الخميس، 22 أكتوبر 2026

حكم تعزية غير المسلمين وتشييع جنائزهم؟

 


🔴 تعزية غير المسلمين وتشييع جنائزهم
أحكامها وصيغها وشروطها في الفقه الإسلامي .
دراسة فقهية معاصرة في ضوء مقاصد الشريعة السمحة .
🔴 المفصل 🔴
📝 السُّؤَالُ :
ما حكم تعزية غير المسلمين وتشييع جنائزهم في الفقه الإسلامي؟ وما هي الصيغ والألفاظ المشروعة في تعزيتهم؟ وهل يجوز للمسلم أن يدخل الكنائس للتعزية؟ وما حكم الدعاء لموتاهم بالرحمة؟ وما هي شروط جواز ذلك كله؟ نرجو بيان ذلك بالتفصيل في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة وأقوال الفقهاء والعلماء.
📜الجواب 📜
▪️ الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ الله، أمَّا بعدُ .
فإنَّ موضوع التعزية وتشييع الجنائز لغير المسلمين من الموضوعات الفقهية المعاصرة التي تحتاج إلى بيان وتفصيل؛ نظرًا لتشابك العلاقات الاجتماعية بين المسلمين وغيرهم في كثير من المجتمعات، ولما يترتب على ذلك من أحكام شرعية تتعلق بالبر والقسط وحسن المعاملة، وما يجب التمييز فيه بين المعاملة الدنيوية التي جاءت الشريعة بإباحتها أو استحبابها، وبين ما يتعلق بالاعتقاد والإقرار على الباطل الذي حرمته الشريعة. ولذلك سوف نقف مع هذا الموضوع من خلال العناصر التالية:
⚫ العنصر الأول: مفهوم التعزية وحكمها في الشريعة الإسلامية
● تعريف التعزية لغةً واصطلاحًا
● حث الشرع الشريف على تقديم التعزية لأهل الميت وبيان ثوابها
● ما تتحقق به تعزية أهل الميت شرعًا
⚫ العنصر الثاني: تعزية غير المسلمين: المفهوم والحكم الشرعي
● بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم رحمةً للعالمين
● الأمر بحسن معاملة أهل الكتاب والدليل على ذلك
● صور حسن معاملة أهل الكتاب وفعل النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته
● أقوال الفقهاء في حكم تعزية غير المسلمين
⚫ العنصر الثالث: تشييع جنائز غير المسلمين: الأدلة والأحكام
● الدليل من السنة على جواز اتباع جنائز أهل الكتاب
● أقوال الفقهاء في جواز تشييع جنازة أهل الكتاب
● شروط جواز المشاركة في جنائز غير المسلمين
⚫ العنصر الرابع: الصيغ والألفاظ المشروعة في تعزية غير المسلمين
● ما لا يجوز من الألفاظ في تعزية غير المسلمين
● الصيغ الجائزة والمستحبة في تعزيتهم
⚫ العنصر الخامس: حكم دخول الكنائس للتعزية والدعاء لموتاهم
● حكم دخول الكنائس للتعزية
● حكم الدعاء لموتى غير المسلمين بالرحمة
⚫ العنصر السادس: حكم التعزية بعبارة "الله يعزيك" و"إن في الله عزاءً من كل مصيبة"
● حكم التعزية بقول: "الله يعزيك"
● حكم التعزية بعبارة: "إن في الله عزاءً من كل مصيبة"
⚫ العنصر السابع: الخلاصة والنتائج
⚫⚫⚫⚫⚫⚫⚫⚫⚫⚫⚫⚫⚫⚫
⚫ العنصر الأول: مفهوم التعزية وحكمها في الشريعة الإسلامية
● تعريف التعزية لغةً واصطلاحًا
التعزية في اللغة: مصدر، والاسم عزاء؛ والتعزية تعني التصبر، والعزاء يعني الصبر. قال الفيومي في "المصباح المنير": عزي يعزي من باب تعب: صبر على ما نابه. وعزيته تعزية؛ قلت له: أحسن الله عزاءك؛ أي: رزقك الصبر الحسن والعزاء.. وتعزى هو تصبر، وشعاره أن يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون> <(2/ 408، ط. المكتبة العلمية)>.
وقال الشيخ الخطيب الشربيني في "مغني المحتاج": وهي -أي: التعزية- لغة: التسلية عمن يُعزَّى عليه، واصطلاحًا: الأمر بالصبر والحمل عليه بوعد الأجر، والتحذير من الوزر بالجزع، والدعاء للميت بالمغفرة، وللمصاب بجبر المصيبة> <(2/ 41، ط. دار الكتب العلمية)>.
وقال الإمام النووي في "روضة الطالبين": معنى التَّعْزِيَةِ: الأمر بِالصَّبْرِ والحمل عليه بوعد الأجر، والتحذير من الوزر بِالْجَزَعِ، والدعاء للميت بالمغفرة، وَلِلْمُصَابِ بجبر المصيبة، فيقول في تعزية المسلم بالمسلم: أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك، وغفر لميتك> <(2/ 144، ط. المكتب الإسلامي)>.
فكل ما يُقال للمصاب بغرض تذكيره بالصبر، وحمله عليه، وتسليته؛ يطلق عليه تعزية.
● حث الشرع الشريف على تقديم التعزية لأهل الميت وبيان ثوابها
المؤازرة والمعاونة وجبر الخواطر بين الناس من الأخلاق الطيبة، والمروءات المحمودة التي حَثَّ عليها الشرع، ووعد عليها بالثواب والجزاء في الدنيا والآخرة؛ فروى مسلم في "صحيحه" عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» <رواه مسلم في صحيحه>.
وقد تقرَّر في الشرع الشريف استحباب تعزية أهل الميت، ووَعْد المُعزِّي بالثواب العظيم؛ فقد روى الترمذي وابن ماجه في "سننيهما" عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ عَزَّى مُصَابًا فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ» <رواه الترمذي وابن ماجه في سننيهما>.
وروى ابن ماجه في "سننه" عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده رضي الله عنه: أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يُعَزِّي أَخَاهُ بِمُصِيبَةٍ، إِلَّا كَسَاهُ اللهُ سُبْحَانَهُ مِنْ حُلَلِ الْكَرَامَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» <رواه ابن ماجه في سننه>.
وعن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ: «مَنْ عَزَّى أَخَاهُ الْمُسْلِمَ فِي مُصِيبَةٍ، كَسَاهُ اللهُ حُلَّةً خَضْرَاءَ يُحْبَرُ بِهَا»؛ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا يُحْبَرُ بِهَا؟ قَالَ: «يُغْبَطُ بِهَا» <رواه البيهقي في شعب الإيمان>.
قال الإمام الرافعي في "شرح مسند الشافعي": <وبالجملة فتعزية أهل الميت مستحبة، ومعناها حملهم على الصبر، وتسكينهم بالوعد بالأجر> <(4/ 234، ط. وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بقطر)>.
● ما تتحقق به تعزية أهل الميت شرعًا
أما ما يتحقق به هذا الفعل المندوب من الصيغ والألفاظ فالأمر فيه على السعة؛ فتتحقق التعزية بكل تعبير حسن يُذَكِّر بالصبر على المصيبة ويدعو إليه، ويشتمل على الدعاء للمتوفى وأهله، وهذا هو المنصوص عليه في كتب المذاهب الأربعة المتبعة.
قال الإمام الشافعي في "الأم": وليس في التعزية شيء مؤقت يقال لا يعدى إلى غيره> <(1/ 317، ط. دار المعرفة)>.
وقال الإمام الطحطاوي الحنفي في "حاشيته على مراقي الفلاح":
ولا حجر في لفظ التعزية" <(ص: 618، ط. دار الكتب العلمية)>.
وقال الإمام الحطاب المالكي في "مواهب الجليل": وكان محمد بن سيرين إذا عزى قال: أعظم الله أجرك، وجبر مصيبتك، وأحسن عزاءك عنها، وأعقبك عقبًا نافعًا لدنياك وأخراك، وكان مكحول يقول: أعظم الله أجرك، وأحسن عقباك، وغفر لمتوفاك، قال ابن حبيب: وكل واسع بقدر ما يحضر الرجل وبقدر منطقه> <(2/ 229، ط. دار الفكر)>.
وقال الإمام ابن قدامة الحنبلي في "المغني": ولا نعلم في التعزية شيئًا محدودًا <(2/ 405، ط. مكتبة القاهرة)>.
إلا أنَّه يُفضل استعمال ما ورد في السنَّة المطهرة من الألفاظ والصيغ؛ كما ورد في "صحيحي البخاري ومسلم" عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، قال: أرسلت ابنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إليه إن ابنًا لي قبض، فأتنا، فأرسل يقرئ السلام، ويقول: «إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلٌّ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَلْتَصْبِرْ، وَلْتَحْتَسِبْ» <رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما>.
وروى البيهقي في "السنن الكبرى" عن أبي خالد الوالبي مرسلًا: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عَزَّى رجلًا، فقال: «يَرْحَمُكَ اللهُ وَيَأْجُرُكَ» <رواه البيهقي في السنن الكبرى>.
قال العلامة الحدادي الحنفي في "الجوهرة النيرة": ولفظ التعزية: عظم الله أجرك، وأحسن عزاءك، وغفر لميتك، وألهمك صبرًا، وأجزل لنا ولك بالصبر أجرًا.
- وأحسن من ذلك: تعزية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لإحدى بناته كان قد مات لها ولد، فقال: «إنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى». ومعنى قوله: «إنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ»؛ أي: العالم كله ملك الله، فلم يأخذ ما هو لكم، بل أخذ ملكه فهو عندكم عارية. ومعنى قوله: «وَلَهُ مَا أَعْطَى»؛ أي: ما وهبه لكم ليس خارجًا عن ملكه، بل هو له. وقوله: «وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى»؛ أي: من قد قبضه فقد انقضى أجله المسمى، فلا تجزعوا واصبروا واحتسبوا <(1/ 110، ط. الخيرية)>.
وقال الحطاب المالكي في "مواهب الجليل": أحسن التعزية: ما جاء به الحديث: «آجَرَكُمْ اللهُ فِي مُصِيبَتِكُمْ وَأَعْقَبَكُمْ اللهُ خَيْرًا مِنْهَا إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ»> <(2/ 229)>.
⚫⚫⚫
⚫ العنصر الثاني: تعزية غير المسلمين: المفهوم والحكم الشرعي
● بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم رحمةً للعالمين
بُعِث النبي صلى الله عليه وآله وسلم بحسن الخلق، وأرسله الله تعالى رحمةً للعالمين؛ دون تفرقةٍ بين جنسٍ وجنسٍ أو طائفةٍ وأخرى، أو دينٍ ودينٍ، بل كان رحمةً لكلِّ البشر؛ قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء، رقم: ١٠٧].
وقال سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم، رقم: ٤].
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ» <رواه الحاكم في المستدرك>.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا رَحِيمٌ»، قلنا: كلُّنا رحيمٌ يا رسول الله، قال: «لَيْسَتِ الرَّحْمَةُ أَنْ يَرْحَمَ أَحَدُكُمْ خَاصَّتَهُ؛ حَتَّى يَرْحَمَ الْعَامَّةَ، وَيَتَوَجَّعَ لِلْعَامَّةِ» <رواه عَبدُ بنُ حُمَيدٍ في مسنده>.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يَضَعُ اللهُ رَحْمَتَهُ إِلَّا عَلَى رَحِيمٍ»، قلنا: يا رسول الله، فكلُّنا رحيمٌ، قال: «لَيْسَ الَّذِي يَرْحَمُ نَفْسَهُ خَاصَّةً، وَلَكِنِ الَّذِي يَرْحَمُ النَّاسَ عَامَّةً» <رواه البيهقي في شُعَبِ الإيمان>.
وقد راعى الإسلام مشاعرَ الإنسان وأحزانَه في حال الوفاة ولو كان على موت حيوان تعلَّق به؛ فعن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يدخل علينا ولي أخٌ صغيرٌ يُكَنَّى أبا عُمَير وكان له نغر يلعب به، فمات، فدخل عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم فرآه حزينًا، فقال: «ما شأنُه؟» قالوا: مات نغره، فقال: «يا أبا عُمَيْرٍ، ما فَعَلَ النُّغَيْرُ؟» <رواه أبو داود في السنن، وأحمد في المسند، والبخاري في الأدب المفرد، وابن حِبان في الصحيح>.
● الأمر بحسن معاملة أهل الكتاب والدليل على ذلك
الأمرُ بحُسنِ معاملةِ أهلِ الكتاب ورحمتِهم يدخل في عموم الأمر بالرَّحمةِ وحُسن الخلق، ويزداد تأكُّدًا بما ورد في حقِّهم ونُصَّ عليه في شأنِهم؛ من وجوب الإحسان إليهم؛ حيث قال تعالى: ﴿وَلَا تُجَٰدِلُوٓا۟ أَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنْهُمْ ۖ وَقُولُوٓا۟ ءَامَنَّا بِٱلَّذِىٓ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَٰحِدٌ وَنَحْنُ لَهُۥ مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت، رقم: ٤٦].
وقال سبحانه: ﴿لَا يَنْهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَٰتِلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوٓا۟ إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة، رقم: ٨].
● صور حسن معاملة أهل الكتاب وفعل النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته
من أشملِ صور حسن معاملتهم ورحمتهم: مواساتُهم عند المصائِب، وجبرهم عند الحاجة والضَّعفِ، ومن ذلك: حال المرض، وحال الوفاة، سواء كانوا من الأقارب أم من غير الأقارب.
وقد كان ذلك فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم؛ فعن أنس بن مالك رضي الله عنه: "أن غلامًا ليهودٍ كان يخدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فمرض فأتاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم يَعُودُهُ" <أخرجه البخاري في صحيحه>.
وروى ابن أبي شيبة في "مصنَّفه": "أن أبا الدرداء رضي الله عنه عادَ جارًا له يهوديًّا" <رواه ابن أبي شيبة في مصنفه>.
● أقوال الفقهاء في حكم تعزية غير المسلمين
نصَّ الفقهاء من الحنفية والشافعية على جواز تشييع جنازة أهل الكتاب واتباعها؛ سواء كان المتوفَّى من الأقارب أو الجيران أو لم يكن كذلك.
قال العلامة ابن مازة البخاري الحنفي في "المحيط البرهاني": <وفي "السير الكبير": سأل رجلٌ ابنَ عباسٍ رضي الله عنهما: أن أمي ماتت نصرانيَّةً؟ فقال: اتبع جنازتها واغسِّلها وكفِّنها، ولا تصلي عليها، وادفنها. وإنَّ الحارث بن أبي ربيعة ماتت أُمُّهُ نصرانيَّةً، فتتبع جنازتها في نفرٍ من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين <(2 /194، ط. دار الكتب العلمية)>.
وقال الإمام النووي الشَّافعي في "منهاج الطَّالبين": ولا بأس باتباع المسلم جنازة قريبِه الكافر <(ص: 62، ط. دار الفكر)>.
وقال العلامة شمس الدين الرملي في "نهاية المحتاج": (ولا بأس باتباع المسلم جنازة قريبه الكافر).. ولا يبعد كما قاله الأذرعي إلحاق الزوجة والمملوك بالقريب، ويلحق به أيضًا المولى والجار كما في العيادة فيما يظهر <(3 /22، ط. دار الفكر)>.
وقال العلامة عبد الحميد الشرواني في حاشيته على "تحفة المحتاج": قال في "العباب": وللمسلم زيارة قبر كافر. قال: في "شرحه": أي يُباح له ذلك كما قطع به الأكثرون وصوبه في "المجموع" انتهى. وظاهر قطع الأكثرين هذا الذي صوَّبه في "المجموع" أنه لا فرق بين القريب والأجنبي. ويؤخذ من ذلك عدم الحرمة أيضًا في اتِّباع جنازته لقريبٍ أو أجنبيٍ <(3/ 200، ط. المكتبة التجارية الكبرى)>.
⚫ أما حكم تعزية غير المسلمين فقد اختلف فيه أهل العلم على قولين:
● القول الأول: جواز تعزية غير المسلمين
وهو قول جمهور أهل العلم من الحنفية والشافعية والحنابلة، وهو رواية عن أبي حنيفة، وقول الإمام الشافعي، وقولٌ في مذهب الإمام أحمد وغيره.
واستدلوا بأدلة منها:
• عموم الأمر بالبر والقسط مع غير المحاربين في قوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَٰتِلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوٓا۟ إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة، رقم: ٨].
• ما ورد من عيادة النبي صلى الله عليه وآله وسلم للغلام اليهودي الذي كان يخدمه.
• ما ورد من عيادة أبي الدرداء رضي الله عنه لجاره اليهودي.
• أن التعزية من باب حسن المعاملة والعدل في تبادل الحقوق التي تقتضيها ضرورة المجاورة والمعاملة الدنيوية.
• أنه ليس في التعزية محذور شرعي ولا موافقة على أمر من أمور دينهم، كما لا يلزم عليها موادة ولا موالاة لهم.
قال الشيخ خبَّاب بن مروان الحمد: "والذي يترجَّح لدي - والله أعلم – القول بجواز ذلك، وهو قول أكثر أهل العلم، وهنالك الكثير من السلف الصالح قد عزَّى غير المسلمين.
والقول بجواز تعزية النصارى أو الكفار عموماً هو رواية عن أبي حنيفة، وهو قول الإمام الشافعي وقولٌ في مذهب الإمام أحمد وغيره، شرط ألَّا يكونوا محاربين، وخصوصاً إن كان في ذلك رجاء إسلامهم، وتأليف قلوبهم، أو دفع أذاهم".
● القول الثاني: كراهة أو تحريم تعزية غير المسلمين
وهو قول بعض السلف، وقول للشافعية، ورواية عن أحمد بالمنع من تعزية الكافر إلا إذا رجي إسلامهم.
واستدلوا بأدلة منها:
• أن في التعزية نوعًا من الموادة والموالاة لغير المسلمين، وقد نهينا عن ذلك.
• أن التعزية تتضمن الدعاء للميت، ولا يجوز الدعاء لغير المسلم بعد موته.
والراجح هو القول الأول القائل بالجواز، خاصة إذا كان في ذلك مصلحة شرعية كدعوتهم إلى الإسلام، أو تأليف قلوبهم، أو دفع أذاهم، أو حسن الجوار والمعاملة، مع مراعاة الشروط التي سنذكرها.
⚫⚫⚫
⚫ العنصر الثالث: تشييع جنائز غير المسلمين: الأدلة والأحكام
● الدليل من السنة على جواز اتباع جنائز أهل الكتاب
أما اتِّباعُ جنازتِهم: فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: "مرَّ بنا جنازة، فقام لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقمنا به، فقلنا: يا رسول الله، إنها جنازة يهودي، قال: «إذا رأيتم الجنازة فقوموا» <متفق عليه>.
وعن سهل بن حنيف، وقيس بن سعد رضي الله عنهما قالا: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرَّت به جنازةٌ فقام، فقيل له: إنها جنازة يهودي، فقال: «أَلَيْسَتْ نَفْسًا» <متفق عليه>.
وشيَّع الصحابة رضي الله عنهم جنازةَ نصرانيَّة؛ هي أم الحارث بن أبي ربيعة رضي الله عنه؛ فعن الشَّعبي قال: "ماتت أم الحارث بن أبي ربيعة رضي الله عنه، وكانت نصرانيةً، فشيَّعها أصحابُ محمد صلى الله عليه وسلم" <أخرجه محمد بن الحسن في الآثار، وابن أبي شيبة وعبد الرازق الصنعاني في مصنفيهما>.
فقد شيَّعها الصحابة رضي الله عنهم ولم تكن قريبةً لهم، وهذا يدل على جواز ذلك لغير الأقارب.
وعن عبد الله بن شريك رضي الله عنه قال: "سمعت ابن عمر رضي الله عنهما، سئل عن الرجل المسلم يتبع أمَّه النصرانيَّة تَموت؟ قال: يتبعها ويمشي أمامها" <أخرجه ابن أبي شيبة في مصنَّفِه>.
وقد دلَّت بعض الأحاديث والآثار على أنه يجوز للمسلم المشاركة في جنازة الميت غير المسلم بشرط أن لا يشاركهم في شعائرهم الدينية، ويبقى بعيدا عنها، وبشرط أن لا يرافق الجنازة ما يخالف الشريعة الإسلامية، فحينئذ يحرم اتباع هذه الجنازة.
ودليل أصل الجواز حديث عَلِيٍّ بن أبي طالب رضي الله عنه قَالَ: (قُلْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ عَمَّكَ الشَّيْخَ الضَّالَّ قَدْ مَاتَ. قَالَ: اذْهَبْ فَوَارِ أَبَاكَ، ثُمَّ لَا تُحْدِثَنَّ شَيْئًا حَتَّى تَأْتِيَنِي. فَذَهَبْتُ، فَوَارَيْتُهُ، وَجِئْتُهُ، فَأَمَرَنِي فَاغْتَسَلْتُ، وَدَعَا لِي) <رواه أبو داود (رقم/3214) وقال ابن كثير: إسناده حسن. "إرشاد الفقيه" (1/221)>.
● أقوال الفقهاء في جواز تشييع جنازة أهل الكتاب
نصَّ الفقهاء من الحنفية والشافعية على جواز تشييع جنازة أهل الكتاب واتباعها؛ سواء كان المتوفَّى من الأقارب أو الجيران أو لم يكن كذلك.
قال العلامة ابن مازة البخاري الحنفي في "المحيط البرهاني": <وفي "السير الكبير": سأل رجلٌ ابنَ عباسٍ رضي الله عنهما: أن أمي ماتت نصرانيَّةً؟ فقال: اتبع جنازتها واغسِّلها وكفِّنها، ولا تصلي عليها، وادفنها. وإنَّ الحارث بن أبي ربيعة ماتت أُمُّهُ نصرانيَّةً، فتتبع جنازتها في نفرٍ من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين> <(2 /194، ط. دار الكتب العلمية)>.
وقال الإمام النووي الشَّافعي في "منهاج الطَّالبين": ولا بأس باتباع المسلم جنازة قريبِه الكافر <(ص: 62، ط. دار الفكر)>.
وقال العلامة شمس الدين الرملي في "نهاية المحتاج": (ولا بأس باتباع المسلم جنازة قريبه الكافر).. ولا يبعد كما قاله الأذرعي إلحاق الزوجة والمملوك بالقريب، ويلحق به أيضًا المولى والجار كما في العيادة فيما يظهر> <(3 /22، ط. دار الفكر)>.
وقال العلامة عبد الحميد الشرواني في حاشيته على "تحفة المحتاج": قال في "العباب": وللمسلم زيارة قبر كافر. قال: في "شرحه": أي يُباح له ذلك كما قطع به الأكثرون وصوبه في "المجموع" انتهى. وظاهر قطع الأكثرين هذا الذي صوَّبه في "المجموع" أنه لا فرق بين القريب والأجنبي. ويؤخذ من ذلك عدم الحرمة أيضًا في اتِّباع جنازته لقريبٍ أو أجنبيٍ <(3/ 200، ط. المكتبة التجارية الكبرى)>.
● شروط جواز المشاركة في جنائز غير المسلمين
بناءً على ما سبق، فإنَّ المشاركة في جنائز غير المسلمين جائزة بشروط:
• أن لا يشارك المسلم في شعائرهم الدينية، ويبقى بعيدًا عنها.
• أن لا يرافق الجنازة ما يخالف الشريعة الإسلامية، فحينئذ يحرم اتباع هذه الجنازة.
• أن لا يشتمل الحضور على أمر محرم، أو إقرار لهم على باطل يفعلونه أو يقولونه.
• ألا يكون المتوفى من المحاربين للمسلمين.
⚫⚫⚫
⚫ العنصر الرابع: الصيغ والألفاظ المشروعة في تعزية غير المسلمين
● ما لا يجوز من الألفاظ في تعزية غير المسلمين
لا يجوز الدعاء للكافر بالرحمة، فإنَّ ذلك حرام بالإجماع، لقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوٓا۟ أَن يَسْتَغْفِرُوا۟ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوٓا۟ أُو۟لِى قُرْبَىٰ مِنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَٰبُ ٱلْجَحِيمِ﴾ [التوبة، رقم: ١١٣].
ولا يجوز وصف الميت غير المسلم بأنه مرحوم، أو الدعاء له بالرحمة أو المغفرة، ولا قراءة الفاتحة له؛ لأن أعمالهم قد انقطعت وقد أفضوا إلى ما قدموا.
قال ابن عباس: كانوا يستغفرون لموتاهم فنزلت، فأمسَكوا عن الاستغفار، ولم ينْهُهم أن يستغفروا للأحياء حتى يموتوا.
وقد روى مسلم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم استأذَن ربَّه أن يستغفر لأمِّه فلم يأذَن له.
● الصيغ الجائزة والمستحبة في تعزيتهم
إذا جازت تعزية غير المسلمين، فإنه يتخير المعزي الألفاظ التي ليس فيها محذور شرعي. ومن الألفاظ التي ذكرها العلماء في ذلك:
• "أخلف الله عليك ولا نقص عددك" - ذكر ذلك النووي وابن قدامة <(انظر في ذلك: المجموع شرح المهذب: 5/275)> <(وانظر المغني لابن قدامة: 2/410)>.
• "أعطاك الله على مصيبتك أفضل مما أعطى أحدًا من أهل دينك".
• "جبر الله مصيبتك" أو "أحسن لك الخلف بخير" وما أشبهه من الكلام الطيب.
• "أخلف الله عليك، عوضكم الله الخير، يسلم رأسك" ونحو ذلك.
• "لله السلطان والعظمة" - كما كان الثوري يقول.
• "لا يصيبك إلا خير" - كما كان الحسن يقول.
• "أكثر الله مالك وولدك" - كما قال إسحاق.
• "أطال الله حياتك، وأكثر مالك وولدك" - كما ورد عن عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه.
قال الشيخ خبَّاب بن مروان الحمد: "وأمَّا ألفاظ العزاء التي تُقال للكافر غير المحارب فهي: أخلف الله لكم خيرًا منه، ونحو ذلك من الكلمات".
وقال الدكتور خالد محمد عبد القادر: "والصحيح عندي أن للمسلم أن يختـــار من الأدعيـــة ما يــراه مناسبًا مما ليس فيه دعاء للميت ولا قوة للحي".
⚫⚫⚫
⚫ العنصر الخامس: حكم دخول الكنائس للتعزية والدعاء لموتاهم
● حكم دخول الكنائس للتعزية
إذا جازت التعزية فلا فرق بين أن تكون في البيوت أو في الكنائس، إلا أنه يشترط في ذلك كله أن لا يشتمل على أمر محرم، أو إقرار لهم على باطل يفعلونه أو يقولونه، أما الاستماع إلى كلامهم المتضمن للشرك بالله تعالى فلا يجوز، لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِىٓ آيَٰتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا۟ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِۦ ۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَٰنُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [الأنعام، رقم: ٦٨].
وعلى ذلك، فإذا كانت مجالس العزاء عندهم لا تخلو من ذلك في وقت من الأوقات، فلا يجوز حضورها.
● حكم الدعاء لموتى غير المسلمين بالرحمة
تعزية المسلم لغير المسلم جائزة حيث إن الله أمر بالبر بهم والقسط معهم، أما الدعاء بالرحمة والهداية فجائز حال حياتهم، لكن بعد موتهم على الكفر فلا يجوز الدعاء لهم بالرحمة ولا الهداية، لأن أعمالهم قد انقطعت وقد أفضوا إلى ما قدموا.
يقول فضيلة الشيخ عطية صقر -رحمه الله تعالى- رئيس لجنة الفتوى الأسبق بالأزهر: "أما مبدأ التّعزية فمشروع، وهو ضمن البِرِّ الذي جاء في قوله تعالى: (لا يَنهاكُمْ اللهُ عن الذينَ لم يُقاتِلوكم في الدِّينِ ولم يُخرِجوكُمْ مِن دِيارِكمْ أنْ تَبَرُّوهم وتُقْسِطوا إليهم إِنّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطينَ) [الممتحنة: 8] وقرّر الفقهاء أن يُقال لغير المسلم: أخلفَ الله عليك، ومن صُور المُجاملات أن النبي ـ ﷺ ـ عاد غُلامًا يهودِيًّا كان يخدُمه، وعرض عليه الإسلام فأسلمَ، كما رواه البخاري في "الأدب المفرد" وذكر ابن حجر في "المطالب العالية" (ج1 ص 212) فالمُجاملات جائزة ولكن في حدود الشَّرْع".
وقد يجري على بعض الألسنة عند العَزاء أو الحديث عن ميّت غير مسلم عبارة: المرحوم فلان، أو الله يرحَمه، فإن كانت العبارة إخْبارًا عن الميّت بأنه مرحوم فذلك لا يصحّ؛ لأنه ذهبَ إلى ربِّه بما عمل وهو أعلم به، حتى الإخبار عن المسلم بأنه مرحوم هو أمر ظَنِّيٌّ لا ينبغي أن يؤخَذ مأخَذ الحقيقة.
روى الترمذي أن غلامًا استُشْهِد يوم أحد، فوجَد المسلمون على بطنه حجرًا مربوطًا، بسبب الجوع، فمسحت أمُّه التُّراب عنه وقالت: هَنيئًا لك الجَنّة يا بُنَي، فقال ـ صلّى الله عليه وسلم ـ "وما يُدريك لعلّه كان يتكلَّم فيما لا يَعنيه، ويَمنع ما لا يضُرُّه. فإذا كان هذا في المسلم فغير المسلم من باب أولى لا نُخبر عنه بأنه مرحوم، أو ذهب إلى رحمة الله".
وإذا كانت رحمة الله وَسِعت كل شيء لكنه كتبها للمؤمنين الصالحين، الذين يتَّبعون النبي الموصوف في التوراة والإنجيل.
أما الدعاء له بالرحمة، أو قراءة الفاتحة ليرحمَه الله، فذلك للمسلم جائز إذا مات على الإيمان بأن لم يصدُر عنه شيء يُكَفَّر به، أما غير المسلم فقد تحدّث العلماء عن الاستغفار أو طلب الرّحمة له، في حال حياته أو بعد مَماته، فقالوا: إن كان حَيّاً جاز الاستغفار وطلب الرّحمة والهِداية بالتوفيق إلى الإيمان.
⚫⚫⚫
⚫ العنصر السادس: حكم التعزية بعبارة "الله يعزيك" و"إن في الله عزاءً من كل مصيبة"
● حكم التعزية بقول: "الله يعزيك"
أما التعزية بقول: "الله يعزيك"، فتعني الله يلهمك الصبر على مصابك؛ لما تقرر في معنى التعزية وحقيقتها، وقد ورد في بعض الروايات ما يقرب من دلالة هذه الصيغة، وهي قول: "إن في الله عزاء من كل مصيبة".
فقد روى الحاكم في "المستدرك" والطبراني في "المعجم الأوسط" عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: "لَمَّا قُبِضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ قَعَدَ أَصْحَابُهُ حُزَّانًا يَبْكُونَ حَوْلَهُ، فَجَاءَ رَجُلٌ طَوِيلٌ صَبِيحٌ فَصِيحٌ، فِي إِزَارٍ وَرِدَاءٍ، أَشْعَرُ الْمَنْكِبَيْنِ وَالصَّدْرِ، فَتَخَطَّى أَصْحَابَ رَسُولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ حَتَّى أَخَذَ بِعَضَادَيِ الْبَابِ، فَبَكَى عَلَى رَسُولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ فِي الله عَزَاءً مِنْ كُلِّ مُصِيبَةٍ، وَخَلَفًا مِنْ كُلِّ هَالِكٍ، وَعِوَضًا مِنْ كُلِّ مَا فَاتَ، فَإِلَى الله فأَنِيبُوا، وَإِلَيْهِ فَارْغَبُوا، فَإِنَّمَا الْمُصَابُ مَنْ لَمْ يَجْبُرْهُ الثَّوَابُ، فَقَالَ الْقَوْمُ: أَتَعْرِفُونَ الرَّجُلَ؟ فَنَظَرُوا يَمِينًا وَشِمَالًا، فَلَمْ يَرَوْا أَحَدًا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَذَا الْخَضِرُ أَخُو النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ" <رواه الحاكم في المستدرك والطبراني في المعجم الأوسط>.
وهذه الصيغة الواردة في الحديث نصَّ جمع من الفقهاء على استحبابها؛ قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في "أسنى المطالب": ويُستحبُّ أن يبدأ قبله بما ورد من تعزية الخضر أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بموته: إن في الله عزاءً من كل مصيبة، وخلفًا من كل هالك، ودركًا من كل فائت، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا، فإن المصاب مَن حُرم الثواب> <(1/ 334، ط. دار الكتاب الإسلامي)>.
وقال الإمام أبو الفرج ابن قدامة في "الشرح الكبير": واستحب بعض أهل العلم أن يقول ما روى جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال: لما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاءت التعزية سمعوا قائلًا يقول: إن في الله عزاءً من كل مصيبة، وخلفًا من كل هالك، ودركًا من كل ما فات، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا، فإنّ المُصاب مَن حرم الثواب <(2/ 428، ط. دار الكتاب العربي)>.
وبناءً على ذلك: فإنَّ التعزية بقول: "الله يعزيك" لا حرج فيها شرعًا، والأفضل ما جاء في السنة النبوية. إلا أنَّه ينبغي التنبيه على أنَّه في مثل ألفاظ التعزية والتهنئة يُراعى المتعارف عليه بين الناس من الصيغ والألفاظ بشرط عدم مخالفتها للشرع.
● حكم التعزية بعبارة: "إن في الله عزاءً من كل مصيبة"
تعزية أهل الميت بعبارة: "إن في الله عزاءً من كل مصيبة" مستحبةٌ؛ لأن التعزية بصفة عامة مندوبٌ إليها شرعًا، وهذه الصيغة ثابتة في كتب السنة عن الخضر عليه السلام، وقد نص العلماء على استحبابها.
قال الإمام الشافعي في "الأم" عقب الأثر السابق: قد عزَّى قوم من الصالحين بتعزية مختلفة فأحب أن يقول قائل هذا القول، ويترحم على الميت، ويدعو لمَن خلفه <(1/ 317، ط. دار المعرفة)>.
وقال الإمام ابن الرفعة في "كفاية النبيه": قال ابن الصباغ وأبو الطيب: ويقال: إن قائله الخضر عليه السلام. وعبارة ابن يونس مصرحة بأن قائل ذلك الشافعي، وأنه يستحب أن يقول بعد ذلك ما ذكره الشيخ، وهو قضية كلامه في "المهذب" وغيره <(5/ 174، ط. دار الكتب العلمية)>.
وقال الإمام الحطاب في "مواهب الجليل": وزاد سند عن ابن حبيب، وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما مات وجاءت التعزية سمعوا صوتًا من جانب البيت: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته؛ إنَّ في الله عزاءً من كل مصيبة، وخلفًا من كلّ هالكٍ وعوضًا <(2/ 229، ط. دار الفكر)>.
وقال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في "أسنى المطالب": ويُستحبُّ أن يبدأ قبله بما ورد من تعزية الخضر أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بموته: إن في الله عزاءً من كل مصيبةٍ، وخلفًا من كل هالكٍ، ودركًا من كل فائت، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا، فإن المصاب مَن حُرم الثواب> <(1/ 334، ط. دار الكتاب الإسلامي)>.
وقال الإمام ابن قدامة في "المغني": واستحب بعض أهل العلم أن يقول ما رَوَى جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجاءت التعزية، سمعوا قائلًا يقول: إن في الله عزاءً من كل مصيبةٍ، وخلفًا من كل هالكٍ، ودركًا من كل ما فات، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا، فإنّ المُصاب مَن حرم الثواب <(2/ 405، ط. مكتبة القاهرة)>.
وقال الإمام الشوكاني في "نيل الأوطار" مُعلِّقًا على هذا الحديث: فيه دليل على أنه تُسْتَحَبُّ التَّعْزِيَةُ لأهل الميت بِتَعْزِيَةِ الْخَضِرِ عليه السلام> <(4/ 117، ط. دار الحديث)>.
ومعنى هذه العبارة: إن في كتاب الله تعالى وثوابه، والرضا بقضائه، والتوكل عليه: تسليةً للعبد في جميع المصائب والبلايا.
قال ملا علي القاري في "مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح": (إن في الله)؛ أي: في كِتَابِهِ (عزاء) بفتح العين؛ أي: تَسْلِيَةً (من كل مصيبة)؛ -أي: إشارة- إلى قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ ۝ ٱلَّذِينَ إِذَا أَصَٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌ﴾ [البقرة: 155-156]، أو في ثوابه عوضًا من كل محنة وَبَلِيَّةٍ <(10/ 334، ط. دار الفكر)>.
⚫⚫⚫
⚫ العنصر السابع: الخلاصة والنتائج
بناءً على ما سبق، يمكن تلخيص الأحكام المتعلقة بتعزية غير المسلمين وتشييع جنائزهم فيما يلي:
• تعزية أهل الميت المسلم مستحبة شرعًا، وتتحقق بكل تعبير حسن يُذَكِّر بالصبر على المصيبة، والأفضل ما ورد في السنة النبوية.
• تعزية غير المسلمين جائزة شرعًا، وهي من باب حسن المعاملة والبر والقسط الذي أمر الله به مع غير المحاربين، وقد نص على جوازها جمهور أهل العلم من الحنفية والشافعية والحنابلة.
• تشييع جنائز غير المسلمين جائز شرعًا، بشرط عدم المشاركة في شعائرهم الدينية، وعدم مرافقة ما يخالف الشريعة الإسلامية للجنازة، وألا يكون المتوفى من المحاربين.
• الصيغ الجائزة في تعزية غير المسلمين: "أخلف الله عليك، عوضكم الله الخير، يسلم رأسك، جبر الله مصيبتك، أحسن الله لك الخلف، لا يصيبك إلا خير، أكثر الله مالك وولدك" ونحو ذلك من الكلام الطيب الذي لا يشتمل على دعاء للميت بالرحمة أو المغفرة.
• لا يجوز الدعاء لموتى غير المسلمين بالرحمة والمغفرة، ولا وصفهم بأنهم مرحومون، ولا قراءة الفاتحة لهم؛ لأنهم ماتوا على غير الإسلام.
• يجوز دخول الكنائس للتعزية بشرط عدم الاستماع إلى كلام يتضمن الشرك بالله، وعدم الإقرار لهم على باطل، وعدم المشاركة في شعائرهم الدينية.
• التعزية بقول: "الله يعزيك" لا حرج فيها شرعًا، والأفضل ما جاء في السنة النبوية.
• التعزية بعبارة: "إن في الله عزاءً من كل مصيبة" مستحبة؛ لأنها ثابتة عن الخضر عليه السلام، وقد نص العلماء على استحبابها.
• ينبغي في مثل ألفاظ التعزية والتهنئة مراعاة المتعارف عليه بين الناس من الصيغ والألفاظ بشرط عدم مخالفتها للشرع.
• تعزية غير المسلمين ينبغي أن تكون وسيلة للتقريب والتأليف، لا للموالاة والمحبة في الدين، مع الحفاظ على الثوابت الشرعية والتمييز بين المعاملة الدنيوية والاعتقاد الديني.
🤲 اللهمَّ اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ووفقنا لحسن المعاملة مع الناس جميعًا، والبر والقسط مع من لم يحاربنا في الدين، واجعلنا دعاةً إلى الخير بالحكمة والموعظة الحسنة، وارزقنا الصبر عند المصائب، والرضا بقضائك، والتوكل عليك، إنك على كل شيء قدير، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق