الثلاثاء، 20 أكتوبر 2026

الشخصية «الكموجية» عند بعض المدخلية: حين يقرأ المرء النص ولا يفهم معناه!

 


الشخصية «الكموجية» عند بعض المدخلية: حين يقرأ المرء النص ولا يفهم معناه!

من طرائف كتب الأدب حكايةٌ تُروى عن رجل سأل الإمام الإشبيلي:

— ما الكموج؟

فسأله الإمام:

— أين قرأت هذه الكلمة؟

قال الرجل:

— في قول امرئ القيس:

وليلٍ كموج البحر أرخى سدولهُ
عليَّ بأنواع الهموم ليبتلي

فأجابه، بحسب الرواية المتداولة:

«الكموج دابةٌ تقرأ ولا تفهم!»

سواء صحت هذه الحكاية بلفظها أم كانت من طرائف الأدب المتناقلة، فإن معناها يفتح لنا بابًا واسعًا للتأمل!

فما أكثر من يقرأ ولا يفهم، وينقل ولا يتحقق، ويحفظ الألفاظ ولا يدرك المعاني، ثم يتصدر للحديث في أعظم القضايا، وكأن مجرد القراءة جعلته من أهل العلم والتحقيق!

🔹 حين تصبح القراءة دليلًا على الجهل بدلًا من العلم!

إن الشخصية «الكموجية» ليست حكرًا على عصر دون عصر، ولا على بيئة دون أخرى؛ بل يمكن أن تظهر في كل زمان ومكان.

تجد صاحبها يقرأ آيةً من القرآن الكريم، أو حديثًا نبويًّا، أو كلامًا لأحد العلماء، ثم يستخرج منه معنى لا يدل عليه النص، ويبني عليه حكمًا لا تحتمله العبارة، وربما جعل فهمه القاصر ميزانًا يخطّئ به العلماء والدعاة والمخالفين!

والمشكلة ليست في أن يخطئ الإنسان في الفهم؛ فالخطأ يقع من كل أحد، وإنما المشكلة أن يجهل أنه لم يفهم، ثم يحوّل جهله إلى أحكام على الناس، ويقدّم ظنونه على أنها علمٌ وتحقيق!

🔹 من سوء فهم الحديث إلى قلب دلالته!

تأملوا مثلًا حديث النبي ﷺ:

«تقتل عمارًا الفئة الباغية».

وهو حديث مشهور ثابت في صحيح البخاري، وله طرق وروايات في كتب الحديث الأخرى.

فإذا جاء أحدهم فخلط بين أسماء الرجال، أو ادعى أن اسم «عمار» تصحيف عن «عثمان»، من غير دليل معتبر ولا رجوع إلى مصادر الحديث، فهل يكون قد حقق المسألة العلمية، أم كشف عن خلل في فهم الرواية وضبطها؟

إن النصوص الحديثية لا تُفهم بالأوهام، ولا تُغيَّر ألفاظها لمجرد أن دلالتها لا توافق تصورًا مسبقًا عند قارئها.

فالواجب أن نخضع آراءنا للنصوص الثابتة، لا أن نلوِي أعناق النصوص لتوافق آراءنا.

🔹 حين يتحول سوء الفهم إلى سلاح للتبديع والتجريح!

ومن أبرز مظاهر هذه العقلية أن يقرأ المرء مسألةً فقهية مختلفًا فيها، أو يسمع قولًا لعالم لا يوافق اختياره، ثم يسارع إلى التبديع والتضليل والتجريح، وكأن الخلاف في كل جزئية دليل على فساد المنهج أو انحراف العقيدة!

وهنا تظهر خطورة الجهل المركب: لا يكتفي صاحبه بسوء فهم المسألة، بل يجعل فهمه الناقص معيارًا للحكم على الآخرين.

فكم من مسألة تحتاج إلى جمع النصوص، ومعرفة أسباب ورودها، وفهم كلام العلماء في سياقه، والتمييز بين مسائل الاجتهاد ومسائل الاعتقاد؛ فإذا بها تختزل في مقطع قصير، أو عبارة مبتورة، أو حكم متسرع يُوزَّع على المخالفين بلا علم ولا تثبت!

وهكذا يصبح التبديع أسهل من البحث، والتجريح أسرع من الفهم، والتصنيف بديلًا عن الدليل!

🔹 «جمعة البخاري» أم الإمام محمد بن إسماعيل البخاري؟

ومن طرائف الخلط بين اللفظ ومعناه ما يُتداول عن شخص أنكر وجود الإمام البخاري بسبب قراءته لعبارة «جمعه البخاري» على أنها اسم «جمعة»، لا فعلًا بمعنى أنه جمع الروايات وصنّفها!

إن صح هذا المثال عن صاحبه، فهو يكشف عن مشكلة تتجاوز الخطأ اللغوي العابر: إنها مشكلة من يقرأ العبارة من غير أن يفهم تركيبها، ولا يراعي سياقها، ولا يرجع إلى أبسط مصادر التراجم والتاريخ.

فالإمام هو محمد بن إسماعيل البخاري، صاحب «الجامع الصحيح»، المعروف بصحيح البخاري.

والفرق بين «جَمَعَه البخاري» و«جُمعة البخاري» ليس مسألةً معقدةً تحتاج إلى لجان بحثية؛ وإنما هو من أساسيات فهم اللغة والسياق!

فإذا كان المرء لا يميز بين الفعل والاسم في عبارة واضحة، فكيف يتصدر للفصل في دقائق الخلافات العلمية، والحكم على مناهج العلماء والدعاة؟

ومع ذلك، ينبغي التثبت من نسبة هذه الواقعة إلى شخص بعينه قبل الاستشهاد بها على أنها حادثة ثابتة.

🔹 أيُّ فهمٍ للسلف هذا الذي لا يحتمل إلا رأيًا واحدًا؟

ومن أعجب المفارقات أن بعض المنتسبين إلى السلفية يكثرون من ترديد عبارة «فهم السلف»، ثم يجعلون فهمهم الشخصي هو الممثل الوحيد لذلك الفهم!

فإذا خالفهم عالم، أو داعية، أو طالب علم، لم يبدأوا دائمًا بتحرير محل النزاع، وجمع الأدلة، والنظر في أقوال أهل العلم؛ بل قد يبدأ بعضهم بالتصنيف والتبديع والتشنيع، وكأن مخالفة اجتهاده الشخصي خروجٌ عن منهج السلف!

وهنا ينبغي أن نسأل:

هل فهم السلف هو ما دلّت عليه النصوص وقرره العلماء بأدلتهم، أم هو كل ما يفهمه شخصٌ معاصر ثم ينسبه إلى السلف؟

وهل الانتساب إلى منهج السلف يمنح صاحبه عصمةً من الخطأ، أم أن أقوال المنتسبين إليه تُوزن كما تُوزن أقوال غيرهم بميزان العلم والدليل؟

إن دعوى اتباع السلف لا تغني عن صحة الفهم، وكثرة الاستشهاد بالنصوص لا تعوّض ضعف الاستدلال بها.

وهذا نقدٌ لبعض الممارسات التي تظهر عند بعض المنتسبين إلى التيار المدخلي، لا حكمٌ على كل من انتسب إلى السلفية أو خالفنا في مسألة علمية.

🔹 الخلاصة: اقرأ لتفهم، لا لتبحث عن خصم!

إن العلم ليس بكثرة ما يقرؤه الإنسان، ولا بعدد النصوص التي يحفظها، ولا بسرعة الأحكام التي يصدرها على المخالفين.

العلم أن تفهم الكلام في سياقه، وتعرف دلالة الألفاظ، وتجمع النصوص المتعلقة بالمسألة، وتفرّق بين القطعي والاجتهادي، وتتحقق من النقول، وتملك من التواضع ما يجعلك تقول: لا أعلم، أو لعلني أخطأت.

أما أن تقرأ ولا تفهم، ثم تجزم؛ وتنقل ولا تتحقق، ثم تحكم؛ وتختلف مع عالم، ثم تجرّحه وتبدّعه؛ فهذه ليست علامة رسوخ في العلم، بل علامة تستوجب مراجعة النفس والمنهج.

فالكموجية ليست في أن يجهل الإنسان مسألةً؛ وإنما في أن يجهلها، ثم يتصرف وكأنه أعلم الناس بها!

ولذلك، قبل أن نرفع شعار «فهم السلف»، فلنتعلم أولًا كيف نفهم النصوص، وكيف نتحقق من النقول، وكيف نختلف بأدب، وكيف نزن الأقوال بالدليل، لا بالأسماء والتصنيفات.

فليس كل قارئٍ عالمًا، وليس كل حافظٍ محققًا، وليس كل من أكثر من التبديع والتجريح قد ازداد قربًا من العلم.

وأخطر الجهل أن يرتدي ثوب العلم، ثم يتحدث باسم السلف، ويخاصم باسم السنة، ويطعن في الناس باسم المنهج!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق