الثلاثاء، 20 أكتوبر 2026

قصة وعبرة… وما أشبهها ببعض الخطابات المدخلية في واقعنا المعاصر!

 


حين يُطالَب المظلوم بالصمت باسم الأمن والاستقرار!

قصة وعبرة… وما أشبهها ببعض الخطابات المدخلية في واقعنا المعاصر!

تأمّل معي هذه القصة الرمزية، ففيها من العبرة ما يستحق الوقوف عنده.

كان رجل يسير في طريقه آمنًا، لا يتوقع أن يعترضه خطر، فإذا بلصّ مسلّح يخرج عليه، ويسلبه محفظة نقوده، ثم يقول له بكل وقاحة:

«انسَ ما حدث، وامضِ في طريقك بسلام!»

حاول الرجل أن يعترض، وأن يطالب بحقه، فإذا باللص يرفع صوته مهددًا:

«قلت لك: انسَ ما حدث، وامضِ بسلام! وإلا…»

وبينما الرجل المظلوم في حيرته، ظهر شخص لا يقلّ سوءًا عن اللص، وراح يعظ المسروق قائلًا:

«لماذا تريد إثارة المشكلات؟ أليس السلام خيرًا من الخصام؟ ألم تسمع قول الله تعالى:**

﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾؟

توكل على الله، واقبل بالسلام، ولا تفتح أبواب الفتنة!

فأجابه الرجل المقهور:

«أيّ سلام تتحدث عنه؟ لقد سُرقت أموالي، وأُخذ حقي، وأنا لا أطلب الاعتداء على أحد، بل أريد استرداد ما سُلب مني. فإن لم أستطع اليوم، فسأظل أطالب بحقي غدًا، وبعد غد، ما دمت قادرًا على المطالبة به».

وهنا ارتفعت الأصوات من كل جانب:

«أنت تثير الفوضى!»

«أنت تهدد الأمن والاستقرار!»

«أنت تشعل الفتنة، وتزعزع الطمأنينة!»

وربما انتهى الأمر باتهامه بالإرهاب، لمجرد أنه رفض أن يبتلع الظلم، ويغادر المكان صامتًا!

فتساءل الرجل مستنكرًا:

كيف يصبح المعتدى عليه متهمًا، بينما ينجو المعتدي من المساءلة؟

كيف يُوصَف المظلوم بأنه مصدر الشر، لمجرد أنه طالب بحقه؟

أليس في هؤلاء عاقل يقول للّص: أَعِدْ إلى الرجل ماله، وكُفَّ عن ظلمه، ثم تحدّثوا عن الأمن والسلام؟

أليس العدل أولى من مطالبة الضحية بالتنازل، وأليس إنصاف المظلوم أجدر بحفظ الاستقرار من إسكات صوته؟

إن المفارقة الساخرة في هذه القصة أن الجهود لا تُبذل لاسترداد الحق المسلوب، ولا لمحاسبة المعتدي، بل لإقناع الضحية بأن تسكت، وأن تعتبر صمتها سلامًا، وتنازلها حكمة، واعتراضها فتنة!

وهكذا يُراد للظالم أن يطمئن إلى أن أفعاله لن تُواجَه، وللمظلوم أن يخشى عاقبة المطالبة بحقه، وللناس أن يعتادوا رؤية الظلم ما دام مغلفًا بشعارات الأمن والاستقرار.

فما علاقة هذه القصة بالخطاب المدخلي؟

إن وجه الشبه الذي نريد التنبيه إليه يظهر حين يتبنّى بعض المنتسبين إلى التيار المدخلي خطابًا يجعل الاعتراض على أخطاء السلطة أو انتقاد المسؤولين مدخلًا لاتهام الناقد بإثارة الفتن، أو تهديد الجماعة، أو مخالفة منهج السلف؛ بينما لا يحظى نقد الفساد والظلم بالقدر نفسه من الاهتمام والوضوح.

وحين يحدث ذلك، يصبح السؤال مشروعًا:

هل المقصود فعلًا حماية المجتمع من الفوضى، أم أن النتيجة العملية لهذا الخطاب قد تكون حماية المسؤول المخطئ من النقد والمساءلة؟

إن الدعوة إلى الأمن ليست خطأ، والتحذير من الفتن ليس مذمومًا في ذاته، وطاعة ولي الأمر لها أصلها وضوابطها في الشريعة؛ لكن الخطأ أن تتحول هذه المعاني إلى شعارات تُستخدم لإسكات كل صوت ناقد، أو لتبرير الأخطاء، أو للتقليل من شأن المظالم.

فليس كل اعتراض خروجًا، وليس كل نقد فتنة، وليس كل من طالب بالإصلاح عدوًا للاستقرار.

وفي المقابل، ليس كل معارض محقًا في كل ما يقول، ولا تصبح كل وسيلة للاعتراض مشروعة لمجرد أن صاحبها يرفع شعار مقاومة الظلم؛ بل لا بد من التمييز بين النقد المسؤول، والظلم المقابل، والوسائل المشروعة وغير المشروعة.

فالعدل لا يناقض الأمن، والنصيحة لا تعني السكوت عن الخطأ، وحفظ الاستقرار لا يقتضي منح أحد حصانة من النقد والمحاسبة.

إن الأمن الحقيقي لا يتحقق بإسكات المظلوم، بل برفع الظلم عنه؛ ولا يترسخ بتخويف الناس من المطالبة بحقوقهم، بل بإقامة العدل، ومحاسبة المعتدي، وصيانة كرامة الإنسان.

والخلاصة:

إذا كان اللص قد سرق مال الرجل، فلا تجعلوا الرجل متهمًا لأنه طالب باسترداده!

وإذا أخطأ مسؤول، فلا تجعلوا نقد خطئه جريمة في حق المجتمع!

وإذا رفع أحد صوته مطالبًا بالإصلاح، فلا تسارعوا إلى اتهامه بإثارة الفتنة قبل أن تنظروا في حقيقة ما يقول، ومدى عدالة مطلبه، ومشروعية وسيلته.

فليس كل من رفع شعار الأمن حريصًا على العدل، وليس كل من طالب بالعدل ساعيًا إلى الفتنة.

والميزان الذي ينبغي أن نحتكم إليه ليس هوية المتكلم، ولا قربه من السلطة أو بُعده عنها، بل الحق والعدل والإنصاف.

فأعيدوا للمظلوم حقه، وحاسبوا الظالم على ظلمه، ثم حدّثونا عن الأمن والاستقرار!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق