الخميس، 31 يناير 2019

الإخوان المسلمون وإرهاصات التمكين ...!!


لم تكن جماعة الإخوان المسلمين يوما ما دولة ذات سيادة .. ولم تكن هذه الجماعة يوما ما تدعوا للعنف والتفجير والتشهير .. ولم تأت هذه الجماعة بدين جديد ، ولا بتشريع مفاجئ .. ولم يدِّع روّادها بأنهم الفرقة الناجية أو الطائفة المنصورة أو من بيدهم صكوك المغفرة أو يوزعون مفاتيح الجنة ..
ولم يدَّعوا أن بيدهم العصى السحرية لإصلاح الأوضاع الإقتصادية والمعيشية للناس بلمح البصر ..
لم نسمع ذلك من ناشطيهم ولا من مفكريهم ولا من العلماء الذين ينضوون تحت تنظيمهم ..
ولا ينكر أحد بأن في الصف مغرضون وجهلة من حيث لايعلمون !!
ولكن العقلاء منهم - وهم كثر - يقولون نحن جزء من أمة ، ولدينا ميراث رسالة ، وتركة نبوة ، ونحن بناة حضارة ، وأصحاب دعوة ، وننافح من أجل استعادة تاريخ عريق ، وريادة دين عظيم ..
ولدينا وسائلنا الشرعية نجتهد ونخطئ ونتراجع إلي الصواب بقوة الدليل ..
نرفض التعصب إلا إلى الحق ، ولا نتمذهب إلا بالاسلام ، ولا نتمايز إلا بالتقوى ..
سلمان منا وهو فارسي ..
وصهيب أخانا وهو رومي ..
وبلال مؤذننا وهو حبشي ..
يقوم بذمتنا أدنانا ، ونحن يد علي من سوانا.. الجماعة عندنا وسيلة لا غاية ، ومقصد لا نهاية ..
نرفع شعار (الإسلام هو الحل) مع القيام بإعداد العدة ، ونتوقع أسوأ الإحتمالات ، ولا نفرح إلا بالنصر للمؤمنين ..
علمنا أن أقصانا أسير بيد اليهود فأسسنا حماس ...
وأدركنا حجم الهجمة ضد ديننا من اليهود والنصارى والمنافقين من بني جلدتنا فَوَطَّنَّا أنفسنا على تحمل المكاره في سبيل الله ..
علمنا أن عدونا يؤلب علينا الفقراء من بني جلدتنا فأقمنا جمعيات ومؤسسات تشبع البطون ..
ورأينا عدونا يستميل عقول شبابنا فسارعنا الي بناء مدارس ودور قرآن وجامعات ونواد علمية وثقافية ..
ووجدنا أن عدونا يغزونا عبر الفضاء فتوجهنا لإيجاد قنوات فضائية إسلامية ..
ولأننا نفهم حيل العدو ضد دعوتنا فحاولنا مسايرة التيار بلا انجرار ، وننحني للعاصفه بلا انكسار ، ونغالب الباطل حتى يقصم الله ظهره أمام أعيننا ..
حاول العدو أن يرمينا ب(الديمقراطية) لنتصادم معه ولكننا أخذناها منهم كوسيلة وليست عقيدة لِنلجمهم بها ..
فلما رأونا نجحنا بهذه اللعبة المفخخة القذرة انقلبوا علينا فى :
غزة هاشم
ومصر الكنانة
ويمن الإيمان
وتونس الأبية
وفشلوا بعاصمة الخلافة العثمانية ..
نحن نعي ما يخطط الأعداء لإيقاعنا في الفخ فنتخذ إجراءات السلامة كربط حزام الأمان ، وتفقد عجل سيارة السير ..
وكل ذلك توفيق من الله ورعاية ربانية ليس لنا فيها إلا التنفيذ ..
نعم نفتخر بأعضاء جماعتنا في كل شبر يذكر فيه إسم الله ..
وكلنا جسد واحد
وجرحنا واحد
فلو عطس أخ لنا في الصين لسمعت من يشمته من اليمن .. وهذا سر قوتنا ، مع تمسكنا بأخوة كل مؤمن ليس معنا في الصف ..
ومع هذا الفهم والإدراك والوعي .. لا ندعي العصمة ، ولا نراهن علي أفرادنا ، ولا نعادي من لم يكن في صفنا ..
بل ننظر إلى الأمة - كل الأمة - بأنها أمة العطاء والخيرية ..
وأن الاختلاف سنة ..
والناس ليسوا على شاكلة واحدة ..
ولا يمكن أن نجبر أحداً على تنفيذ وسائلنا للوصول إلى التمكين المطلوب ..
فما دمت قاصدا الهدف معنا فليكن وصولك معنا بطريقتنا أو بطريقتك ووسائلك الشرعية .. فالعبرة بالوصول إلى الهدف لا بأحادية الوسائل ..
ولأننا نعلم أن البشر طاقات ونفسيات فكل على قدره يحمل ، وصدق الله إذ يقول " لايكلف الله نفسا الا وسعها "
وكل مسلم على ثغرة ..
نحن جماعة نؤمن بمرحلية الأهداف ، ودليلنا أن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام .. وبذلك نفضنا عن أكتافنا غبار العجلة ..
علينا أن نستصلح الأرض ونهيئ البذرة ، ونصلح وصول جداول الماء الصالح ، ونتعهد النبتة..
فإن طالت أعمارنا وقطفنا الثمرة حمدنا الله .. وإن اختارنا الله فقد كنا سببا لمن يقطف ثمارنا ويدعوا لنا بظهر الغيب " والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالايمان "
لقد أدركنا بأن هذا الدين بدأ غريبا ثم مكنه الله .. وسيعود إلي الغربة في نهاية الزمان ويمكنه الله مرة أخرى ..
فأخذنا علي عاتقنا أن نكون في طلائع من يعيدون هذا الدين الي منصة الحكم وقبة البرلمان ودار الرئاسة ..
فحاولنا أن نصلح أنفسنا إذا فسد الناس ، ونصلح ما أفسده الناس ، ونصبر على البلاء مع احتساب الأجر والثواب ..
إن التمكين لهذا الدين كلفته ليست بسيطة كما يتوقعها أهل الدنيا ..
ولا كما يتوهمها أهل العجلة ..
فالبعض يتضجر...
والبعض يتأفف...
والبعض يسخر...
ونحن - بكل اطمئنان - نعلم أن كل شيئ بقدر !!
لقد دفع كلفة التمكين رسول الله صلى الله عليه وسلم جوعا في شعب أبي طالب ..
ودفعها مطرودا من مكة ..
ودفعها رجما وسبا وشتما في الطائف ..
ودفعها محاصرا في بيته ليلة الهجرة ..
ودفعها من عرض زوجته عائشة رضي الله عنها ..
ودفعها من دمه بدخول المغفر في وجنته في الخندق ، وكسر رباعيته في أحد ..
ودفعها من ماله فأنفقه في سبيل الله إنفاق من لايخشى الفقر ..
ودفعها من شخصيته العظيمة فقالوا عنه ساحر وكذاب ومجنون ..
ودفعها من حياته الشخصية فنشأ يتيما فقيرا راعيا للأغنام ..
وبهذه التضحيات حكم الكون ، وذلت - له - إمبراطورية الروم والفرس حينها ..
كان رسول الله كذلك ..
وتلك كلفة التمكين له ولدعوته ..
فما بالك بنا اليوم ؟!!!
 

تنبيهان وفائدتان

تنبيهان وفائدتان
مسح الرأس في الوضوء إذا كان عليه جل أو حناء أو زيت الزيتون أو غيرها مما يوضع على الرأس من الأدهان
إذا كان لايمنع وصول الماء فهذا جائز بالإتفاق
وإذا كان يمنع وصول الماء فقولان للعلماء
فأجاز الحنفية وغيرهم ومنع المسح عليه جمهور العلماء
لكن قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لبد شعره وهو محرم في حجته
وتلبيد الشعر يكون بصمغ أو عسل أوماشابه ذلك مما يصفف الشعر ولايجعله متفرقا شعثا يدخله الغبار أو التراب
وهذا دليل قوي لمن يقول بالجواز ... ومسح الرأس قد جاء فيه المسح على العمامة والخمار فيفهم منه التخفيف
وأما في غسل الجنابة والجمعة والحيض والنفاس فلابد من إزالته
*******************
وكذلك بعض من يعمل في الصناعات فيلتصق في يده منها شيء يسير
فيصح الوضوء إن كان هناك حرج في تتبعها وإزالة جميعها
وخاصة صبغ البوية .. ورفع الحرج مقصد شرعي
فإن عمل ماوجب عليه فصلى ثم وجد على يده أو قدمه نقطة أو نقطتان من الصبغ فهذا معفو عنه
وهو اختيار ابن تيمية رحمه الله
والحديث الذي فهم منه العلماء وجوب إزالة كل مايمنع وصول الماء هو ما رواه مسلم عن عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ (( أَنَّ رَجُلًا تَوَضَّأَ فَتَرَكَ مَوْضِعَ ظُفُرٍ عَلَى قَدَمِهِ فَأَبْصَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ ارْجِعْ فَأَحْسِنْ وُضُوءَكَ فَرَجَعَ ثُمَّ صَلَّى))
اللهم فقهنا في ديننا واعف عنا واغفر لنا وارحمنا

💥حكم بيع السلعة اقل من السوق؟

💥حكم بيع السلعة اقل من السوق
السؤال: شيخنا انا صاحب متجر في السوق ، هل يجوز لي ان ابيع السلعة اقل من سعر السوق بقصد تصريفها والمنافسة مع الاخرين لكسب الزبائن ؟ بارك الله فيك.
✍️الجواب: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:
فان الأصل الذي تقرره الشريعة الاسلامية أن الناس أحرار في بيعهم وشرائهم وتصرفهم في ممتلكاتهم وأموالهم في إطار أحكام الشريعة الإسلامية الغراء وضوابطها تصرفا لا يحدث ضررا بالأخرين ،عملا بمطلق قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ { [النساء:29] .
وليس هناك في الشريعة تحديد لنسبة معينة للربح يتقيد بها التجار في معاملاتهم، بل ذلك متروك لظروف التجارة عامة وظروف التجار والسلع والوازع الديني والاخلاقي ، مع مراعاة ما تقضي به الآداب الشرعية من الرفق والقناعة والسماحة والتيسير وبالتراضي بينهم، فعن أنس بن مالك – رضي الله عنه- قال: غلا السعر على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقالوا: يا رسول الله سعر لنا، فقال: ((إن الله هو المسعر القابض الباسط الرزاق، وإني لأرجو أن ألقى ربي وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في دم ولا مال)) . رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
وقد اتفق العلماء على جواز ان يبيع الجَلاّب سلعته اقل من سعرها في السوق: وهم الذين يجلبون السلع الى السوق لبيعها ولا يملكون دكانا فيه ، ولهذا يبيعون بضائعهم بسرعة، ويرجعون إلى أهلهم ، فمن جلب منهم شيئاً إلى السوق، فله أن يبيع بأقل من سعر الناس.
قال أبو الوليد محمد بن رشد القرطبي في البيان والتحصيل [9/368 ] : ( مما لا اختلاف فيه أنه لا يُسّعر على الجَلّاب ) . 
👈وأما غير الجالب ممن يملك دكانا او متجرا في السوق ، فقد اختلف العلماء في حكم بيعه السلعة باقل من سعرها في السوق على قولين :
القول الأول: أنه يجوز البيع بأقل من سعر السوق.
وهو مذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة . لأن أثمان السلع والخدمات وأسعارها حقٌّ لأربابها، فلا يُحجر عليهم فيها، ولا يُتعرّض لهم في تقديرها.
واستدلوا بأدلة كثيرة، منها:
1- قوله تعالى: { يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِنكُمْ} [النساء:29]. 
2- وقوله صلى الله عليه وسلم عن ابي سعيد الخدري –رضي الله عنه- : ((إنما البيع عن تراض)). رواه ابن ماجة وابن حبان وصححه الشيخ الالباني.
وجه الدلالة: أن البائع إذا كان راضيا بالبيع بأقل من سعر السوق فإنه يجوز؛ للرضا المتحقق في العقد، كما قال الشافعي: (الناس مسلّطون على أموالهم، ليس لأحد أن يأخذها، ولا شيئًا منها بغير طيب أنفسهم). [الحاوي الكبير للماوردي 5/898].
2- قوله -صلى الله عليه وسلم- في سنن الترمذي : ((إن الله هو المسعِّر القابض الباسط الرازق، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم ولا مال)).
وجه الدلالة: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- عَدَّ التدخل في تحديد الأسعار نوعا من الظلم الذي يجب الامتناع منه.
3- قوله صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري: ((رحم الله رجلا سمْحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى)) . والبيع بأقل من ثمن المثل داخل في ذلك.
القول الثاني: أنه لا يجوز البيع بأقل من سعر السوق، لما فيه من الحاق الضرر بالغير. 
وهو قول عند المالكية، ووجه عند الحنابلة، اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية [ ينظر: الكافي لابن عبد البر ص390، والإنصاف للمرداوي 4/338].
واستدلوا بأدلة منها:
1- قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح في موطأ مالك وسنن ابن ماجه: ((لا ضرر ولا ضرار)).
وجه الدلالة: أن البيع بأقل من ثمن المثل ضرر بالسوق، حيث يصرف البائعُ الناسَ إليه، ويصاب غيره بالكساد، وإن باع بأكثر مما يبيع الناس أضرّ بالمشتري، فالعدل هو البيع بثمن المثل.
2- ولأنه إن نقص عن سعر السوق أضرّ بالسوق فيُمنع، وإن رفع عن سعر السوق فإن للمشتري الخيار؛ إن شاء اشترى منه، وإن شاء تركه واشترى من غيره، فيرجع الضرر على البائع نفسه.
👍المفتى به :
هو ما ذهب اليه الجمهور في القول الأول، وهو جواز البيع بأقل من سعر السوق اليسير؛ لقوة أدلة هذا القول، وسلامتها من المعارض المعتبَر. 
ولأن النقص والزيادة اليسيرة عن سعر السوق مما قد يتغابن الناس في مثله فلا حرج فيه، والممنوع هو ما يضر بالسوق والتجار، ويجب مراعاة ان لا يحدث ذلك ضررا واضحا على غيره ، وما لم تُسّعر الدولة تلك السلعة لمصلحة تقتضي ذلك، فحينئذ يجب الالتزام بما تسعره الدولة .
وكذلك يجوز ما يمنحه التجار والباعة للعملاء والزبائن من التخفيض العادي للسلع؛ ترغيبا لهم في الشراء. والله تعالى اعلم.
د. ضياء الدين الصالح

الاثنين، 28 يناير 2019

15 سؤالاً لن يجيبك عنها ملحد!!

ما هي الأسئلة التي لن يجيبني عنها ملحد؟

بسم الله الرحمن الرحيم
ما هي الأسئلة التي لن يجيبني عنها ملحد؟ بالمناسبة عاوز الخلاصة...
الجواب:
أ- كيف ظهر الوجود من اللازمان واللامكان؟
ب- كيف انتقلت اللاحياة إلى حياة؟
كيف انتقلت المادة الميتة إلى خلايا حية؟
في حين أننا اليوم وفي قمة تقانتنا وجامعاتنا العملاقة لا نستطيع أن ننشيء أبسط صور الحياة، فكيف ننسب ظهور الحياة إلى المادة الميتة العمياء؟ 
ألم يكن الأولى بنا اليوم أن نُنتج حياة تفوق الحياة التي أظهرتها المادة الميتة العمياء بملايين المرات؟
ج- كيف يستطيع الملحد من خلال إلحاده أن يدافع عن إبادة أهل الأرض جميعًا؟
ما هو المستند العقلي أو المادي أو العلمي الذي يقدمه بحيث يؤكد أن إبادة أهل الأرض جميعًا خطأ؟
فالعالم المادي لا يعرف الخطأ ولا الصواب؟
إذن تستوي إبادة أهل الأرض جميعًا بإحيائهم إلحاديًا.
د- يفترض الإلحاد أن البشر مجرد حيوانات جاءت في سلسلة تطور من كائنات أدنى!
ماذا لو ظهر كائن أرقى؟
هل يحق له إدخال البشر أقفاص الحيوانات وأن يستخدمهم في تجاربه الدوائية؟
الإجابة الصريحة من واقع المادة والداروينية هي: نعم
وهذا يقضي على أي أمل في حماية الإنسان أو توفير معنى أو غاية لوجوده داخل الإلحاد.
فالإلحاد هنا يعجز عن تفسير حقيقة الإنسان!
هـ- ماذا لو أثبت التطور أن عِرقًا بشريًا أرقى من عرقٍ آخر، هل يحق للأرقى تحويل الأدنى إلى مادة مستعملة، كما نتعامل مع الحشرات والحيوانات الأدنى تطوريًا؟
إجابة الداروينية المادية هي: نعم
وهذا يضمن انهيار الإلحاد داخل العقول السوية والأنفس المفطورة على أن التمايز بين البشر هو بالتقوى لا بلون الجلد ولا بكفاءة العضلات.
و- يفترض الملحد أن الأخلاق نسبية – أي تحتمل أكثر من وجه؛ فمثلاً الأمانة قد تكون أفضل من الخيانة وقد تكون الخيانة أفضل من الأمانة- ثم حين يأتي بشبهاته فإنه يقرر مسبقًا أنها مطلقة-لا تحتمل إلا وجهًا واحدًا الأمانة أفضل من الخيانة-، لأنه لو كانت الأخلاق نسبية فليس للشبهة معنىً، لأنه ساعتها لن يستطيع أن يقرر أن هناك مخالفة لمعيار أخلاقي.
وهذا تناقض ظاهر فهل الأخلاق نسبية أم مطلقة؟
فلو كانت مطلقة لانتهى إلحاده لأن هذا يعني أن الأخلاق تحمل غائية وجودية كبرى –إرادة الله والتكليف الإلهي-.
ولو كانت نسبية فهذا يعني أنه لا يصح للملحد أن يأتي بشبهة ولا أن يستوعب وجود شبهة أصلاً!
ز- كيف ظهرت الثوابت الفيزيائية المدهشة التي بدأ بها الكون؟
الثوابت الفيزيائية هي فرق في قياسات الطاقة في المادة التي ظهر منها الكون، وهذا الفرق دقيق للغاية ولو اختل ما ظهر الكون.
مثال على ذلك: الثابت الكوني Cosmological constant الذي لو اختلفت قيمته بأقل من جزء من صفر يليه 123 صفر ثم 1 من الواحد لانهار الكون بأكمله.
هذا ثابت فيزيائي يؤكد وجود ضبط ودقة وعظيم صنع؛ والثوابت الفيزيائية كثيرة وكلها دقيقة ومدهشة.
ح- كيف ظهر نظام التشفير داخل خلايا الكائنات الحية –الجينوم-؟
فمن المعلوم أن التشفير لابد له من مشفر، ووضع معلومة داخل الجينوم تهدف لرمز معين يؤدي وظيفة محددة –تكوين العين مثلاً- هذا أمر لا يقوم به إلا صانع قادر حكيم، فالمعلومة هي معلومة.
ط- كيف تبرر وجود الأخلاق والمعنى والقيمة من خلال الإلحاد؟
فالإلحاد يعتبر العالم مجرد ذرات متلاطمة بلا معنى ولا غاية.
وهذا أكبر دافع لتسميم الأخلاق وتدمير معنى الآخلاق.
فإذا كانت الأخلاق موجودة فالإلحاد غير صحيح.
ي- ملخص الاستدلال ضد الإلحاد:
بما أن هناك ضوء إذن بالإدراك العقلي المباشر هناك مصدر للضوء.
بما أن هناك ظل إذن هناك جسم.
بما أن هناك موجودات متقنة من الكوارك إلى المجرة إذن هناك موجِد.
هذا هو الاستدلال القرآني وهو أيسر الاستدلالات وأقلها في الخطوات.
ولذلك قال الله عز وجل: "ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يُصرفون. الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا". سورة غافر.
أنى تُصرفون؟
وإلى أي دليل مقابل تلجئون؟
فليس أمام الملحد إلا العماء والعدم والعبث والإيمان بالمحالات.

متى تؤم المرأة الرجال !

متى تؤم المرأة الرجال :
الأصل ان المرأة لا يجوز لها أن تؤم رجلا لما روى جابر عن النبي عليه الصلاة والسلام قال (لا تؤمن امرأة رجلا ) رواه ابن ماجه
وهذا يشمل الفرض والنفل ولا نزاع في الفرض
أما في النفل فالمنصوص عن أحمد في رواية المروذي وهو اختيار عامة أصحابه أنها يجوز أن تؤمهم في صلاة التراويح ولكن تكون وراءهم فيتقدمها الرجال
لما روى أن أم ورقة بن نوفل سألت رسول الله عليه الصلاة والسلام فقالت إني أصلي ويصلي بصلاتي أهل داري وموالي وفيهم رجال ونساء يصلون بقراءتي ليس معهم قرآن فقال قدمي الرجال أمامك وقومي مع النساء ويصلون بصلاتك رواه المروذي بإسناده
ورواه أبو داود ولفظه وكانت قرأت القرآن واستأذنت النبي أن تتخذ في دارها مؤذنا فأذن لها وأمرها أن تؤم أهل دارها
وشرط هذه المسألة أن تكون قارئة وهم أميون أو يحسنون الفاتحة أو شيئا يسيرا معها
وهل حكم غير التراويح من النوافل حكمها قياسا عليها
الجواب هناك روايتان عن الامام احمد احداهما نعم والاخرى ان ذلك يختص بالتراويح
بينما منع الشافعية امامة المراة للرجال مطلقا في الفرائض والنوافل قال النووي في المجموع (4/152) :
" وَاتفَقَ أَصْحابنا على أَنهُ لا تَجوز صَلاة رَجل بَالِغٍ وَلا صَبِي خَلْفَ امْرَأَة. . . وَسَوَاءٌ فِي مَنْعِ إمَامَةِ الْمَرْأَةِ لِلرِّجَالِ صَلاةُ الْفَرْضِ وَالتَّرَاوِيحِ , وَسَائِرُ النَّوَافِلِ , هَذَا مَذْهَبُنَا , وَمَذْهَبُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ - رحمهم الله , وَحَكَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ التَّابِعِينَ , وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَسُفْيَانَ وَأَحْمَدَ وَدَاوُد .....
ثُمَّ إذَا صَلَّتْ الْمَرْأَةُ بِالرَّجُلِ أَوْ الرِّجَالِ فَإِنَّمَا تَبْطُلُ صَلاةُ الرِّجَالِ , وَأَمَّا صَلاتُهَا وَصَلاةُ مَنْ وَرَاءَهَا مِنْ النِّسَاءِ فَصَحِيحَةٌ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
ومذهب المالكية في هذا أشد المذاهب ، فإنهم يمنعون إمامة المرأة حتى للنساء ، ويجعلون الذكورة شرطاً في الإمامة مطلقاً . ففي "الفواكه الدواني" (1/204) :
"فَلا تَصِحُّ إمَامَةُ الْمَرْأَةِ وَلا الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ , وَتَبْطُلُ صَلاةُ الْمَأْمُومِ دُونَ الأُنْثَى التي صلَّتْ إماما"

حكم المسح على الخفين والجوربين والنعال و ......؟!

المسح على الخفين والجوربين .... 

لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء في المسح على الجوربين .
وماروي عنه أنه مسح على الجوربين فهو شاذ 
بل صح عنه المسح على الخفين

والمسح على الجوربين ورد عن بعض الصحابة رضي الله عنهم
وجمهور العلماء قاسوا الجوربين على الخفين

شروط المسح على الخف أو الجورب :

جماهير العلماء لايجيزون المسح على الجوراب الرقيق أو الشفاف 
بل منهم من نقل الإجماع ؟!

وبعض العلماء يقول يجوز المسح على الجورب الشفاف والمخرق
لعدم الدليل المانع والمسح رخصة

فإن أردت أن تمسح على الجواريب فليكونا ثخينين خروجا من الخلاف وأحوط لك

وأن يكونا ساترين لمحل الفرض في الوضوء ، ويكون من أطراف أصابع القدم إلى الكعبين .

وأن يلبسهما على طهارة بعد وضوء أو غسل

قال ابن قدامه رحمه الله : " يجوز المسح على الخف ونحوه , إذا كان ساترا لمحل الفرض , فإن ظهر من محل الفرض شيء , لم يجز المسح " " المغني " (1/183)

وخالف ابن حزم والأوزاعي جماهير العلماء فقالا يجوز المسح على الخف أو الجورب 
الذي لايغطي الكعبين

قال ابن حزم رحمه الله :

"فإن كان الخفان مقطوعين تحت الكعبين فالمسح جائز عليهما , وهو قول الأوزاعي, روي عنه أنه قال : يمسح المحرم على الخفين المقطوعين تحت الكعبين "

ومدة المسح هي : يوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليها للمسافر

وتبتديء مدة المسح من أول مسح بعد لبس الخف أو الجورب

ويجوز لك أن تتوضأ وتمسح قبل انتهاء المدة بقليل ولاتنتقض المدة عندها 
فتصلي ماشئت بعد انقضاء مدة المسح مادمت محافظا على وضوءك 
فإذا انتقض وضوءك وجب الوضوء وغسل الرجلين ثم تستأنف المسح

فإذا انتهت المدة وانت على وضوء فتصلي ماشئت من الصلوات الى أن ينتقض وضوءك

ولو لبست جورب ثاني فوق الأول فيجوز لك أن تمسح عليه بشرط أن تكون طاهرا غير ناقض لوضوءك عند لبسك له
والمدة تحسب للجورب الأول أو التحتاني .
وإذا نزعت الفوقاني فيبقى الحكم والمدة للتحتاني

واما اذا لبس جوربا فوق جوربه الاول وهو محدث فلايجوز مسح الجورب الفوقاني بل يخلعه عند الوضوء ويمسح على التحتاني ﻷن الحكم مرتبط به

تنتقض مدة المسح عند خلع الجورب إلا إذا خلعته ولبسته وأنت باق على وضوءك الأول أي لم يحصل حدث ينتقض به وضوءك.

المسح على البسطار العسكري او الجزمة ... 

فهذه ان لبسها على طهارة جاز له المسح عليها ولايشترط ان يكون تحتها جورب
وان كان تحتها جورب قد لبسه على وضوء وقد خلعها فيتم المسح على الجورب باقي مدته
وله ان يمسح عليها مرة اخرى ان لبسها بعد وضوء قد مسح الجورب فيه كحال الخف على الخف والجورب على الجورب

اما الحذاء فإن كان ساترا لمحل الفرض وهو تغطية كعبي الرجل فحكمه كالبسطار والجزمة
وإن كان الحذاء حده تحت الكعب فهذا لايمسح عليه وهذا غالب اﻷحذية

وإذا لبس خفا او جوربا فوق خف او جورب كان قد لبسه على طهارة وضوء او مسح فله ان يمسح على الفوقاني ولو نزعه يكمل مدة المسح على التحتاني
واما اذا لبس جوربا فوق جوربه الاول وهو محدث فلايجوز مسح الجورب الفوقاني بل يخلعه عند الوضوء ويمسح على التحتاني ﻷن الحكم مرتبط به

المسح على النعال .....  

روى البخاري عن أنَسٌ رَضِي الله عَنهُ،

" أنَّ نَعلَي النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كانَ لَهُما قِبالانِ." [ أي سيران ]

اختلف العلماء في صحة ورود المسح على النعال عن النبي صلى الله عليه وسلم

هل كان يمسح على النعال أم لا ؟

علما أن النعال تكون فيه القدم مكشوفة أكثرها

وقد بوب البخاري رحمه الله

" بَابُ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ فِي النَّعْلَيْنِ، وَلاَ يَمْسَحُ عَلَى النَّعْلَيْنِ "

وساق حديثا عن ابن عمر جاء فيه

«رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلْبَسُ النَّعْلَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَعَرٌ وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا»

فذكر أنه يتوضأ فيها فالنعال تكون فيها القدم مكشوفة فيمكن غسل الرجل والنعل معا

ومن العلماء من أجاز المسح على النعال واشترطوا أن يكون تحته جوراب والمسح هنا يكون على النعال والجورب كليهما

ومن العلماء من أجاز المسح على النعال ولو كانت من غير جوراب
وكلا الحالتين بشرط أن يلبس النعال على وضوء

ومما يستدل به على جواز المسح على النعال ولو من غير جوراب
ما أخرجه البزار عن ابن عمر أنه كان يتوضأ ونعلاه في رجليه ويمسح عليهما ويقول كذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل " وقد صحح اسناده الحافظ ابن حجر

وعن أبي ظبيان أنه رأى عليا -رضى الله عنه- بال قائما ،ثم دعا بماء ،فتوضأ ومسح على نعليه، ثم دخل المسجد ،فخلع نعليه ثم صلى.

وممايستدل به على أنه لابد من الجوراب مع النعل

حديث المغيرة بن شعبة، وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: توضأ ومسح على الجوربين والنعلين، وهو في الترمذي والنسائي وأبي داود،

ومعناه كما قال الطيبي: هو أن يكون قد لبس النعلين فوق الجوربين، وكذا قال الخطابي،

وقال الطحاوي في شرح الآثار في باب المسح على النعلين: (( مسح علي نعلين تحتهما جوربان، وكان قاصداً بمسحه ذلك إلى جوربيه لا نعليه، فجورباه لو كانا عليه بلا نعلين جاز له أن يمسح عليهما، فكان مسحه ذلك مسحاً أراد به الجوربين، فأتى ذلك على الجوربين والنعلين، فكان مسحه على الجوربين هو الذي تطهر به، ومسحه على النعلين فضل. ))

وورد في سنن البيهقي الكبرى عن كعب بن عبد الله قال: رأيت علياً بال وتوضأ، ثم مسح على نعليه وجوربيه.

والأحوط في النعال ... هو أن يغسل رجليه فهذا هو الواجب والمسح على النعال مختلف فيه
إلا إذا كان قد لبس جورب تحت النعال بعد وضوء فله أن يمسح على الجورب والنعال

وأما المسح على الحذاء

فإن لبس تحته جورب بعد وضوء جاز المسح على الحذاء إن كان مغطيا محل الفرض أم لم يكن مغطيا

وإن لم يكن لبسه فوق الجوراب بل لبس الحذاء فقط فلابد من أن يغطي الحذاء محل الفرض وهو الكعبان وبشرط ان يكون قد لبس الحذاء على وضوء فعندها يجوز له ان يمسح عليه
والله اعلم ..

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

المقال رائع بلا مبالغة _ يستحق أن يقرأ 100 مرة !

بين البلاء والتمكين اسرار ........مقال رائع جدا جدا 
المقال رائع بلا مبالغة _ يستحق أن يقرأ 100 مرة !
مقال بعنوان : مغزى الحياة
خاصة في هذا الوقت ..
المقال :
تدبرت كثيرًا في مسألة قيام الأمم، فلاحظت أمرًا عجيبًا،
وهو أن فترة الإعداد تكون طويلة جدًّا قد تبلغ عشرات السنين،
بينما تقصر فترة التمكين حتى لا تكاد أحيانًا تتجاوز عدة سنوات!!

فعلى سبيل المثال..
بذل المسلمون جهدًا خارقًا لمدة تجاوزت ثمانين سنة؛
وذلك لإعداد جيش يواجه الصليبيين في فلسطين،
وكان في الإعداد علماء ربانيون، وقادة بارزون،
لعل من أشهرهم عماد الدين زنكي ونور الدين محمود وصلاح الدين الأيوبي
رحمهم الله جميعًا، وانتصر المسلمون في حطين،
بل حرروا القدس وعددًا كبيرًا من المدن المحتلة،
وبلغ المسلمون درجة التمكين في دولة كبيرة موحدة،
ولكن -ويا للعجب- لم يستمر هذا التمكين إلا ست سنوات،
ثم انفرط العقد بوفاة صلاح الدين، وتفتتت الدولة الكبيرة بين أبنائه وإخوانه،
بل كان منهم من سلم القدس بلا ثمن تقريبًا إلى الصليبيين!!

كنت أتعجب لذلك حتى أدركت السُّنَّة، وفهمت المغزى..
إن المغزى الحقيقي لوجودنا في الحياة ليس التمكين في الأرض وقيادة العالم،
وإن كان هذا أحد المطالب التي يجب على المسلم أن يسعى لتحقيقها،
ولكن المغزى الحقيقي لوجودنا هو : عبادة الله ..
قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]..

وحيث إننا نكون أقرب إلى العبادة الصحيحة لله في زمن المشاكل والصعوبات،
وفي زمن الفتن والشدائد، أكثر بكثير من زمن النصر والتمكين،
فإن الله -من رحمته بنا- يطيل علينا زمن الابتلاء والأزمات؛
حتى نظل قريبين منه فننجو، ولكن عندما نُمكَّن في الأرض ننسى العبادة،
ونظن في أنفسنا القدرة على فعل الأشياء،
ونفتن بالدنيا، ونحو ذلك من أمراض التمكين..
قال تعالى:
{هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}

ولا يخفى على العقلاء أن المقصود بالعبادة هنا ليس الصلاة والصوم فقط،
إنما هو في الحقيقة منهج حياة..
إن العبادة المقصودة هنا هي :
صدق التوجه إلى الله، وإخلاص النية له، وحسن التوكل عليه،
وشدة الفقر إليه، وحب العمل له، وخوف البعد عنه،
وقوة الرجاء فيه، ودوام الخوف منه..
إن العبادة المقصودة هي أن تكون حيث أمرك الله أن تكون،
وأن تعيش كيفما أراد الله لك أن تعيش،
وأن تحب في الله، وأن تبغض في الله، وأن تصل لله، وأن تقطع لله..
إنها حالة إيمانية راقية تتهاوى فيها قيمة الدنيا
حتى تصير أقل من قطرة في يمٍّ، وأحقر من جناح بعوضة،
وأهون من جدي أَسَكَّ ميت..

كم من البشر يصل إلى هذه الحالة الباهرة في زمان التمكين!!

إنهم قليلون قليلون!

ألم يخوفنا حبيبي من بسطة المال، ومن كثرة العرض، ومن انفتاح الدنيا؟!

ألم يقل لنا وهو يحذرنا:
"فَوَاللَّهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ
وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ"؟!

ألا نجلس معًا، ونأكل معًا، ونفكر معًا، ونلعب معًا،
فإذا وصل أحدنا إلى كرسي سلطان، أو سدة حكم،
نسي الضعفاء الذين كان يعرفهم،
واحتجب عن "العامة" الذين كانوا أحبابه وإخوانه؟!
ألم يحذرنا حبيبي من هذا الأمر الشائع فقال:

"مَنْ وَلاَّهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ فَاحْتَجَبَ دُونَ حَاجَتِهِمْ وَخَلَّتِهِمْ وَفَقْرِهِمْ، احْتَجَبَ اللَّهُ عَنْهُ دُونَ حَاجَتِهِ وَخَلَّتِهِ وَفَقْرِهِ"؟!

هل يحتجب الفقير أو الضعيف أو المشرد في الأرض؟

لا.. إنما يحتجب الممكَّن في الأرض، ويحتجب الغني، ويحتجب السلطان.

إن وصول هؤلاء إلى ما يريدون حجب أغلبهم عن الناس،
ومَن كانت هذه حاله فإن الله يحتجب عنه،
ويوم القيامة سيدرك أنه لو مات قبل التمكين لكان أسلم له وأسعد، ولكن ليس هناك عودة إلى الدنيا، فقد مضى زمن العمل، وحان أوان الحساب.

إن المريض قريب من الله غالب وقته، والصحيح متبطر يبارز الله المعاصي بصحته..

والذي فقد ولده أو حبيبه يناجي الله كثيرًا، ويلجأ إليه طويلاً، أما الذي تمتع بوجودهما ما شعر بنعمة الله فيهما..

والذي وقع في أزمة، والذي غُيِّب في سجن، والذي طُرد من بيته،
والذي ظُلم من جبار، والذي عاش في زمان الاستضعاف،
كل هؤلاء قريبون من الله..
فإذا وصلوا إلى مرادهم، ورُفع الظلم من على كواهلهم نسوا الله،
إلا من رحم الله، وقليل ما هم..

هل معنى هذا أن نسعى إلى الضعف والفقر والمرض والموت؟

أبدًا، إن هذا ليس هو المراد..
إنما أُمرنا بإعداد القوة، وطلب الغنى، والتداوي من المرض،والحفاظ على الحياة.. ولكن المراد هو :
أن نفهم مغزى الحياة.. إنه العبادة ثم العبادة ثم العبادة.

مغزى الحياة والتمكين في الأرض
ومن هنا فإنه لا معنى للقنوط أو اليأس في زمان الاستضعاف،
ولا معنى لفقد الأمل عند غياب التمكين،
ولا معنى للحزن أو الكآبة عند الفقر أو المرض أو الألم..
إننا في هذه الظروف -مع أن الله طلب منا أن نسعى إلى رفعها- نكون أقدر على العبادة، وأطوع لله، وأرجى له،
وإننا في عكسها نكون أضعف في العبادة، وأبعد من الله..
إننا لا نسعى إليها،
ولكننا "نرضى" بها.. إننا لا نطلبها، لكننا "نصبر" عليها ..

إن الوقت الذي يمضي علينا حتى نحقق التمكين ليس وقتًا ضائعًا،
بل على العكس،
إنه الوقت الذي نفهم فيه مغزى الحياة،
والزمن الذي "نعبد" الله فيه حقًّا،
فإذا ما وصلنا إلى ما نريد ضاع منا هذا المغزى،
وصرنا نعبد الله بالطريقة التي "نريد"، لا بالطريقة التي "يريد"!..
أو إن شئت فقُلْ نعبد الله بأهوائنا،
أو إن أردت الدقة أكثر فقل نعبد أهواءنا!!
قال تعالى: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً} [الفرقان: 43].

ولذلك كله فإن الله الحكيم الذي يريد منا تحقيق غاية الخَلْق، الرحيم الذي يريد لنا الفلاح والنجاح قد اختار لنا أن تطول فترة الإعداد والبلاء والشدة،
وأن تقصر فترة التمكين والقوة، وليس لنا إلا أن نرضى،
بل نسعد باختياره، فما فعل ذلك إلا لحبه لنا، وما أقرَّ هذه السُّنَّة إلا لرحمته بنا.

وتدبروا معي إخواني وأخواتي في حركة التاريخ..

كم سنة عاش نوح -عليه السلام- يدعو إلى الله ويتعب ويصبر، وكم سنة عاش بعد الطوفان والتمكين؟!

أين قصة هود أو صالح أو شعيب أو لوط -عليهم السلام- بعد التمكين؟! إننا لا نعرف من قصتهم إلا تكذيب الأقوام، ومعاناة المؤمنين، ثم نصر سريع خاطف، ونهاية تبدو مفاجئة لنا.

لماذا عاش رسولنا إحدى وعشرين سنة يُعِدُّ للفتح والتمكين، ثم لم يعش في تمكينه إلا عامين أو أكثر قليلاً؟!

وأين التمكين في حياة موسى أو عيسى عليهما السلام؟! وأين هو في حياة إبراهيم أبي الأنبياء ؟!

إن هذه النماذج النبوية هي النماذج التي ستتكرر في تاريخ الأرض، وهؤلاء هم أفضل من "عَبَدَ" الله ،
{فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} [الأنعام: 90].

والآن بعد أن فقهت المغزى لعلك عرفت لماذا لم يعش عمر بن عبد العزيز إلا سنتين ونصف فقط في تمكينه،
وأدركت لماذا قُتل عماد الدين زنكي بعد أقل من عامين من فتح الرُّها،
وكذلك لماذا قُتل قطز بعد أقل من سنة من نصره الخالد على التتار في عين جالوت، وكذلك لماذا قُتل ألب أرسلان بعد أقل من عامين من انتصار ملاذكرد التاريخي، ولماذا لم "يستمتع" صلاح الدين بثمرة انتصاره في حطين إلا أقل من سنة
ثم سقطت عكا مرة أخرى في يد الصليبيين،
ولماذا لم يرَ عبد الله بن ياسين مؤسس دولة المرابطين التمكين أصلاً،
ولماذا مات خير رجال دولة الموحدين أبو يعقوب يوسف المنصور بعد أقل من أربع سنوات من نصره الباهر في موقعة الأرك.

إن هذه مشاهدات لا حصر لها،
كلها تشير إلى أن الله أراد لهؤلاء "العابدين" أن يختموا حياتهم وهم في أعلى صور العبادة،
قبل أن تتلوث عبادتهم بالدنيا، وقبل أن يصابوا بأمراض التمكين.

إنهم كانوا "يعبدون" الله حقًّا في زمن الإعداد والشدة،
"فكافأهم" ربُّنا بالرحيل عن الدنيا قبل الفتنة بزينتها..

ولا بد أن سائلاً سيسأل:
أليس في التاريخ ملك صالح عاش طويلاً ولم يُفتن؟!
أقول لك: نعم، هناك من عاش هذه التجربة، ولكنهم قليلون أكاد أحصيهم لندرتهم! فلا نجد في معشر الأنبياء إلا داود وسليمان عليهما السلام،
وأما يوسف -عليه السلام- فقصته دامية مؤلمة من أوَّلها إلى قبيل آخرها، ولا نعلم عن تمكينه إلا قليل القليل.

وأما الزعماء والملوك والقادة فلعلك لا تجد منهم إلا حفنة لا تتجاوز أصابع اليدين، كهارون الرشيد وعبد الرحمن الناصر وملكشاه وقلة معهم..

إنني بعد أن فهمت هذا المغزى أدركت التفسير الحقيقي لكثيرٍ من المواقف المذهلة في التاريخ..
أدركت لماذا كان عتبة بن غزوان يُقْسِم على عمر بن الخطاب
أن يعفيه من ولاية البصرة!
وأدركت لماذا أنفق الصديق ماله كله في سبيل الله،
وأدركت لماذا حمل عثمان بن عفان وحده همَّ تجهيز جيش العسرة دون أن يطلب من الآخرين حمل مسئولياتهم،
وأدركت لماذا تنازل خالد بن الوليد عن إمارة جيش منتصر،
وأدركت لماذا لم يسعد أبو عبيدة بن الجراح بولايته على إقليم ضخم كالشام، وأدركت لماذا حزن طلحة بن عبيد الله عندما جاءه سبعمائة ألف درهم في ليلة، وأدركت لماذا تحول حزنه إلى فرح عندما "تخلَّص" من هذه الدنيا بتوزيعها على الفقراء في نفس الليلة!!

أدركت ذلك كله..
بل إنني أدركت لماذا صار جيل الصحابة خير الناس!
إن هذا لم يكن فقط لأنهم عاصروا الرسول ،
بل لأنهم هم أفضل من فقه مغزى الحياة،
أو قل: هم أفضل من "عَبَدَ" الله ؛
ولذلك حرصوا بصدق على البعد عن الدنيا والمال والإمارة والسلطان،
ولذلك لا ترى في حياتهم تعاسة عندما يمرضون،
ولا كآبة يُعذَّبون، ولا يأسًا عندما يُضطهدون،
ولا ندمًا عندما يفتقرون..
إن هذه كلها "فُرَص عبادة" يُسِّرت لهم فاغتنموها، فصاروا بذلك خير الناس.

إن الذي فقِه فقههم سعِد سعادتهم ولو عاش في زمن الاستضعاف!
والذي غاب عنه المغزى الذي أدركوه خاب وتعس ولو ملك الدنيا بكاملها.

إنني أتوجه بهذا المقال إلى أولئك الذين يعتقدون أنهم من "البائسين"
الذين حُرموا مالاً أو حُكمًا أو أمنًا أو صحة أو حبيبًا..
إنني أقول لهم:
أبشروا، فقد هيأ الله لكم "فرصة عبادة"!
فاغتنموها قبل أن يُرفع البلاء، وتأتي العافية، فتنسى الله،
وليس لك أن تنساه......

الأحد، 27 يناير 2019

الأمة والدولة والجماعة .. إشكالات الهوية والانتماء

الأمة والدولة والجماعة .. إشكالات الهوية والانتماء
"خلاصة البحث"
تتجاوز رسالة الإسلام العالمية كل الحدود الجغرافية والسياسية والعرقية (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)الأنبياء107 (وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا) سبأ28، وقد دخل الناس في هذا الدين أفواجا من كل حدب وصوب، ومن هؤلاء تشكلت الأمة الإسلامية واحتلت المساحة الأوسع في خارطة المكونات الإنسانية على هذه الأرض.
حدد الإسلام هوية هذه الأمة بشكل قاطع فقال: (وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون) ثم دعم هذا المفهوم بسلسلة من التشريعات والأحكام والآداب ومن ذلك:
1- جعل الولاء منحصرا في هذه الأمة (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) المائدة55، و(يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء، بعضهم أولياء بعض، ومن يتولهم منكم فإنه منهم)المائدة51.
2- ارتقى بمفهوم الولاء إلى مستوى الإخاء، فقال: (إنما المؤمنون إخوة) الحجرات10، وقال عليه الصلاة والسلام: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره)رواه مسلم.
3- شرّع من العبادات ما يضمن هذه الوحدة مثل صلاة الجماعة والحج والزكاة وصوم رمضان ..الخ بحيث لم تعد هذه العبادات مجرد وسائل تقرب العبد من ربه، بل هي مع هذا وسائل لتوحيد المسلمين وصهرهم في هوية واحدة.
4- شرّع من الأخلاق ما يضمن هذه الوحدة مثل تحريم الغيبة والنميمة والتحاسد والتباغض، حتى قال عليه الصلاة والسلام عن التحاسد والتباغض ( إنها الحالقة لا أقول إنها تحلق الشعر ولكن تحلق الدين)رواه أحمد والترمذي وغيرهما.
على هذه الأسس الواضحة قامت الأمة الإسلامية، وبهذه الأسس تميزت هويتها، ولم يعد المسلمون ينتبهون لأصل الشخص وعرقه وتاريخ أجداده وإنما المعيار هو التقوى (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) حتى لمعت في سماء الأمة أسماء كثيرة ومتنوعة وتنافست على الصدارة بما قدمته من عمل دون النظر في أصلها وفصلها فتجد علماء الجزيرة العربية مثلا لا يقدمون أحدا في السنّة النبوية على البخاري ومسلم وهما أبعد ما يكونان عن الجزيرة نسبا وأرضا، ونجد الشعب التركي إلى اليوم ينظر إلى أبي أيوب الأنصاري وكأنه جدهم وهم أولاده ولا يقدمون عليه أبا ولا جدا، ونرى قائمة من أبطال الأمة كطارق بن زياد والمعتصم وصلاح الدين ومحمد الفاتح تتردد أسماؤهم على المنابر وفي مختلف المحافل مع أنهم لا يجمعهم نسب ولا أرض ولا أية آصرة أخرى سوى آصرة الإسلام، بينما نرى في مقابل هذا كيف يتبرأ المسلمون كلهم من أبي لهب وهو العربي القرشي والأقرب نسبا إلى رسول الله فيقرؤون في صلواتهم (تبت يدا أبي لهب وتب).
هذه الحقيقة الكبيرة لا ينبغي أن تكون موضع نظر أو شك باستدعاء المعاني اللغوية لمفردة الأمة كما يفعل بعضهم في قوله تعالى: (ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون)القصص23، فإن هذه المفردة قد انتقلت من معناها اللغوي إلى معنى اصطلاحي آخر كما هو الحال في مفردات أخرى مثل الصلاة والزكاة والحج، حيث استعملها الشرع في معان جديدة ومحددة ولا يجوز صرفها بعد ذلك إلى معانيها اللغوية، فهذا باب من أبواب اتباع المتشابه ابتغاء للفتنة وإبطالا للشرع، فالذي يفسّر الأمة هنا بمعانيها اللغوية هو كمن يفسر الصلاة بالدعاء والزكاة بالطهارة والحج بالزيارة ثم يتجاوز المعاني والأحكام التي حددها الشرع.
إن مصطلح الأمة لا يحتمل في الإسلام إلا معنى واحدا وهو المرتبط بالهوية الإسلامية، أما أن تكون هناك أمة على أساس قومي كالأمة العربية والتركية أو على أساس قطري كما لو قيل الأمة السودانية أو الجزائرية فهذه مصطلحات لم تنشأ إلا بعد خضوع الأمة للهيمنة الأجنبية وتعرضها للغزو الثقافي الذي استهدف أصل وجودها والبنية الأساس في تركيبها.
إلا أنه مما ينبغي التنبه له هو التفريق بين مفهوم الأمة الإسلامية ومفهوم الدولة الإسلامية، فالأمة ترتبط بالعقيدة والرسالة، أما الدولة فترتبط بالأرض والحكم، والإسلام شرّع أحكاما تتعلق بالأمة، وشرّع أحكاما أخرى تتعلق بالدولة، والخلط بين المساحتين يولد اضطرابا خطيرا وتناقضا في التصورات والعلاقات والمواقف، وهذا هو الذي يفسّر حالة الفوضى والتناقض التي تعيشها بعض الجماعات الإسلامية والمسلحة منها بشكل خاص، فآيات الحكم والقضاء والجهاد والسياسات الخارجية والمعاهدات كلها موجهة للدولة بنظامها ومؤسساتها المعروفة، بخلاف الآيات الواردة في العقيدة والعبادة وأركان الإسلام والولاء والبراء وفقه الهوية فهذه موجّهة للأمة بغض النظر عن شكل الدولة ونظامها السياسي.
لقد أنشأ الرسول صلى الله عليه وسلم دولة الإسلام الأولى في المدينة وما حولها، ولم تكن هذه الدولة متطابقة تماما مع مفهوم الأمة، بل كان بينهما عموم وخصوص وجهي، فالدولة كانت تضم مكونا آخر خارج عن مفهوم الأمة وهم القبائل اليهودية بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة وتضم أفرادا وكيانات صغيرة من مشركي العرب، وكان هناك مسلمون يعيشون خارج الدولة كما تثبت ذلك قصة أبي جندل وقصة أبي بصير ومن معهما من مسلمي مكة، وهؤلاء جزء من الأمة لكنهم ليسوا جزءا من الدولة، كما أن القبائل اليهودية هم جزء من الدولة وليسوا جزءا من الأمة.
وعلى هذا يمكن أن نتصور أشكالا كثيرة لعلاقة الدولة بالأمة، ومنها:
أولا: التطابق التام بين مفهوم الدولة ومفهوم الأمة، وهذه فرضية يصعب تطبيقها على الأرض حيث تصطدم بتعدد الدول الإسلامية، وبوجود مكونات غير إسلامية في الدولة الإسلامية الواحدة، وبوجود جاليات أو رعايا مسلمين في دول غير إسلامية، وقد تكون بعض هذه الفروقات مقصودة لذاتها ومشروعة كوجود غير المسلمين في الدولة الإسلامية وهو ما اصطلح عليه بأهل الذمة.
ثانيا: وجود تناقض أو تضاد بين مفهوم الدولة ومفهوم الأمة، وهذا حصل في بعض الدول الإسلامية التي خضعت لحكم مناقض للإسلام خاصة بعد سقوط الخلافة وتعرض المنطقة لموجة عاتية من الأفكار والثقافات الغازية كالماركسية والاشتراكية والعلمانية.
ثالثا: حالة التداخل النسبي بين المفهومين، وهذه هي الحالة الشائعة على امتداد التاريخ والجغرافية، وتتضمن هذه الحالة صورا لا حصر لها، تقترب فيها الدولة من مفهوم الأمة كما هي أيام الخلافة الراشدة ثم الدولة الأموية والعباسية والأيوبية والعثمانية، وقد تبتعد بنسب متفاوتة كما هو واقع أغلب دول العالم الإسلامي اليوم.
إن الفارق الجوهري بين مفهوم الأمة ومفهوم الدولة في الإسلام أن مفهوم الأمة لا يسمح بتعدد الهويات الدينية وتداخلها فالتمايز ضرورة في بناء الأمة وحماية كيانها وهويتها، والاجتهاد والتعدد المقبول هو ما كان تحت ثوابت الإسلام وضمن شروطه وضوابطه فقط، أما الدولة الإسلامية فيمكن لها أن تتسع للهويات والديانات المختلفة والمتعددة كما حصل في دولة المدينة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكما نصت عليه الوثيقة، والعبرة بتسميتها إسلامية هو النظام العام في الدولة فإن كان وفق الشريعة الإسلامية فالدولة إسلامية حتى لو كان فيها مكونات أخرى غير إسلامية، وإن لم يوافقها فهي دولة غير إسلامية حتى لو كان كل أهلها مسلمين.
بهذا يوازن الإسلام بين مطلبين رئيسين؛ الحفاظ على عقيدة الأمة وهويتها من ناحية، وضمان التعايش السلمي بين المكونات المختلفة على أرض واحدة وفي دولة واحدة من ناحية أخرى .
لقد عمل الرسول صلى الله عليه وسلم بطريقة مركبة على بناء الأمة وبناء الدولة وبناء الوعي العام للتفريق بين الخطاب الموجّه للأمة والخطاب الموجّه للدولة، مع ما بين المساحتين من تداخل وتشابك.
لقد كان عليه الصلاة والسلام يخاطب المجتمع المدني بكل مكوناته بلغة رجل الدولة فيقول مثلا في الوثيقة المعروفة: (لليهود دينهم وللمسلمين دينهم ومواليهم وأنفسهم إلا من ظلم..وأن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة...وأنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله وإلى محمد رسول الله) ثم يكتب للمسلمين خاصة : (هذا كتاب من محمد النبي صلى الله عليه وسلم بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم إنهم أمة واحدة من دون الناس)
ربما كان عليه الصلاة والسلام بهذه الوثيقة أول من أسس لنظام (دولة المكونات) وهذا هو التوصيف الأدق لدولة الإسلام في المدينة، والذي يقوم على أسس واضحة ومحددة منها:
أولا: الاعتراف بوجود مكونات مختلفة في هويتها وانتماءاتها داخل الدولة الإسلامية الواحدة (لليهود دينهم وللمسلمين دينهم).
ثانيا: إعطاء كل مكون الحق في إدارة شؤونه الخاصة الدينية والاجتماعية والاقتصادية (على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم)
ثالثا: المسؤولية المشتركة في حماية الدولة (وأن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة...وأن بينهم النصر على من دهم يثرب)
رابعا: في حالة الخلاف والتشاجر الذي يخشى فساده يكون المرجع "فإن مرده إلى الله وإلى محمد رسول الله" وهذا ما يؤكد إسلامية الدولة مع الاحتفاظ بالخصوصيات الدينية والثقافية للمكونات المختلفة.
إن هذه الأسس لم تثبت في الوثيقة النبوية فقط بل كل ممارسات الرسول صلى الله عليه وسلم وسيرته العطرة تؤكد هذه المعاني، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يحارب اليهود على معتقداتهم والتي كانت تكفر بدينه وتكذب نبوته، بل حاربهم لأنهم خانوا العهد كما في قصة بني قريظة وتحالفهم مع الأحزاب فآنذاك فقط استوجبوا العقاب، وهذا ما يؤكده القرآن الكريم في أكثر من موضع من مثل (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين، إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون) الممتحنة8-9.
إن الإسلام وضع منهجه الواضح في التعبير عن هوية الأمة ووسائل ترسيخها وحمايتها، وفي الوقت ذاته وضع منهجه الواضح أيضا للتعايش السلمي بين المكونات المختلفة في الدولة الواحدة، فلم يأخذ الأول من مساحة الثاني ولا الثاني من مساحة الأول، فكان الرسول صلى الله عليه وسلم يقرأ في صلاته الجهرية الآيات التي تندد بالشرك والتثليث وتأليه الأشخاص وتحريف التوراة والإنجيل، وفي الوقت ذاته يبني تحالفاته مع خزاعة المشركة ويكتب وثيقته مع اليهود ويسمح للمنافقين في الصلاة معه مع أنه يعرفهم بأسمائهم وأشخاصهم وجرائمهم.
ولقد كانت الأمة من خلفه تعي بدقّة هذه المعادلة المعقدة أو المركبة، ولم يكن يلتبس عليها الخطاب ولا تلك المواقف التي يصعب الجمع بينها في أرض واحدة وزمان واحد، لقد كان الإسلام يقول عن المنافقين : (ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا) المنافقون3، ومع هذا كان رسول الله ينهى عن قتلهم ويقول: (كيف إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه) وكان يقول عن اليهود والنصارى : (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم) المائدة 51، وفي الوثيقة يطالب المسلمين واليهود بأن يكونوا يدا واحدة على من دهم يثرب!
إن هذه المنهجية لا يمكن فهمها إلا بتفكيك المصطلحات والمفاهيم والأحكام المرتبطة بالأمة وهويتها أو المرتبطة بالدولة ونظامها، وبعدم القدرة على هذا التفكيك صرنا أمام منهجيتين متناقضتين وكلاهما يستند إلى جملة من النصوص القرآنية والنبوية:
المنهجية الأولى: تلك التي تهتم بجانب الهوية والعقيدة على حساب الجانب الثاني، فتنظر إلى المجتمعات والأمم الأخرى على أنهم أعداء بالضرورة فلا يمكن التعايش معهم على أرض واحدة، ولقد اقترن عند هؤلاء الحكم بكفر الآخر مع الحكم بإقصائه وربما قتله، ويعتقدون أن أي مظلة تجمعنا بهم وطنيا أو سياسيا فهي مظلة جاهلية ومخالفة لقواعد الولاء والبراء.
المنهجية الثانية: تلك التي ترجح الجانب السياسي والتعايش المجتمعي أو (الوطني) وتظن أن الاعتزاز بالهوية والعقيدة الصحيحة وقول الحق في المعتقدات والأفكار الأخرى معناه نقض قواعد الوطنية والتعايش السلمي، ومن هنا يظهر نوع من النفاق العلمي أو الثقافي إلى الدرجة التي تتعرض فيها عقيدة الأمة وهويتها للذوبان أو الاستئصال، ويعيش الجمهور حالة من الاضطراب والقلق الفكري والذي ينعكس بالضرورة على صيغة العلاقة مع المكونات الأخرى، وربما فات هؤلاء أنه كان بإمكان الرسول صلى الله عليه وسلم أن يضمن هذا التعايش مع الطائفة المشركة في مكة بل وسيقبلون به ملكا عليهم لو قبل هو بهذه المنهجية.
لا شك أن المنهجيتين تستندان إلى جملة من النصوص والمواقف النبوية وهذا يعطيها قدرا من المصداقية، لكن الذي يكشف نقصها وخللها هو القراءة المنهجية والتحليلية لمجمل النصوص التي يستشهدون بها.
وإنه بالقدر الذي ولّدت فيه المنهجية الأولى حالة منحرفة من التطرف والسلوك العنفي الذي لا يقبل الآخر ولا يتعامل معه إلا على مبدأ ( أنا أو أنت) فقد ولّدت المنهجية الثانية حالة من الضعف والكذب العلمي وتذويب الثوابت الشرعية والملامح الأصيلة لهويتنا الإسلامية.
وإذا كان من الجائز للسياسي أن يتكلم بمنطق الدولة، ويتحالف بمنطق السياسة، فيصيب ويخطئ، وهذا كله متاح له ولا يقدح في عقيدته ولا في ولائه لأمته، إذا كان وفق الضوابط الشرعية كما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يتعامل بوصفه هذا مع اليهود والمشركين والمنافقين، فإنه لا يجوز للعالم أو المفتي أن يتكلم بهذا المنطق وهو في موقع التوجيه العلمي والثقافي، فمثلا حينما يقول رئيس الدولة أو المرشح للرئاسة أو لأي منصب سياسي آخر : (نحن لا نفرق بين المسلمين والأقباط أو بين السنّة والشيعة) فهذا محمول على تحقيق العدل في حقوق المواطنة ولا شك أن هذا من أولويات الإسلام، أما لو قالها العالم في مسجده أو جامعته وبوصفه العلمي والثقافي فهو تضليل ثقافي وكذب على الحقيقة والمعرفة وتذويب لهوية الأمة وعقيدتها وثوابتها.
ولقد رأيت من بعض علماء أهل السنّة في العراق من يعيب على سياسيي السنّة اشتراكهم مع الشيعة في الانتخابات والحكومة والبرلمان ومؤسسات الدولة الأخرى، ليس من باب نقد الأداء فهذا حق متاح للجميع بل نقد المشاركة من حيث المبدأ، ثم يجيز لنفسه هو أن يتحالف علميا وثقافيا مع الشيعة ويدعو للتقارب معهم ويرفع نفس الشعار الذي يرفعه السياسيون(إخوان سنّة وشيعة) و (لا فرق بين السنّة والشيعة) وربما فات هؤلاء الإخوة أن خطأ السياسيين في أدائهم وتحالفاتهم سيؤدي إلى تفويت المصالح الدنيوية أو الوطنية، أما هذا التقارب الديني والثقافي فإنه يهدد عقيدتنا وهويتنا من الأصل، وهذا ما توصل إليه عدد من العلماء الذين خاضوا تجربة التقريب الديني والثقافي وأعلنوا للأمة بكل أمانة ووضوح فشل هذه التجربة وخطورتها على الأمة ومستقبلها.
إنه ليس هناك من حل في كل دولة متنوعة الهويات إلا الوضوح في الهوية والوضوح أيضا في الاتفاق على صيغة التعايش وهذا هو منهج رسول الله عليه الصلاة والسلام.
وسط هذا الاشتباك والتداخل بين مفهوم الأمة ومفهوم الدولة يظهر الآن مصطلح "الجماعة" كعنصر ثالث يثير قدرا من الإشكال المفاهيمي والارتباك في قاعدة الانتماء وخصوصية الهوية، ويشتبك مع المفهومين السابقين في أكثر من مجال، ومن ثم كان لا بد من تحرير هذا المفهوم في إطاره الإسلامي:
الجماعة في اللغة: مأخوذة من الجمع والاجتماع، فكل عدد من الناس يجتمعون على أمر ما فهو جماعة، وضدّه الفرقة، قال تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) ، وقد فسّر ابن مسعود -رضي الله عنه- هذه الآية بلزوم الجماعة ، قال ابن منظور: "جمع الشيء عن تفرقة يجمعه جمعا...والجمع اسم لجماعة الناس"
الجماعة في الشرع: وردت هذه المفردة في الاستعمال الشرعي بمعان متعددة يمكن حصرها في الآتي:
المعنى الأوّل: وهو المعنى المطابق للمعنى اللغوي، ومنه صلاة الجماعة، كما في قوله -عليه الصلاة والسلام- "صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين مرّة" وقريب من هذا المعنى قول البخاري: "أمر النبيّ صلى الله عليه وسلّم بلزوم الجماعة وهم أهل العلم" ، فالقوم المجتمعون على أمر ما كالصلاة والعلم فهم جماعة.
المعنى الثاني: الجماعة بمعنى الأمّة المسلمة التي اجتمعت على الإسلام، ويلحظ هنا معنى الانتماء والولاء العقدي، والأمة هنا ليست بمعناها اللغوي الذي ورد في مثل قوله تعالى (وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ) فهذا مطابق لمعنى الجماعة الأول، إذ هم جماعة من الناس اجتمعوا على السقي، قال ابن عطيّة الأندلسي في تفسيره لهذه الآية: "والأمة الجمع الكثير" ، بينما المعنى الثاني هو الأمة التي بينها ولاء والتزام وقد اجتمعت على عقيدة واحدة ودين واحد، كما في قوله تعالى: (وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ) وقوله تعالى: (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) وقوله تعالى: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّه) ، وقد وردت الجماعة بهذا المعنى في مثل قوله -عليه الصلاة والسلام-: "فإنّه من فارق الجماعة شبرا فمات إلا مات ميتة جاهلية" ، وقد ورد الربط بين الجماعة والأمة في قوله -عليه الصلاة والسلام-:" من خرج من الطاعة وفارق الجماعة ثم مات مات ميتة جاهلية ومن قتل تحت راية عمية يغضب للعصبة ويقاتل للعصبة فليس من أمتي ومن خرج من أمتي على أمتي يضرب برها وفاجرها لا يتحاش من مؤمنها ولا يفي بذي عهدها فليس مني" ، وفي رواية ابن حبّان: "فمن رأيتموه فارق الجماعة، أو يريد أن يفرّق بين أمّة محمد -صلى الله عليه وسلم- وأمرهم جميع فاقتلوه فإن يد الله مع الجماعة" ، والانتماء للأمة هنا هو بمعنى الانتماء للإسلام نفسه، ومن ثم جاء التلازم واضحا كما في قوله -عليه الصلاة والسلام-:" لا يحل دم رجل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا ثلاثة نفر؛ التارك الإسلام المفارق للجماعة.." الحديث ، وقوله: "من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، إلا أن يراجع"
المعنى الثالث: الجماعة بمعنى الدولة ونظامها العام، ويلحظ هنا البعد السياسي والانتماء لدولة وقيادة ونظام، يقول -عليه الصلاة والسلام-: "من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات إلا مات ميتة جاهليّة" ، وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية" ، وقد جاء الربط بين مفهوم الجماعة ومفهوم الدولة في حديث حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه-: "قلت فما تأمرني إن أدركني ذلك قال تلزم جماعة المسلمين وإمامهم قلت فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام قال فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك" .
ويلحظ في هذه المعاني ترابطها فيما بينها، فالاجتماع على العقيدة أو على إمام واحد ودولة واحدة لا يبعد كثيرا عن المعنى اللغوي وهو الاجتماع على أمر ما، كما أن معنى الدولة المسلمة والأمة المسلمة لا يمكن الفصل بينهما إذ أصل الدولة المسلمة أن تكون منبثقة من الأمّة المسلمة، وهذا يفسّر تداخل المعاني في الأحاديث الواردة آنفا.
اليوم أفرزت حركة التاريخ القريب وما آلت إليه من سقوط مروّع لمفهوم الدولة المسلمة الواحدة واختفاء سلطة الخلافة والارتباك حتى في مفهوم الأمة والأخوّة الإسلامية ظهور دعوات لإحياء الدولة المسلمة الموحّدة في إطار إحياء مفهوم الأمة الواحدة كذلك بهويتها الإسلامية الجامعة والتي كانت قاعدة تشكلها وانطلاقتها، وقد اتخذت هذه الدعوات أشكالا وصيغا مختلفة، منها ما اكتفى بالوعظ والبيان، ومنها ما انتقل إلى تشكيل الجماعات والتنظيمات كأدوات للوصول إلى تلك الغايات، وكان مما أفرزه هذا النهج وجود جماعات إسلامية في أكثر من إقليم كجماعة الإخوان المسلمين في مصر ثم في الإقليم العربي، والجماعة الإسلامية في الإقليم الهندي، وجماعة النور في الإقليم التركي، ولم تخل هذه الجماعات من جماعات أخرى منافسة داخل الإقليم نفسه كأنصار السنة وحزب التحرير والجماعات السلفية والصوفية وتجمعات العلماء الشرعيين ...الخ
إن هذا الحراك الذي تولّد بعد سقوط الخلافة أفرز مفهوما جديدا للجماعة غير تلك المفاهيم المعروفة في الشرع (الأمة والدولة) فالجماعة اليوم لا هي أمة ولا هي دولة، ومن ثم فإن كل النصوص والأحكام الشرعية المقترنة بتلك المفاهيم لا يصح سحبها على المفهوم الجديد للجماعة، مثل أحكام البيعة والسمع والطاعة والولاء والبراء ..الخ
إن التكييف الشرعي لهذه الصورة الجديدة أنها وسيلة متعينة لتحقيق بعض الواجبات الشرعية التي لا تتأتى إلا بالعمل الجماعي فيكون تأصيلها الشرعي منحصرا بقاعدة (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) فإذا تأتى الواجب بغيرها تخرج عن هذا الأصل، كخطبة الجمعة والدعوة الفردية والتعليم الديني والنفقة على المحتاج ونحو ذلك.
إن أخطر ما يمكن أن يسببه سوء التكييف الشرعي لمصطلح (الجماعة) اليوم أن تتكون جماعات إسلامية متعددة -كما هو حاصل- ثم تعتقد كل جماعة أنها تمثل الأمة أو الدولة، بل تمثل المشروع الإسلامي الشامل، لأن هذا سيقود بالضرورة إلى أمم متصارعة على أرض واحدة وفي مجتمع واحد، وقد كان من آثار هذه النزعة أنك تجد الإسلامي الذي يعمل في صندوق جماعته المغلق يستسيغ التحالف والتعاون مع الآخرين من ليبراليين وعلمانيين وحتى المعتقدات والديانات الأخرى لكنه ينفر من التعاون وحتى مجرد التنسيق مع الجماعات الإسلامية الأخرى.
ومن الخطورة كذلك اعتقاد البعض أن شمولية الإسلام تستوجب تشكيل الجماعة الشمولية المحتكرة لكل تفاصيل العمل الإسلامي حتى التعليم والإغاثة وغير ذلك، وقد فات هؤلاء أن الإسلام الشامل تقوم به الأمة كلها بكل تخصصاتها وإمكانياتها، واحتكار كل هذا من قبل جماعة ما يعني أن الجماعة هذه تتصرف باعتبارها أمة المسلمين وليست جماعة من المسلمين.

والحمد لله رب العالمين