الطواغيت مرّة، وبالاَنداد ـ أي الاَصنام ـ ثانية، وقال: لا تحلفوا بآبائكم ولا بالطواغيت.7

وقال أيضاً: لا تحلفوا بآبائكم ولا بأُمهاتكم ولا بالاَنداد.8

وهذان الحديثان يؤكدان على أنّ المنهي عنه هو الحلف بالآباء الكافرين الذين كانوا يعبدون الاَنداد والطواغيت، فأين هو من حلف المسلم بالكعبة والقرآن والاَنبياء والاَولياء في غير القضاء والخصومات؟.

الحديث الثاني

جاء ابنَ عمر رجل فقال: أحلف بالكعبة؟ قال له: لا، ولكن إحلف بربِّ الكعبة، فانّ عمر كان يحلف بأبيه، فقال رسول اللّه له: "لا تحلف بأبيك، فانّ من حلف بغير اللّه فقد أشرك. 9
إنّ الحديث يتألف من أمرين:

أ: قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: من حلف بغير اللّه فقد أشرك.

ب: اجتهاد عبد اللّه بن عمر، حيث عدّ الحلف بالكعبة من مصاديق حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

أمّا الحديث فنحن نذعن بصحته، والقدر المتيقن من كلامه ما إذا كان المحلوف به شيئاً يعد الحلف به شركاً كالحلف بالاَنداد والطواغيت والآباء الكافرين. فهذا هو الذي قصده النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا يعم الحلف بالمقدسات كالقرآن وغيره.

وأمّا اجتهاد ابن عمر حيث عدّالحلف بالكعبة من مصاديق الحديث، فهو اجتهاد منه وحجّة عليه دون غيره.

وأمّا انّ الرسول عدّحلف عمر بأبيه من أقسام الشرك فلاَجل أنّ أباه كان مشركاً، وقد قلنا إنّ الرواية ناظرة إلى هذا النوع من الحلف.

ومجمل القول: إنّ الكتاب العزيز هو الاَُسوة للمسلمين عبر القرون، فإذا ورد فيه الحلف من اللّه سبحانه بغير ذاته سبحانه من الجماد والنبات والاِنسان فيستكشف منه أنّه أمر سائغ لا يمت إلى الشرك بصلة، وتصوّر جوازه للّه سبحانه دون غيره أمر غير معقول، فانّه لو كان حقيقة الحلف بغير اللّه شركاً فالخالق والمخلوق أمامه سواء.

نعم الحلف بغير اللّه لا يصحّ في القضاء وفضّ الخصومات، بل لابدّمن الحلف باللّه جلّ جلاله أو بإحدى صفاته التي هي رمز ذاته، وقد ثبت هذا بالدليل ولا علاقة له بالبحث.
وأمّا المذاهب الفقهية فغير مجمعين على أمر واحد.

أمّا الحنفية، فقالوا: بأنّ الحلف بالاَب والحياة، كقول الرجل: وأبيك، أو: وحياتك وما شابه، مكروه.

وأمّا الشافعية، فقالوا: بأنّ الحلف بغير اللّه ـ لو لم يكن باعتقاد الشرك ـ فهو مكروه.

وأمّا المالكية، فقالوا: إنّ في القسم بالعظماء والمقدسات ـ كالنبي و الكعبة ـ فيه قولان: الحرمة والكراهة، والمشهور بينهم: الحرمة.

وأمّا الحنابلة، فقالوا: بأنّ الحلف بغير اللّه وبصفاته سبحانه حرام، حتى لو كان حلفاً بالنبي أو بأحد أولياء اللّه تعالى.

هذه فتاوى أئمّة المذاهب الاَربعة. 10

ولا يخفى انّ العرب كانت تعظم هذه الاَشياء وتقسم بها فنزل القرآن على ما يعرفون.

وانّ الاِقسام إنّما تكون بما يعظمه المقسم أو يُجلُّه وهو فوقه واللّه تعالى ليس شيء فوقه، فأقسم تارة بنفسه وتارة بمصنوعاته، لاَنّها تدل على بارئ وصانع وبما أنه بغير ذاته فالحلف بغيره تعالى جائز.11

1- صحيح مسلم:3|94، باب أفضل الصدقة من كتاب الزكاة.
2- صحيح مسلم:1|32، باب ما هو الاِسلام.
3- شرح الزرقاني على موطأ مالك: 4|159 برقم 580.
4- نهج البلاغة: الخطبة 23و85.
5- نهج البلاغة: الخطبة 23و85.
6- سنن ابن ماجة: 1|277.
7- سنن النسائي: 7|7؛ سنن ابن ماجة: 1|278.
8- سنن النسائي:7|9.
9- سنن النسائي: 7ج ص8
10- انظر الفقه على المذاهب الاَربعة:2|75، كتاب اليمين.
11- الأقسام في القرأن / الشيخ السبحاني ص40_45
--
عند الوهابية من حلف بغير الله فقد أشرك .
النبي عندهم يحلف بغير الله ، فهل هو عندكم مشرك
صحيح مسلم
1032 - وحدثنا : ‏ ‏أبوبكر بن أبي شيبة ‏ ‏وإبن نمير ‏ ‏قالا ، حدثنا : ‏ ‏إبن فضيل ‏ ‏، عن ‏ ‏عمارة ‏ ‏، عن ‏ ‏أبي زرعة ‏ ‏، عن ‏ ‏أبي هريرة ‏ ‏قال : ‏ ‏جاء رجل إلى النبي ‏(ص)‏ ‏فقال : يا رسول الله أي الصدقة أعظم أجراً فقال : 👈🏾أما وأبيك لتنبأنه ‏ ‏أن تصدق وأنت صحيح ‏ ‏شحيح ‏ ‏تخشى الفقر وتأمل البقاء ... الخ الحديث
صحيح مسلم :
2548 - حدثنا : ‏حدثنا : ‏ ‏أبوبكر بن أبي شيبة ‏ ، حدثنا : ‏ ‏شريك ‏ ‏، عن ‏ ‏عمارة ‏ ‏وإبن شبرمة ‏ ‏، عن ‏ ‏أبي زرعة ‏ ‏، عن ‏ ‏أبي هريرة ‏ ‏قال : ‏ ‏جاء رجل إلى النبي ‏ ‏(ص) ‏ ‏فذكر ‏ ‏بمثل حديث ‏ ‏جرير ‏ ‏وزاد فقال : نعم 👈🏾وأبيك لتنبأن ‏ .
سنن إبن ماجه :
2706 - حدثنا : ‏أبوبكر بن أبي شيبة ‏ ، حدثنا : ‏ ‏شريك ‏ ‏، عن ‏ ‏عمارة بن القعقاع بن شبرمة ‏ ‏، عن ‏ ‏أبي زرعة ‏ ‏، عن ‏ ‏أبي هريرة ‏ ‏قال : ‏ ‏جاء ‏ ‏رجل ‏ ‏إلى النبي ‏ ‏(ص) ‏فقال : يا رسول الله نبئني ما حق الناس مني بحسن الصحبة فقال : ‏ ‏نعم 👈🏾وأبيك لتنبأن أمك قال : ثم من قال : ثم أمك قال .. الخ الرواية
مسند أحمد :
7119 - حدثنا : ‏محمد بن فضيل ‏ ‏، عن ‏ ‏عمارة ‏ ‏، عن ‏ ‏أبي زرعة ‏ ‏، عن ‏ ‏أبي هريرة ‏ ‏قال : ‏ ‏جاء رجل إلى رسول الله ‏ (ص)‏ ‏فقال : يا رسول الله أي الصدقة أعظم أجراً قال : ‏ ‏أما 👈🏾وأبيك لتنبأنه أن تصدق وأنت صحيح شحيح ‏ ‏تخشى الفقر وتأمل البقاء
--
اتفق العلماء على أن الحالف بغير الله لا يكون كافرًا حتى يُعَظِّم ما يحلف به من دون الله تعالى؛ فالكُفْرُ حينئذٍ من جهة هذا التعظيم لا من جهة الحلف نفسه.
والحلف بما هو مُعَظَّم في الشرع؛ كالنبي صلى الله عليه وآله وسلم والإسلام والكعبة، لا حرج فيه شرعًا، ولا مشابهة فيه لحلف المشركين بوجهٍ من الوجوه؛ لأنه لا وجه فيه للمضاهاة، بل هو تعظيمٌ لما عظَّمه الله، ومن هنا أجازه كثيرٌ من العلماء؛ منهم الإمام أحمد بن حنبل، وعلَّل ذلك بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو أحد ركني الشهادة التي لا تتم إلا به؛ فلا وجه فيه للمضاهاة بالله تعالى، بل تعظيمه بتعظيم الله تعالى له، والقائل بمنع الحلف بغير الله على جهة العموم من العلماء إنما مَنَعَه أخذًا بظاهر عموم النهي عن الحلف بغير الله، والقول بالعموم على هذا النحو فيه نظر؛ للإجماع على جواز الحلف بصفات الله تعالى؛ فهو "عمومٌ أُريدَ به الخصوص".
فالتعظيم بالله تعالى هو في حقيقته تعظيمٌ له سبحانه؛ كما قال جل جلاله: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى القُلُوبِ﴾ [الحج: 32]، ولذلك كان سجود الملائكة لآدم عليه السلام إيمانًا وتوحيدًا، وكان سجود المشركين للأصنام كفرًا وشركًا، مع كون المسجود له في الحالتين مخلوقًا، لكن لمّا كان سجود الملائكة لآدم عليه السلام تعظيمًا لما عظمه الله كما أمر الله كان وسيلة مشروعة يستحق فاعلها الثواب، ولما كان سجود المشركين للأصنام تعظيمًا كتعظيم الله كان شركًا مذمومًا يستحق فاعله العقاب.
قال العلامة ابن المنذر: [اختلف أهل العلم في معنى النهي عن الحلف بغير الله: فقالت طائفة: هو خاص بالأيمان التي كان أهل الجاهلية يحلفون بها تعظيمًا لغير الله تعالى؛ كاللات والعزى والآباء، فهذه يأثم الحالف بها ولا كفارة فيها. وأمَّا ما كان يؤول إلى تعظيم الله؛ كقوله: وحق النبي والإسلام والحج والعمرة والهدي والصدقة والعتق ونحوها مما يراد به تعظيم الله والقربة إليه، فليس داخلًا في النهي. وممن قال بذلك: أبو عبيد وطائفة ممن لقيناه، واحتجوا بما جاء عن الصحابة من إيجابهم على الحالف بالعتق والهدي والصدقة ما أوجبوه مع كونهم رأوا النهي المذكور، فدل على أن ذلك عندهم ليس على عمومه؛ إذ لو كان عامًّا لنَهَوْا عن ذلك ولم يوجبوا فيه شيئًا] اهـ نقلًا من "فتح الباري" لابن حجر العسقلاني (11/ 535).
هذا عن الحلف، أما الترجي أو تأكيد الكلام بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم أو بغيره مما لا يُقْصَد به حقيقةُ الحلف فغير داخل في النهي أصلًا، بل هو أمر جائزٌ لا حرج فيه؛ لوروده في كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكلام الصحابة وجريان عادة الناس عليه بما لا يخـالف الشـرع الشـريف، وليس حرامًا ولا شركًا كما يُقال، ولا ينبغي للمسلم أن يتقول على الله بغير علم، ولا يجوز له أن يتهم إخوانه بالكفر والشـرك فيدخـل بذلك في وعيد قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «إِذَا كَفَّرَ الرَّجُلُ أَخَاهُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا» رواه مسلم.
والله سبحانه وتعالى أعلم

بيان عقيدة الأشاعرة ..

 * بيان عقيدة الأشاعرة ..


-------------------------------------
مذهب أهل السنة والجماعة - الأشاعرة والماتريدية - مذهب واضح في جميع أبواب علم التوحيد، ولكن أكثر ما ينكره من جهلوا حقيقة المذهب مسألة في الإيمان بالله، وهي تتعلق بـ «الإضافات إلى الله» أو ما يسمى بـ «الصفات الخبرية».
ونشأ هذا بسبب أن بعض الألفاظ الواردة في القرآن، والتي أضافها الله له في كتابه العزيز يريد بعضهم أن يثبتها على الحقيقة اللغوية مما يلزم منه تشبيه الخالق سبحانه وتعالى بخلقه، وأما أهل الحق فرأوا أن هذه الألفاظ لا نتعرض لمعناها لأنها من قبيل المتشابه.
فهم يرون أن هذه الإضافات أو الصفات الخبرية لم تثبت لله من جهة العقل، وإنما ثبتت بالخبر، فطريقهم فيها هو أن هذه الألفاظ المضافة لله، أو الصفات المخبر بها، يُسلم بها وتمر كما جاءت دون أن يعتقد حقيقة مدلولاتها اللغوية، فلا يقولون نثبتها على المعني اللغوي الحقيقي لها؛ إذ ظاهر الألفاظ يدل على حقائق معانيها معروفة في اللغة، وهذه الحقائق اللغوية تتنافى مع تنزيه الباري سبحانه وتعالى. وعلى هذا درج المتقدمون من أهل السنة والجماعة، والذين عرفوا فيما بعد الأشاعرة.
ومتأخروهم سلكوا مسلك التأويل، حين رأوا أن الإثبات على طريقة المشبهة، أفضى عند بعضهم إلى القول بالجسمية ولوازمها، والمتقدمون من أهل السنة والمتأخرون كلهم متفقون على الإمرار وعدم التعرض للفظة بالنفي، وكذلك عدم اعتقاد حقيقتها اللغوية التي من شأنها تشبيه الرب سبحانه وتعالى بخلقه، ولكن زاد المتأخرون بأن هذه الألفاظ لا يجوز أن يفهم منها إلا ما يليق بالله، فكأنهم يقولون للخصم إذا صممت أن تتكلم عن معنى لهذا الصفات فقل أي معنى إلا المعنى الذي ينقص من قدر الرب ويشبهه بخلقه، فقالوا : أيها الخصم قل : عين الله تعني رعايته وعنايته كما في قوله تعالى : {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي}، ولكن إياك أن تقول : إنها جارحة؛ ولذا يصلح أن نقول إن مذهب السلف مذهب اعتقاد، ومذهب الخلف مذهب مناظرة.
فهذا مذهب أهل السنة في التعامل مع تلك الألفاظ التي إذا ما أُثبتت على الحقيقة اللغوية تلزم التشبيه قطعًا؛ ولذا قال الحافظ العراقي في معرض الكلام عن «الوجه» : «تكرر ذكر وجه الله تعالى في الكتاب والسنة وللناس في ذلك - كغيره من الصفات - مذهبان مشهوران؛ (أحدهما) : إمرارها كما جاءت من غير كيف فنؤمن بها ونكل علمها إلى عالمها مع الجزم بأن الله ليس كمثله شيء وأن صفاته لا تشبه صفات المخلوقين (وثانيهما) : تأويلها على ما يليق بذاته الكريمة فالمراد بالوجه الموجود »( طرح التثريب). ويقصد بالناس «أهل الحق».
وما أجمل ما قال ابن قدامة المقدسي في لمعة الاعتقاد عن تلك الألفاظ التي توهم التشبيه في حملها على الحقيقة اللغوية حيث قال : « وكل ما جاء في القرآن أو صح عن المصطفى عليه السلام من صفات الرحمن وجب الإيمان به، وتلقيه بالتسليم والقبول، وترك التعرض له بالرد والتأويل، والتشبيه، والتمثيل وما أشكل من ذلك وجب إثباته لفظًا، وترك التعرض لمعناه، ونرد علمه إلى قائله، ونجعل عهدته على ناقله اتباعًا لطريق الراسخين في العلم الذين أثنى الله عليهم في كتابه المبين بقوله سبحانه وتعالى ‏‏: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا } وقال في ذم مبتغي التأويل لمتشابه تنزيله : {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ }،فجعل ابتغاء التأويل علامة على الزيغ وقرنه بابتغاء الفتنة في الذم ثم حجبهم عما أملوه وقطع أطماعهم عما قصدوه بقوله سبحانه وما يعلم تأويله إلا الله ‏.‏
قال الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل رضي الله عنه في قول النبي ﷺ : "إن الله ينزل إلى سماء الدنيا، وإن الله يرى في القيامة". وما أشبه هذه الأحاديث نؤمن بها ونصدق بها لا كيف، ولا معنى، ولا نرد شيئا منه، ونعلم أن ما جاء به الرسول حق، ولا نرد على رسول الله ﷺ ، ولا نصف الله بأكثر مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} ونقول كما قال، ونصفه بما وصف به نفسه، لا نتعدى ذلك ولا يبلغه وصف الواصفين، نؤمن بالقرآن كله، محكمه ومتشابهه، ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شنعت ولا نتعدى القرآن والحديث ولا نعلم كيف كنه ذلك إلا بتصديق الرسول ﷺ وتثبيت القرآن.‏ قال الإمام أبو عبدالله محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه آمنت بالله، وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله، وبما جاء عن رسول الله، على مراد رسول الله ‏.‏
وعلى هذا درج السلف وأئمة الخلف رضي الله عنهم كلهم متفقون على الإقرار والإمرار والإثبات لما ورد من الصفات في كتاب الله وسنة رسوله من غير تعرض لتأويله ‏»( لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد)
حقيقة انتساب الأشاعرة لأبي الحسن :
قد يقول بعضهم : إذا كان الأشاعرة على مذهب أهل السنة فلماذا لا يسمون أنفسهم أهل السنة والجماعة ؟ ولماذا ينتسبون إلى أبي الحسن الأشعري ولا ينتسبون في اعتقادهم إلى النبي صلي الله عليه وسلم وأصحابه ؟
وهذه الشبهة لا تطرأ على أهل العلم، وإنما تطرأ على ضعاف العقول وعوام الناس؛ لأن أهل العلم يعلمون أنه لا مشاحة في الاصطلاح، فالذي يحكم بين أن هذا مذهب حق أو باطل الأدلة وليس المسمى.
ونقول إن الأشاعرة انتسبوا إلى أبي الحسن الأشعري؛ لأن عندما اختلف الناس وظهر المبتدعة ممن أساءوا الأدب مع الله ورسوله وكلهم زعموا أن هذه هي عقيدة النبي ﷺ وأصحابه، فكان لازمًا على المعتقد بعد ظهور الفرق أن يحدد هو على عقيدة النبي ﷺ وأصحابه كما بينها أبو الحسن الأشعري، فأبو الحسن الأشعري لم يبدع مذهبًا في الاعتقاد، وإنما قرر مذهب أهل السنة والجماعة، وذلك ما صرحه به السبكي حيث قال : « واعلم أن أبا الحسن الأشعري لم يبدع رأياً ولم يُنشئ مذهبًا؛ وإنما هو مقرر لمذاهب السلف، مناضل عما كانت عليه صحابة رسول الله ﷺ فالانتساب إليه إنما هو باعتبار أنه عقد على طريق السلف نطاقا وتمسك به، وأقام الحجج والبراهين عليه فصار المقتدي به في ذلك السالك سبيله في الدلائل يسمى أشعريًا»
ثم قال بعد ذلك ما يؤكد كلامه فقال : « قال المآيرقي المالكي: ولم يكن أبو الحسن أول متكلم بلسان أهل السنة؛ إنما جرى على سنن غيره، وعلى نصرة مذهب معروف فزاد المذهب حجة وبيانًا، ولم يبتدع مقالة اخترعها ولا مذهبا به، ألا ترى أن مذهب أهل المدينة نسب إلى مالك، ومن كان على مذهب أهل المدينة يقال له مالكي، ومالك إنما جرى على سنن من كان قبله وكان كثير الاتباع لهم، إلا أنه لما زاد المذهب بيانا وبسطا عزي إليه، كذلك أبو الحسن الأشعري لا فرق، ليس له في مذهب السلف أكثر من بسطه وشرحه وما ألفه في نصرته »( طبقات الشافعية).
ويقول التاج السبكي : «وهؤلاء الحنفية، والشافعية، والمالكية، وفضلاء الحنابلة في العقائد يد واحدة كلهم على رأي أهل السنة والجـماعة يدينون لله تعالى بطريق شيخ السنة أبي الحسن الأشعري رحمه الله، ... ثم يقول بعد ذلك: « وبالجملة عقيدة الأشعري هي ما تضمنته عقيدة أبي جعفر الطحاوي التي تلقاها علماء المذاهب بالقبول ورضوها عقيدة »( معيد النعم ومبيد النقم).
وقال العلامة ابن عابدين : « (قوله : عن معتقدنا) أي عما نعتقد من غير المسائل الفرعية مما يجب اعتقاده على كل مكلف بلا تقليد لأحد، وهو ما عليه أهل السنة والجماعة وهم الأشاعرة والماتريدية، وهم متوافقون إلا في مسائل يسيرة أرجعها بعضهم إلى الخلاف اللفظي كما بين في محله»(«حاشية ابن عابدين»).
ولذلك كله إذا قلنا إن عقيدة النبي ﷺ وأصحابه هي عقيدة الأشاعرة سيكون ذلك تقريرًا للواقع، كما قيل عن النبي ﷺ كانت أغلب قراءته نافع، رغم أن نافع لم ير النبي ﷺ ونافع هو الذي يقرأ مثل النبي ﷺ وليس العكس، ولكن لما كان نافع جامعًا منقحًا لتلك القراءة نسبت إليه وقيل : «إن أغلب قراءة النبي ﷺ نافع» وعليه فيصح أن تقول: «إن عقيدة النبي ﷺ وأصحابه هي عقيدة الأشاعرة ».
تبين مما سبق أن اعتقاد السلف هو الإقرار والإمرار دون التعرض للمعنى اللغوي الذي يوهم التشبيه، كما صرح بذلك الإمام الشافعي والإمام أحمد وغيرهم، وهذه هي عقيدة الأشاعرة، والله تعالى أعلى وأعلم.
اللهم أبلغنا مقاصدنا وٱجعلنا من أهل الجنة يارب --
الأشاعرة هم من ينتسبون إلى الإمام أبي الحسن الأشعري في مذهبه الاعتقادي، وقبل أن نعرف ما هو المذهب الأشعري نتعرف أولا على أبي الحسن الأشعري.
الإمام أبو الحسن الأشعري وثناء العلماء على مذهبه :
هو الإمام أبو الحسن علي بن إسماعيل بن أبي بشر إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن بلال بن أبي بُردَةَ عامر ابن صاحب رسول الله ﷺ أبي موسى الأشعري.
ولد رضي الله عنه سنة ستين ومائتين (260 هـ) بالبصرة، وقيل: بل ولد سنة سبعين ومائتين (270 هـ)، وفي تاريخ وفاته اختلاف منها أنه توفي سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة (333 هـ)، وقيل: سنة أربع وعشرين وثلاثمائة (324 هـ)، وقيل: سنة ثلاثين وثلاثمائة (330 هـ)، توفي رحمه الله ببغداد ودفن بين الكرخ وباب البصرة.
كان أبو الحسن الأشعري سنّيـا من بيت سنّة، ثم درس الاعتزال على أبي علي الجبَّائي وتبعه في الاعتزال، ثم تاب ورَقِيَ كرسيّا في المسجد الجامع بالبصرة يوم الجمعة، ونادى بأعلى صوته: من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فإني أعرفه بنفسي، أنا فلان بن فلان كنت أقول بخلق القرآن، وأن الله لا تراه الأبصار، وأن أفعال الشر أنا أفعلها، وأنا تائب مقلع، معتقد للرد على المعتزلة مخرج لفضائحهم ومعايبهم.
قال الفقيه أبو بكر الصَّيرَفي: «كانت المعتزلة قد رفعوا رءوسهم حتى نشأ الأشعري فحجزهم في أقماع السَّماسم».
قال عنه القاضي عياض المالكي : « وصنف لأهل السنة التصانيف، وأقام الحجج على إثبات السنة، وما نفاه أهل البدع من صفات الله تعالى ورؤيته، وقدم كلامه، وقدرته، وأمور السمع الواردة. قال : تعلق بكتبه أهل السنة، وأخذوا عنه، ودرسوا عليه، وتفقهوا في طريقه، وكثر طلبته وأتباعه، لتعلم تلك الطرق في الذب عن السنة، وبسط الحجج والأدلة في نصر الملة، فسموا باسمه، وتلاهم أتباعهم وطلبتهم، فعرفوا بذلك - يعني الأشاعرة - وإنما كانوا يعرفون قبل ذلك بالمثبتة، سمة عرفتهم بها المعتزلة؛ إذ أثبتوا من السنة والشرع ما نفوه. قال : فأهل السنة من أهل المشرق والمغرب، بحججه يحتجون، وعلى منهاجه يذهبون، وقد أثنى عليه غير واحد منهم، وأثنوا على مذهبه وطريقه »( ترتيب المدارك).
وقال عنه التاج السبكي : « ذكر بيان أن طريقة الشيخ- يعني الأشعري- هي التي عليها المعتبرون من علماء الإسلام والمتميزون من المذاهب الأربعة في معرفة الحلال والحرام والقائمون بنصرة دين سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام »( إيضاح البرهان في الرد على أهل الزيغ والطغيان).
قال عنه الإسنوي : « هو القائم بنصرة أهل السنة القامع للمعتزلة وغيرهم من المبتدعة بلسانه وقلمه، صاحب التصانيف الكثيرة، وشهرته تغني عن الإطالة بذكره »( الإدراك في الفنون).
وقال القاضي ابن فرحون المالكي عنه : «كان مالكيًا صنف لأهل السنة التصانيف وأقام الحجج على إثبات السنن وما نفاه أهل البدع...، ثم قال: «فأقام الحجج الواضحة عليها من الكتاب والسنة والدلائل الواضحة العقلية، ودفع شبه المعتزلة ومن بعدهم من الملاحدة، وصنف في ذلك التصانيف المبسوطة التي نفع الله بها الأمة، وناظر المعتزلة وظهر عليهم، وكان أبو الحسن القابسي يثني عليه، وله رسالة في ذكره لمن سأله عن مذهبه فيه أثنى عليه وأنصف، وأثنى عليه أبو محمد بن أبي زيد وغيره من أئمة المسلمين »( الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب).

الأحد، 12 مايو 2024

هل من فرقة ناجية اليوم؟

 

هل من فرقة ناجية اليوم؟

أ.د/ طه جابر العلواني

قال الرئيس الأمريكيُّ جورج بوش الأب غداة انتهاء ما عرف بـ«حرب الخليج الثانية» أو «حرب تحرير الكويت»“كنت أظنُّ أنَّ العالم الإسلاميَّ أسد نائم، وكنت شديد الخوف من إيقاظه، ولكن حربنا ضد صدام أثبتت أنَّ هذا الأسد لم يكن نائمًا، بل كان أسدًا من قش أو تبن”. لقد سقط كل ما هدَّد به «صدام حسين» وغيره في حينه، فلا أم المعارك ولا خالتها أغنت عنه شيئًا أمام بأس الأمريكان وبطشهم.

وتطايرت نياشينه ونياشين قادته الفحول التي جمعوها في تلك المعارك الوهميَّة ضد فصائل شعبهم من أكراد وغيرهم، وكل منهم يصلح أن يقال له وفيه:

أسدٌ عليَّ وفي الحروب نعامةٌ فتخاءُ تفزعُ من صفيرِ الصافرِ

ومع ذلك فهناك سؤال لا بد من طرحه ومناقشته؛ وهو كيف ولماذا صمد الجيش الصدَّاميُّ البعثيُّ بوجه إيران وقاتلها ثمانية أعوام، ونال منها ونالت منه؟ واستمر الكرُّ والفرُّ بينهما كل تلك الفترة الطويلة؟ ثم كيف ولماذا اجتاح «سيف العرب!! وصدَّام العرب البعثيِّ» الكويت في أربع ساعات، ثم لم يستطع أن يصمد لمثلها أمام الأمريكان؟! واستقبلهم بدخان «النفط الأسود» وأسلم “خمسين ومائة ألف” من عسكره من شباب العراق للقتل في خنادقهم سحقًا تحت جنازير الدبابات الأمريكيَّة؟ أهي «نفسيَّة العبيد»؟ فالعبد يجترئ على من يرى أنَّه مثله أو نظيره، ويهرب من وجه السيِّد ولو بدون قتال. فمجرَّد إدراك العبد بأنَّه في مواجهة سيِّد، أيّ سيِّد كان، حتى لو لم يكن سيّده هو، مجرّد ذلك كاف لانهياره وهزيمته! وذلك شأن «نفسيَّة العبد» كما قال الجاحظ!! ربَّما. أو هو الرصيد الثقافيّ المغرور المغشوش ورواسبه، يجعل “الطغام في أرضنا يستأسد، وعلينا يتنمر، وأمام أعدائنا يستخذي”؟ أو هو مجموع الرصيد الفكريِّ والفنيِّ والعقليِّ والثقافيِّ –بمجموعه المختلط- دمَّر النفس العراقيَّة، وهدم الوعي، وخلط الأوراق، وأحدث عمى القلوب، وهو عمى دونه بكثير عمى الأبصار؟ أو هو مجموع ذلك كلّه، قد حدث لمن ذهب ولمن جاء بعده؟!

إنَّ القرآن المجيد كان ولا يزال وسيبقى إلى يوم الدين مصدر النور والهدى، وبؤرة الإشعاع الهادي ومنطلق الهداية، ليس فيه حرف أو نبرة يمكن أن تبرز أو تعزز ثقافة مغشوشة خليطًا، كالتي تعشش في عقول وبيئآت غالبيَّة المسلمين وجمهرتهم، والسنَّة النبويَّة تتبع القرآن وتدور حوله حيث دار، منه تستمد نورها كما يستمد القمر نوره وضياءه من الشمس، فهي بريئة حين تصح عن الصادق الأمين –صلى الله عليه وآله وسلم- من كل زيف، خالية من كل اختلال أو اضطراب، فأين وكيف ومن أين جاءت كل تلك الأفكار المختلطة، والمذاهب المغشوشة، لتحتل عقول المسلمين، وتسوق بهم إلى ذلك الدمار الذي صار المشترك الأعظم بينهم، بحيث لا تكاد ترى الناجي أو تميزه من الهالك؟!

أهي الطريقة الحماريَّة في حمل الكتاب الكريم؟!

لحمل هداية القرآن طريقان؛ طريق حماريٌّ وطريق إنسانيٌّ.

فالطريق الحماريُّ: هو ما أوضحه القرآن المجيد في الآية الخامسة من سورة الجمعة: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.

وهذه الآية الكريمة سبقتها آيات امْتَنَّ الله -تبارك وتعالى- بها على الشعوب الأمِّيَّة، بأن أرسل فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياته (فيتعلمون منه القراءة الصحيحة السليمة)، ويزكيهم (فتحدث القراءة أثرها فيهم وتؤتي ثمرتها، وهي التزكية)، ويعلمهم الكتاب والحكمة التي بها يتمكنون من فقه الاستخلاف العمرانيِّ والقيام بمهامِّه بأحسن وجه وأتمه.

وتلك هي الطريقة الثانية، الطريقة الإنسانيَّة في حمل الكتاب: وهي التي أشارت إليها الآيات التي بيَّنت وظائف ومهام الرسول –الذي بعث في الأميِّين –صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه.

وإذا كان بنو إسرائيل قد حمِّلوا التوراة، ثم لم يحملوها إلا بالطريقة الحماريَّة، فذلك لم يكن شأنًا خاصًّا بهم؛ بل هناك أمم أخرى حمِّلت كتبًا سماويَّة ورسالات إلهيَّة، فلم تحملها إلا بـ«الطريقة الحماريَّة» ولم تفهمها إلا وفقًا لـ«أصول الفقه البقريِّ» الذي أصَّلت له يهود.


الأمة والجماعة:

إنَّ «الجماعة» -في كل ما صح عنه صلوات الله وسلامه عليه- لا يمكن أن يراد بها إلا «الأمَّة»؛ لأنَّ الشذوذ أو الخروج عن الجماعة في عهده –صلى الله عليه وآله وسلّم- خروج عن الأمَّة وتجاوز للملَّة؛ فالأمَّة هي التي امتنَّ الله -تبارك وتعالى- على المسلمين بجمعهم فيها، وضمهم تحت لوائها، وهي التي تعلَّقت بها الخيريَّة والوسطيَّة، وسائر الفضائل، وهي التي حرص -عليه الصلاة والسلام- على التحذير من الخروج عليها، أو الشذوذ عنها، وهي التي ألَّف الله -تبارك وتعالى- بين القلوب المؤمنة ليبنيها ويشكِّلها؛ ولذلك فإنَّه ليس من السهل حملها على طائفة أو فرقة، فالطائفة أو الفرقة أو المذهب جزء من الأمّة، إن هي أحسنت، وليست جِمَاعها أو مجموعها. والله أعلم.

حديث افتراق الأمة:

إنَّ حديث «افتراق الأمَّة»، والفرقة الناجية والفرق الهالكة حديث يصلح نموذجًا لتلك الأحاديث الضعيفة التي جرت تقويتها، ومنحها الشهرة، وتصويرها بصورة الصحيح المشهور لخدمة وتكريس الاتجاهات الطائفيَّة والأيديولوجيَّة. فقد استعمل هذا الحديث المحاط بالقوادح في إسناده ومتنه[1] لتعزيز «الفُرْقَةَ والاختلاف وتدمير وحدة الأمَّة والتأصيل لفرقتها»، فهو حديث في أصله ضعيف، لكن كل فرقة من الفرق وجدت فيه ما يمكن أن تستنصر به على الفرق والطوائف الأخرى؛ لتعتبر نفسها «الفرقة الناجية»، وكل ما عداها فرق هالكة ذاهبة إلى النار، وشهروه بتلك الطريقة، ثم استغنوا بشهرته عن طلب الإسناد له، بل لعل «علم الملل والنحل والفرق» ما ظهر، ولا أخذ كل ذلك الاهتمام والانتشار، لولا هذا الحديث المحمَّل بكل تلك العلل، ناهيك عن آثاره الخطيرة في علم الكلام. والحديث أخرجه مرويًّا عن أم المؤمنين عائشة –رضي الله عنها- ابن ماجة، وأخرجه عن عوف ابن مالك كما رواه أبو داود والترمذي والنسائيُّ وابن ماجة أيضًا، وهو ضعيف في روايته، وقد حاول البعض تقويته بأحاديث أخرى أسيء فهمها، أو جرى تأويلها لتقوِّي هذا الحديث، وما هي بمقوية له، وتلك هي الروايات المتعددة لقوله صلى الله عليه وآله وسلّم: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق حتى يأتي أمر الله».

فقد اعتبروا قوله صلى الله عليه وآله وسلّم: «لا تزال طائفة» أنَّ المراد بها الفرقة المشار إلى نجاتها في الحديث الضعيف.

والحديث الأخير صحيح متفق عليه، وهو يفيد أنَّ هذه الأمَّة -خلافًا لكثير من الأمم التي سبقتها- لن تصاب بالانحراف الجماعي الشامل كما حدث لبني إسرائيل حين ارتدُّوا ردَّة جماعيَّة وعبدوا العجل عدا هارون وموسى.

يؤيد هذا الفهم أحاديث: «لا تجتمع أمَّتي على خطأ» أو: «… على ضلالة».

وإذا تجاوزنا ضعف الإسناد في حديث الفرق، فإنَّه يحمل مجموعة مشكلات في المتن، فهو يشير إلى أنَّ هذه الأمَّة أسوأ من اليهود والنصارى، فقد زاد عدد فرقها على الطائفتين قبلها، وزاد عدد الفرق الذاهبة إلى النار منها على فرق اليهود والنصارى.

والله -تعالى- قد وصف هذه الأمَّة بقوله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ (فاطر:32).

ولم يُخرج أيًّا منهم من دائرة الأمَّة، والحديث يُنافي آيات الاعتصام بحبل الله ونبذ الفرقة، وكأنَّه يُقر هذه الفرقة؛ بل ويؤصِّل لها[2].

القلوب الغُلْفُ والنبوَّة:

كانت النبوات قد تجمَّع تراثها وتبلور في الظاهرة الإسرائيليَّة، لكي تكون نموذجًا للبشريَّة، تقتدي به وتتأسى بنظام حياته، ولكن بني إسرائيل الذين سلخوا من أعمارهم فترة طويلة في ظل الاستبداد والاستعباد الفرعوني واستحمار الفراعنة لهم، بحيث أورثوا طبيعة حماريَّة، تضافر على تشكيلها استعباد واستبداد واستحمار واستضعاف، فاستقبلت الرسالات بذلك المركب العقلي العجيب، الذي طبع مناهجها وطرائقها في الاستفادة من رسالات الأنبياء؛ ولذلك فإنَّهم حين حملوا التوراة لم يحملوها إلا كمثل الحمار يحمل أسفار، فهي  ألفت التعامل مع تراث النبوَّات تعامل الحمير، فهي تحمل ذلك التراث على ظهورها لا في قلوبها وعقولها، فعقولها وقلوبها غلف، وقد افتخروا بتلك القلوب: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ (البقرة:88) ومنغلقة أمام ذلك التراث، لا تسمح له أن يخالط بشاشتها، والحمار قد يزهو ببردعته الجديدة الجميلة التي تقي ظهره تأثير ما تحمل، ولكن لا يغيِّر ذلك من حماريَّته شيئًا، فخصائص الحماريَّة ثابتة فيه؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (الجمعة:5).

فالبرَدايم (paradigm) القائم على القوَّة والاستضعاف يُعيد إلى الذاكرة الاستقواء اليهوديَّ بالرومان على قتل السيد المسيح عليه السلام، وهو نموذج يُعين إلى حدٍّ كبير على حسن تحديد العلاقة -اليوم- بين إسرائيل وأمريكا، فرمز الشعب الفلسطينيّ الشيخ أحمد ياسين نصف جسد، وكأنَّ النصف المفقود من جسمه عُوِّض بطاقة عقليَّة وروحيَّة جعلته مخيفًا لجبروت أهل القوة الماديَّة، والسيد المسيح أعزل قابل للاستضعاف، طاقته كلّها جاءت من اصطفاء الله له نبيًّا ورسولًا، ومن تمثيله لتلك النبوة في سلوكه وسيرته وحياته.

أمَّا وسائل الدجَّال الأساسيَّة -التي تكمن في القدرة على إعطاء صور مغايرة لحقائقها على مستوى: الرب، والجنَّة، والنار، والنعيم، والعقاب، والعذاب… وما إليها- فهي الوسائل التي يستخدمها الإعلام الصهيونيُّ.

والمسيهوديُّون لعبوا هذا الدور بتفوُّق؛ فهم قد غيَّروا وبدَّلوا الوحي، وانحرفوا في معنى الوعد الإلهيِّ، وكذلك العهد الإلهيّ والأمانة وغير ذلك. وقد نبَّه القرآن المجيد إلى قدرتهم على ذلك بتحذير المسلمين المؤمنين من مجاراتهم في لغتهم: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (البقرة:104).

«علم الاجتماع» عند ابن خلدون يمثِّل تصورًا لمشروع تغيري عمراني للأمَّة المسلمة، يحتاج إلى إعادة قراءة في ضوء هذا الفهم لطبيعة الأمم في تلقِّي الهداية والأفكار والمعارف البنَّاءة.

إنَّ هناك منطلقًا آخر في فهم ما يجري، وهو منطلق قرآنيٌّ، يعتمد بالدرجة الأولى على فهم وتدبُّر الآيات العشر الأولى من «سورة الإسراء»، في ارتباط تام مع آيات «سورة الحشر»، ثم «سورة الجمعة»، دون غفلة عن «الوحدة البنائيَّة» للقرآن الكريم، التي تستدعي تتبُّع كل ما يتعلق بـ«التجربة الإسرائيليَّة» في كل سور القرآن المجيد للخروج بتصور دقيق عنها.

ونحن في عصر جعل القوى العظمى المهيمنة على مصير البشريَّة بعد الله (تعالى) تعلي أمن إسرائيل على أمنها وأمن الدنيا كلها؛ ولذلك فقد صار أمن إسرائيل يمثل البردايم (paradigm) الكامن وراء سائر السياسات الغربيَّة خاصَّة في أمريكا وأوروبا، فمواقفهم اليوم من شعوب الأرض كلها في سلمه وحربه مهما استقرأنا أسبابه فإنَّنا لابد أن نضع أمن إسرائيل في مقدمة ومؤخرة رؤوس صنَّاع القرار هناك، وهذا سوف يساعدنا كثيرًا على تفسير تلك المواقف المحيِّرة في بعض الأحيان، خاصَّة من قضايانا العربيَّة، وبصورة أخص قضايا البلدان والأقطار المحيطة بإسرائيل، وأي غفلة من صنَّاع القرار في هذه البلدان عن هذا العنصر الفاعل المؤثر تجعلنا نقع في كثير من الأخطاء، وتوجد بيننا وبين التصورات الدقيقة ضبابًا كثيفًا يحجب الرؤية، فحين تتدخل الدول الكبرى في العراق وتنهي وجود دولته وتفكك كل مؤسَّساتها، وتعمل في سوريا على إطالة فترة الاضطراب، وتتحرك يمينًا ويسارًا فيما يعد في نظرها مجالًا حيويًّا للأمن الإسرائيلي، فإنَّها قد تتجاهل قيمًا ومصالح وحقوق، وأمورًا كثيرة، ويقف الإنسان الذي لا يضع في حسبانه هذا العامل متحيرًا؛ لذلك فإنَّ أهم ما ينبغي التأكيد عليه في بناء حالة الوعي الجديد لدى أمتنا أنَّ مشكلاتنا لم تعد مشكلات تواجهها فئة واحدة من فئآت أي شعب، فالشيعة وحدهم في العراق لا يمكن أن يعالجوا مشكلاته، ولا أن يعيدوا له لحمته، ومثلهم السنة، لم يستطيعوا وحدهم بأي حال من الأحوال أن يعيدوا بناء ما هدم من تلك البلاد وحدهم، وكذلك الكرد، أو التركمان، ولا المسلمون في العراق وحدهم يستطيعون أن يعيدوا بناءه دون ملاحظة الأقليَّات الأخرى، خاصَّة وأن عصرنا هذا لا يعتمد على الكثرة العدديَّة ولا القلة، بل صار العدد أمرًا ثانويًّا أمام اعتبارات أخرى ومؤثرات أخرى.

لقد حكم السنغال التي يتجاوز عدد المسلمين فيها أكثر من التسعين في المائة شاعر نصراني، جدد السنغاليُّون انتخابه عدة مرات، وما تركوا الرجل يخلد إلى الراحة إلا بعد أن شاخ وكبر، ولم يقل أحد: كيف تختار هذه الأكثريَّة المسلمة هذا الشاعر النصراني (ليبولد سنغور) لرئاستها؟

فإذا ألغي تأثير العدد، والناحية العدديَّة، يبقى المقياس شيء آخر، وليكن من يستطيع أن يحقق لشعبه أو لأمته النجاح والفلاح، ويعينهم على بلوغ حالة الحياة الطيبة، ﴿.. فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً .. (النحل:97) والحياة الطيبة عنوان شامل لقضايا كثيرة جدًا، في مقدمتها تحقيق المصالح، ودرء المفاسد، وتحقيق الحماية، والأمن، والسلم الاجتماعي، وحماية أرواح الناس وعقولهم، وأموالهم، وأعراضهم، وحريَّاتهم في العبادة والتدين، وسلوكيَّاتهم القويمة، وأداء الأمانة، والحكم بالعدل، إلى غير ذلك، وهذا لا يتحقق بالانتماء إلى فئة، أو مؤسَّسة، أو قبيلة، أو طائفة أو مذهب، بل هي صفات وقيم يستوحيها الناس من مكونات عقولهم وقلوبهم، والمؤثرات في بناء شخصيَّاتهم.

ولقد زعمت يهود أنَّهم أبناء الله وأحباؤه، وكذَّبهم الله (جل شأنه) في ذلك، ونفى البنوَّة عنهم، بل قد نفاها عن رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (الأحزاب:40). إذن فلابد لنا من إعادة النظر في كثير من مفاصل الثقافة والتكوين العقلي والنفسي الذي أثَّر في شخصيَّة المسلم المعاصر، وجعلها شخصيَّة فيها كل هذه المعايب والمشكلات التي نلحظها ونستهجنها. والله الموفق.

[1] كتب المحدث اليمني محمد سالم عزَّان كتابًا في بيان علل الحديث ومصائبه طبع ونشر، فليرجع إليه.

[2] يربط بأحاديث المحصول التي خرجناها بهامش كتاب الإجماع فيه.

الخميس، 9 مايو 2024

الرد على كذب الوهابية السلفية بأن أبيات البرده للإمام البوصيري أنها أبيات شركيه .!

 شرح بعض أبيات البرده للإمام البوصيري رحمه الله.


التى يزعم الوهابية أنها أبيات شركيه.
#فمن_الأبيات_التي_اتهمت بالغلو، وهي من ذلك براء،
#قول صاحب البردة: محمد سيد الكونين والثقليـ ... ـن والفريقين من عرب ومن عجم والمعنى المقصود من هذا البيت هو بيان مكانة رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- بأنه سيد أهل الدنيا والآخرة، وسيد الإنس والجن، وسيد العرب والعجم، وهذا أمر مجمع عليه بين المسلمين، قال -صلى الله عليه وآله وسلم-: «أنا سيد الناس يوم القيامة». متفق عليه.
#ومنها قوله: يا أكرم الرسل ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم والمقصود بالحادث العمم هنا هو يوم القيامة، حين يتجه الناس إلى الأنبياء لطلب الشفاعة، كما ورد في حديث الشفاعة المتفق على صحته: «فيأتون آدم ونوحا وإبراهيم وموسى عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، فيعتذرون وكلهم يحيل على غيره، حتى يأتوا سيدنا عيسى عليه السلام فيقول: ائتوا محمدا -صلى الله عليه وآله وسلم- عبدا قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: فيأتوني، فأستأذن على ربي فيؤذن لي، فإذا أنا رأيته وقعت ساجدا، فيدعني ما شاء الله، فيقال: يا محمد، ارفع رأسك، قل تسمع، سل تعطه، اشفع تشفع، فأرفع رأسي، فأحمده بتحميد يعلمنيه، ثم أشفع، فيحد لي حدا، فأدخلهم الجنة، ثم أعود إليه فإذا رأيت ربي مثله ثم أشفع، فيحد لي حدا، فأدخلهم الجنة، ثم أعود الرابعة فأقول: ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن ووجب عليه الخلود».متفق عليه.
#ومنها قوله: فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم حيث اعترض على هذا البيت بأنه جعل الدنيا والآخرة من جود النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وجعل اللوح والقلم بعض علومه -صلى الله عليه وآله وسلم- فماذا بقي لله عز وجل من الجود والعلم وهذا الاعتراض ناشئ عن الجهل بالله تعالى؛ فإن جود الله تعالى لا ينحصر؛ لأنه لا نهاية لكرمه وجوده سبحانه ولا حد لهما، ولا ينكر كون الدنيا والآخرة من جوده صلى الله عليه وآله وسلم؛ فإنه الدال على الخير فيهما، لا على أنه خالق الجود، فإن هذا لا يقول به مسلم، وإنما على أن الله أجراه على يديه، فهو مقسمه والله معطيه، كما جاء في الصحيحين عنه -صلى الله عليه وآله وسلم- من حديث معاوية -رضي الله عنه-: «إنما أنا قاسم والله يعطي»، وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: «ما أعطيكم ولا أمنعكم؛ إنما أنا قاسم أضع حيث أمرت». فصح على هذا المعنى أنهما من جوده عليه الصلاة والسلام.
وفي هذا المعنى يقول الإمام الشافعي -رضي الله عنه- في "الرسالة" ص: 16، 17: "فلم تمس بنا نعمة ظهرت ولا بطنت نلنا بها حظا في دين ودنيا أو دفع بها عنا مكروه فيهما وفي واحد منهما، إلا ومحمد -صلى الله عليه- سببها، القائد إلى خيرها، والهادي إلى رشدها، الذائد عن الهلكة وموارد السوء في خلاف الرشد، المنبه للأسباب التي تورد الهلكة، القائم بالنصيحة في الإرشاد والإنذار فيها، فصلى الله على محمد وعلى آل محمد كما صلى على إبراهيم وآل إبراهيم إنه حميد مجيد". اهـ.
قال شيخ الإسلام إبراهيم الباجوري الشافعي عند هذا البيت من شرحه على البردة ص132: "وفي كلامه تقدير مضاف، أي: خيري الدنيا هدايته -صلى الله عليه وآله وسلم- للناس، ومن خير الآخرة شفاعته -صلى الله عليه وآله وسلم- فيهم". اهـ.
كما أن علم الله تعالى أزلي أبدي، وهو صفة من صفات ذاته، لا حد له ولا نهاية، وتعالى أن يحيط به مخلوق: لوحا كان أو قلما، فمن المحال إحاطة المخلوق بالخالق سبحانه أو بصفة من صفاته.
#كما أن علمه تعالى غير متوقف على وجود اللوح أو القلم، فقد علمهما قبل أن يوجدهما، والذي ورد في الحديث أن الله تعالى أمر القلم أن يكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، أي أن معلوماته مع كثرتها متناهية محصورة، فلو كانت "من" في كلام الناظم رحمه الله تعالى هنا للتبعيض وكان مراده أن اللوح والقلم بعض علومه -صلى الله عليه وآله وسلم- التي علمها إياه الله تعالى، فليس في هذا مساواة للمخلوق بالخالق أو وصف النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- بما يختص به الله تعالى، ويمكن أن يستدل لهذا القول بالأحاديث التي أخبر فيها النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- بما هو كائن إلى يوم القيامة: فمنها ما رواه البخاري في صحيحه معلقا بصيغة الجزم عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: «قام فينا النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- مقاما فأخبرنا عن بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم وأهل النار منازلهم، حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه».
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" 6/ 291، ط: دار المعرفة: "ودل ذلك على أنه أخبر في المجلس الواحد بجميع أحوال المخلوقات منذ ابتدئت إلى أن تفنى إلى أن تبعث؛ فشمل ذلك الإخبار عن المبدأ والمعاش والمعاد". اهـ.
ومنها ما رواه البخاري عن أسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنهما- «أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- حمد الله وأثنى عليه ثم قال: ما من شيء لم أكن أريته إلا رأيته في مقامي هذا؛ حتى الجنة والنار».
ومنها ما رواه البخاري ومسلم عن حذيفة -رضي الله عنه- قال: «لقد خطبنا النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- خطبة ما ترك فيها شيئا إلى قيام الساعة إلا ذكره؛ علمه من علمه وجهله من جهله».
ومنها ما رواه أحمد بسند صحيح من حديث سمرة -رضي الله عنه- قال: «كسفت الشمس فصلى النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- ثم قال: إني والله لقد رأيت منذ قمت أصلي ما أنتم لاقوه من أمر دنياكم وآخرتكم».
ومنها حديث رؤية النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- رب العزة جل وعلا في المنام، والذي جاء فيه قول النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: «فرأيته وضع كفه بين كتفي، حتى وجدت برد أنامله بين ثديي، فتجلى لي كل شيء وعرفت». رواه الإمام أحمد والترمذي وابن خزيمة والحاكم وصححه الإمام أحمد والبخاري والترمذي وابن خزيمة والحاكم من حديث معاذ بن جبل -رضي الله عنه-، ورواه الترمذي من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- مرفوعا بلفظ: «فعلمت ما بين المشرق والمغرب»، ولفظ الدارقطني في كتاب "الرؤية" من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-: «فعلمت ما بين السماء والأرض»، ورواه الدارقطني في "الرؤية" أيضا والطبراني في "الدعاء" من حديث عبد الرحمن بن عائش الحضرمي -رضي الله عنه- مرفوعا بلفظ: «فعلمت ما في السماء والأرض».
قال الحافظ ابن رجب الحنبلي في كتابه "اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى" -ص: 40 ط: مكتبة دار الأقصى-: "وفيه دلالة على شرف النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وتفضيله بتعليمه ما في السماوات والأرض وتجلي ذلك له مما تختصم فيه الملائكة في السماء وغير ذلك، كما أري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض.
وقد ورد في غير حديث مرفوعا وموقوفا أنه أعطي علم كل شيء خلا مفاتيح الغيب الخمس التي اختص الله عز وجل بعلمها". اهـ.
وفي شرح هذه البيت من البردة يقول الإمام العلامة الجلال المحلي في شرحه على البردة مخطوط ق: 23 أ، ب: "ومن علومك علم اللوح والقلم يقال: إن الله تعالى أطلعه على ما كتب القلم في اللوح المحفوظ، وعلى علوم الأولين والآخرين، وهذا من جاهه عند الله تبارك وتعالى". اهـ.
ويقول شيخ الشافعية في زمنه العلامة ابن حجر الهيتمي في "العمدة في شرح البردة" -ص669، ط: دار الفقيه بالإمارات-: "ووجه كون علم اللوح والقلم من بعض علومه -صلى الله عليه وآله وسلم- أن الله تعالى أطلعه ليلة الإسراء على جميع ما في اللوح المحفوظ وزاده علوما أخر؛ كالأسرار المتعلقة بذاته سبحانه وتعالى وصفاته". اهـ.
ولو نازع منازع في ذلك فغاية ما هنالك نقل هذه المسألة من حيز القطعية إلى الظنية، فلا يكفر المخالف فيها، وليس للمنازع أن ينقل المسألة من حيز الخلاف في ثبوت هذا المعنى في الكتاب والسنة أو عدم ثبوته إلى كونه شركا أو كفرا أو غلوا، على أنه يمكن أن تكون من هنا للجنس؛ أي: وعلم اللوح والقلم من جنس علومك، أي: أنهما علوم لدنية لا كسبية، ومصدرهما واحد وهو الحضرة الربانية، وحينئذ فلا ورود للاعتراض أصلا.
ومنها قوله: وكيف تدعو إلى الدنيا ضرورة من ... لولاه لم تخرج الدنيا من العدم وهذا المعنى قد ورد فيه جملة أحاديث، منها: ما رواه الحاكم في المستدرك والبيهقي في دلائل النبوة من حديث عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: «لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب، أسألك بحق محمد لما غفرت لي، فقال الله: يا آدم، وكيف عرفت محمدا ولم أخلقه؟ قال: يا رب لأنك لما خلقتني بيدك ونفخت في من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك، فقال الله: صدقت يا آدم؛ إنه لأحب الخلق إلي، ادعني بحقه فقد غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتك».
قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، وحسنه الإمام التقي السبكي في "شفاء السقام".
وروى الديلمي في "الفردوس بمأثور الخطاب" عن ابن عباس -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: «أتاني جبريل فقال: قال الله: يا محمد، لولاك ما خلقت الجنة، ولولاك ما خلقت النار».
ورواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" من حديث سلمان الفارسي -رضي الله عنه- بلفظ: «ولقد خلقت الدنيا وأهلها لأعرفهم كرامتك ومنزلتك عندي، ولولاك يا محمد ما خلقت الدنيا».
وروى الحاكم في المستدرك وأبو الشيخ في طبقات الأصفهانيين عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- موقوفا عليه: «أوحى الله إلى عيسى عليه السلام: يا عيسى، آمن بمحمد، وأمر من أدركه من أمتك أن يؤمنوا به؛ فلولا محمد ما خلقت آدم، ولولا محمد ما خلقت الجنة ولا النار، ولقد خلقت العرش على الماء فاضطرب فكتبت عليه: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فسكن». قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
وهذه الأحاديث والآثار وإن كان فيها أو في بعضها ضعف إلا أن معناها صحيح، فمعنى القول بأنه لولا سيدنا محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- ما خلق الله الخلق هو أن الله سبحانه وتعالى قال في كتابه العزيز: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ[٥٦]﴾ [الذاريات: 56].
فتحقيق العبادة هي حكمة الخلق، والعبادة لا تتحقق إلا بالعابدين، فالعبادة عرض قائم بالعابد نفسه، وأفضل العابدين هو سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فهو عنوان العبادة، وعنوان التوحيد، كما أن الآية تتكلم عن الجن والإنس ولا تتكلم عن الخلق أجمعين.
أما باقي ما في السماوات والأرض فهو مخلوق لخدمة الإنسان، قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ[١٣]﴾ [الجاثية: 13].
وسيدنا محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- هو عنوان الإنسانية، بل هو الإنسان الكامل.
وقد نص على صحة هذه المقولة كثير من العلماء؛ كالعلامة ملا علي القاري والعجلوني وغيرهما من الأئمة، وممن ذكر أنها مقبولة إذا فسرت بهذه المعاني الصحيحة في الكتاب والسنة الشيخ ابن تيمية الحنبلي رحمه الله؛ حيث يقول في "مجموع الفتاوى" 11/ 96 98: "وقد ظهر فضل نبينا -صلى الله عليه وآله وسلم- على الملائكة ليلة المعراج لما صار بمستوى يسمع فيه صريف الأقلام، وعلا على مقامات الملائكة.
ومحمد سيد ولد آدم، وأفضل الخلق وأكرمهم عليه؛ ومن هنا قال من قال: إن الله خلق من أجله العالم، أو: إنه لولا هو لما خلق الله عرشا ولا كرسيا ولا سماء ولا أرضا ولا شمسا ولا قمرا. ويمكن أن يفسر بوجه صحيح.
فإذا كان الإنسان هو خاتم المخلوقات وآخرها، وهو الجامع لما فيها، وفاضله هو فاضل المخلوقات مطلقا، ومحمد إنسان هذا العين، وقطب هذه الرحى، وأقسام هذا الجمع كان كأنها غاية الغايات في المخلوقات، فما ينكر أن يقال: إنه لأجله خلقت جميعها، وإنه لولاه لما خلقت، فإذا فسر هذا الكلام ونحوه بما يدل عليه الكتاب والسنة قبل ذلك". اهـ.

هل صحيح هذا القول { أميتوا الباطل بتجاهُلِه } .

 {أميتوا الباطل بتجاهُلِه}

{عملتُم دعاية مجانية للباطل}!
هذه كلمات تُقال عن باطلٍ خفي غير منتشر لا أثر له.
أما كلُ باطل ظاهرٍ وظاهرةٍ آثارُه وخطره
وقد التبس على كثيرٍ من الناس واغتروا به
فلا يقال فيه إلا :
أميتوه بكشفه
ويجب على المُستطيع بيانُه وكشفه وبيان الحق
وكشفُ اللبس.
ومن الكلمات الجامعة هنا قول ابن تيمية رحمه الله:(( ‏فإن بيان العلم والدين عند الاشتباه والالتباس على الناس أفضل ما عُبد الله -عز وجل- به، {هُوَ ٱلَّذِیۤ أَرۡسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلۡهُدَىٰ وَدِینِ ٱلۡحَقِّ لِیُظۡهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّینِ كُلِّهِۦۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِیدࣰا}))
قلتُ:
وكلُّ باطلٍ وشبهة كان عليها مشركو قريش فقد بيّنها القرآن وأبطلها وبيّن الحق وفصَّل الآيات ليستبين سبيلُ المجرمين.
وكما أن الله أحقَّ الحق بكلماته فقد أبطل الباطل بكلماته.
وكثيرٌ من الباطل انتشر واستفحل أمرُه وكثر أتباعه:
-بغفلة الغافلين عنه
-واستهانة من استهان به
-وظنهم أنه سيموتُ بالسكوت عنه .
وكلُّ باطل يُتأخر في الانتباه له والسعي في إبطاله يحتاج جهدا أكبر فيما بعد
ولا يتم حقٌ إلا بالفرقان بينه وبين الباطل
#ويبقى الأصل: بيانُ الإسلام والشريعة ومحكمات الدين
ومعه جنبا إلى جنب: ملاحظة الدعوات المُضلة والاهتمام بها عن كثب ( من المتخصصين في بابها)
تتكامل جهود الدعاة وطلبة العلم في ذلك.

حكم زيارة القبور وقراءة سورة يٰس ؟

 هذا الشيخ التركي مع صعوبة تَكَلُّمِهِ بالعربية إلاّٰ أنَّهُ يُزيل الوَهْم عن قلوب هؤلاء المتطرفين والمتشددين ، الوهم الذي عاشوا فيه طول حياتهم ، والوهم الذي جعلوهُ دين الله تعالى بحيث أنَّ مَنْ خالفهم فهو ضالٌّ مُضِلٌّ مُبْتَدِعٌ وفي نار جهنم .

عُموماً زيارة القبور جائزٌ ومشروعٌ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: ( كُنْتُ نهيتكم عن زيارة القبور ، ألاٰ فَزُوروها فإنها تُذَكِّرُ الآخرة )
رواه مسلم رقم ( ٩٧٧ ) ، والترمذي رقم ( ١٠٥٤ ) ، وأبو داود رقم ( ٣٢٣٥ ) .
وقراءة سورة يٰس على المحتضر اي الذي حضره الموت سنة ثابتة ، وقراءة سورة يس على الذي مات وخرج روحه سنة ثابتة بعد الغسل بدليل هذا الحديث:
عن معقل بن يسار رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: ( إقرءوا يٰس على موتاكم )
رواه ابو داود رقم ( ١٤٤٨ ) ، وابن ماجه رقم ( ٣١٢١ ) ، والبخاري في التاريخ الكبير ( ٨ / ٥٧ ) ، وابن أبي شيبة في المسند ( ٣ / ٢٣٧ ) ، والبيهقي في السنن ( ٣ / ٣٨٣ ) ، والحاكم في المستدرك على الصحيحين ( ١ / ٤٦٥ ) ، وأبو عبيدة في فضائل القران ( ص ١٣٦ ) ، والسيوطي في شَرْح الصدور في أحوال الموتىٰ والقبور ( ص ٤٤ ) ، وغيرُهم .
والميت ينتفع بقراءة القرآن عليه سواء قُبِرَ أم لم يُقْبَر .
قال الإمام النووي: وقال الشافعي والأصحاب: يُسْتَحَبُّ أنْ يقرءوا عنده - أي عند القبر - شيئاً من القرآن ، قالوا: فَإِنْ ختموا القرآنَ كُلَّهُ كانَ حَسَناً ، وروينا في سُنَنِ البيهقي بإسنادٍ حَسَن: ( أنَّ ابنَ عمر استحبَّ أنْ يُقْرَأَ علىٰ القبر بعد الدفن أوَّلُ سورة البقرة وخاتِمَتُها ) .
أنظر: سُنَن البيهقي ( ٤ / ٦ ) ، والأذكار ( ص ٢٧٨ ) ، ورياض الصالحين ( ص ٣٤١ ) والمجموع شرح المَُهذَّب ( ٦ / ٢٦٩ ) ، ودليل الفالحين لطُرق رياض الصالحين ( ٣ /٥٣٠ ) .
وَذَكَرَ الإمام القُرطُبي في كتابه: التَّذْكِرَة بأحوال المَوتَىٰ وأُمور الآخرة ، باباً سَمَّاهُ: باب ما جاء في قراءة القرآن عند القبر حالَةَ الدفن وبعده وأنَّهُ يَصِلُ إلىٰ الميِّت ثَوابُ ما يُقْرَأُ وَيُدْعَىٰ وَيُسْتَغْفَرُ لَهُ وَيُتَصَدَّقُ عليهِ .
أنظر: التذكرة ( ص ٧٦ ) .
وعن عبدالرحمن بن اللّجاج عن أبيه: ( أَنَّهُ أَوْصَىٰ إِذا دُفِنَ أَنْ يُقْرَأَ عند رأسِهِ بفاتحة البقرة وخاتمتها ، وقال: سمعتُ إبنَ عمر يوصي بذلك ) .
رواه الهيثمي في مجمع الزوائد رقم ( ٤٢٤٣ ) كتاب الجنائز ، باب ما يقول عند إدخال الميت القبر ، والطبراني في المُعجَم الكبير رقم ( ١٣٦١٣ ) وقال رجالُهُ موثوقون .
وعن إبن عباس رضي الله عنهما قال: ( مَرَّ النٍَبِيُّ ﷺ على قبرين ، فقال إنَّهما لَيُعَذَّبان ، وما يُعَذَّبان في كبير ، أَمَّا أحَدُهُمُا فكان يمشي بالنميمة ، وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله ، قال: فَدَعا بِعَسيب رَطْبٍ فَشَقَّهُ بإثْنَين ، ثُمَّ غَرَسَ علىٰ هذا واحداً ، وعلىٰ هذا واحداً ، ثُمَّ قال: لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عنهما ما لم يَيْبَسا ) .
رواه البخاري بهذه الأرقام ( ٢١٦ ) ، و ( ٢١٨ ) ، و ( ١٣٦١ ) ، و ( ١٣٧٨ ) ، و ( ٦٠٥٢ ) ، و ( ٦٠٥٥ ) ، ومسلم رقم ( ٢٩٢ ) ، وأبو داود رقم ( ٢٠ ) ، والترمذي رقم ( ٧٠ ) ، والنسائي رقم ( ٣١ ) ، وابن ماجه رقم ( ٣٤٧ ) .
قال الإمام النووي رحمه الله في شرح هذا الحديث: وأمَّا وَضْعُهُ ﷺ الجَرِيْدَتَيْن علىٰ القبر .... لِكَونِهِما يُسَبِّحان ماداما رَطْبَيْن ، وليس لليابس تسبيح ، وهذا مذهب الكثيرين أو الأكثرين من المفسرين في قوله تعالىٰ: ( وإِنْ من شيء إِلاّٰ يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم ) سورة الإسراء آية: ٤٤.
قالوا معناه: وإنْ مِنْ شَيْءٍ حَيْ ، ثُمَّ قالوا: حياةُ كل شيءٍ بِحَسْبِهِ ، فَحَياةُ الخَشَب مالم يَيْبَس ، إلىٰ أنْ قال: وَاسْتَحَّبَ العُلَماءُ قراءةَ القرآن عند القبر لهذا الحديث ، لأَنَّهُ إذا كانَ يُرْجَىٰ التَخفيف بتسبيح الجريد فَبِتِلاوة القرآن أولىٰ .
أنظر: شرح الإمام النووي على صحيح مسلم ( ٣ / ٢٢٥ ) .
هذا الحوار عند قبر سيدنا حمزة بن عبدالمطلب رضي الله عنه الذي أُستُشْهِدَ في معركة أُحُد .
( ١ / ١١ / ١٤٤٥ ) الهجري .
( ٩ / ٥ / ٢٠٢٤ ) الميلادي .


قيد التشغيل الن