الخميس، 22 أكتوبر 2026

هل ينتفع الميت بدعاء الأحياء وأعمالهم؟ قراءةٌ في الأدلة وأقوال العلماء

 



هل ينتفع الميت بدعاء الأحياء وأعمالهم؟ قراءةٌ في الأدلة وأقوال العلماء

هل تنتهي صلة الإنسان بأهله وأقاربه بمجرد الموت؟ وهل يصل إلى الميت ثواب الدعاء والصدقة وقراءة القرآن؟ وهل تُعرض أعمال الأحياء على أقاربهم المتوفين، فيفرحون بالصالح منها ويدعون الله لأصحابها؟

هذه أسئلة تتصل بعالم البرزخ، وقد تناولها المحدثون والفقهاء في كتبهم، واختلفوا في بعض تفاصيلها، ولا سيما في مسألة إهداء ثواب الأعمال البدنية إلى الموتى.

لكن المؤسف أن بعض النقاشات المعاصرة تتعامل مع هذه المسائل بمنطق الإطلاق والتعميم؛ فيُنكَر ما ثبت بدليله، أو تُقبل كل رواية دون تمحيص، أو يُجعل الخلاف الفقهي المعتبر بابًا للطعن في المسلمين.

والمنهج الصحيح أن نرجع إلى القرآن والسنة، ونفهم كلام العلماء، ونفرّق بين المسائل التي ثبتت بأحاديث صحيحة، والمسائل التي وقع فيها الخلاف، والروايات التي تحتاج إلى مزيد من التحقيق.

تعالوا ننظر في الأدلة، ونضع كل مسألة في موضعها.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

أولًا: هل ينقطع كل نفع عن الميت بعد وفاته؟

قال رسول الله ﷺ:

«إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له».

📚 رواه مسلم في صحيحه (1631).

هذا الحديث أصل عظيم في بيان ما يبقى للإنسان من الأجر بعد موته.

فقد يموت الإنسان، ويبقى ثواب صدقته الجارية، أو ينتفع الناس بعلمه الذي خلّفه، أو يدعو له ولده الصالح.

لكن ينبغي فهم الحديث على وجهه الصحيح: انقطاع عمل الميت لا يعني انقطاع كل نفع عنه، وإنما يعني انقطاع عمله الاختياري في الدنيا، مع بقاء ما دلّ الشرع على استمراره أو وصول نفعه إليه.

وقد جاءت نصوص أخرى تثبت انتفاع الميت بأعمال يقوم بها الأحياء، فلا يصح أن يُتخذ الحديث ذريعة لإنكار كل صورة من صور انتفاعه بعمل غيره.

فالسؤال ليس: هل يستطيع الميت أن يستأنف حياته الدنيوية؟

بل السؤال هو: هل جعل الله تعالى أعمالًا يؤديها الأحياء أسبابًا لنفع موتاهم؟

والجواب: نعم، وهذا ثابت في جملة من الأعمال بنصوص صحيحة.

ثانيًا: انتفاع الميت بدعاء الأحياء والصدقة عنه

ثبت في السنة أن رجلًا سأل النبي ﷺ عن أمه التي ماتت، وهل ينفعها أن يتصدق عنها، فأذن له في ذلك.

كما ثبت في الصحيحين الإذن بالحج عن الميت في صور وردت بها السنة، وثبت في صحيح البخاري سؤال المرأة عن الصوم عن أمها المتوفاة، فأرشدها النبي ﷺ إلى الصوم عنها.

وهذه النصوص ليست مجرد احتمالات أو حكايات؛ بل أدلة شرعية يستند إليها الفقهاء في تقرير انتفاع الميت ببعض أعمال الأحياء.

ومن هنا، فإن من ينكر أصل انتفاع الميت بدعاء الحي أو الصدقة عنه يصادم نصوصًا صحيحة صريحة.

لكن يجب التفريق بين ثبوت هذه الصور وبين تعميم الحكم على جميع الأعمال؛ فلكل عمل دليله، ولكل صورة تفصيلها الفقهي.

فالقاعدة ليست أن كل عمل يصل إلى الميت بلا استثناء، ولا أن الميت لا ينتفع بشيء من عمل الحي، وإنما أن ما دل الدليل على وصول نفعه يُثبت، وما وقع فيه الخلاف يُبحث بأدلته.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

ثالثًا: هل يصل ثواب قراءة القرآن إلى الميت؟

هنا نصل إلى واحدة من أشهر المسائل الخلافية بين الفقهاء.

هل إذا قرأ المسلم القرآن، ثم سأل الله أن يجعل ثواب قراءته لوالده أو والدته المتوفَّيين، يصل إليهما هذا الثواب؟

لقد اختلف العلماء في ذلك، ولا يصح تصوير المسألة على أنها محل إجماع على المنع، أو محل إجماع على الوصول.

1. قولٌ بوصول ثواب القراءة

ذهب الحنفية، والمشهور عند الحنابلة، واختاره ابن تيمية، إلى أن ثواب قراءة القرآن وسائر القربات البدنية يمكن أن يصل إلى الميت إذا أُهدي إليه، مع اختلاف التفاصيل والتعبير عن ذلك بين العلماء.

قال ابن تيمية رحمه الله، في معرض حديثه عن قراءة القرآن وإهداء ثوابها:

إن ثواب قراءة أهل الميت وتسبيحهم وتكبيرهم وسائر ذكرهم لله تعالى يصل إليه إذا أهدوه إليه.

📚 مجموع الفتاوى، (24/324).

وقال في موضع آخر من كلامه على انتفاع الميت بالأعمال:

إن العلماء تنازعوا في وصول ثواب الأعمال البدنية، كالصوم والصلاة وقراءة القرآن، ثم رجّح وصول ثوابها إلى الميت.

📚 مجموع الفتاوى، (24/366)، مع اختلاف ترقيم الصفحات بين الطبعات.

ومعنى هذا القول أن المسلم إذا قرأ القرآن تقربًا إلى الله تعالى، ثم سأل الله أن يهب ثواب قراءته لميته، فإن الميت ينتفع بذلك بإذن الله، على ما ذهب إليه أصحاب هذا القول.

وهذا اجتهاد فقهي له قائلوه وأدلته، فلا يصح وصفه بأنه قول بلا أصل أو أنه مخالف بالضرورة لأصول الشريعة.

2. قولٌ بعدم وصول ثواب القراءة

في المقابل، ذهب الشافعية في المشهور من مذهبهم إلى أن ثواب قراءة القرآن لا يصل إلى الميت بمجرد إهدائه، مع وجود قول آخر عند بعض أصحاب المذهب بوصوله.

ونقل الإمام النووي في شرح صحيح مسلم أن المشهور في مذهب الشافعي عدم وصول ثواب القراءة، وأن جماعة من أصحابه قالوا بوصوله، وهو قول الإمام أحمد.

ويستند المانعون إلى أن العبادات توقيفية، وأن النصوص وردت في بعض الأعمال، كالدعاء والصدقة والصوم والحج، ولم يثبت عندهم دليل كافٍ لإلحاق قراءة القرآن بها.

فهم لا ينكرون أن الدعاء ينفع الميت، ولا أن الصدقة عنه مشروعة، وإنما يناقشون مدى جواز نقل ثواب عبادة إلى غير فاعلها، وما الذي يدل عليه الدليل في هذه الصورة بعينها.

3. هل يعني الخلاف أن أحد القولين لا أصل له؟

لا.

فالخلاف في هذه المسألة معروف في كتب الفقه، وله أدلته وطرائق الاستدلال به.

ومن الخطأ أن يُقال إن كل من منع وصول ثواب القراءة أنكر انتفاع الميت بدعاء الحي؛ فهذه مسألتان مختلفتان.

كما أنه من الخطأ أن يُقال إن كل من أجاز إهداء ثواب القراءة يجيز بالضرورة كل هيئة أو ممارسة تُنسب إلى ذلك، كاستئجار قارئ للقراءة أو التزام طقوس مخصوصة عند القبور.

إثبات أصل فقهي لا يعني تصحيح كل ممارسة تُربط به، كما أن الخلاف في صورة معينة لا يبرر إنكار الصور التي ثبتت بنصوص صحيحة.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

رابعًا: ماذا عن الاستئجار على قراءة القرآن؟

ينبغي التفريق بين أن يقرأ الإنسان القرآن عبادةً لله تعالى، ثم يدعو الله أن يوصل ثواب قراءته إلى ميته، وبين أن يستأجر شخصًا على القراءة مقابل عوض مالي.

فالمسألة الثانية لها أحكام فقهية أخرى، وقد شدّد عدد من العلماء في منع الاستئجار على نفس التلاوة بقصد تحصيل الثواب، ومنهم ابن تيمية.

وذكر ابن تيمية أن العمل الذي يُفعل لأجل العوض الدنيوي المحض لا يكون كالقربة التي أُريد بها وجه الله، وأن وصول الثواب متعلق بثبوت الثواب للعمل.

لكن ينبغي عرض هذه المسألة في حدودها؛ فالأحكام المتعلقة بأجرة التعليم والإمامة والرقية وغيرها لها تفصيلات فقهية، ولا يصح جمع جميع صور أخذ الأجرة في حكم واحد بلا تمييز.

والمقصود هنا أن الخلاف في إهداء ثواب القراءة لا يحسم وحده حكم الاستئجار عليها، ولا حكم الاجتماع للقراءة، ولا تخصيص زمان أو مكان أو هيئة معينة بها.

فلكل واحدة من هذه المسائل بحثها وأدلتها.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

خامسًا: هل تُعرض أعمال الأحياء على أقاربهم المتوفين؟

هذه مسألة أخرى وردت فيها روايات وآثار، وهي تختلف عن مسألة إهداء ثواب القرآن.

من أشهر ما رُوي في الباب خبر أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، وفيه أن أرواح المؤمنين تتساءل عن أحوال من تركوهم في الدنيا، وأن أعمال الأحياء تُعرض على أقاربهم من أهل الآخرة، فيفرحون بالخير ويدعون لأصحابه.

وقد ذكر الطبراني الرواية في المعجم الأوسط، ونقل ابن تيمية بعض آثار هذا الباب في مجموع الفتاوى (24/331).

كما وردت روايات أخرى تُنسب إلى أنس بن مالك وأبي الدرداء وغيرهما رضي الله عنهم، بألفاظ وأسانيد مختلفة.

لكن الأمانة العلمية تقتضي التنبيه إلى أن أحكام المحدثين على هذه الروايات ليست واحدة؛ فمنها ما وقع الخلاف في رفعه إلى النبي ﷺ، ومنها ما تكلّم العلماء في إسناده، ومنها ما نُقل موقوفًا على بعض الصحابة.

وقد صحح الألباني رواية أبي أيوب في السلسلة الصحيحة (6/605)، مع وجود بحث حديثي في رفع الخبر ووقفه.

أما رواية أنس في عرض الأعمال، فقد ضعّف إسنادها محققون، في حين صححها الألباني بعد أن كان قد ضعّفها.

لذلك لا يصح القول إن جميع الروايات في عرض الأعمال صحيحة صريحة متفق عليها، كما لا يصح أن نخلط بينها وبين الأحاديث الصحيحة الثابتة في انتفاع الميت بدعاء الحي والصدقة عنه.

والنتيجة المنهجية هنا واضحة: ثبوت انتفاع الميت ببعض أعمال الحي لا يتوقف على صحة كل رواية وردت في عرض الأعمال، كما أن البحث في روايات العرض لا يُسقط الأدلة الصحيحة في سائر المسائل.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

سادسًا: هل يدعو الأموات للأحياء؟

تتضمن بعض الروايات الواردة في عرض الأعمال أن الأقارب المتوفين يفرحون بأعمال الخير، ويدعون الله للأحياء بالثبات والهداية.

لكن إثبات أن الميت يدعو لقريبه الحي يحتاج إلى النظر في الرواية التي وردت بذلك، من حيث ثبوتها ودلالتها.

فلا يصح أن نثبت هذه المسألة بمجرد الاستدلال بحديث انقطاع العمل، ولا بمجرد ثبوت أن الحي يستطيع أن ينفع الميت بدعائه.

فدعاء الحي للميت شيء، ودعاء الميت للحي شيء آخر من جهة الدليل، وإن كان كلاهما متعلقًا بالدعاء.

والمنهج المنضبط أن نقول: وردت روايات في دعاء الموتى للأحياء ضمن أخبار عرض الأعمال، وهي بحاجة إلى تقييم حديثي مستقل، ولا يجوز أن نجعل جميع تفاصيلها في درجة واحدة من الثبوت.

وهذا لا يعني استحالة الأمر من حيث القدرة الإلهية، وإنما يعني أن إثبات الوقوع الشرعي في أمر غيبي يحتاج إلى دليل، وليس مجرد الإمكان دليلًا على الوقوع.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

سابعًا: ماذا قال ابن تيمية في أحوال الأموات؟

من المهم أن نقرأ كلام العلماء كاملًا، لا أن ننتقي منه ما يوافق موقفًا سابقًا.

سُئل ابن تيمية رحمه الله عن الأحياء إذا زاروا الأموات، وهل يعلمون بزيارتهم، وهل يعلمون بموت أحد من أقاربهم.

فذكر أن الآثار قد جاءت بتلاقي الأرواح وتساؤلها وعرض أعمال الأحياء على الأموات، وأورد خبر أبي أيوب الأنصاري في هذا السياق.

📚 مجموع الفتاوى، (24/331).

كما قرر ابن تيمية في مواضع أخرى من مجموع الفتاوى وصول ثواب قراءة أهل الميت وتسبيحهم وتكبيرهم وسائر ذكرهم إذا أهدوه إليه.

📚 مجموع الفتاوى، (24/324).

وهذه النصوص تبين أن ابن تيمية يقرّر وصول ثواب القراءة والذكر إلى الميت، ويذكر الآثار الواردة في أحوال الأرواح وعرض الأعمال.

لكن الإنصاف يقتضي التفريق بين المسألتين: فترجيحه وصول ثواب القراءة اجتهاد فقهي صريح، أما ذكره روايات عرض الأعمال فلا يعني بالضرورة تصحيحه كل رواية في الباب أو إثباته جميع التفاصيل الواردة فيها.

وهذه قاعدة ينبغي تطبيقها على كلام كل عالم: لا نحمّله ما لم يقله، ولا نجعل خلافنا معه سببًا لتحريف عبارته.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

ثامنًا: هل عدم فعل السلف لشيء دليل على منعه؟

يستدل بعض المانعين من إهداء ثواب القراءة بأن ذلك لم يُنقل عن النبي ﷺ وأصحابه على نحو ما نُقل الدعاء والصدقة والحج والصوم عن الميت.

وهذا وجه من وجوه استدلالهم، ينبغي عرضه كما هو.

لكن من أجاز إهداء ثواب القراءة يرى أن النصوص أثبتت وصول نفع بعض الأعمال إلى الميت، وأنه لا يوجد فرق مؤثر بالضرورة بين ثواب القراءة وثواب بعض العبادات الأخرى، ما دام العمل قربةً لله تعالى وأُهدي ثوابه إلى الميت.

وهذا هو وجه الاستدلال الذي رجحه ابن تيمية، وقرره ابن أبي العز في شرح العقيدة الطحاوية.

وهنا يجب التنبيه إلى أن الكلام المنقول من شرح العقيدة الطحاوية في وصول ثواب القراءة هو من كلام ابن أبي العز الحنفي، صاحب الشرح، وليس من كلام ابن تيمية نفسه، وإن كان موافقًا لترجيح ابن تيمية في هذه المسألة.

والخلاف هنا خلاف في فهم الأدلة، وفي مدى إلحاق عبادة بعبادة أخرى، وفي أثر عدم النقل عن السلف؛ فلا يصح تحويله إلى اتهام للنوايا أو إخراج للمخالف من دائرة أهل السنة.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

تاسعًا: حديث «اقرؤوا على موتاكم يس»… وهل يُحمل على ظاهره؟

من الأحاديث التي يُستدل بها في مسألة قراءة القرآن على الموتى، حديث معقل بن يسار رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال:

«اقرؤوا على موتاكم يس».

📚 رواه أبو داود (3121)، وابن ماجه (1448)، وأحمد في المسند، وصححه ابن حبان في صحيحه (3002). 

فإذا أخذنا بقول من صحّح الحديث، فكيف نفهم لفظ «موتاكم»؟

الأصل أن يُنظر في اللفظ الوارد في الحديث، وألا يُصرف عن ظاهره إلا بدليل أو قرينة معتبرة. ولفظ «موتاكم» يحتمل عند أهل العلم أن يُراد به من مات بالفعل، كما استُعمل في بعض النصوص بمعنى المحتضر الذي حضرته الوفاة.

وقد حمل عدد من العلماء الحديث على المحتضرين، مستدلين بحديث «لقّنوا موتاكم لا إله إلا الله»، الذي أُريد به المحتضرون. لكن هذا التفسير لا ينبغي أن يُعرض وكأنه المعنى الوحيد الممكن من جهة اللغة، بل هو تفسير يحتاج إلى مناقشة أدلته وقرائنه.

أما من صحّح حديث «اقرؤوا على موتاكم يس»، وحمله على من مات بالفعل، فإنه يستدل بظاهره على مشروعية قراءة سورة يس على الميت. وهذا وجه استدلال معروف، ولا يصح إسقاطه بمجرد القول إن المقصود بالموتى هم المحتضرون، دون مناقشة الدليل على هذا التخصيص.

ومع ذلك، ينبغي التمييز بين دلالة الحديث على قراءة سورة يس على الميت، وبين الاستدلال به على جميع صور إهداء ثواب القرآن؛ فالمسألة الثانية أوسع، وقد بحثها الفقهاء بأدلة أخرى.

والخلاصة: من صحّح الحديث وحمله على ظاهره له وجه استدلال ينبغي عرضه ومناقشته علميًا، ومن ضعّفه أو حمله على المحتضرين له اجتهاده وأدلته. فلا يصح تحويل المسألة إلى إنكار مطلق، ولا الجزم بأن الحديث حجة صحيحة عند جميع المحدثين.

فالاستدلال الصحيح لا يقوم على كثرة النقول وحدها، بل على ثبوت النص ودلالته، وعلى فهم كلام الفقيه في سياقه.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

عاشرًا: الخلاصة التي ينبغي ألا نختلف عليها

بعد جمع هذه المسائل، يمكن الوصول إلى نتائج واضحة:

1. انتفاع الميت بدعاء الحي ثابت.
دلّ عليه حديث صحيح، ومنه دعاء الولد الصالح لوالده.

2. انتفاع الميت بالصدقة عنه ثابت.
وقد أذن النبي ﷺ في الصدقة عن الميت في أحاديث صحيحة.

3. وردت نصوص صحيحة في الحج والصوم عن الميت في صور معينة.
وهذه الأدلة أصل في تقرير أن الموت لا يمنع وصول كل نفع من أعمال الأحياء.

4. إهداء ثواب قراءة القرآن مسألة خلافية معروفة.
ذهب إلى وصوله علماء ومذاهب معتبرة، منهم الحنفية والحنابلة وابن تيمية، بينما المشهور عند الشافعية عدم وصوله، مع وجود قول آخر في المذهب.

5. عرض أعمال الأحياء على أقاربهم المتوفين ودعاء الموتى للأحياء مسألتان تحتاجان إلى تحرير حديثي مستقل.
وردت فيهما روايات وآثار متفاوتة في درجاتها، فلا يصح الجزم بكل تفاصيلها دون تحقيق.

6. لا بد من التفريق بين أصل العمل والهيئة التي يُؤدّى بها.
فجواز إهداء ثواب القراءة عند من يقول به لا يعني تلقائيًا جواز كل صورة من صور الاستئجار أو الاجتماع أو تخصيص القبور بقراءات وهيئات معينة.

7. الخلاف الفقهي لا يُحسم بالتشنيع على المخالف.
بل يُبحث بالدليل، وتُعرف أقوال العلماء، ويُفرّق بين المسائل المتفق عليها والمسائل الاجتهادية.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

كلمة أخيرة

إن رحمة الله أوسع من أن نحصرها في صورة واحدة من صور النفع، كما أن الغيب أعظم من أن نتحدث فيه بغير علم.

فقد ثبت بالدليل الصحيح أن الميت ينتفع بدعاء الأحياء، وأن الصدقة عنه مشروعة، وأن بعض الأعمال يصل نفعها إليه. واختلف العلماء في وصول ثواب قراءة القرآن، ولكل فريق أدلته وطريقته في الاستدلال.

فلا ننكر ما ثبت، ولا نُثبت ما لم يقم عليه دليل، ولا نجعل المسائل الاجتهادية ميدانًا للتبديع والتضليل.

والأولى بالمسلم أن ينشغل بما ينفعه وينفع موتاه: بالدعاء لهم، والاستغفار، والصدقة عنهم، وقضاء ما ثبت من الحقوق والواجبات المتعلقة بهم، والعمل الصالح الذي يرضي الله تعالى.

نسأل الله أن يرحم موتانا وموتى المسلمين، وأن يغفر لهم، وأن يجعلنا ممن يتبعون الحق بدليله، ويختلفون بأدب وإنصاف.

والله تعالى أعلم.

ماذا نعرف عن أحوال الموتى؟ وهل تُعرض عليهم أعمال أقاربهم؟ وهل يدعون الله للأحياء؟

 

هل تنقطع صلة الأموات بالأحياء؟ أدلة وآثار من عالم البرزخ

ماذا نعرف عن أحوال الموتى؟ وهل تُعرض عليهم أعمال أقاربهم؟ وهل يدعون الله للأحياء؟

من المسائل التي يكثر حولها الجدل في قضايا العقيدة وعالم البرزخ: ما الذي يبقى من صلة بين الأموات والأحياء بعد الموت؟

فهل تنقطع كل معرفة بين العالمين؟ وهل يمتنع أن يُطلع الله بعض عباده الذين انتقلوا إلى البرزخ على أحوال أقاربهم؟ وهل يمكن أن يدعوا الله لهم كما تدعو الملائكة للمؤمنين؟

هذه أسئلة ينبغي أن تُبحث بالأدلة، بعيدًا عن التهويل والإنكار المسبق، مع التفريق بين ما ثبت بنص صحيح، وما ورد في آثار وروايات مختلف في ثبوتها.

أولًا: رواية أبي أيوب الأنصاري في عرض الأعمال على الأموات

ورد عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه خبرٌ يتضمن أن روح المؤمن إذا قُبضت تلقّاها أهل الرحمة من عباد الله، وسألوه عن أحوال بعض من تركهم في الدنيا، ثم جاء فيه:

«إن أعمالكم تُعرض على أقاربكم وعشائركم من أهل الآخرة، فإن كان خيرًا فرحوا واستبشروا... ويُعرض عليهم عمل المسيء، فيقولون: اللهم ألهمه عملًا صالحًا ترضى به عنه وتقرّبه إليك».

تخريج الرواية: أخرجها الطبراني في المعجم الأوسط، وذكرها ابن تيمية في مجموع الفتاوى (24/331)، وصحح الألباني الرواية بعد أن كان قد ضعّفها، كما هو مذكور في السلسلة الصحيحة (6/605).

لكن من الأمانة العلمية التنبيه إلى أن الكلام على الرواية يحتاج إلى التفريق بين رفعها إلى النبي ﷺ ووقفها على أبي أيوب؛ فقد رجّح بعض الباحثين ثبوتها موقوفة، ولم يصححوا رفعها إلى النبي ﷺ. ولذلك لا يصح عرض المسألة وكأن الحكم الحديثي فيها محل اتفاق.

ومع ذلك، فإن الرواية تطرح بوضوح مسألة عرض الأعمال على الأقارب المتوفين، وهي مسألة تناولها عدد من أهل العلم في كتبهم.

ثانيًا: رواية أنس بن مالك رضي الله عنه

ورد عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:

«إن أعمالكم تُعرض على أقاربكم وعشائركم من الأموات، فإن كان خيرًا استبشروا به، وإن كان غير ذلك قالوا: اللهم لا تمتهم حتى تهديهم كما هديتنا».

أخرجها الإمام أحمد في المسند.

غير أن هذه الرواية لا يصح الجزم بصحتها؛ فقد ضعّف إسنادها عدد من أهل الحديث، ومنهم شعيب الأرناؤوط والألباني، لوجود ضعف في سندها.

وهنا ينبغي التأكيد على قاعدة مهمة: لا يكفي تعدد الروايات للحكم بصحتها، بل لا بد من دراسة أسانيدها، والنظر في استقلال طرقها، ومدى صلاحية بعضها لتقوية بعض.

ثالثًا: روايات أخرى في الباب

وردت أخبار أخرى في عرض أعمال الأحياء على أقاربهم المتوفين، منها روايات تُنسب إلى جابر بن عبد الله، والنعمان بن بشير، وأبي هريرة، وأبي الدرداء رضي الله عنهم.

وتختلف هذه الروايات في ألفاظها وأسانيدها ودرجاتها الحديثية؛ فلا يصح وضعها كلها في مرتبة واحدة، أو وصفها جميعًا بالصحة دون تحقيق مفصل لكل طريق.

ومما يستحق الذكر هنا ما نُقل عن أبي الدرداء رضي الله عنه من خوفه أن يعمل عملًا يُخزي الله به عبد الله بن رواحة رضي الله عنه، وهو من أقاربه.

ومثل هذه الآثار يُستأنس بها في معرفة ما كان يعتقده بعض السلف في أحوال الموتى، مع ضرورة التمييز بين الأثر الموقوف على الصحابي والحديث المرفوع إلى النبي ﷺ.

رابعًا: ماذا قال ابن تيمية في هذه المسألة؟

من المهم أن نقرأ كلام العلماء في المسألة كاملة، لا أن نكتفي بما يُنقل عنهم في المنشورات الجدلية.

يقول ابن تيمية رحمه الله، في معرض إجابته عن سؤال حول معرفة الأموات بزيارة الأحياء لهم:

«نعم، قد جاءت الآثار بتلاقيهم وتساؤلهم وعرض أعمال الأحياء على الأموات».

ثم ذكر خبر أبي أيوب الأنصاري، وما ورد فيه من تساؤل الأرواح عن أحوال من تركوهم في الدنيا.

المصدر: مجموع الفتاوى، الجزء الرابع والعشرون، صفحة 331. ويمكن مراجعة النص في مجموع فتاوى ابن تيمية.

وهذا النقل مهم في تحرير محل النزاع؛ إذ يدل على أن ابن تيمية لم ينكر أصل ورود الآثار في تلاقي الأرواح وتساؤلها وعرض الأعمال.

لكن ينبغي ألا ننسب إليه أكثر مما يدل عليه كلامه، وألا نجعل إقراره بوجود آثار في الباب تصحيحًا تلقائيًا لكل رواية تُذكر فيه.

خامسًا: هل يستحيل أن ينتفع الحي بما يقع في عالم البرزخ؟

ينبغي التفريق بين عدة مسائل كثيرًا ما تختلط في النقاش:

1. انتفاع الحي بالحي

وهذا أمر معلوم، كالدعاء والنصيحة والتعليم والإعانة، ولا خلاف في أصله.

2. انتفاع الميت بدعاء الحي وعمله

ثبت في الحديث الصحيح أن عمل الإنسان ينقطع بموته إلا من أمور، منها الصدقة الجارية والعلم الذي يُنتفع به والولد الصالح الذي يدعو له. وهذا يدل على أن الموت لا يمنع وصول بعض المنافع إلى الميت بإذن الله.

3. انتفاع الحي بما يقع في عالم البرزخ

هذه مسألة أخرى، ولا يصح جعل جميع صورها في حكم واحد. فما ثبت بنص خاص أُثبت في حدوده، وما لم يثبت لم يُجزم به لمجرد الإمكان العقلي أو ورود رواية ضعيفة.

4. دعاء الأموات للأحياء

هذه هي المسألة التي تحتاج إلى دليل خاص يثبت وقوعها، ولا يكفي لإثباتها مجرد ثبوت انتفاع الميت بدعاء الحي، أو ثبوت بعض أحوال الأرواح في البرزخ.

فلا بد من التمييز بين إمكان الأمر، وثبوت وقوعه شرعًا، وبين إثبات صورة معينة منه على وجه العموم.

سادسًا: ماذا عن لقاء الأرواح ومعرفتها ببعض الأحياء؟

وردت نصوص وآثار في أحوال الأرواح بعد الموت، وفي معرفة الميت ببعض ما يتصل به من أحوال البرزخ.

لكن عالم البرزخ من الغيب الذي لا يُقاس على أحوال الدنيا قياسًا مطلقًا، ولا يجوز أن نثبت تفاصيله بمجرد التخمين أو بمجرد روايات لم تثبت.

ولهذا فإن المنهج العلمي الصحيح ليس إنكار كل ما يتعلق بأحوال الأرواح لمجرد أنه غيبي، ولا قبول كل رواية تُروى في الباب، وإنما الرجوع إلى الأدلة الثابتة، وفهمها في حدود دلالتها.

الخلاصة

يمكن تلخيص المسألة في نقاط:

  • ثبوت انتفاع الميت بدعاء الحي وعمله في بعض الصور أمر دلّت عليه نصوص صحيحة.

  • وردت آثار وروايات في تلاقي الأرواح وتساؤلها وعرض أعمال الأحياء على الأقارب المتوفين، لكن أسانيد هذه الروايات ودرجاتها ليست كلها واحدة.

  • نقل ابن تيمية ورود آثار في هذا الباب، وهذا لا يعني تصحيحه لكل حديث يُروى فيه.

  • أما الجزم بأن الأموات جميعًا يطّلعون على أعمال الأحياء، أو أنهم يدعون لهم على الدوام، فيحتاج إلى دليل يثبت هذه التفاصيل.

  • ولا يصح الانتقال من إثبات مسألة إلى إثبات مسائل أخرى لمجرد التشابه بينها؛ فلكل دعوى دليلها.

والقاعدة التي ينبغي أن تحكم هذا النقاش هي: لا ننكر ما ثبت بدليله، ولا نجزم بما لم يثبت، ولا نجعل الخلاف في تصحيح الروايات سببًا للتبديع أو التخوين.

فالمطلوب هو البحث المنصف، وفهم كلام العلماء في سياقه، والتفريق بين النص الثابت والاجتهاد، وبين الإمكان العقلي والدليل الشرعي.

والله تعالى أعلم.

*أقذر دولة عظمى* *على وجه الأرض،* *وعلى مدار التاريخ* من تتوقعونها !!!!

 *أقذر دولة عظمى*

*على وجه الأرض،*
*وعلى مدار التاريخ*
رغم أنه لم يمر من عمر الولايات المتحدة الأمريكية غير حوالي (250) سنة فقط، إلا أنها قضت (93%) من عمرها، بما يعني (222) سنة في الحروب المختلفة على الدول الأخرى واحتلالها في أنحاء العالم كافة.
أكثر من (90) حربا وعدوانا، منها جرائم حرب.. وجرائم ضد الإنسانية، مما يدل على أنها أحط وأشرس حضارة قامت عبر التاريخ، علما بأنه لا يوجد لأمريكا حضارة، وذلك طبقا لما ورد في تلك القائمة السوداء:
1- عام 1833: قامت القوات الأمريكية بغزو نيكاراغوا.
2- عام 1888: دخلت القوات الأمريكية إلى البيرو.
3- 1846: احتلت القوات الأمريكية أرضا مكسيكية.. وضمتها إليها، وهي ما تعرف اليوم بولاية تكساس.
4- 1848: قامت القوات الأمريكية باحتلال أرض مكسيكية أخرى.. وضمتها إليها، وهي التي تُعرَف الآن بولايتي: كاليفورنيا ونيومكسيكو.
5- 1854: دمرت الولايات المتحدة ميناء "غراي تاون" في نيكاراغوا، انتقاماً منها لعدم قبول حكومتها دخول عميل أمريكي إلى أراضيها.
6- 1855: غزت القوات الأمريكية الأورغواي، ثم غزت قناة بنما.
7- 1857: تدخلت في نيكاراغوا ثانية، لإفشال محاولة عدو أمريكا "وليم روكر" تولي السلطة.
8- 1873: قامت القوات الأمريكية بغزو كولومبيا، ثم قامت بعمليات ضدها على مدى الأعوام: 1885، 1891، 1892، 1893، 1898، 1899م.
9- 1888: تدخلت أمريكا في هاييتي.
10- 1891: تدخلت أمريكا في تشيلي.
11- 1894: تدخلت الولايات المتحدة، مرة أخرى، في نيكاراغوا.
12- 1898: تدخلت أمريكا في كوبا، وحاصرت قواتها في البحر، وأخذت عنوة خليج "غوانتانامو" الذي تأسر فيه حالياً مئات العرب والمسلمين، في ظروف وحشية همجية غير إنسانية، باعتراف الأمريكيين أنفسهم.
13- 1901 - 1902: تدخلت أمريكا ثانية في كولومبيا.
14- 1902: تدخلت أمريكا في هندوراس.
15- 1904: الهجوم على بنما.
16- 1905: الهجوم على هندوراس.
17- 1907: استولت أمريكا على ست مدن في هندوراس.
18- 1907: الهجوم على المكسيك لمساعدة الديكتاتور "بورويرو دمزبراي".
19- 1907: الهجوم علي نيكاراغوا.
20- 1907: الدخول إلى جمهورية الدومينيكان لقمع الثورة.
21- 1908: المشاركة في الحرب بين هندوراس ونيكاراغوا.
22- 1910: التدخل بالقوة العسكرية في انتخابات بنما.
23- 1911: التدخل لقمع الإنقلاب ضد حكومة نيكاراغوا.
24- 1911: الدخول إلى الهندوراس لدعم التمرد بقيادة مانويل بونيلا، ضد الرئيس المنتخب ميغيل داويا.
25- 1911: قمع الانتفاضة المناهضة للولايات المتحدة في الفيليبين.
26- 1912: التدخل العسكري في الصين.
27- 1912: الهجوم على كوبا.
28- 1912: الهجوم على بنما.
29- 1912: الهجوم على هندوراس.
30- 1914: قامت قوات "المارينز" بالدخول إلى هاييتي في عملية إنزال جوي، وسرقوا البنك المركزي فيها، بحجة استرداد ديون أمريكية.
31- 1915: احتلت أمريكا كل هاييتي، وبقيت فيها إلى عام 1934م.
32- 1916: تدخلت القوات الأمريكية في الدومينكان ضد الثورة على السلطة الفاسدة،
وفرضت عليهم حكومة عسكرية عميلة لها، حتى عام 1924م.
33- 1917: احتلال كوبا.
34- 1918: المشاركة في الحرب العالمية الأولى.
35- 1920-1918: التدخل في روسيا.
36- 1919: التدخل عسكريا في بنما.
37- 1919: التدخل عسكريا في كوستاريكا.
38- 1920: الهجوم مرة أخرى على هندوراس.
39- 1921: الهجوم على غواتيمالا.
40- 1922: التدخل عسكريا في تركيا.
41- 1922: تدخلت القوات الأمريكية في السلفادور.
42- 1924: التدخل عسكريا في الصين.
43- 1925: الهجوم عسكريا علي هندوراس مرة أخرى.
44- 1926: الهجوم مرة أخرى على بنما.
45- 1927: الهجوم علي نيكاراغوا مرة أخرى.
46- 1932: احتلال الصين.
47- 1933: احتلال نيكاراغوا.
48- 1934: احتلال هاييتي.
49- 1937: الهجوم على السلفادور.
50- 1945: الهجوم على نيكاراغوا.
51- 1945: ما إن إنتهت الحرب العالمية، حتي قصفت الولايات المتحدة مدينتي هيروشيما وناجازاكي في اليابان، وفقد حوالي 220 ألف شخص حياتهم نتيجة لإلقاء القنبلة الذرية، إذ قتل أكثر من 100 ألف شخص خلال القصف مباشرةً، والباقي فقدوا حياتهم (أوخر عام 1945) نتيجة الإشعاعات الضارة التي أُصيبوا بها.
52- 1947: الهجوم على اليونان.
53- 1950: الهجوم على الفيليبين.
54- 1950: الهجوم على بورتريكو.
55- 1950: تورطت أمريكا في الحرب الكورية.
56- 1952: تدخلت في إيران، وقامت المخابرات الأمريكية بالقضاء على حكومة "محمد مصدق" الوطنية، وإعادة شاه إيران.
57- 1954: أطاحت أمريكا بحكومة غواتيمالا بالقوة.
58- 1958: الهجوم على كوريا.
59- 1958: الهجوم على لبنان.
60- 1959؛ الهجوم على بنما.
61- 1959: الهجوم على لاوس.
62- 1960: الهجوم على هاييتي.
63- 1960: عمليات عسكرية ضد الأكوادور.
64- 1961: غزت القوات الأمريكية "خليج الخنازير" في كوبا.
65- 1962: فرض الرئيس الأمريكي كيندي حصاراً بحرياً وجوياً على كوبا، لإجبار السوفييت على إبعاد صواريخهم الذرية عن الجزيرة.
66- 1965: الهجوم على بنما.
67- 1965: زجت "عقيدة الحرب"، المتأصلة في عقول وقلوب صناع السياسة الأمريكية كابراً عن كابر، بجيش الولايات المتحدة الأمريكية في "حرب فيتنام"، التي مارس فيها الجيش الأمريكي أبشع الجرائم، ليس ضد الإنسانية وحدها.. وإنما ضد النبات والحيوان، عندما انهمرت السموم الأمريكية من الطائرات الأمريكية لتهلك الحرث والزرع والحيوان فوق كل الأرض الفيتنامية، وتنتهي الحرب (عام 1975م) رغم كل أسلحة أمريكا ووحشية جيشها، بهزيمة تاريخية لهم.
68- 1966: إلقاء الطائرات الأمريكية الغازات السامة على فيتنام.
69- 1966: الهجوم على غواتيمالا.
70- 1967: ساعدت المخابرات الأمريكية جيش بوليفيا ضد المناضل الثائر "تشي جيفارا"، وتمكنت من اغتياله.
71- 1970: غزت أمريكا كمبوديا، واعتدت على "ممثل شرعيتها" الأمير سيهانوك، الشخص المحايد في حرب فيتنام، وأسقطته. وسلمت الحكم إلى حكومة ضعيفة موالية لها.
72- 1971: الدعم العسكري لأندونيسيا ضد الفيليبين.
73- 1972: قصف لاوس.
74- 1973: زعزعت الولايات المتحدة الاستقرار في تشيلي، واغتالت رئيسها المنتخب "سلفادور الليندي" المعارض لأمريكا، وأقامت حكومة ديكتاتورية عسكرية فيها.
75- 1980: الهجوم على نيكاراغوا.
76- 1980: تولي دونالد ريغان السلطة، وطرح مشروع "حرب النجوم"، وأمد الكيان الصهيوني بمساعدات مالية طائلة، وبنى له قوة عسكرية متفوقة في المنطقة العربية.
77- 1981: نشرت أمريكا صواريخها في كل أوروبا.
78- 1983: عمليات عسكرية ضد إيران.
79- 1986: التدخل العسكري في غرينادا.
80- 1988: الهجوم على ليبيا.
81- 1988: هجوم جديد على الهندوراس.
82- 1989: الهجوم على طائرة مدنية إيرانية، أدى إلى مقتل (290 راكباً) كانوا على متن الطائرة.
83- 1989: غزو عسكري ضد بنما.
84- 1991: إخماد الاضطرابات في "جزر العذراء" البريطانية.
85- 1991: العدوان على العراق.
86- 1995: العدوان علي البوسنة (ذات الأغلبية المسلمة).
87- 1998: احتلال القوات الأمريكية للصومال، واستخدام العنف المفرط ضد مواطنيها العزل.
88- 1999: الهجوم على السودان.
89- 2001: الحرب ضد يوغوسلافيا، تحت غطاء حلف شمال الاطلسي "الناتو"، واستمر القصف (78 يوما).. ما أدى إلى انهيار يوغوسلافيا وتفككها.
90- 2001: الهجوم على أفغانستان واحتلالها، تحت ذريعة مطاردة "تنظيم القاعدة"، وتبين لاحقاً أن أمريكا هي من جهزت وشكلت ومولت "القاعدة".
91- 2003: الهجوم على العراق واحتلاله، دون تفويض من الأمم المتحدة.
92- 2011: الهجوم على ليبيا بعد قيام الثورة فيها، والإطاحة بالقذافي.
93- 2011: الدعم الرسمي للمجموعات الإرهابية المسلحة في سوريا (داعش، جبهة النصرة، هيئة تحرير الشام،..... إلخ).
94 - 2015: عدوانها المباشر بكل الأسلحة المحرمة الدولية على السنة في العراق، تحت مبرر "مقاتلة داعش".
95_ 2018: إعلان "القدس" عاصمة للكيان الصهيوني "إسرائيل".
*"تاريخ إجرامي أسود"، هو عار على الجنس البشري إلى قيام الساعة.*

كتاب التوحيد لمحمد بن عبد الوهاب تحت المجهر: أحاديث ضعيفة، وألفاظ تحتاج إلى مراجعة!


 

كتاب التوحيد لمحمد بن عبد الوهاب تحت المجهر: أحاديث ضعيفة، وألفاظ تحتاج إلى مراجعة!

هل تكفي شهرة الكتاب ومكانة مؤلفه لإعفاء رواياته واستدلالاته من النقد العلمي؟


✦ مقدمة: لا كتاب فوق ميزان التحقيق

يحظى كتاب «التوحيد الذي هو حق الله على العبيد» لمحمد بن عبد الوهاب بمكانة بارزة لدى أتباع الدعوة الوهابية، ويُدرَّس على نطاق واسع في أبواب العقيدة والتوحيد.

لكن مكانة الكتاب، مهما علت عند أنصاره، لا تعني أن كل رواية أوردها صحيحة، أو أن كل استدلال فيه بمنأى عن المراجعة والمناقشة.

فالعلم لا يُعرف بكثرة الأتباع، ولا بصيت المؤلف، ولا بتكرار أقواله في المجالس والدروس؛ وإنما يُعرف بالدليل، وصحة النقل، ودقة الفهم، والقدرة على التمييز بين الثابت والضعيف، وبين النص الصحيح والاستنتاج الذي قد يصيب فيه العالم أو يخطئ.

ومن هنا يحق لنا أن نسأل:

هل استُوفي التحقيق الحديثي في جميع الروايات التي استدل بها محمد بن عبد الوهاب في كتابه؟ وهل نُقلت الأحاديث بألفاظها الصحيحة، وعُزيت إلى مصادرها بدقة؟

هذه أسئلة علمية مشروعة، لا يصح منعها بحجة الدفاع عن مؤلف أو كتاب.

وفيما يأتي جملة من الأمثلة التي تستحق المراجعة والتحقيق، مع ضرورة التفريق بين ضعف بعض الأسانيد، والاختلاف في ألفاظ الروايات، والخلاف في دلالاتها.


أولًا: قصة آدم عليه السلام واتهامه بالشرك

في باب تفسير قوله تعالى:

﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾

أورد محمد بن عبد الوهاب روايةً تُنسب إلى ابن عباس رضي الله عنهما، وفيها أن إبليس طلب من آدم وحواء أن يسميا ابنهما «عبد الحارث»، وأنهما امتنعا أولًا، ثم سمياه بذلك بعد تكرر موت أولادهما.

وقد استُدل بهذه الرواية في تفسير الآية على وقوع الشرك من آدم وحواء عليهما السلام.

وهنا تبرز مسألتان أساسيتان:

الأولى: ما مدى ثبوت الرواية من جهة الإسناد؟

الثانية: هل يصح حمل الآية على أن نبي الله آدم عليه السلام وقع في الشرك، بناءً على هذه الروايات التفسيرية؟

لقد اعترض ابن حزم على هذه القصة في كتابه الفصل في الملل والأهواء والنحل، ووصفها بأنها خرافة موضوعة مكذوبة، كما نقلت كتب التفسير والحديث مناقشات حول هذه الروايات ومصدرها.

لكن الإنصاف العلمي يقتضي دراسة أسانيد الآثار الواردة في الباب، وعدم الاكتفاء بنقل حكم عالم واحد دون النظر في بقية الروايات وأقوال المحققين.

كما ينبغي التمييز بين رواية تُنسب إلى صحابي في التفسير، وبين حديث مرفوع ثبت عن النبي ﷺ.

والسؤال الذي يستحق البحث هنا: هل يصح بناء حكم عقدي خطير على رواية لم يثبت سندها، أو على تفسير مختلف فيه، من دون استكمال النظر في الأدلة الأخرى؟


ثانيًا: هل كل توسّل بالنبي ﷺ شرك؟

في باب قول: «ما شاء الله وشئت»، يناقش الكتاب صورًا من الألفاظ التي قد تتضمن تسوية بين مشيئة الله ومشيئة المخلوق.

لكن من المهم التفريق بين هذه المسألة وبين ألفاظ التوسل وطلب الشفاعة والتعبير عن محبة النبي ﷺ وتعظيم منزلته.

ومن الأمثلة التي يثار حولها النقاش قول البوصيري في قصيدته المشهورة:

«يا سيدَ الخلقِ مالي من ألوذُ بهِ
سواكَ عندَ حلولِ الحادثِ العَمَمِ»

ولا يصح أن يُحكم على هذا البيت بالشرك بمجرد اقتطاعه من سياقه، من غير تحرير معنى «اللوذ» الذي قصده قائله، والنظر في بقية القصيدة، وبيان الفرق بين اعتقاد استقلال المخلوق بالتأثير وبين طلب الشفاعة أو التوسل إلى الله.

وقد ثبت في حديث الشفاعة الطويل أن الناس يقصدون الأنبياء يوم القيامة، حتى ينتهي الأمر إلى النبي محمد ﷺ، فيأذن الله له بالشفاعة.

وهذا الحديث أصل مهم في إثبات الشفاعة بإذن الله، لكنه لا يعني أن كل صيغة من صيغ التوسل جائزة بلا قيد، كما لا يجيز الحكم على كل عبارة محتملة بالشرك دون تفصيل.

فالواجب أن نناقش الألفاظ وفق معانيها ومقاصدها وأدلتها، لا وفق الأحكام المسبقة.


ثالثًا: زيادة لفظ «فصدقه» في حديث العرّاف

أورد محمد بن عبد الوهاب في باب «ما جاء في الكهان ونحوهم» حديثًا بلفظ:

«من أتى عرّافًا فسأله عن شيء لم تُقبل له صلاة أربعين ليلة».

وعزاه إلى صحيح مسلم، مع أن الرواية المشهورة في صحيح مسلم بهذا اللفظ لا تتضمن كلمة «فصدقه».

وهنا ينبغي التدقيق في مسألتين:

  • هل ورد اللفظ الزائد في طريق آخر من طرق الحديث؟

  • وهل وقع الخلط بين روايتين مختلفتين، أم أن الزيادة منقولة من مصدر آخر؟

فمجرد عدم وجود كلمة في موضع معين من صحيح مسلم لا يكفي وحده للجزم بأنها لم ترد في أي مصدر حديثي آخر؛ بل لا بد من جمع الطرق ومقارنة الألفاظ.

ومع ذلك، فإن دقة العزو إلى المصادر الحديثية واجب علمي، ولا ينبغي أن تُنسب إلى كتاب بعينه زيادةٌ لفظية من دون بيان مصدرها.


رابعًا: ألفاظ حديث طيّ السماوات والأرض

في باب قوله تعالى:

﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾

أورد المؤلف حديثًا في طيّ السماوات والأرض يوم القيامة، وزاد في أحد ألفاظه كلمة «السبع» بعد ذكر الأرضين.

وهذه الزيادة تحتاج إلى مقابلة دقيقة بين نص الكتاب ومصادر الحديث وطرقه المختلفة؛ لأن اختلاف الألفاظ لا يُحسم بمجرد العثور على صيغة واحدة في مصدر واحد.

كما أن الكلام على إسناد الحديث يحتاج إلى تفصيل.

فقد تكلّم عدد من النقاد في بعض رواة بعض طرقه، ومنهم عمر بن حمزة، لكن الحكم النهائي على الحديث لا يُبنى بمجرد نقل أقوال الجرح في راوٍ واحد، بل يُنظر في الإسناد كاملًا، وفي الطرق والشواهد، وفي منهج المحدثين في التعامل مع الرواية.

ومن ثم فإن وصف الحديث بأنه شديد الضعف أو باطل يحتاج إلى تحقيق مستقل، لا إلى الاكتفاء بسرد أسماء الرواة الذين تُكلّم فيهم.

والقاعدة هنا: لا تُصحَّح الزيادة لمجرد ورود أصل الحديث، ولا تُحكم ببطلان الحديث كله لمجرد وجود راوٍ ضعيف في أحد أسانيده.


خامسًا: حديث «ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد»

أورد الكتاب الرواية المنسوبة إلى أبي ذر رضي الله عنه:

«ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد أُلقيت بين ظهري فلاة من الأرض».

وهذه الرواية قد تكلّم أهل الحديث في إسنادها، وقد حكم شعيب الأرناؤوط بضعفها في تخريجه لشرح العقيدة الطحاوية.

وهذا مثال واضح على أهمية التمييز بين أمرين:

الأول: ورود الرواية في كتاب من كتب التفسير أو الاعتقاد.

الثاني: ثبوتها عن النبي ﷺ بإسناد تقوم به الحجة.

فوجود الرواية في مصدر مشهور لا يجعلها صحيحة تلقائيًا، كما أن ضعف رواية بعينها لا يعني بطلان كل المعاني العقدية التي قد يستدل لها بأدلة أخرى.

وإذا نُقلت الرواية بلفظ زائد، مثل إضافة عبارة «من الأرض» في موضع لم ترد فيه بحسب نسخة معينة، وجب الرجوع إلى الأصول ومقارنة النسخ قبل نسبة الزيادة إلى المؤلف.

وهذا هو التحقيق الذي ينبغي أن يلتزمه كل من يتصدى لنقد كتب العقيدة أو الدفاع عنها.


سادسًا: أحاديث الحلق والخيوط والتمائم

في باب «من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما»، استدل المؤلف بأحاديث في النهي عن التمائم وما يشبهها، ومنها:

«من تعلّق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلّق ودعة فلا ودع الله له».

وقد نوقش إسناد هذه الرواية بسبب الكلام في بعض رواتها، ومنهم مُشرَّح بن هاعان.

لكن البحث العلمي لا يتوقف عند هذا الموضع؛ بل ينبغي جمع طرق الحديث، والنظر في أحكام النقاد عليها، ومقارنتها بالأحاديث الأخرى الواردة في الباب.

والأهم أن نفرّق بين الحكم على إسناد حديث معين وبين الحكم على المسألة الفقهية أو العقدية التي يراد الاستدلال به عليها.

فقد يكون أصل المعنى ثابتًا بأدلة أخرى، حتى لو لم يثبت لفظ بعينه من طريق مخصوص.

ولهذا فإن النقد الدقيق لا يكتفي بالقول: «هذا الحديث ضعيف»، بل يجيب أيضًا عن السؤال التالي:

هل توجد أدلة صحيحة أخرى تؤيد الحكم نفسه، أم أن الاستدلال قائم على الرواية المنتقدة وحدها؟


سابعًا: أحاديث التنجيم والرقى والتمائم

تتكرر في أبواب التنجيم والرقى والتمائم روايات متفاوتة من حيث القوة الحديثية، وقد تكلم النقاد في بعض أسانيدها ورواتها.

ومن الأمثلة التي تحتاج إلى دراسة مستقلة:

  • حديث «إن الرقى والتمائم والتِّوَلة شرك»، الذي نوقش إسناده بسبب جهالة بعض رواته في بعض طرقه.

  • حديث «من تعلّق شيئًا وُكل إليه»، الذي ورد من طرق تكلم العلماء في بعض رجالها، ومنهم محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وعباد بن ميسرة.

  • حديث رويفع رضي الله عنه في بعض أحكام ما يُعلَّق على الإنسان، الذي تحتاج طرقه إلى جمع ودراسة، مع الكلام في بعض رواته، ومنهم ابن لهيعة في إحدى الروايات.

ولا يصح أن تتحول هذه الملاحظات إلى أحكام إجمالية قبل استكمال التخريج؛ فلكل حديث طرقه، ولكل راوٍ حاله، ولكل طريق حكم قد يختلف عن غيره.

كما أن وجود أحاديث صحيحة في أبواب الرقى والتمائم والتنجيم يوجب على الباحث أن يجمع الأدلة كلها، لا أن يكتفي بالروايات التي تؤيد النتيجة التي يريد الوصول إليها.

فإذا كان المقصود بيان حكم شرعي، فالأولى البدء بأصح الأدلة وأوضحها، مع بيان ما يصح وما لا يصح.


ثامنًا: روايات المسافة بين السماوات والأرض

من أكثر المواضع التي تستدعي البحث في هذا الباب الروايات التي تذكر المسافة بين السماوات والأرض، ومنها الرواية التي تتضمن أن المسافة بينهما مسيرة خمسمائة سنة، وأن المسافة بين كل سماء وأخرى كذلك.

وقد أورد المؤلف رواية بهذا المعنى، وعزاها إلى أبي داود، مع أن اللفظ الذي يناقشه الناقد في المقال منسوب إلى رواية أخرى.

وهنا لا بد من الفصل بين الروايات المتقاربة في الموضوع، لكنها مختلفة في الإسناد واللفظ.

فقد وردت رواية عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه في شأن المسافة بين السماوات والأرض وما فوقها، أخرجها أبو داود، وفي إسنادها رواة تكلّم فيهم أهل الحديث، ومنهم الوليد بن أبي ثور وعبد الله بن عميرة.

كما أن بعض النقاد أشاروا إلى إشكالات في اتصال بعض أسانيد هذه الرواية.

لكن الحكم عليها يحتاج إلى تحرير طرقها وألفاظها، ومقارنة ما أورده المؤلف بما ورد في المصادر الأصلية، ثم نقل أحكام العلماء عليها بأمانة.

ولا يكفي أن نذكر أن راويًا ضعيف أو مجهول حتى ننتقل مباشرة إلى وصف الحديث كله بالوضع؛ فالوضع حكم أشد، وله شروط وقرائن لا بد من إثباتها.

ومن هنا فإن التمييز بين الحديث الضعيف والحديث الموضوع ليس تفصيلًا شكليًا، بل هو من أساسيات النقد الحديثي.


تاسعًا: ماذا تعني هذه الملاحظات بالنسبة إلى الكتاب ومؤلفه؟

بعد هذه الأمثلة، نصل إلى السؤال الأهم: ما الذي يمكن أن نثبته علميًّا؟

يمكننا أن نقول إن الروايات التي تُذكر في كتاب عقدي ينبغي أن تخضع للفحص الحديثي، وإن نسبة الحديث إلى مصدر معين يجب أن تكون دقيقة، وإن اختلاف الألفاظ والطرق قد يؤثر في صحة الاستدلال.

كما يمكننا أن ننتقد استدلالًا بعينه إذا ثبت أن الرواية التي يقوم عليها لا تصح، أو أن دلالتها لا تنهض لإثبات النتيجة التي بُنيت عليها.

لكن لا يصح أن نقفز من هذه الملاحظات الجزئية إلى حكم شامل بأن جميع روايات الكتاب ضعيفة أو مكذوبة، أو أن مؤلفه لا يصلح للاجتهاد مطلقًا؛ فهذه نتائج تحتاج إلى دراسة أوسع، وأدلة أكثر شمولًا.

أما ما نُقل عن سليمان بن عبد الوهاب في نقد أخيه، وما يُنسب إلى بعض علماء الحنابلة في تقويم منزلته العلمية، فينبغي توثيقه بالنص الأصلي، وتحديد مصدره وسياقه، قبل اتخاذه دليلًا حاسمًا في هذا النزاع.

فالنقد العلمي لا يكتمل بجمع الاعتراضات، وإنما يكتمل بتحريرها، وتوثيقها، والرد على ما قد يَرِد عليها من مناقشات.


خاتمة: التوحيد أعظم من أن يُحمى بالتعصب للأشخاص

ليس من الإنصاف أن يُمنع نقد كتاب لأن مؤلفه يحظى بمكانة كبيرة لدى أتباعه، كما أنه ليس من الإنصاف أن يُحكم على مؤلف أو كتاب بأكمله بسبب أخطاء محتملة أو روايات لم يُستكمل تحقيقها.

فالحق لا يُعرف بالرجال، وإنما يُعرف بالدليل؛ والعالم مهما علت منزلته يظل اجتهاده قابلًا للفحص والمراجعة، والكتاب مهما اشتهر لا يُغني عن التثبت من نصوصه وأسانيده.

ومن حق الباحث أن يسأل عن صحة الأحاديث، ودقة العزو، وسلامة الاستدلال، وأن يناقش الأحكام التي بُنيت على روايات ضعيفة أو مختلف فيها.

لكن من واجبه أيضًا أن يلتزم الأمانة في النقل، وألا يخلط بين الضعف والوضع، أو بين نقد الدليل والحكم على صاحبه، أو بين الاختلاف العلمي والطعن الشخصي.

فإذا أردنا نصرة التوحيد، فلننصر معه العلم والأمانة والإنصاف؛ إذ لا يخدم العقيدةَ أن نُضعف معايير التحقيق من أجل الدفاع عن كتاب، ولا أن نتجاوز تلك المعايير من أجل الطعن فيه.

والله أعلم.

حكم تعزية غير المسلمين وتشييع جنائزهم؟

 


🔴 تعزية غير المسلمين وتشييع جنائزهم
أحكامها وصيغها وشروطها في الفقه الإسلامي .
دراسة فقهية معاصرة في ضوء مقاصد الشريعة السمحة .
🔴 المفصل 🔴
📝 السُّؤَالُ :
ما حكم تعزية غير المسلمين وتشييع جنائزهم في الفقه الإسلامي؟ وما هي الصيغ والألفاظ المشروعة في تعزيتهم؟ وهل يجوز للمسلم أن يدخل الكنائس للتعزية؟ وما حكم الدعاء لموتاهم بالرحمة؟ وما هي شروط جواز ذلك كله؟ نرجو بيان ذلك بالتفصيل في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة وأقوال الفقهاء والعلماء.
📜الجواب 📜
▪️ الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ الله، أمَّا بعدُ .
فإنَّ موضوع التعزية وتشييع الجنائز لغير المسلمين من الموضوعات الفقهية المعاصرة التي تحتاج إلى بيان وتفصيل؛ نظرًا لتشابك العلاقات الاجتماعية بين المسلمين وغيرهم في كثير من المجتمعات، ولما يترتب على ذلك من أحكام شرعية تتعلق بالبر والقسط وحسن المعاملة، وما يجب التمييز فيه بين المعاملة الدنيوية التي جاءت الشريعة بإباحتها أو استحبابها، وبين ما يتعلق بالاعتقاد والإقرار على الباطل الذي حرمته الشريعة. ولذلك سوف نقف مع هذا الموضوع من خلال العناصر التالية:
⚫ العنصر الأول: مفهوم التعزية وحكمها في الشريعة الإسلامية
● تعريف التعزية لغةً واصطلاحًا
● حث الشرع الشريف على تقديم التعزية لأهل الميت وبيان ثوابها
● ما تتحقق به تعزية أهل الميت شرعًا
⚫ العنصر الثاني: تعزية غير المسلمين: المفهوم والحكم الشرعي
● بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم رحمةً للعالمين
● الأمر بحسن معاملة أهل الكتاب والدليل على ذلك
● صور حسن معاملة أهل الكتاب وفعل النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته
● أقوال الفقهاء في حكم تعزية غير المسلمين
⚫ العنصر الثالث: تشييع جنائز غير المسلمين: الأدلة والأحكام
● الدليل من السنة على جواز اتباع جنائز أهل الكتاب
● أقوال الفقهاء في جواز تشييع جنازة أهل الكتاب
● شروط جواز المشاركة في جنائز غير المسلمين
⚫ العنصر الرابع: الصيغ والألفاظ المشروعة في تعزية غير المسلمين
● ما لا يجوز من الألفاظ في تعزية غير المسلمين
● الصيغ الجائزة والمستحبة في تعزيتهم
⚫ العنصر الخامس: حكم دخول الكنائس للتعزية والدعاء لموتاهم
● حكم دخول الكنائس للتعزية
● حكم الدعاء لموتى غير المسلمين بالرحمة
⚫ العنصر السادس: حكم التعزية بعبارة "الله يعزيك" و"إن في الله عزاءً من كل مصيبة"
● حكم التعزية بقول: "الله يعزيك"
● حكم التعزية بعبارة: "إن في الله عزاءً من كل مصيبة"
⚫ العنصر السابع: الخلاصة والنتائج
⚫⚫⚫⚫⚫⚫⚫⚫⚫⚫⚫⚫⚫⚫
⚫ العنصر الأول: مفهوم التعزية وحكمها في الشريعة الإسلامية
● تعريف التعزية لغةً واصطلاحًا
التعزية في اللغة: مصدر، والاسم عزاء؛ والتعزية تعني التصبر، والعزاء يعني الصبر. قال الفيومي في "المصباح المنير": عزي يعزي من باب تعب: صبر على ما نابه. وعزيته تعزية؛ قلت له: أحسن الله عزاءك؛ أي: رزقك الصبر الحسن والعزاء.. وتعزى هو تصبر، وشعاره أن يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون> <(2/ 408، ط. المكتبة العلمية)>.
وقال الشيخ الخطيب الشربيني في "مغني المحتاج": وهي -أي: التعزية- لغة: التسلية عمن يُعزَّى عليه، واصطلاحًا: الأمر بالصبر والحمل عليه بوعد الأجر، والتحذير من الوزر بالجزع، والدعاء للميت بالمغفرة، وللمصاب بجبر المصيبة> <(2/ 41، ط. دار الكتب العلمية)>.
وقال الإمام النووي في "روضة الطالبين": معنى التَّعْزِيَةِ: الأمر بِالصَّبْرِ والحمل عليه بوعد الأجر، والتحذير من الوزر بِالْجَزَعِ، والدعاء للميت بالمغفرة، وَلِلْمُصَابِ بجبر المصيبة، فيقول في تعزية المسلم بالمسلم: أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك، وغفر لميتك> <(2/ 144، ط. المكتب الإسلامي)>.
فكل ما يُقال للمصاب بغرض تذكيره بالصبر، وحمله عليه، وتسليته؛ يطلق عليه تعزية.
● حث الشرع الشريف على تقديم التعزية لأهل الميت وبيان ثوابها
المؤازرة والمعاونة وجبر الخواطر بين الناس من الأخلاق الطيبة، والمروءات المحمودة التي حَثَّ عليها الشرع، ووعد عليها بالثواب والجزاء في الدنيا والآخرة؛ فروى مسلم في "صحيحه" عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» <رواه مسلم في صحيحه>.
وقد تقرَّر في الشرع الشريف استحباب تعزية أهل الميت، ووَعْد المُعزِّي بالثواب العظيم؛ فقد روى الترمذي وابن ماجه في "سننيهما" عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ عَزَّى مُصَابًا فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ» <رواه الترمذي وابن ماجه في سننيهما>.
وروى ابن ماجه في "سننه" عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده رضي الله عنه: أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يُعَزِّي أَخَاهُ بِمُصِيبَةٍ، إِلَّا كَسَاهُ اللهُ سُبْحَانَهُ مِنْ حُلَلِ الْكَرَامَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» <رواه ابن ماجه في سننه>.
وعن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ: «مَنْ عَزَّى أَخَاهُ الْمُسْلِمَ فِي مُصِيبَةٍ، كَسَاهُ اللهُ حُلَّةً خَضْرَاءَ يُحْبَرُ بِهَا»؛ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا يُحْبَرُ بِهَا؟ قَالَ: «يُغْبَطُ بِهَا» <رواه البيهقي في شعب الإيمان>.
قال الإمام الرافعي في "شرح مسند الشافعي": <وبالجملة فتعزية أهل الميت مستحبة، ومعناها حملهم على الصبر، وتسكينهم بالوعد بالأجر> <(4/ 234، ط. وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بقطر)>.
● ما تتحقق به تعزية أهل الميت شرعًا
أما ما يتحقق به هذا الفعل المندوب من الصيغ والألفاظ فالأمر فيه على السعة؛ فتتحقق التعزية بكل تعبير حسن يُذَكِّر بالصبر على المصيبة ويدعو إليه، ويشتمل على الدعاء للمتوفى وأهله، وهذا هو المنصوص عليه في كتب المذاهب الأربعة المتبعة.
قال الإمام الشافعي في "الأم": وليس في التعزية شيء مؤقت يقال لا يعدى إلى غيره> <(1/ 317، ط. دار المعرفة)>.
وقال الإمام الطحطاوي الحنفي في "حاشيته على مراقي الفلاح":
ولا حجر في لفظ التعزية" <(ص: 618، ط. دار الكتب العلمية)>.
وقال الإمام الحطاب المالكي في "مواهب الجليل": وكان محمد بن سيرين إذا عزى قال: أعظم الله أجرك، وجبر مصيبتك، وأحسن عزاءك عنها، وأعقبك عقبًا نافعًا لدنياك وأخراك، وكان مكحول يقول: أعظم الله أجرك، وأحسن عقباك، وغفر لمتوفاك، قال ابن حبيب: وكل واسع بقدر ما يحضر الرجل وبقدر منطقه> <(2/ 229، ط. دار الفكر)>.
وقال الإمام ابن قدامة الحنبلي في "المغني": ولا نعلم في التعزية شيئًا محدودًا <(2/ 405، ط. مكتبة القاهرة)>.
إلا أنَّه يُفضل استعمال ما ورد في السنَّة المطهرة من الألفاظ والصيغ؛ كما ورد في "صحيحي البخاري ومسلم" عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، قال: أرسلت ابنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إليه إن ابنًا لي قبض، فأتنا، فأرسل يقرئ السلام، ويقول: «إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلٌّ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَلْتَصْبِرْ، وَلْتَحْتَسِبْ» <رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما>.
وروى البيهقي في "السنن الكبرى" عن أبي خالد الوالبي مرسلًا: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عَزَّى رجلًا، فقال: «يَرْحَمُكَ اللهُ وَيَأْجُرُكَ» <رواه البيهقي في السنن الكبرى>.
قال العلامة الحدادي الحنفي في "الجوهرة النيرة": ولفظ التعزية: عظم الله أجرك، وأحسن عزاءك، وغفر لميتك، وألهمك صبرًا، وأجزل لنا ولك بالصبر أجرًا.
- وأحسن من ذلك: تعزية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لإحدى بناته كان قد مات لها ولد، فقال: «إنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى». ومعنى قوله: «إنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ»؛ أي: العالم كله ملك الله، فلم يأخذ ما هو لكم، بل أخذ ملكه فهو عندكم عارية. ومعنى قوله: «وَلَهُ مَا أَعْطَى»؛ أي: ما وهبه لكم ليس خارجًا عن ملكه، بل هو له. وقوله: «وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى»؛ أي: من قد قبضه فقد انقضى أجله المسمى، فلا تجزعوا واصبروا واحتسبوا <(1/ 110، ط. الخيرية)>.
وقال الحطاب المالكي في "مواهب الجليل": أحسن التعزية: ما جاء به الحديث: «آجَرَكُمْ اللهُ فِي مُصِيبَتِكُمْ وَأَعْقَبَكُمْ اللهُ خَيْرًا مِنْهَا إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ»> <(2/ 229)>.
⚫⚫⚫
⚫ العنصر الثاني: تعزية غير المسلمين: المفهوم والحكم الشرعي
● بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم رحمةً للعالمين
بُعِث النبي صلى الله عليه وآله وسلم بحسن الخلق، وأرسله الله تعالى رحمةً للعالمين؛ دون تفرقةٍ بين جنسٍ وجنسٍ أو طائفةٍ وأخرى، أو دينٍ ودينٍ، بل كان رحمةً لكلِّ البشر؛ قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء، رقم: ١٠٧].
وقال سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم، رقم: ٤].
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ» <رواه الحاكم في المستدرك>.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا رَحِيمٌ»، قلنا: كلُّنا رحيمٌ يا رسول الله، قال: «لَيْسَتِ الرَّحْمَةُ أَنْ يَرْحَمَ أَحَدُكُمْ خَاصَّتَهُ؛ حَتَّى يَرْحَمَ الْعَامَّةَ، وَيَتَوَجَّعَ لِلْعَامَّةِ» <رواه عَبدُ بنُ حُمَيدٍ في مسنده>.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يَضَعُ اللهُ رَحْمَتَهُ إِلَّا عَلَى رَحِيمٍ»، قلنا: يا رسول الله، فكلُّنا رحيمٌ، قال: «لَيْسَ الَّذِي يَرْحَمُ نَفْسَهُ خَاصَّةً، وَلَكِنِ الَّذِي يَرْحَمُ النَّاسَ عَامَّةً» <رواه البيهقي في شُعَبِ الإيمان>.
وقد راعى الإسلام مشاعرَ الإنسان وأحزانَه في حال الوفاة ولو كان على موت حيوان تعلَّق به؛ فعن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يدخل علينا ولي أخٌ صغيرٌ يُكَنَّى أبا عُمَير وكان له نغر يلعب به، فمات، فدخل عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم فرآه حزينًا، فقال: «ما شأنُه؟» قالوا: مات نغره، فقال: «يا أبا عُمَيْرٍ، ما فَعَلَ النُّغَيْرُ؟» <رواه أبو داود في السنن، وأحمد في المسند، والبخاري في الأدب المفرد، وابن حِبان في الصحيح>.
● الأمر بحسن معاملة أهل الكتاب والدليل على ذلك
الأمرُ بحُسنِ معاملةِ أهلِ الكتاب ورحمتِهم يدخل في عموم الأمر بالرَّحمةِ وحُسن الخلق، ويزداد تأكُّدًا بما ورد في حقِّهم ونُصَّ عليه في شأنِهم؛ من وجوب الإحسان إليهم؛ حيث قال تعالى: ﴿وَلَا تُجَٰدِلُوٓا۟ أَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنْهُمْ ۖ وَقُولُوٓا۟ ءَامَنَّا بِٱلَّذِىٓ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَٰحِدٌ وَنَحْنُ لَهُۥ مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت، رقم: ٤٦].
وقال سبحانه: ﴿لَا يَنْهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَٰتِلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوٓا۟ إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة، رقم: ٨].
● صور حسن معاملة أهل الكتاب وفعل النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته
من أشملِ صور حسن معاملتهم ورحمتهم: مواساتُهم عند المصائِب، وجبرهم عند الحاجة والضَّعفِ، ومن ذلك: حال المرض، وحال الوفاة، سواء كانوا من الأقارب أم من غير الأقارب.
وقد كان ذلك فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم؛ فعن أنس بن مالك رضي الله عنه: "أن غلامًا ليهودٍ كان يخدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فمرض فأتاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم يَعُودُهُ" <أخرجه البخاري في صحيحه>.
وروى ابن أبي شيبة في "مصنَّفه": "أن أبا الدرداء رضي الله عنه عادَ جارًا له يهوديًّا" <رواه ابن أبي شيبة في مصنفه>.
● أقوال الفقهاء في حكم تعزية غير المسلمين
نصَّ الفقهاء من الحنفية والشافعية على جواز تشييع جنازة أهل الكتاب واتباعها؛ سواء كان المتوفَّى من الأقارب أو الجيران أو لم يكن كذلك.
قال العلامة ابن مازة البخاري الحنفي في "المحيط البرهاني": <وفي "السير الكبير": سأل رجلٌ ابنَ عباسٍ رضي الله عنهما: أن أمي ماتت نصرانيَّةً؟ فقال: اتبع جنازتها واغسِّلها وكفِّنها، ولا تصلي عليها، وادفنها. وإنَّ الحارث بن أبي ربيعة ماتت أُمُّهُ نصرانيَّةً، فتتبع جنازتها في نفرٍ من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين <(2 /194، ط. دار الكتب العلمية)>.
وقال الإمام النووي الشَّافعي في "منهاج الطَّالبين": ولا بأس باتباع المسلم جنازة قريبِه الكافر <(ص: 62، ط. دار الفكر)>.
وقال العلامة شمس الدين الرملي في "نهاية المحتاج": (ولا بأس باتباع المسلم جنازة قريبه الكافر).. ولا يبعد كما قاله الأذرعي إلحاق الزوجة والمملوك بالقريب، ويلحق به أيضًا المولى والجار كما في العيادة فيما يظهر <(3 /22، ط. دار الفكر)>.
وقال العلامة عبد الحميد الشرواني في حاشيته على "تحفة المحتاج": قال في "العباب": وللمسلم زيارة قبر كافر. قال: في "شرحه": أي يُباح له ذلك كما قطع به الأكثرون وصوبه في "المجموع" انتهى. وظاهر قطع الأكثرين هذا الذي صوَّبه في "المجموع" أنه لا فرق بين القريب والأجنبي. ويؤخذ من ذلك عدم الحرمة أيضًا في اتِّباع جنازته لقريبٍ أو أجنبيٍ <(3/ 200، ط. المكتبة التجارية الكبرى)>.
⚫ أما حكم تعزية غير المسلمين فقد اختلف فيه أهل العلم على قولين:
● القول الأول: جواز تعزية غير المسلمين
وهو قول جمهور أهل العلم من الحنفية والشافعية والحنابلة، وهو رواية عن أبي حنيفة، وقول الإمام الشافعي، وقولٌ في مذهب الإمام أحمد وغيره.
واستدلوا بأدلة منها:
• عموم الأمر بالبر والقسط مع غير المحاربين في قوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَٰتِلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوٓا۟ إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة، رقم: ٨].
• ما ورد من عيادة النبي صلى الله عليه وآله وسلم للغلام اليهودي الذي كان يخدمه.
• ما ورد من عيادة أبي الدرداء رضي الله عنه لجاره اليهودي.
• أن التعزية من باب حسن المعاملة والعدل في تبادل الحقوق التي تقتضيها ضرورة المجاورة والمعاملة الدنيوية.
• أنه ليس في التعزية محذور شرعي ولا موافقة على أمر من أمور دينهم، كما لا يلزم عليها موادة ولا موالاة لهم.
قال الشيخ خبَّاب بن مروان الحمد: "والذي يترجَّح لدي - والله أعلم – القول بجواز ذلك، وهو قول أكثر أهل العلم، وهنالك الكثير من السلف الصالح قد عزَّى غير المسلمين.
والقول بجواز تعزية النصارى أو الكفار عموماً هو رواية عن أبي حنيفة، وهو قول الإمام الشافعي وقولٌ في مذهب الإمام أحمد وغيره، شرط ألَّا يكونوا محاربين، وخصوصاً إن كان في ذلك رجاء إسلامهم، وتأليف قلوبهم، أو دفع أذاهم".
● القول الثاني: كراهة أو تحريم تعزية غير المسلمين
وهو قول بعض السلف، وقول للشافعية، ورواية عن أحمد بالمنع من تعزية الكافر إلا إذا رجي إسلامهم.
واستدلوا بأدلة منها:
• أن في التعزية نوعًا من الموادة والموالاة لغير المسلمين، وقد نهينا عن ذلك.
• أن التعزية تتضمن الدعاء للميت، ولا يجوز الدعاء لغير المسلم بعد موته.
والراجح هو القول الأول القائل بالجواز، خاصة إذا كان في ذلك مصلحة شرعية كدعوتهم إلى الإسلام، أو تأليف قلوبهم، أو دفع أذاهم، أو حسن الجوار والمعاملة، مع مراعاة الشروط التي سنذكرها.
⚫⚫⚫
⚫ العنصر الثالث: تشييع جنائز غير المسلمين: الأدلة والأحكام
● الدليل من السنة على جواز اتباع جنائز أهل الكتاب
أما اتِّباعُ جنازتِهم: فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: "مرَّ بنا جنازة، فقام لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقمنا به، فقلنا: يا رسول الله، إنها جنازة يهودي، قال: «إذا رأيتم الجنازة فقوموا» <متفق عليه>.
وعن سهل بن حنيف، وقيس بن سعد رضي الله عنهما قالا: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرَّت به جنازةٌ فقام، فقيل له: إنها جنازة يهودي، فقال: «أَلَيْسَتْ نَفْسًا» <متفق عليه>.
وشيَّع الصحابة رضي الله عنهم جنازةَ نصرانيَّة؛ هي أم الحارث بن أبي ربيعة رضي الله عنه؛ فعن الشَّعبي قال: "ماتت أم الحارث بن أبي ربيعة رضي الله عنه، وكانت نصرانيةً، فشيَّعها أصحابُ محمد صلى الله عليه وسلم" <أخرجه محمد بن الحسن في الآثار، وابن أبي شيبة وعبد الرازق الصنعاني في مصنفيهما>.
فقد شيَّعها الصحابة رضي الله عنهم ولم تكن قريبةً لهم، وهذا يدل على جواز ذلك لغير الأقارب.
وعن عبد الله بن شريك رضي الله عنه قال: "سمعت ابن عمر رضي الله عنهما، سئل عن الرجل المسلم يتبع أمَّه النصرانيَّة تَموت؟ قال: يتبعها ويمشي أمامها" <أخرجه ابن أبي شيبة في مصنَّفِه>.
وقد دلَّت بعض الأحاديث والآثار على أنه يجوز للمسلم المشاركة في جنازة الميت غير المسلم بشرط أن لا يشاركهم في شعائرهم الدينية، ويبقى بعيدا عنها، وبشرط أن لا يرافق الجنازة ما يخالف الشريعة الإسلامية، فحينئذ يحرم اتباع هذه الجنازة.
ودليل أصل الجواز حديث عَلِيٍّ بن أبي طالب رضي الله عنه قَالَ: (قُلْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ عَمَّكَ الشَّيْخَ الضَّالَّ قَدْ مَاتَ. قَالَ: اذْهَبْ فَوَارِ أَبَاكَ، ثُمَّ لَا تُحْدِثَنَّ شَيْئًا حَتَّى تَأْتِيَنِي. فَذَهَبْتُ، فَوَارَيْتُهُ، وَجِئْتُهُ، فَأَمَرَنِي فَاغْتَسَلْتُ، وَدَعَا لِي) <رواه أبو داود (رقم/3214) وقال ابن كثير: إسناده حسن. "إرشاد الفقيه" (1/221)>.
● أقوال الفقهاء في جواز تشييع جنازة أهل الكتاب
نصَّ الفقهاء من الحنفية والشافعية على جواز تشييع جنازة أهل الكتاب واتباعها؛ سواء كان المتوفَّى من الأقارب أو الجيران أو لم يكن كذلك.
قال العلامة ابن مازة البخاري الحنفي في "المحيط البرهاني": <وفي "السير الكبير": سأل رجلٌ ابنَ عباسٍ رضي الله عنهما: أن أمي ماتت نصرانيَّةً؟ فقال: اتبع جنازتها واغسِّلها وكفِّنها، ولا تصلي عليها، وادفنها. وإنَّ الحارث بن أبي ربيعة ماتت أُمُّهُ نصرانيَّةً، فتتبع جنازتها في نفرٍ من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين> <(2 /194، ط. دار الكتب العلمية)>.
وقال الإمام النووي الشَّافعي في "منهاج الطَّالبين": ولا بأس باتباع المسلم جنازة قريبِه الكافر <(ص: 62، ط. دار الفكر)>.
وقال العلامة شمس الدين الرملي في "نهاية المحتاج": (ولا بأس باتباع المسلم جنازة قريبه الكافر).. ولا يبعد كما قاله الأذرعي إلحاق الزوجة والمملوك بالقريب، ويلحق به أيضًا المولى والجار كما في العيادة فيما يظهر> <(3 /22، ط. دار الفكر)>.
وقال العلامة عبد الحميد الشرواني في حاشيته على "تحفة المحتاج": قال في "العباب": وللمسلم زيارة قبر كافر. قال: في "شرحه": أي يُباح له ذلك كما قطع به الأكثرون وصوبه في "المجموع" انتهى. وظاهر قطع الأكثرين هذا الذي صوَّبه في "المجموع" أنه لا فرق بين القريب والأجنبي. ويؤخذ من ذلك عدم الحرمة أيضًا في اتِّباع جنازته لقريبٍ أو أجنبيٍ <(3/ 200، ط. المكتبة التجارية الكبرى)>.
● شروط جواز المشاركة في جنائز غير المسلمين
بناءً على ما سبق، فإنَّ المشاركة في جنائز غير المسلمين جائزة بشروط:
• أن لا يشارك المسلم في شعائرهم الدينية، ويبقى بعيدًا عنها.
• أن لا يرافق الجنازة ما يخالف الشريعة الإسلامية، فحينئذ يحرم اتباع هذه الجنازة.
• أن لا يشتمل الحضور على أمر محرم، أو إقرار لهم على باطل يفعلونه أو يقولونه.
• ألا يكون المتوفى من المحاربين للمسلمين.
⚫⚫⚫
⚫ العنصر الرابع: الصيغ والألفاظ المشروعة في تعزية غير المسلمين
● ما لا يجوز من الألفاظ في تعزية غير المسلمين
لا يجوز الدعاء للكافر بالرحمة، فإنَّ ذلك حرام بالإجماع، لقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوٓا۟ أَن يَسْتَغْفِرُوا۟ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوٓا۟ أُو۟لِى قُرْبَىٰ مِنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَٰبُ ٱلْجَحِيمِ﴾ [التوبة، رقم: ١١٣].
ولا يجوز وصف الميت غير المسلم بأنه مرحوم، أو الدعاء له بالرحمة أو المغفرة، ولا قراءة الفاتحة له؛ لأن أعمالهم قد انقطعت وقد أفضوا إلى ما قدموا.
قال ابن عباس: كانوا يستغفرون لموتاهم فنزلت، فأمسَكوا عن الاستغفار، ولم ينْهُهم أن يستغفروا للأحياء حتى يموتوا.
وقد روى مسلم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم استأذَن ربَّه أن يستغفر لأمِّه فلم يأذَن له.
● الصيغ الجائزة والمستحبة في تعزيتهم
إذا جازت تعزية غير المسلمين، فإنه يتخير المعزي الألفاظ التي ليس فيها محذور شرعي. ومن الألفاظ التي ذكرها العلماء في ذلك:
• "أخلف الله عليك ولا نقص عددك" - ذكر ذلك النووي وابن قدامة <(انظر في ذلك: المجموع شرح المهذب: 5/275)> <(وانظر المغني لابن قدامة: 2/410)>.
• "أعطاك الله على مصيبتك أفضل مما أعطى أحدًا من أهل دينك".
• "جبر الله مصيبتك" أو "أحسن لك الخلف بخير" وما أشبهه من الكلام الطيب.
• "أخلف الله عليك، عوضكم الله الخير، يسلم رأسك" ونحو ذلك.
• "لله السلطان والعظمة" - كما كان الثوري يقول.
• "لا يصيبك إلا خير" - كما كان الحسن يقول.
• "أكثر الله مالك وولدك" - كما قال إسحاق.
• "أطال الله حياتك، وأكثر مالك وولدك" - كما ورد عن عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه.
قال الشيخ خبَّاب بن مروان الحمد: "وأمَّا ألفاظ العزاء التي تُقال للكافر غير المحارب فهي: أخلف الله لكم خيرًا منه، ونحو ذلك من الكلمات".
وقال الدكتور خالد محمد عبد القادر: "والصحيح عندي أن للمسلم أن يختـــار من الأدعيـــة ما يــراه مناسبًا مما ليس فيه دعاء للميت ولا قوة للحي".
⚫⚫⚫
⚫ العنصر الخامس: حكم دخول الكنائس للتعزية والدعاء لموتاهم
● حكم دخول الكنائس للتعزية
إذا جازت التعزية فلا فرق بين أن تكون في البيوت أو في الكنائس، إلا أنه يشترط في ذلك كله أن لا يشتمل على أمر محرم، أو إقرار لهم على باطل يفعلونه أو يقولونه، أما الاستماع إلى كلامهم المتضمن للشرك بالله تعالى فلا يجوز، لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِىٓ آيَٰتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا۟ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِۦ ۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَٰنُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [الأنعام، رقم: ٦٨].
وعلى ذلك، فإذا كانت مجالس العزاء عندهم لا تخلو من ذلك في وقت من الأوقات، فلا يجوز حضورها.
● حكم الدعاء لموتى غير المسلمين بالرحمة
تعزية المسلم لغير المسلم جائزة حيث إن الله أمر بالبر بهم والقسط معهم، أما الدعاء بالرحمة والهداية فجائز حال حياتهم، لكن بعد موتهم على الكفر فلا يجوز الدعاء لهم بالرحمة ولا الهداية، لأن أعمالهم قد انقطعت وقد أفضوا إلى ما قدموا.
يقول فضيلة الشيخ عطية صقر -رحمه الله تعالى- رئيس لجنة الفتوى الأسبق بالأزهر: "أما مبدأ التّعزية فمشروع، وهو ضمن البِرِّ الذي جاء في قوله تعالى: (لا يَنهاكُمْ اللهُ عن الذينَ لم يُقاتِلوكم في الدِّينِ ولم يُخرِجوكُمْ مِن دِيارِكمْ أنْ تَبَرُّوهم وتُقْسِطوا إليهم إِنّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطينَ) [الممتحنة: 8] وقرّر الفقهاء أن يُقال لغير المسلم: أخلفَ الله عليك، ومن صُور المُجاملات أن النبي ـ ﷺ ـ عاد غُلامًا يهودِيًّا كان يخدُمه، وعرض عليه الإسلام فأسلمَ، كما رواه البخاري في "الأدب المفرد" وذكر ابن حجر في "المطالب العالية" (ج1 ص 212) فالمُجاملات جائزة ولكن في حدود الشَّرْع".
وقد يجري على بعض الألسنة عند العَزاء أو الحديث عن ميّت غير مسلم عبارة: المرحوم فلان، أو الله يرحَمه، فإن كانت العبارة إخْبارًا عن الميّت بأنه مرحوم فذلك لا يصحّ؛ لأنه ذهبَ إلى ربِّه بما عمل وهو أعلم به، حتى الإخبار عن المسلم بأنه مرحوم هو أمر ظَنِّيٌّ لا ينبغي أن يؤخَذ مأخَذ الحقيقة.
روى الترمذي أن غلامًا استُشْهِد يوم أحد، فوجَد المسلمون على بطنه حجرًا مربوطًا، بسبب الجوع، فمسحت أمُّه التُّراب عنه وقالت: هَنيئًا لك الجَنّة يا بُنَي، فقال ـ صلّى الله عليه وسلم ـ "وما يُدريك لعلّه كان يتكلَّم فيما لا يَعنيه، ويَمنع ما لا يضُرُّه. فإذا كان هذا في المسلم فغير المسلم من باب أولى لا نُخبر عنه بأنه مرحوم، أو ذهب إلى رحمة الله".
وإذا كانت رحمة الله وَسِعت كل شيء لكنه كتبها للمؤمنين الصالحين، الذين يتَّبعون النبي الموصوف في التوراة والإنجيل.
أما الدعاء له بالرحمة، أو قراءة الفاتحة ليرحمَه الله، فذلك للمسلم جائز إذا مات على الإيمان بأن لم يصدُر عنه شيء يُكَفَّر به، أما غير المسلم فقد تحدّث العلماء عن الاستغفار أو طلب الرّحمة له، في حال حياته أو بعد مَماته، فقالوا: إن كان حَيّاً جاز الاستغفار وطلب الرّحمة والهِداية بالتوفيق إلى الإيمان.
⚫⚫⚫
⚫ العنصر السادس: حكم التعزية بعبارة "الله يعزيك" و"إن في الله عزاءً من كل مصيبة"
● حكم التعزية بقول: "الله يعزيك"
أما التعزية بقول: "الله يعزيك"، فتعني الله يلهمك الصبر على مصابك؛ لما تقرر في معنى التعزية وحقيقتها، وقد ورد في بعض الروايات ما يقرب من دلالة هذه الصيغة، وهي قول: "إن في الله عزاء من كل مصيبة".
فقد روى الحاكم في "المستدرك" والطبراني في "المعجم الأوسط" عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: "لَمَّا قُبِضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ قَعَدَ أَصْحَابُهُ حُزَّانًا يَبْكُونَ حَوْلَهُ، فَجَاءَ رَجُلٌ طَوِيلٌ صَبِيحٌ فَصِيحٌ، فِي إِزَارٍ وَرِدَاءٍ، أَشْعَرُ الْمَنْكِبَيْنِ وَالصَّدْرِ، فَتَخَطَّى أَصْحَابَ رَسُولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ حَتَّى أَخَذَ بِعَضَادَيِ الْبَابِ، فَبَكَى عَلَى رَسُولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ فِي الله عَزَاءً مِنْ كُلِّ مُصِيبَةٍ، وَخَلَفًا مِنْ كُلِّ هَالِكٍ، وَعِوَضًا مِنْ كُلِّ مَا فَاتَ، فَإِلَى الله فأَنِيبُوا، وَإِلَيْهِ فَارْغَبُوا، فَإِنَّمَا الْمُصَابُ مَنْ لَمْ يَجْبُرْهُ الثَّوَابُ، فَقَالَ الْقَوْمُ: أَتَعْرِفُونَ الرَّجُلَ؟ فَنَظَرُوا يَمِينًا وَشِمَالًا، فَلَمْ يَرَوْا أَحَدًا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَذَا الْخَضِرُ أَخُو النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ" <رواه الحاكم في المستدرك والطبراني في المعجم الأوسط>.
وهذه الصيغة الواردة في الحديث نصَّ جمع من الفقهاء على استحبابها؛ قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في "أسنى المطالب": ويُستحبُّ أن يبدأ قبله بما ورد من تعزية الخضر أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بموته: إن في الله عزاءً من كل مصيبة، وخلفًا من كل هالك، ودركًا من كل فائت، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا، فإن المصاب مَن حُرم الثواب> <(1/ 334، ط. دار الكتاب الإسلامي)>.
وقال الإمام أبو الفرج ابن قدامة في "الشرح الكبير": واستحب بعض أهل العلم أن يقول ما روى جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال: لما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاءت التعزية سمعوا قائلًا يقول: إن في الله عزاءً من كل مصيبة، وخلفًا من كل هالك، ودركًا من كل ما فات، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا، فإنّ المُصاب مَن حرم الثواب <(2/ 428، ط. دار الكتاب العربي)>.
وبناءً على ذلك: فإنَّ التعزية بقول: "الله يعزيك" لا حرج فيها شرعًا، والأفضل ما جاء في السنة النبوية. إلا أنَّه ينبغي التنبيه على أنَّه في مثل ألفاظ التعزية والتهنئة يُراعى المتعارف عليه بين الناس من الصيغ والألفاظ بشرط عدم مخالفتها للشرع.
● حكم التعزية بعبارة: "إن في الله عزاءً من كل مصيبة"
تعزية أهل الميت بعبارة: "إن في الله عزاءً من كل مصيبة" مستحبةٌ؛ لأن التعزية بصفة عامة مندوبٌ إليها شرعًا، وهذه الصيغة ثابتة في كتب السنة عن الخضر عليه السلام، وقد نص العلماء على استحبابها.
قال الإمام الشافعي في "الأم" عقب الأثر السابق: قد عزَّى قوم من الصالحين بتعزية مختلفة فأحب أن يقول قائل هذا القول، ويترحم على الميت، ويدعو لمَن خلفه <(1/ 317، ط. دار المعرفة)>.
وقال الإمام ابن الرفعة في "كفاية النبيه": قال ابن الصباغ وأبو الطيب: ويقال: إن قائله الخضر عليه السلام. وعبارة ابن يونس مصرحة بأن قائل ذلك الشافعي، وأنه يستحب أن يقول بعد ذلك ما ذكره الشيخ، وهو قضية كلامه في "المهذب" وغيره <(5/ 174، ط. دار الكتب العلمية)>.
وقال الإمام الحطاب في "مواهب الجليل": وزاد سند عن ابن حبيب، وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما مات وجاءت التعزية سمعوا صوتًا من جانب البيت: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته؛ إنَّ في الله عزاءً من كل مصيبة، وخلفًا من كلّ هالكٍ وعوضًا <(2/ 229، ط. دار الفكر)>.
وقال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في "أسنى المطالب": ويُستحبُّ أن يبدأ قبله بما ورد من تعزية الخضر أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بموته: إن في الله عزاءً من كل مصيبةٍ، وخلفًا من كل هالكٍ، ودركًا من كل فائت، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا، فإن المصاب مَن حُرم الثواب> <(1/ 334، ط. دار الكتاب الإسلامي)>.
وقال الإمام ابن قدامة في "المغني": واستحب بعض أهل العلم أن يقول ما رَوَى جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجاءت التعزية، سمعوا قائلًا يقول: إن في الله عزاءً من كل مصيبةٍ، وخلفًا من كل هالكٍ، ودركًا من كل ما فات، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا، فإنّ المُصاب مَن حرم الثواب <(2/ 405، ط. مكتبة القاهرة)>.
وقال الإمام الشوكاني في "نيل الأوطار" مُعلِّقًا على هذا الحديث: فيه دليل على أنه تُسْتَحَبُّ التَّعْزِيَةُ لأهل الميت بِتَعْزِيَةِ الْخَضِرِ عليه السلام> <(4/ 117، ط. دار الحديث)>.
ومعنى هذه العبارة: إن في كتاب الله تعالى وثوابه، والرضا بقضائه، والتوكل عليه: تسليةً للعبد في جميع المصائب والبلايا.
قال ملا علي القاري في "مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح": (إن في الله)؛ أي: في كِتَابِهِ (عزاء) بفتح العين؛ أي: تَسْلِيَةً (من كل مصيبة)؛ -أي: إشارة- إلى قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ ۝ ٱلَّذِينَ إِذَا أَصَٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌ﴾ [البقرة: 155-156]، أو في ثوابه عوضًا من كل محنة وَبَلِيَّةٍ <(10/ 334، ط. دار الفكر)>.
⚫⚫⚫
⚫ العنصر السابع: الخلاصة والنتائج
بناءً على ما سبق، يمكن تلخيص الأحكام المتعلقة بتعزية غير المسلمين وتشييع جنائزهم فيما يلي:
• تعزية أهل الميت المسلم مستحبة شرعًا، وتتحقق بكل تعبير حسن يُذَكِّر بالصبر على المصيبة، والأفضل ما ورد في السنة النبوية.
• تعزية غير المسلمين جائزة شرعًا، وهي من باب حسن المعاملة والبر والقسط الذي أمر الله به مع غير المحاربين، وقد نص على جوازها جمهور أهل العلم من الحنفية والشافعية والحنابلة.
• تشييع جنائز غير المسلمين جائز شرعًا، بشرط عدم المشاركة في شعائرهم الدينية، وعدم مرافقة ما يخالف الشريعة الإسلامية للجنازة، وألا يكون المتوفى من المحاربين.
• الصيغ الجائزة في تعزية غير المسلمين: "أخلف الله عليك، عوضكم الله الخير، يسلم رأسك، جبر الله مصيبتك، أحسن الله لك الخلف، لا يصيبك إلا خير، أكثر الله مالك وولدك" ونحو ذلك من الكلام الطيب الذي لا يشتمل على دعاء للميت بالرحمة أو المغفرة.
• لا يجوز الدعاء لموتى غير المسلمين بالرحمة والمغفرة، ولا وصفهم بأنهم مرحومون، ولا قراءة الفاتحة لهم؛ لأنهم ماتوا على غير الإسلام.
• يجوز دخول الكنائس للتعزية بشرط عدم الاستماع إلى كلام يتضمن الشرك بالله، وعدم الإقرار لهم على باطل، وعدم المشاركة في شعائرهم الدينية.
• التعزية بقول: "الله يعزيك" لا حرج فيها شرعًا، والأفضل ما جاء في السنة النبوية.
• التعزية بعبارة: "إن في الله عزاءً من كل مصيبة" مستحبة؛ لأنها ثابتة عن الخضر عليه السلام، وقد نص العلماء على استحبابها.
• ينبغي في مثل ألفاظ التعزية والتهنئة مراعاة المتعارف عليه بين الناس من الصيغ والألفاظ بشرط عدم مخالفتها للشرع.
• تعزية غير المسلمين ينبغي أن تكون وسيلة للتقريب والتأليف، لا للموالاة والمحبة في الدين، مع الحفاظ على الثوابت الشرعية والتمييز بين المعاملة الدنيوية والاعتقاد الديني.
🤲 اللهمَّ اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ووفقنا لحسن المعاملة مع الناس جميعًا، والبر والقسط مع من لم يحاربنا في الدين، واجعلنا دعاةً إلى الخير بالحكمة والموعظة الحسنة، وارزقنا الصبر عند المصائب، والرضا بقضائك، والتوكل عليك، إنك على كل شيء قدير، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.