اشتريتُ صحيح البخاري، فلماذا ألتزم بمذهب فقهي؟!
حين يتحول امتلاك النص إلى وهم الاستغناء عن الفقهاء!
يقول أحد الشباب، وقد اشترى نسخة من صحيح البخاري وبدأ يقرأ فيها:
«لماذا ألتزم بمذهب فقهي معين، وهذا صحيح البخاري بين يديّ؟!»
قد يبدو السؤال، للوهلة الأولى، منطقيًّا؛ فالحديث النبوي موجود، والكتاب بين يديه، فلماذا يحتاج إلى مذهب فقهي أو إلى الرجوع إلى كلام العلماء؟
لكن الإشكال الحقيقي يكمن في افتراضٍ غير صحيح، وهو أن مجرد الوصول إلى النص الشرعي يعني بالضرورة القدرة على فهمه، ومعرفة دلالته، واستنباط الحكم منه، وتنزيله على الوقائع.
وهذا ليس صحيحًا؛ فبين قراءة النص وحسن الاستدلال به مراحل من العلم والفهم لا يجوز القفز عليها.
🔹 أولًا: هل يكفي أن ترى الدواء لتعرف العلاج؟
لنفترض أنك مرضت، فدخلت صيدلية، ووجدت أمامك عشرات الأنواع من الأدوية، ولكل دواء استعمالاته ومحاذيره وآثاره الجانبية.
فهل من العقل أن تختار دواءً من تلقاء نفسك، لمجرد أنك قرأت اسمه أو اطلعت على النشرة المرفقة به؟
وهل يصبح اختيارك صحيحًا لمجرد أن الدواء أصلي، وأن المعلومات المكتوبة عليه صحيحة؟
بالطبع لا؛ لأن معرفة الدواء شيء، ومعرفة المرض وتشخيصه وتحديد العلاج المناسب له شيء آخر.
وكذلك النصوص الشرعية: فمعرفة الحديث شيء، وفهم دلالته، والجمع بينه وبين سائر الأدلة، واستنباط الحكم منه، شيء آخر.
فليس كل من قرأ النص أحسن فهمه، وليس كل من حفظ الحديث امتلك أدوات الاجتهاد، كما أن صحة النص لا تعني بالضرورة صحة كل استدلال يُبنى عليه.
🔹 ثانيًا: «أنتم الأطباء ونحن الصيادلة»!
يروي الخطيب البغدادي في كتابه الفقيه والمتفقه، عن عبيد الله بن عمرو، أنه قال:
«كنا عند الأعمش، وهو يسأل أبا حنيفة عن مسائل ويجيبه أبو حنيفة، فيقول له الأعمش: من أين لك هذا؟ فيقول: أنت حدثتنا عن إبراهيم بكذا، وحدثتنا عن الشعبي بكذا».
ثم يذكر أن الأعمش قال:
«يا معشر الفقهاء، أنتم الأطباء ونحن الصيادلة».
ومغزى هذا الأثر أن معرفة الروايات ونقلها لا تستلزمان وحدهما امتلاك القدرة على استنباط الأحكام منها؛ فهناك فرق بين جمع النصوص ومعرفة طرقها، وبين فقه معانيها، والجمع بين أدلتها، وفهم ما تدل عليه في المسائل المختلفة.
فالحديث الذي يرويه المحدّث قد يحتاج إلى فقيه ينظر في علاقته بغيره من النصوص، ويفهم دلالته، ويحدد ما إذا كان عامًا أو خاصًّا، مطلقًا أو مقيدًا، وما إذا كان هناك دليل آخر يبين المراد منه.
وهذا لا ينتقص من شأن المحدّث، ولا يجعل الفقيه فوق الدليل؛ بل يبيّن أن العلوم الشرعية تتكامل، وأن لكل علم أدواته ووظيفته.
🔹 ثالثًا: أين تقع المشكلة في شعار «فقه الدليل»؟
لا شك أن الرجوع إلى القرآن والسنة أصلٌ من أصول الاستدلال الشرعي، وأن الدليل الصحيح مقدَّم على آراء الرجال إذا ثبتت مخالفته له.
لكن المشكلة تظهر عندما يُختزل «فقه الدليل» في قراءة نص ظاهر، ثم إصدار حكم على أساسه، وكأن علوم الحديث وأصول الفقه وقواعد الاستنباط كلها أمور ثانوية لا حاجة إليها!
فتجد من يقول: هذا الحديث أمامي، فلماذا أرجع إلى أبي حنيفة أو مالك أو الشافعي أو أحمد؟
والجواب: إن الرجوع إلى الأئمة ليس لأن كلامهم مقدَّم على رسول الله ﷺ، ولا لأنهم معصومون من الخطأ، وإنما لأنهم بذلوا جهدًا علميًّا في فهم النصوص، والجمع بينها، واستنباط الأحكام منها، ووضعوا مناهج علمية تضبط عملية الاستدلال.
فاتباع المذهب الفقهي ليس معناه ترك الحديث، كما أن قراءة الحديث لا تعني الاستغناء عن الفقه.
والمنهج الصحيح ليس أن نقدّس أقوال الأئمة دون دليل، ولا أن نهدر اجتهاداتهم بمجرد أن نصًّا ما بدا لنا مخالفًا لما قرروه؛ وإنما أن نفهم الأدلة كما بحثها أهل العلم، ونعرف وجوه الاستدلال والخلاف، وأسباب اختلاف الفقهاء.
🔹 رابعًا: ما الذي ينبغي معرفته قبل الاستدلال بالنص؟
قبل أن يستدل المرء بآية أو حديث لإثبات حكم شرعي، لا بد من مراعاة جملة من القواعد، ومن أهمها:
1️⃣ سياق النص وسباقه ولحاقه
فلا يصح اقتطاع عبارة من سياقها، ثم تحميلها معنى لا يدل عليه الكلام في مجموعه.
2️⃣ معرفة الناسخ والمنسوخ
فقد يكون الحكم الذي دل عليه نصٌّ ما قد نُسخ بدليل متأخر، ولا يمكن معرفة ذلك بمجرد قراءة النص منفردًا.
3️⃣ العام والخاص
فقد يرد النص بلفظ عام، ثم يأتي دليل آخر يخصص بعض أفراده؛ فلا يصح تطبيق العموم دون النظر في المخصصات.
4️⃣ المطلق والمقيّد
فقد يأتي الحكم مطلقًا في دليل، ومقيّدًا في دليل آخر، ويحتاج فهم العلاقة بينهما إلى معرفة القواعد الأصولية ذات الصلة.
5️⃣ أسباب النزول وورود الحديث
فمعرفة سبب نزول الآية أو مناسبة ورود الحديث قد تعين على فهم المراد، مع ضرورة التمييز بين خصوص السبب وعموم اللفظ، وعدم حصر الدلالة في السبب دون دليل.
6️⃣ ثبوت الحديث ودرجته
فليس كل ما يُنقل على أنه حديث نبوي ثابتًا عن رسول الله ﷺ؛ بل لا بد من التحقق من صحته، ومعرفة درجته، والنظر في طرقه وما يتعلق به من علل مؤثرة.
7️⃣ الجمع بين الأدلة
فقد يبدو أن حديثًا يدل على حكم، بينما يدل حديث آخر على غيره؛ وهنا تظهر الحاجة إلى معرفة طرق الجمع بين النصوص، أو الترجيح عند تعذره، وفق القواعد المعتبرة.
8️⃣ فهم دلالات الألفاظ
ومن ذلك الأمر والنهي، والحقيقة والمجاز عند من يقول به، والمنطوق والمفهوم، ودلالة الاقتضاء وغيرها من مباحث أصول الفقه.
9️⃣ تحقيق المناط وتنزيل الحكم على الواقعة
فحتى بعد معرفة الحكم الشرعي، يبقى النظر في حقيقة الواقعة التي يراد تطبيقه عليها، ومدى انطباق شروط الحكم عليها، وانتفاء موانعه، ومراعاة ما يعتبر شرعًا من أحوالها وملابساتها.
هذه ليست تعقيدات اخترعها الفقهاء لصرف الناس عن السنة، بل هي أدوات علمية نشأت لخدمة النصوص، وضبط فهمها، ومنع التسرع في نسبة الأحكام إلى الشرع.
🔹 خامسًا: فلماذا نحتاج إلى المذاهب الفقهية؟
نحتاج إلى المذاهب الفقهية لأنها تمثل مدارس علمية متكاملة في فهم النصوص واستنباط الأحكام، نقلت إلينا اجتهادات الأئمة وطرائقهم في الاستدلال، وبيّنت وجوه الاتفاق والاختلاف بين العلماء.
ولا يعني ذلك أن كل قول في المذهب صواب، أو أن التقليد واجب على كل مسلم بالصورة نفسها، أو أن الاجتهاد قد انحصر في الكتب القديمة؛ فهذه مسائل لها تفصيلها عند أهل العلم.
لكن الذي لا يصح هو أن يتوهم المرء أن شراء كتاب في الحديث يمنحه تلقائيًّا أهلية الاجتهاد، أو أن قراءة حديث واحد تعفيه من النظر في بقية النصوص وأقوال العلماء.
فالمبتدئ يسأل أهل العلم فيما لا يحسنه، وطالب العلم يتدرج في دراسة أدوات الاستنباط، والعالم المؤهل ينظر في الأدلة ويجتهد بقدر علمه وقدرته.
فليست القضية أن نختار بين القرآن والسنة من جهة، والفقهاء من جهة أخرى؛ بل القضية أن نتعلم كيف نفهم القرآن والسنة فهمًا منضبطًا.
🔹 الخلاصة
إن وجود صحيح البخاري بين يديك نعمة عظيمة، والرجوع إلى أحاديث رسول الله ﷺ شرفٌ وضرورة، لكن ذلك لا يجعل كل قارئ قادرًا على استنباط الأحكام الشرعية بمجرد القراءة.
فالنص الشرعي لا يُفهم بمعزل عن بقية النصوص، ولا يُستدل به دون معرفة دلالته ودرجة ثبوته وما يتصل به من قواعد الاستنباط.
ولهذا لم يكن الخلاف بين العلماء دائمًا خلافًا حول قبول الحديث أو رفضه؛ فقد يتفقون على صحة الحديث، ثم يختلفون في دلالته، أو في الجمع بينه وبين غيره، أو في مدى انطباق حكمه على المسألة المعروضة.
احترام الحديث يقتضي فهمه، واحترام الفقه لا يعني تقديس الفقهاء، واتباع الدليل لا يتحقق بمجرد رفع شعاره.
فالسؤال الذي ينبغي أن نطرحه ليس: «لماذا أحتاج إلى الفقهاء وصحيح البخاري بين يديّ؟».
بل السؤال الأجدر بالتأمل هو:
هل أمتلك من العلم والأدوات ما يجعلني قادرًا على فهم هذا الحديث واستنباط الحكم منه فهمًا صحيحًا؟
فهنا يبدأ الفرق بين مجرد قراءة النص، وبين فقه النص والاستدلال به.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق