السبت، 21 مايو 2022

معاني الأمر في الكتاب والسنة

 معاني الأمر في الكتاب والسنة

الأمر في الكتاب والسنة ، ليست في درجة واحدة !
1 - فهناك أوامر تفيد الوجوب : ( وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاة ) . فالصلاة والزكاة هنا واجبتان.
2 - وهناك أوامر تفيد الإباحة : (وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ) . ( فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّه ) .
فهل الصيد بعد التحلل من الإحرام ، واجب لأنه أُمِرنا به ؟ وهل التجارة بعد صلاة الجمعة ، واجبة لأنها أُمِرنا بها ؟ أم أنّ الأمر هنا يفيد الإباحة ، وعدم الإثم ؟
3 - وهناك أوامر تفيد الإرشاد : ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْل ) .
فهل كتابة الدَين واجبة ، لأنها أُمِرنا بها ؟
الجواب : لا طبعاً ، بدليل أن الله تعالى ، قال بعدها : ( فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَه ) .
فهنا الأمر يفيد الإرشاد .
4 - وهناك أوامر تفيد التأديب : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا غُلاَمُ، سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ» !
لماذا لا يفيد الوجوب ؟ الجواب : لأن الغلام غير مكلّف .
5 - وهناك أوامر تفيد التخيير ، وفي نفس الوقت هي تهديد وتخويف ، وهو أمر اختيار بين شيئين لا يجمع بينهما ! : ( وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُر ) .
فهل الكفر هنا واجب ، لأن الله تعالى أمر به ؟ ! أم هو تهديد ، وتخويف ؟
6 - وهناك أوامر تفيد التمني ؛ حيث الخطاب يتضمن أمراً محبباً ، ويمتنع وقوعه لعدم الإمكانية ، أو يدخل في حيز المستحيل . لأن التمني من لوازم الإمتناع !
( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِين ) .
فهل الكافرين يأمرون الله تعالى ، ويوجبون عليه أن يريهم المُضلّين ، ويحقق أمنياتهم ؟ ! أم أمرهم هنا يفيد التمني فقط ؟
7 - وهناك أوامر تفيد التحقير : الأمر للمخاطب للتقليل من شأنه . كقول الشاعر
دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
فهل يأمر الشاعر المُخاطَب بترك المكارم ، والقعود عن طلبها ، ويصفها بالغنى واليسار ؟
أم أنه يحتقره ، ويهينه ، ويقول له : لا تتعب نفسك ، فأنت لستَ مـن أهـل المكارم ، بل أنت مشغول فقط بالأكل والثياب الجميلة ، حالك حال المرأة ؟ !
8 - وهناك أوامر تفيد التسوية ، إذا كان المخاطب لا يكترث فيما إذا حصل الفعل أو عدمه : ( اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) .
فهنا لا يؤمرون بالصبر ، بل يُقال لهم : لا فرق بين صبركم ، وجزعكم ، فأنتم في كلا الحالتين تُعذّبون ؟ ! فالأمر هنا لا يفيد الوجوب .
9 - وهناك أوامر تفيد التهديد : ( ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُون ) . ( لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُون ) . ( إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) .
فهل يأمر الله تعالى ، هنا النبيّ  ، بترك دعوة الكفّار إلى الإسلام ، ليأكلوا ويتمتّعوا ، ويشغلهم الأمل ، عن التفكر في عاقبتهم ؟ أم هذا تهديد لهم ؛ حيث إن هذا هو حالهم ، فسوف يواجهون عقاباً أليماً ، على كفرهم هذا ، وإهمالهم لمصيرهم ؟
وهل يأمر الله تعالى الملحدين – هنا – بعمل ما يشاؤون ، حسب أهوائهم ، ولا شيء عليهم ، أم هذا تهديد شديد لهم ؟
10 - وهناك أوامر تفيد الدعاء : ( رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار ) . ( رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَار ) .
فهل العباد الصالحين يأمرون الله تعالى ، هنا ، ويوجبون عليه ، سبحانه ، أن يؤتيهم الحسنة ، في الدنيا والآخرة ، ويقيهم عذاب النار ، أم يتوسّلون ، ويدعونه ، تعالى أن يرحمهم ، بلطفه وكرمه ؟
11 - وهناك أوامر تفيد النصيحة والإرشاد ، إذا كان الخطاب موجّه من شخص أعلى منزلة ويتضمن معنى وعظي وإرشادي ، كخطاب الرسل إلى أتباعهم : ( وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُم ) .
12 - وهناك أوامر تفيد الإلتماس ، إذا كان الخطاب يتضمن أمراً إلى المتكلم المثيل والند ، والذي يتساوى معه في المنزلة والشأن : ( فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا ) .
فهل بعضهم ، هنا يوجبون على بعضهم ، ويفرضون عليهم ، أن يبعثوا أحدهم ليأتيهم بالطعام الزكي ، والتلطف ؛ حتى لا يشعر بهم أحد ، أم هو إلتماس منهم ؟
13 - وهناك أوامر تفيد التعجيز ، وذلك إذا استعملت الصيغة في مقام إظهار عجز مَن يرى أن في وسعه وطاقته أن يفعل أمراً ، وليس في مقدوره أن يفعله : ( وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين ) .
14 - وهناك أوامر تفيد التسخير ، أي جعل الشيء مسخّراً منقاداً لأمر لا حيلة له فيه : ( وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِين ) .
فهل الأمر ، هنا يوجب عليهم أن يكونوا قردة خاسيئين باختيارهم ، أم فرض عليهم خارج إرادتهم .
15 - وهناك أوامر تفيد الإهانة ؛ وهي إظهار ما فيه تصغير المهان ، وقلة المبالاة به ، وذلك إذا استعملت الصيغة في مقام عدم الإعتداد بشأن المأمور : ( قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا ) .
فليس الغرض : الطلب ! أي : لا يُطلب منهم ، ولا يوجب عليهـم ، أن يكونـوا حجارة أو حديداً . بل هنا تظهر قدرة الله تعالى ، في إحياء الموتى مهما كانوا !
( ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيم ) .
16 – وهنـاك أوامر تفيد الدوام : ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيم ) .
فالأمر المراد منه الدوام ، وهو بيان للمعونة المطلوبة ، فكأنه قال : كيف أعينكم ؟ فقالوا : اهدنا
17 - وهناك أوامر تفيد الإعتبار ، أي : أخذ العبرة : ( انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) .
فليس معنى الأمر هنا : وجـوب النظـر إلـى الثمار . بل الأمر هنا بمعنى : أخذ العبرة بالنظر إليها [ نظر اعتبار واستبصار واستدلال على قدرة مقدّره ومدبره وناقله من حال إلى حال ] ( ) .
18 - وهناك أوامر تفيد التلهف والتحسر : ( قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ ) .
فهل الأمر هنا ، يفيد وجوب الموت ، وفرضه عليهم ؟ أم يفيد اللهفة والحسرة عليهم ؟
19 - وهناك أوامر تفيد التسليم ، حيث يكون اللفظ أمراً . والمعنى تسليم وتفويض بأن يصنع ما يشاء : ( فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ ) .
أي : إصنع ما أنت صانع .
( ثُمَّ اقْضُوا إِلَي ) . أي : إعملوا ما أنتم عاملون .
فهل المسلمون هنا ، يأمرون فرعون ، ويوجبون ويفرضون عليه القضاء ؟
وهل نوح – عليه السلام – هنا يوجب عليهم المضي فيما أرادوا ، أم يتحدّاهم ؟
20 - وهناك أوامر تفيد الخبر : ( فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُون ) .
فهل الأمر هنا ، يوجب الضحك عليهم قليلاً ، ويفرض عليهم أن يبكوا كثيرا ؟ أم الأمر هنا يفيد الخبر ، عن ما سيؤل إليه حالهم ؟
إلى غيرها من المعاني .
فليس صحيحاً أن يقال : كل أمر يفيد الوجوب . إلّا مع تكملته ، وهي : ما لم تكن هناك قرينة ( أي : دلالة ) تصرفه عن الوجوب !
وهذه الأمور يعرفها العلماء والأئمة ، وليس كل مَن هبّ ودبّ !

أزمتنا فقهية أم أخلاقية؟

 أزمتنا فقهية أم أخلاقية؟


.
من أول يوم قرأنا فيه الاختيار في الفقه الحنفي سنة 1976 عند شيخنا العالم عقلة الكبيسي رحمه الله، فتفاجأنا من كثرة مخالفة أبي يوسف ومحمد بن الحسن وزفر لإمامهم أبي حنيفة -عليهم رحمة الله جميعا-
ومن ذلك اليوم وإلى اليوم ونحن نطلع على ما لا يحصى من الخلاف العلمي والاجتهادي في أغلب كتب الفقه والتفسير وشروح الحديث بل والحكم على الحديث نفسه والعمل به، ولكثرة ما مر بنا من ذلك صار عندنا كأن هذا هو الأصل، وصرنا نستغرب حينما نجد مسألة ليس فيها قولان!
والأعجب من هذا حالة الوداد بين هؤلاء المختلفين، فالشافعي يأخذ العلم عن مالك ثم عن تلاميذ أبي حنيفة، ثم يخالف المذهبين ليؤسس مذهبا ثالثا، ثم يأتي أحمد بن حنبل ليأخذ فقهه عن الشافعي، ثم يخالفه بمذهب جديد. وكل هذا لا يعكر صفو ودادهم واحترامهم لبعضهم.
ولا يغرنكم قول من يقول إنهم اختلفوا في الفروع التفصيلية، لا، فمالك رد أحاديث رويت في الصحاح، كحديث البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، ورد حديث صيام ست من شوال، ولكن هل سمعتم واحدا من المخالفين لمالك في اجتهاداته هذه يتهمه بأنه (عقلي) أو (عدو للسنة)؟
في تصوري أن ذلك الأدب العظيم عند فقهائنا الأوائل كان بسبب وعيهم بطبيعة هذا الدين الذي يقبل الاجتهاد العلمي حتى لو قاد إلى نتيجة خاطئة، إذا توفرت شروط الاجتهاد، أما مخالفة الآداب والقيم فهذه مرفوضة قطعا، ولا يستحق صاحبها إلا الاثم.
اليوم تنعكس الصورة في انتهاكين خطيرين لمنظومة القيم والأخلاق الإسلامية:
1- انتهاك صريح لقيم الإسلام وآدابه بحجة الدفاع عن الإسلام نفسه!! علما أن هذه الحجة نفسها هي متضمنة لهذا الانتهاك، لأنه يسيء الظن بعلماء الأمة الذين يخالفونه أو يخالفون جماعته في الرأي فيتهمهم بأنهم أعداء للإسلام والسنة ..الخ وقد رأيت من لا مانع عنده من زج كل مخالفيه ولو كانوا جمهور علماء الأمة في دائرة (الملحدين والفلاسفة الماديين والعلمانيين) وعلى الأقل دائرة (مخالفة الثوابت الشرعية ومعاداة السنة النبوية).
هذا ممكن يكون في تعليقه على مسألة دفع القيمة في صدقة الفطر، أو الأخذ بعلم الفلك في دخول الشهر!!
.
2- الجرأة في الفتوى بغير علم، وهذه ظاهرة جديدة، ولا أقصد الفتوى الفقهية فقط، بل فتاوى العقيدة والحكم على الحديث وتفسير القرآن الكريم، وكل شيء يخطر في البال، يقول؛ هذا رأيي بأخطر القضايا كما يشرب كوبا من الشاي أو أسهل.
هؤلاء لا أستطيع أن أناقشهم، لكني فقط أقول لهم: اتقوا الله في أنفسكم.
أمس كنت أقول لواحد من الإخوة يسأل كيف يجوز لعالم أو جمع من العلماء أن يخالفوا الثوابت الشرعية؟
وهو يقصد العلماء الذين أصدروا فتوى بشأن (قرض الإسكان) -مع أني حقيقة ليس لي فتوى مؤيدة أو معارضة بل إني أجيز تقليدهم وتقليد من خالفهم من أهل العلم بحسب ما يطمئن إليه قلب المستفتي وظرفه وحاجته-
المهم قلت له: أتدري من هو الذي خالف الثوابت الشرعية؟ قال من؟ قلت: أنت، حينما ظننت بمجموعة من أهل الدين والعلم أنهم يخالفون الثوابت الشرعية؟ عزيزي أتعلم ما معنى مخالفة الثوابت الشرعية وما ينبني على هذا القول؟ هذه كلمة تهتز لها الجبال لو كنت تفقه ما تقول.
هل تعلم أن الإمام ابن حزم ومعه بعض الأعلام يرون حصر الأموال الربوية في الأصناف المذكورة بالنص فقط ولا يقولون بتعديتها؟ وأن القائلين بالتعدية من المذاهب المعتبرة قد اختلفوا في (علة التعدية) فمنهم من لم ير الثمنية علة أصلا، فإذا حكمت على مشايخنا هؤلاء أنهم خالفوا الثوابت الشرعية، فما حكمك على أولئك الأعلام من سلف الأمة ومذاهبها، وخلافك معهم أكبر وأعمق؟
يا إخواني والله أتعجب لماذا يصر بعض الشباب والناشرين أن يكون له رأي وموقف من كل مسألة؟ من الذي كلفك بذلك ؟ ولماذا تورط نفسك في هذه المتاهات والمزالق والمهالك؟
.
معذرة إخواني وأخواتي فإني أتألم كثيرا حينما أرى بعض شبابنا مكان أن يحرصوا على تضييق دائرة الأزمات وأسباب التقاطع والتدابر في الظرف الذي نمر به، أرى بعضهم كأنه ينتظر أية مشكلة ليسل سيفه ويحمل سلاحه لكن ضد إخوانه وأبناء مسجده من المعروفين على الأقل بتدينهم واستقامة سيرتهم .
هذه نصيحتي لنفسي أولًا ولإخواني وأخواتي ثانيا، والله يحميكم جميعا ويأخذ بأيدينا وأيديكم لمًا يحبه ويرضاه.
.
محمد عياش الكبيسي

الجمعة، 20 مايو 2022

تفكيك شبهة "ذكوريّة الفقه الإسلامي"

 تفكيك شبهة "ذكوريّة الفقه الإسلامي"

-
(المقطع الأخير الذي نشرت يعمل على تفكيك التسلسل الشائع في ادعاء اثبات الشبهة كما ورد في مقال منتشر، وهنا تفكيك لها بدون تخصيص أي مقال بالرد عليه)
-
يقولون: "إن نظرت في المذاهب الأربعة وفي كتب الفقه المرجعية وفي التفاسير المشهورة وجدت أن كاتبيها وعلماءها كلهم تقريباً رجال، ولأن الفقه فيه جانب اجتهادي، ولأن الرجال لا بد أن ينحازوا لجنسهم، ولأننا كنساء نشعر بالظلم وبأن الدين أصعب علينا من الرجال، فإن الفقه الإسلامي ذكوري"
هذا يكاد يكون التسلسل الأشهر فيما يدعي أهل الشبهة أنه إثبات لها، فهل هو كذلك فعلاً؟ لننظر فيه نقطةً بنقطة..
-
النقطة الأولى: غالب الفقهاء والمفسرين المشهورين رجال:
يكاد رفض هذه النقطة وإنكارها والقدوم بأدلة ضدها يكون الحيز الأكبر الذي يعمل فيه من يردّون على شبهة ذكورية الفقه، لكنّي لا أرى صواب هذا التوجّه، فالنساء الفقيهات على مرّ التاريخ الإسلاميّ وإن وجدن ودوّنت أسماؤهنّ وكثرت أعدادهنّ وكان منهنّ من وصلت لمستوى الاجتهاد فإنهنّ يبقين قلّة مقارنةً بالرجال، وهذا ليس مما نعتبره كمسلمين عيباً في تاريخنا ولا منقصة، بل هو من الإنصاف والرحمة والرضا بالفوارق البشرية الطبيعية بين خلق الله..
فطلب العلم في الماضي لم يكن باليسر الذي هو عليه اليوم، بل كان طالب العلم يحتاج للسفر بين الشيوخ والصبر طويلاً على مشقة الطريق والبعد عن الأهل والوطن، والاكتفاء بأقل القليل من المسكن والمأكل والملبس والراحة، وكذلك الاعتياد على التدوين السريع والصبر على مجالس العلم الطويلة في الظروف المتنوعة، والتعامل مع طباع المحدّثين والشيوخ المختلفة وصحبتهم لأخذ العلم عنهم، فقد ذكر ابن الأثير أن الإمام النسائي كان يسمع عن أحد المحدّثين (الحارث بن مسكين) من خلف بابه لرفضه استقباله، وقال الإمام البخاري في وصف ترحاله: "دخلت إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقمت بالحجاز ستة أعوام، ولا أحصى كم دخلت إلى الكوفة وبغداد."
وكثيراً ما نقرأ في وصف طلب العلم في أيام السلف ما يدلنا على أنه كان مهمة شاقة يحتاج المرء للتفرغ لها وإعطائها كل طاقته، فكيف نطلب هذا لجداتنا أو نستنكر أن من حملوا هذا العبء كانوا غالباً رجالاً؟ بل كيف نرى كنساء أن في هذا ظلم لنا أو انتقاص من جنسنا؟
صحيح أن هناك مجدٌ وشرف مرتبطان بالعالم، لكن لا يمكن أن نطلب النتيجة ونتغاضى عن دربها الطويل الذي لا تطلبه النساء (وسطياً) كنمط حياة، وهذا ما يمكن فهمه قياساً على كثير من المهن والمجالات العلمية المتعبة اليوم والتي نجدها غالباً مهناً ومجالاتٍ يغلب فيها الرجال، وللقارئ هنا أن يبحث في نسبة النساء إلى الرجال في الهندسة والفيزياء والجراحات والمحاماة حول العالم في عالمنا، بل إن النسب تكاد تكون الأوضح والأكبر في الدول الاسكندنافية حيث المجتمعات تعمل منذ عقودٍ على منع أيٍ من أنواع التمييز بين الجنسين، مما يثبت أن قلة النساء في المجالات المتعبة اختيار شخصيٌّ منهنّ وليس ظلماً ولا قهراً لهنّ من قبل سلطةٍ مجتمعيةٍ ما.
وبالعودة إلى الفقه أيام السلف يمكننا القول إن احتمال الرجال مهمة طلب هذا العلم والريادة فيه كان تضحية منهم وحملاً لفرض كفاية وجد في الأمة واحتيج لمن يتكفل به ليساعد الناس في إيجاد الأحكام الفقهية المختلفة التي يحتاجون، وعدم تحميلهم للنساء منّة عملهم هذا مما دعا الإسلام له، وإن وُجدت النساء فعلاً ممن كانت لديها القدرة مالياً أو أسرياً أو نفسياً على طلب العلم فإن غالب العلماء يبقون رجالاً ولا عيب في ذلك مطلقاً ولا دلالة فيه وحده على أن الفقه ذكوري، إذ هو لم يكن واقعاً فرضه الناس، بل مجرد ناتج طبيعي للظروف الاجتماعية والبيئية حينها.
-
النقطة الثانية: الفقه فيه جانب اجتهادي:
من الأساسات التي يبني من يقولون بذكورية الفقه دعواهم عليها هي أنّ هناك ناحيةٌ من الفقه عائدة لاجتهاد الفقيه، وهم فعلياً لا يقصدون بهذا اللفظ الاجتهاد الشرعي القائم على الأدلة وطرق الاستنباط السليمة المنضبطة والمحكّمة من قبل العلماء، ولكن الاجتهاد بمعنىً دارج يُفهَم منه إدخال الرأي في الحكم وإيجاد محلٍّ للهوى الخاصّ فيه، فهم يبدؤون بأنه اجتهاديّ، ثم يصلون من ذاك لمصطلحات كالذاتيّ البشريّ ومن ثم تأثّر الفقيه بمجتمعه وانحيازه (الذي سنأتي له) لجنسه، كأنّ الاجتهاد يساوي أن يقول المرء بما يريد أو يفتي كل شيخ بما يحب وقتما يحب.
فالاجتهاد في الفقه عمليةٌ دقيقةٌ تشبه العمليات الجراحية من حيث حاجة من يقوم بها للعلم والتدريب والتهيئة والنظر وفهم حال المريض ومتابعته، ولذا فإن الاجتهاد خاصٌ بمن وصلوا مرتبته من العلماء (حيث يلمّ العالم فيها بمختلف العلوم الشرعية مع فقه لواقع الناس)، وهو يعني أن يستفرغ الفقيه وسعه في تحصيل العلم أو الظن بالحكم، وهذا يحتاج كثيراً من البحث والاستقصاء من قبل الفقيه ليعلم كل الأدلة التي قد ترتبط بالحكم، وبعد ذلك يقوم بما بوسعه ليفتي بالحكم الذي يظنه يرضي الله في الأمر، ولا شك أن من يصل لتلك المرتبة من العلوم التي تحتوي العلم بالله وأسمائه وصفاته يصل معها لمرتبة عالية من خشية الله التي وصف الله العلماء بها..
ومع ذلك يبقى الأمر بعيداً عن ثقة عمياء تضعها الأمة في فقيه واحدٍ يدّعي أنه مجتهد فيصدقه الناس ثم يأمرهم وينهاهم، إنما هناك علماء كثر في الأمة يراجع بعضهم بعضاً، ويقوم كل عالمٍ أفتى بأمرٍ بإعطاء الدليل وشرح طريقة استنباطه للحكم انطلاقاً من أسس وقواعد لا يخرج عنها، وتتم مراجعاتٌ بين العلماء وردٌّ منهم على بعضهم، ولأننا نوقن بأن الله لا يجمع الأمة على باطل كما حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم فإننا لا نظن أن معظم العلماء كانوا تابعي هوى أو ملفّقين منحازين عن غير قصدٍ أو بقصد، إنما كان كلٌّ منهم يعمل في سبيل رضا الله والوصول لما هو الأقرب لمراده من الأحكام.
ولا شك أن هناك ما يبقى ظنياً من الأحكام (التي ليس عليها إجماعٌ)، لكن واجب الواحد من غير العلماء الاستفتاء والأخذ بالحكم، إذ حتى هذا الظني ليس محلاً لوضع الفقيه هواه فيه، ولا يمكن لواحدٍ من الفقهاء أن يشذّ عن هذا دون أن يسائله أقرانه ومن يأتون بعده من العلماء وينكروا عليه، مما يجعل الفقه الإسلامي حصيناً بكثرة العلماء وسعيهم جميعاً لرضا الله وليس لتفعيل انحيازاتهم التي يزعم مثيرو الشبهة أنها ناحية جنسنهم، وهذا ما سنتحدث عنه في النقطة التالية.
-
النقطة الثالثة: لا بد للرجال أن ينحازوا لجنسهم، والفقهاء رجال:
هي فكرة منتشرة بين الناس يتمّ افتراض أنها مثبتةٌ بذاتها دون الحاجة لأي دليل، كأنها من البدهيّات العقلية التي يولد المرء بها ولا يمكن أن يشكك أحدٌ فيها، ولعلّ هذا النوع من المقدّمات عند مثيري الشبهات من أهم ما نحتاج تعلّم ملاحظته لنتوقف معه ونسأل عن مصدره والدليل عليه، لنراقب الشبهة بعدها وهي تنهار مع انكشاف تهافته، فمن الذي قال أن هناك انحيازاً عند كل الرجال ناحية موقف أو مواقف معينة؟ ومن الذي يحدد هذه المواقف؟ من الذي قال أن تلك الانحيازات تحقّق مصلحةً للرجال على حساب النساء؟ هل هناك أصلاً مصلحةٌ واحدة يتّفق عليها كلّ الرجال من مختلف الطبقات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية؟
أسئلة مهمةٌ تدفعنا لإنكار تلك المقدمة والقول بعدم واقعيّتها، ومن ثم البحث عن أصولها التي نرى منها أنها أساساً مستوردة من الفكر النسوي الذي لا يفهم انتماءً للبشر سوى جنسهم ولا يعرف هدفاً لجنسٍ إلا تحقيق مصالح أبنائه، وكأن هناك نادياً رجالياً سرّياً يتآمر فيه الرجال ضد النساء، ونادياً نسائياً خاصاً كذلك، أو كأن الرجال يكبرون في معزل عن النساء والتأثر بهنّ، لا تربي العالم أمه وتغرس فيه ما تؤمن به مع محبتها وحنانها، ولا يعيش مع ابنته يشفق عليها أن يظلمها زوجها أو يسلبها حقها، لكنّها عقلية الصراع بين الجنسين التي يفوح شرها من الخطاب النسوي، والذي هو أساساً مصدر الشبهة التي حاكَم أربابه إليها نصوصَ الدين المسيحي وقساوسته، ومن ثم وجدوا أن يعطوها لأهل ديننا ليعيدوا التجربة مع أحكامهم في تعميم شديد المغالطة والخطأ.
فلا جنس الرجال عدوٌّ أزليّ متآمر ضد جنس النساء، ولا رجال المسلمين يعيشون في حربٍ مع نسائهم، ولا نظرة الإنسان المسلم السويّ للعالم قائمةٌ على تلك الثنائية أصلاً، ولذا فإنّ توقّع أن كلّ الرجال منحازون ضد كل النساء هو مجرد دعوى واهية لا قيمة لها.
-
النقطة الرابعة: النساء يشعرن بالظلم/ الأحكام الشرعية أصعب على النساء/ الفقه فيه نصرة للرجال على النساء:
لعلّ الرد على هذه النقطة من أهم ما نحتاجه في تفكيك شبهة ذكورية الفقه وشبهات كثيرة غيرها، فالله سبحانه قال لنا بوضوح أنّه خلقنا ليبلونا أينا أحسن عملاً، وأنه يبلو كلاً منا فيما آتاه {وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَٰٓئِفَ ٱلْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِى مَآ ءَاتَىٰكُمْ}، والأوامر الإلهية نوعٌ من الابتلاءات التي تختلف بحسب ما آتى الله المسلم من قوة ومالٍ وقدراتٍ، وعليه تجاهها كما تجاه الابتلاءات الأخرى أن يرضى بقضاء الله ويجاهد نفسه ليقوم بأمره من خلالها، فطبيعيّ أن نملك أهواءً تصعب علينا التكليف، طبيعي مثلاً أن يشعر الثريّ بصعوبة إخراج زكاة ماله التي يقول له هواه بأنها تعبه وكدّ يمينه، طبيعيّ كذلك أن يجد العالِم صعوبة في أمر الله له بعدم كتمان العلم وهو يرى أذى الناس له بسببه، وعلى هذا يمكن أن نقيس تكليفات الله للأب وللزوج وللابن وللزوجة والابنة والأم كذلك، كلٌّ بحسب مكانه وقدراته.
هناك أحكامٌ مخالفة فعلاً لهوى غالب النساء لا يوجد مثلها على الرجال، كثيرون يكررون أن الفقه ذكوري بدليل أن على المرأة استئذان زوجها للخروج من بيتها أو أن للذكر مثل حظ الأنثيين في الميراث أو غيرها مما يستدعونه في هذا الباب، هذه الأحكام كغيرها مما يختص بأحد الجنسين أمورٌ عائدةٌ في أصلها للاختلافٍ فيما آتى الله كلاً من الذكر والأنثى ولقاعدة الغنم بالغرم التي تنبني عليها كثيرٌ من الأحكام الفقهية..
فالمرأة غير مسؤولة عن النفقة على أحد ولا على نفسها، ولذا فإنها في بعض الأحوال ترث نصف ما يرثه الرجل (هناك حالاتٌ ترث فيها الأنثى مثل الذكر وأخرى ترث أكثر منه بحسب قرابتها من المتوفى والموجودون من أقربائه)، وبناءً على ذلك وإن نظرنا للأمر بعينٍ تجْمِل كلّ شرع الله نرى الأمر عادلاً ومتسقاً مع المنظومة الإسلامية كلها، بذات العين يمكن فهم موضوع الاستئذان وتفصيلاته، فالزوج مسؤولٌ عن زوجته (حمايةً ورعايةً وحفظاً ونفقةً) وله عليها حقوق أساسية هي من مقاصد الزواج، واتساق هذا يفرض عليها بالعدل الذي يحدده الله العالم بخلقه بعض ما يجده الناظر بعين المساواة أو الندية مزعجاً أو ثقيلاً، ومن ذلك الاستئذان عند الخروج (الاستئذان له تفصيلاتٌ ويعتمد على اتفاق الزوجين)، وذات النظر الندّيّ المطالب بالمساواة سيجد كثيراً من الأحكام المفروضة على الرجل مزعجة وثقيلة، ومن ذلك نفقه الزوج على زوجته ذات المال، أو نفقته وحده على أولادهم، أو برّه لأمه إن وجب عيباً في تربيتها له، ومثال ذلك كثيرٌ.
فهناك شئنا أم أبينا أحكام يتفاوت البشر فيها، وعلينا فيها جميعا تذكّر أننا نفعلها ونلتزمها أولاً وآخراً طاعةً لله وطلباً لرضاه وقياماً بما أمر به رغبةً بما عنده وخشية من عذابه، لا لأجل الرجل ولا لأجل المرأة، لا لأجل أنه فلان ولا طلباً لرضاه ولا لشيءٍ عنده، لا لأجل الناس ولا لأجل أعرافهم ولا ليقولوا ولا ليطلقوا تسمياتهم وثناءاتهم، بل في سبيل الله وحده وتحقيقاً لغاية العبودية التي خلقنا من أجلها رغم الصعوبات والحاجة لجهاد النفس المستمر.
أمام هذه الصعوبات هناك كثير مما يمكن للمسلم القيام به، بإمكانه أن يستعين بالله، أن يلزم الاستغفار، أن يبحث عن الصحبة الصالحة التي تهوّن عليه وتشد أزره، أن يجاهد نفسه ليقوم بالأمر مهما كرهته نفسه، أن يلحّ على الله بدعاء أن يجعل هواه في طاعته، أن يبعد عن نفسه مداخل الشهوات المتعبة، لكن السبيل غير الصحيح هو الذي يفتح بوابته المشككون حين يقولون لنا أن دين الله ينبغي أن يكون سهلاً وموافقاً للهوى، لكن العلماء الذين سبقونا تحاملوا أو كانوا بدون قصدٍ متحيزين ضد بعضنا فصار الدين صعباً بسببهم، وهذا سبيلٌ خطير للمروق من الدين ورفضه في إطارٍ مخادعٍ لا يرى المرء فيه حقيقة فعله ومآل أفكاره، يظنّ نفسه يحب الدين ويكره تنزيلاته على أرض الواقع، يحب الله ولا يستطيع تنفيذ أمره، لنصل في أمة الإسلام لحال يشبه الأمم الغربية التي تتكلم عن الله في معاني الحب والجمال والمثالية ثم لا تقوم بأي شيءٍ من أوامره في حياتها اليومية، وذاك خطر نراه قريباً جداً من أمتنا اليوم.
-
والخلاصة:
قدّم المقال -بحمد الله- تفكيكاً لشبهة ذكورية الفقه بهدف بيان أنها فكرة مستوردة لا أساس لها في ديننا وتراثنا ولا قيمة حقيقية لها بالنسبة لنا كمسلمين ومسلمات.
صحيحٌ أن الفقهاء الرجال أكثر بكثير من الفقيهات النساء في التاريخ الإسلامي، لكن لا علاقة لذلك بكون الفقه متحيزاً ضد المرأة لأن الفقه لا يحتوي مجالاً للرأي ولا للهوى الفردي للفقيه، ولأن افتراض أن الرجال في كل زمان ومكان يملكون انحيازاً ضد كل النساء في كل زمان ومكان أمرٌ مرفوض لا دليل عليه ويخالف الواقع الحياتي المُعاش. وإن كانت بعض الأحكام الشرعية ثقيلةً على غالب النساء اليوم فهناك أحكام كذلك على الرجال، لا علاقة للأمر بالجنس، ولا محاباة في دين الله لأحد ولا واسطة لأي شخص بحسب الجينات التي ولد بها.
والله أسأل أن ينفع بهذه الكلمات ويجعلها خطوةً لكل أختٍ تقرأها على درب سعيها لرضا الله والرضا عنه وامتلاك القلب السليم الذي تحب أن تلقى مولاها به.
ولله وحده الحمد والمنّة والفضل.

***العمرة بين الطاعة. والاضاعة***

 ***العمرة بين الطاعة. والاضاعة***

العمرة هي طاعة وعبادة وعمل صالح يتقرب بها الإنسان إلى ربه سبحانه وتعالى.
لكن هناك بعض التصرفات تخرج العمرة عن حقيقتها الروحية والعبادية......وتضيع الأجر والثواب...
والتصرفات المرفوضة كثيرة ولكن ساذكر بعضا منها على أن اكمل في حلقات لاحقةباذن الله تعالى.. ... منها...
*الانشغال عن حقيقة العبادة بالتصوير لكل صغيرة وكبيرة حتى ان البعض من شدة انشغاله بالتصوير يدير ظهره للكعبة ليصور نفسه ومن معه أثناء الطواف وقد فاته ان هذا العمل يبطل الطواف لان الأصل في الطواف ان يكون شق الطائف الأيسر بتجاه الحجر الأسود.. بل ومن خلال تصويره يشغل الطائفين ويربك حركة الطواف وكل هذه الاعمال تتنافى وروح الطواف بل وتخرج العبادة عن روحيتها واخلاصها....
*ومنها ايضا للأسف هناك بعض اصحاب الحملات من يقوم بتصوير حملته في الطواف والسعي وعند الزيارة وأثناء الإحرام وفي السيارة ... ويشمل في تصويره الرجال والنساء وأحيانا يكون التركيز على تصوير النساء وهذا يتنافا مع روح العبادة بل ويتنافا مع القيم الاجتماعية.. فهناك الكثير من النساء من لاترغب ولا ترضى ان تظهر صورتها لعامة الناس.... فكيف يحق للمتعهد او صاحب الحملة او لغيره ان يصور نساء الناس ومن الذي خوله ان ينشر صور النساء
*ومنها أيضا كما شاهدت هناك بعض أصحاب المكاتب يقوم بدور المرشد والمفتي وهو لايفقه في أحكام الحلال والحرام شيء فتراه يتخبط في كلامه وهو على اساس انه يشرح أعمال العمرة لحملته ويجيب على أسئلة المعتمرين الشرعية ويفتي بغير علم ولا دراية ... وقد فاته انه يحرم علي الإنسان أن يتصدر للفتوى وهو ليس من العلماء ولا من اهل الفتوى والاختصاص
من أفتى بغير علم فقد ضل واضل......
ايها الناس العمرة عبادة وطاعة فلا تفرغوها من مضمونها وروحانيتها واخلاصها فكل عبادة بلا إخلاص كجسد بلا روح
بل كل عبادة بلا إخلاص لا اجر فيها ولاثواب (إنما الأعمال بالنيات) والاخلاص شرط لقبول الأعمال الصالحة(ان الله عز وجل لايقبل من العمل الا ما كان خالصا وابتغي به وجهه)
نسأل الله الإخلاص في القول والعمل.....
محمد الكبيسي
عضو لجنة الفتوى
امام وخطيب جامع الخلفاء
الجمعة
2022/5/20

هل كرم الاسلام المراة ؟

 بعض من صور تكريم الإسلام للمرأة

بقلم: عبدالله محمد (طبيب أسنان)
بعد أن كان الأب يشعر بالعار إذا أنجب بنتاً فيذهب ثم يدفنها حية (يئدها) حرم الإسلام هذا الفعل الشنيع (وإذا الموءدة سئلت بأي ذنب قتلت)
ثم جعل ثواب تربيتها والإحسان إليها وحبها هو الجنة والنعيم الأبدي مما يصب في مصلحة البنت الذي سيكون والدها اشد حرصاً على الإحسان إليها وذلك ما ورد في الحديث الصحيح في صحيح ابن ماجه(قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مَن كانَ لَهُ ثلاثُ بَناتٍ فصبرَ عليهنَّ، وأطعمَهُنَّ، وسقاهنَّ، وَكَساهنَّ مِن جِدَتِهِ كنَّ لَهُ حجابًا منَ النَّارِ يومَ القيامَةِ)
وكانت لا ترث فجعل لها نصيباً في الارث
وجعلها كالملكة لا تنفق شيئاً بل يتكفل زوجها او اباها او اخاها بكل ما تتمناه
جعلها كالملكة لا يمسها الإمحارمها فقط
جعلها ملكة فلا يتم المتاجرة بجسدها على انها سلعة تستخدم في جذب الناس في الإعلانات لشراء المنتجات
توعد زوجها اذا ظلمها ومال الى زوجته الاخرى بأنه سيأتي يوم القيامة مائل احد شِقّي جسده (حديث صحيح)
أنزل سورة كاملة بإسمها (النساء) تتناول التشريعات الموجهة إليها.
حث على الاحسان اليها ( أمك ثم أمك ثم أمك)
جعل برها واجبا بعد توحيد الله عز وجل ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً)
أعطاها الحق -كل الحق- في إختيار زوجها والموافقة عليه (لا تُنكح البكر حتى تستأذن -حديث صحيح-)
أوصى بها فقال ( اتقوا الله في الضعيفين : المرأة واليتيم-حديث صحيح-)
خاطب الزوج وقال له: (ولهن مثل الَّذي عليهن بالمعروف)
وقال عزوجل (وعاشروهن بالمعروف)
وصفها بأحسن الصفات في الزواج فقال ( خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة)
قال النبي : (خياركم خياركم لنسائهم) وقال: (إنما النساء شقائق الرجال) وقال: (ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف)
وقد اوجز ذلك عمر بن الخطاب فيما روى عبدالله بن عباس عن عمر بن الخطاب أنه قال: (كنا في الجاهلية لا نعد النساء شيئاً فلما جاءَ الإسلام وذكرهن الله رأينا لهن بذلك علينا حقاً) (صحيح البخاري)
مالها حرة فيه إن تصدقت عليه فلها أجران وإن منعته فلا يحق له السطو عليه.
أي إعتداء عليها من دون أسباب يعاقب عليه بمثل ما اعتدى عليها.
قوامته عليها تكليف وطاعتها له جهاد في سبيل الله.
إن أمرها بالمعروف أطاعته وإن أمرها بغيره فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
و لأجلها خاض النبي حربا ضد بني قينقاع.
و للدفاع عنها كان الموت شهادة في سبيل الله.
و لأجلها حرك المعتصم جيشه الى عمورية.
و لسمعتها وضع الله حد القذف ثمانين جلدة.
وغيرها وغيرها من صور التكريم والرحمة بها

الخميس، 19 مايو 2022

هل كل قرض جر منفعة فهو ربا؟!

 

💥هل كل قرض جر منفعة فهو ربا
السؤال: شيخنا هل صحيح أن كل قرض نتج عنه منفعة لصاحبه فهو يدخل في باب الربا ؟ جزاكم الله خيرا.
الجواب: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعـد:
فأصلُ هذه القاعدة الحديثُ الذي رواه البيهقي في السنن الكبرى : ((كل قرض جر منفعة، فهو ربا )) ، والحديث لا يصح رفعه للنبي –صلى الله عليه وسلم- فهو موقوف على الصحابي اصح كما قرر ذلك اهل التحقيق.
👈فهذا الحديث وإن كان سنده ضعيفا إلا أنه صحيح المعنى، والمقصود به النفع المشروط، او ما كان عادة الناس في سداد القرض ، وقد وردت شواهد بمعناه من أقوال الصحابة وافعالهم ، وذلك لأن القرض إنما يقصد به الإرفاق ودفع حاجة المقترض، فهو من عقود الارفاق والتبرعات وليس من عقود المعاوضات ، فإذا تعدى إلى أن يشتمل على منفعة للمقرِض مشروطة أو متواطأ عليها فإنه يخرج عن موضوعه الذي من أجله شُرع.
قد نقل الامام ابن المنذر –رحمه الله تعالى- إجماع العلماء على ذلك في كتاب الاجماع فقال: (أجمعوا على أن المسلف إذا اشترط على المستسلف زيادة أو هدية فأسلف على ذلك أن أخذ الزيادة على ذلك ربا).
👈واما شرح قاعدة: (كل قرض جر نفعًا فهو ربا)، فقد قرر العلماء ان هذه القاعدة ليست على إطلاقها، وإنما النفع المحرَّم والذي هو من باب الربا، هو الذي يكون مشترطًا مع القرض أو كان في حكم المشترط، كأن يكون عُرفا اعتاده الناس في سداد القرض ، أما إذا لم يكن كذلك، فلا بأس به.
فاذا أقرض شخصٌ شخصا اخر مطلقًا من غير شرط، فقضاه خيرًا منه في الصفة، أو زاد في القدر، فهذا لا بأس به، ولا يُكرَه للمُقرِض أخذه عند جماهير العلماء؛ لحديث أبي رافع – رضي الله عنه- في صحيح مسلم قال: استَسلَف رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بَكْرًا فجاءته إبل الصدقة، فأمرني أن أقضي الرجل بكرًا، فقلت: لم أجد في الإبل إلا جملاً خيارًا رباعيًّا، فقال -صلى الله عليه وسلم-: ((أعطِه إيَّاه، فإن خيرَكم أحسنُكم قضاءً)) . والبكر هو الفتي من الإبل او الصغير من الإبل، والرباعي هو الذي سقطت رباعيته، وهو الذي دخل في السن السابعة وهو بلا شك افضل واغلى ثمنا من البِكر.
وما رواه جابر بن عبدالله - رضي الله عنه - قال: (وَكَانَ لِي عَلَيْهِ -صلى الله عليه وسلم- دَيْنٌ، فَقَضَانِي وَزَادَنِي) متفق عليه.
وفي الحديث الصحيح الذي رواه ابو داود والنسائي قوله عليه الصلاة والسلام : ((مَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ )). فقضاء الدَين او القرض بأفضل منه في الصفة، أو زيادة في القدر، دون شرط او عُرف معروف فهذا مما لا بأس به، والله تعالى اعلم
✍️د. ضياء الدين عبدالله الصالح

هل في المرأة شؤم ؟!

 هل في المرأة شؤم ؟! د. عبدالله بن عبدالرحمن الهذيل


بسم الله الرحمن الرحيم
هل في المرأة شؤم ؟!
كثيرا ما نسمع التشكيك في حفظ الإسلام حق المرأة والإعلاء من شأنها من خلال الكلام على حديث ( الشؤم في ثلاث ) ، وهذا إما من عدو متربص يلبس في المعنى ويفصل بين روابطه التي يكتمل بها ظهوره ، أو من جاهل يفهم معنى باطلا لم يدل عليه الدليل ثم يبثه أو يبقى في نفسه إشكالا يضيق به ويصد عنه ، أو ربما كان ذلك من شخص خاصم زوجته فوجه لها ذلك الوصف بأنها شؤم بقول النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا جناية على الحديث أيما جناية .
لذا لا بد من بيان المعنى المراد من الحديث ليكون الاستدلال في محله ، ويرد كيد من أراد النيل من الإسلام في هذا الأمر في نحره .
وإن من نافلة القول ابتداء هنا تقرير ما للمرأة في الإسلام من مكانة عالية ومنزلة مصونة وحق محفوظ ، فهذا من الظهور أوضح من الشمس في ضحاها والقمر إذا تلاها ، وليس المقام ذكر الدلائل على ذلك هنا ، فهذا يطول ، لكن المقصود الوقوف على معنى حديث الشؤم المتعلق بالمرأة .
فقد جاء الحديث مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم بألفاظ عدة ...
ففي لفظ : ( إنما الشؤم في ثلاثة : في الفرس و المرأة والدار )[1] .
وفي لفظ : ( الشؤم في المرأة والدار والفرس )[2].
وفي لفظ : ( إن كان الشؤم في شيء ففي الدار والمرأة والفرس )[3].
وفي لفظ ( إن يكن من الشؤم شيء حق ففي الفرس والمرأة والدار )[4].
وفي لفظ : ( إن كان في شيء ففي الربع والخادم والفرس )[5] ، وفي لفظ زيادة ( والسيف )[6].
وللعلماء رحمهم الله تعالى أجوبة عدة على ما قد يحصل من اشتباه في معنى الحديث :
الجواب الأول :
أن أصل الحديث حكاية لقول اليهود أو المشركين وبيان مذهبهم الباطل في ذلك ، ولكن قد روي الحديث بدون ما يدل على الحكاية .
ودليل ذلك ما رواه قتادة عن أبي حسان قال : دخل رجلان من بني عامر على عائشة رضي الله عنها فأخبراها أن أباهريرة رضي الله عنه يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( الطيرة في الدار والمرأة والفرس ) فغضبت ، فطارت شقة منها في السماء ، وشقة في الأرض ، وقالت : والذي نزل الفرقان على محمد ما قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم قط ، إنما قال : ( كان أهل الجاهلية يتطيرون من ذلك ) .[7]
وفي رواية قالت : ولكن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : ( كان أهل الجاهلية يقولون : الطيرة في المرأة والدار والدابة ) ، ثم قرأت عائشة رضي الله عنها : ( ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب ) الآية .[8]
ويشهد له ما رواه أبو داود الطيالسي عن مكحول أنه قال : قيل لعائشة : إن أبا هريرة رضي الله عنه يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( الشؤم في ثلاث : في الدار والمرأة والفرس ) فقالت عائشة رضي الله عنها : لم يحفظ أبو هريرة ؛ لأنه دخل ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( قاتل الله اليهود ، يقولون : إن الشؤم في الدار والمرأة والفرس ) فسمع آخر الحديث ولم يسمع أوله .[9]
قال الألباني : ( وإسناده حسن لولا الانقطاع بين مكحول وعائشة ، لكن لا بأس به في المتابعات والشواهد إن كان الرجل الساقط من بينهما هو شخص ثالث غير العامريين المتقدمين ) .[10]
ومما يؤيد ذلك ما رواه الإمام أحمد عن أبي معشر عن محمد بن قيس قال : سئل أبو هريرة رضي الله عنه : سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ( الطيرة في ثلاث : في المسكن والفرس والمرأة ) ؟ قال : إذاً أقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل ، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( أصدق الطيرة الفأل ، والعين حق ) .
ولكن هذه الرواية ضعيفة لضغف أبي معشر[11] ، ولما قيل من الانقطاع بين محمد بن قيس وأبي هريرة رضي الله عنه .[12]
ومما يؤيده أيضا ما رواه الطبري في تهذيب الآثار عن ابن أبي مليكة قال : قلت لابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ : كيف ترى في جارية لي ، في نفسي منها شيء ؟ فإني سمعتهم يقولون : قال نبي الله صلى الله عليه وسلم ( إن كان في شيء ففي الربع والفرس والمرأة ) ، قال : فأنكر أن يكون سمع ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم أشد النكرة ، وقال : إذا وقع في نفسك منها شيء ففارقها ، بعها أو أعتقها .[13]
فبناء على قول عائشة رضي الله عنها ، فالحديث ليس فيه تقرير للطيرة ، بل هو متضمن للنهي والتحذير من ذلك ؛ إذ أن نسبة العمل لأهل الكفر والجاهلية دال على النهي .
هذا ، وقد رد بعض أهل العلم هذا الجواب ؛ لثبوت الحديث من طرق عدة ، وعن عدد من الصحابة رضوان الله عليهم غير أبي هريرة .
قال الإمام ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ : ( ولكن قول عائشة هذا مرجوح ، ولها ـ رضي الله عنها ـ اجتهاد في رد بعض الأحاديث الصحيحة خالفها فيه غيرها من الصحابة ، وهي ـ رضي الله عنها ـ لما ظنت أن هذا الحديث يقتضي إثبات الطيرة التي هي من الشرك لم يسعها غير تكذيبه ورده ، ولكن الذين رووه ممن لا يمكن رد روايتهم ، ولم ينفرد بهذا أبو هريرة وحده ، ولو انفرد به فهو حافظ الأمة )[14] .
وقال الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله تعالى ـ : ( ولا معنى لإنكار ذلك على أبي هريرة مع موافقته من ذكرنا من الصحابة له في ذلك )[15] .
قلت : لم أجد رواية عن أبي هريرة رضي الله عنه في إثبات الشؤم في هذه الأمور سوى ما تضمنته رواية إنكار عائشة رضي الله عنها ، وفيها إبهام للرجلين اللذين رويا ذلك عن أبي هريرة رضي الله عنه ، وما أورده الهيثمي في مجمع الزوائد وعزاه إلى البزار والطبراني في الأوسط ، وقال : وفيه بلال بن داود الأودي وهو ضعيف . وعليه فثبوت ذلك عنه محل نظر ، والله أعلم .
ثم أيضا ، ثبوت إنكار ذلك عن عائشة رضي الله عنها يجعل هذا الجواب من القوة بمكان ، ثم إنه ليس فيه رد للرواية ، وإنما هو توجيه لها ، وبيان زيادة مهمة فيها تزيل الاشتباه في احتمال التعارض مع الروايات الدالة على نفي تأثير الطيرة في شيء ، والله أعلم .
قال الزركشي : ( قال بعض الأئمة : ورواية عائشة في هذا أشبه بالصواب إن شاء الله تعالى ـ ؛ لموافقتها نهيه عليه الصلاة والسلام عن الطيرة نهيا عاما ، وكراهتها ، وترغيبه في تركها بقوله « يدخل الجنة سبعون ألفا بغير حساب » وهم الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتكلون )[16] .
الجواب الثاني :
حمل رواية الجزم ـ وهي ( الشؤم في ثلاث ... ) ورواية ( إنما الشؤم في ثلاث ... ) ـ على رواية التعليق ـ وهي ( إن كان الشؤم في شيء ... ) وما في معناه .
وقد وردت رواية الجزم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما ، وأبي هريرة رضي الله عنه ـ فيما تضمنته رواية إنكار عائشة رضي الله عنها ـ .
أما رواية التعليق فقد وردت من عدة طرق : من طريق ابن عمر نفسه ، قال : ذكروا الطيرة عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن كان الشؤم في شيء ففي الدر والمرأة والفرس ) .
ولها شاهد من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن كان في شيء ففي المرأة والفرس والمسكن )[17] .
ومن حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا عدوى ولا طيرة ولا هام ، إن تكن الطيرة في شيء ففي الفرس والمرأة والدار )[18] .
ومن حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن كان شيء ففي المرأة والفرس والمسكن )[19] .
ومن حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا طيرة ، والطيرة على من تطير ، وإن تك في شيء ففي الدار والفرس والمرأة )[20] .
ومن حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا عدوى ولا طيرة ، وإن كان في شيء ففي المرأة والفرس والدار )[21] .
وبذلك يعلم أن رواية التعليق هي الأكثر ، وقد وردت عن عدد من الصحابة رضي الله عنهم ، مما يدل على أنها هي المحفوظة ، فتحمل رواية الجزم عليها .
وبناء على ذلك فليس في الحديث دلالة على إثبات الطيرة في هذه الأمور ، بل هو موافق للنصوص الدالة على نفي الطيرة ؛ إذ أن المعنى : لو كانت الطيرة مؤثرة في شيء لكانت في هذه الثلاثة ، أما وإنها ليست كائنة فيها ـ وهي أكثر ما يلازم المرء ـ فإن الطيرة منفية في غيرها .
قال الإمام ابن جرير الطبري : ( وأما قوله صلى الله عليه وسلم : « إن كان الشؤم في شيء ففي الدار والمرأة والفرس » فإنه لم يثبت بذلك صحة الطيرة ، بل إنما أخبر صلى الله عليه وسلم أن ذلك إن كان في شيء ففي هذه الثلاث ، وذلك إلى النفي أقرب منه إلى الإيجاب ؛ لأن قول القائل : إن كان في هذه الدار أحد فزيد . غير إثبات منه أن فيها زيدا ، بل ذلك من النفي أن يكون فيها زيد أقرب منه إلى الإثبات أن فيها زيدا )[22] .
وقال الإمام الطحاوي ـ رحمه الله تعالى ـ عند كلامه على حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه المتقدم : ( فلم يخبر أنها فيهن ، وإنما قال : إن تكن في شيء ففيهن ، أي لو كانت تكون في شيء لكانت في هؤلاء ، فإن لم تكن في هؤلاء الثلاثة فليست في شيء )[23] .
وقال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ـ رحمه الله تعالى ـ : ( والحديث يعطي بمفهومه أن لا شؤم في شيء ؛ لأن معناه : لو كان الشؤم ثابتا في شيء ما لكان في هذه الثلاثة ، لكنه ليس ثابتا في شيء أصلا . وعليه فما في بعض الروايات بلفظ » الشؤم في ثلاثة « فهو اختصار وتصرف من بعض الرواة ، والله أعلم )[24] .
ومن تأمل رواية البخاري ـ رحمه الله تعالى ـ لما ذكر رواية ابن عمر ري الله عنهما ـ وهي بالجزم ـ عقبها برواية سهل بن سعد ـ وهي بالتعليق ـ مما ظاهره ما تقرر في هذا الجواب ، وهو حمل رواية الجزم على رواية التعليق ، والله أعلم .
الجواب الثالث :
تخصيص هذه الثلاثة من عموم ما يتطير به .
ورجحه الشوكاني ، فقال : ( فيكون حديث الشؤم مخصصا لعموم حديث » لا طيرة « فهو في قوة : لا طيرة إلا في هذه الثلاث . وقد تقرر في الأصول أنه يبنى العام على الخاص مع جهل التاريخ ، وادعى بعضهم أنه إجماع ، والتاريخ في حديث الطيرة والشؤم مجهول )[25] .
ونسبه ابن القيم وابن حجر إلى ابن قتيبة .
قال ابن حجر ـ رحمه الله تعالى ـ : ( وظاهر الحديث أن الشؤم والطيرة في هذه الثلاث ، قال ابن قتيبة : « ووجهه أن أهل الجاهلية كانوا يتطيرون ، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم ، وأعلمهم أن لا طيرة ، فلما أبوا أن ينتهوا بقيت الطيرة في هؤلاء الثلاثة » . قلت : فمشى ابن قتيبة على ظاهره ، ويلزم من قوله أن من تشاءم بشيء منها نزل به ما يكره ) [26].
قلت : وكلام ابن قتيبة في « تأويل مختلف الحديث » يرد ذلك ؛ إذ أن مضمونه رد الطيرة مطلقاً في هذه الثلاث وغيرها ، وحملُ حديث الثلاث على حكاية قول اليهود أو المشركين على ما قالته عائشة رضي الله عنها ، وحملُ حديث « ذروها ذميمة » على الرخصة في ترك ما استثقلوه .([27])
ولذلك فقد وجه القرطبي كلامه السابق الذي نقله ابن حجر ـ وأظنه في مشكل الحديث كما أشار إليه ابن القيم ـ بما معناه هذا المضمون ، فقال : ( ولا يظن بمن قال هذا القول أن الذي رخص فيه من الطيرة بهذه الأشياء الثلاثة هو على نحو ما كانت الجاهلية تعتقده فيها وتفعل عندها ، فإنها كانت لا تقدم على ما تطيرت به ؛ بناء على أن الطيرة تضر مطلقا ، فإن هذا ظن خطأ ، وإنما يعني بذلك أن هذه الثلاثة هي أكثر ما يتشاءم الناس بها لملازمتهم إياها ، فمن وقع في نفسه شيء من ذلك أباح الشرع له أن يتركه ويستبدل به غيره مما تطيب به نفسه ويسكن له خاطره ) [28] .
وعموماً فالجواب الذي تتفق فيه الروايات في المعنى أولى من هذا الجواب الذي يتقرر به التعارض ، فيلجأ به إلى التخصيص .
الجواب الرابع :
أن التطير واقع على من تطير ، استدلالا بحديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا طيرة ، والطيرة على من تطير .. )[29] .
فقالوا : الشؤم بهذه الأشياء إنما يلحق من تشاءم بها وتطير بها ، فيكون شؤمها عليه ، ومن توكل على الله ولم يتشاءم بها ولم يتطير لم تكن مشؤومة عليه ، فقد يجعل الله تعالى تطير العبد وتشاؤمه سببا لحلول المكروه به ، كما يجعل الثقة والتوكل عليه وإفراده بالخوف والرجاء من أعظم الأسباب التي يدفع بها الشر المتطير به .[30]
قلت : والاستدلال بحديث أنس على ذلك فيه نظر ؛ إذ أن هذا الاستدلال يفيد إثبات الطيرة على كل من تطير ، مع أن أول الحديث نفي لذلك .
قال الإمام ابن عبدالبر ـ رحمه الله تعالى ـ في بيان ذلك : ( فإن قال قائل : قد روى زهير بن معاوية عن عتبة بن حميد ... ـ وذكر حديث أنس رضي الله عنه ـ .. وقال : هذا يوجب أن تكون الطيرة في الدار والمرأة والفرس لمن تطير . قيل له ـ وبالله التوفيق ـ : لو كان كما ظننت لكان الحديث ينفي بعضه بعضا ؛ لأن قوله » لا طيرة « نفي لها ، وقوله » والطيرة على من تطير « إيجاب لها ، وهذا محال أن يظن بالنبي صلى الله عليه وسلم مثل هذا من النفي والإثبات في شيء واحد ووقت واحد ، ولكن المعنى في ذلك : نفي الطيرة بقوله » لا طيرة « ، وأما قوله » والطيرة على من تطير « فمعناه : إثم الطيرة على من تطير بعد علمه بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الطيرة ، وقوله فيها « إنها شرك ، وما منا إلا ، ولكن الله يذهبه بالتوكل » ، فمعنى هذا الحديث عندنا ـ والله أعلم ـ أن من تطير فقد أثم ، وإثمه على نفسه في تطيره ؛ لترك التوكل وصريح الإيمان ؛ لأنه يكون ما تطير به على نفسه في الحقيقة ؛ لأنه لا طيرة في الحقيقة )[31] .
الجواب الخامس :
أن المعنى هو إخبار عن الأسباب المثيرة للطيرة الكامنة في الغرائز ، وأنها بهذه الثلاث ، أخبر بها ليحذر منها ، فالحوادث التي تكثر مع هذه الأشياء والمصائب التي تتوالى عندها تدعو الناس إلى التشاؤم بها .[32]
فالمعنى : أن أكثر ما يقع الشؤم عند الناس هو بهذه الأمور الثلاثة ؛ وذلك لطول الملازمة ، ووقوع المصاحبة ، فمن تشاءم بشيء من هذه الأمور فقد شابه أهل الجاهلية .
الجواب السادس :
أن هذه الثلاث تكون في الغالب محال وظروف لحصول المكروه للمرء بحكم طول الملازمة والمصاحبة ، فيكون المحل حين يقع المكروه عنده ملازما لذلك المكروه ، فيقع الشؤم بذلك ، لا أن ذلك المحل هو السبب لوقوع ذلك المكروه .
فالمعنى منصرف إلى كون هذه الثلاث قد يقع الشؤم بها لكونها محالا لوقوع المكروه ، وقد تقرر النهي عن الطيرة والتشاؤم من قوله وفعله صلى الله عليه وسلم .
قال الإمام الخطابي ـ رحمه الله تعالى ـ : ( وإنما هذه الأشياء محال وظروف جعلت مواقع لأقضيته ، ليس لها بأنفسها وطباعها فعل ولا تأثير في شيء ، إلا أنها لما كانت أعم الأشياء التي يقتنيها الناس ، وكان الإنسان في غالب أحواله لا يستغني عن دار يسكنها وزوجة يعاشرها وفرس يرتبطه ، وكان لا يخلو من عارض مكروه في زمانه ودهره ، أضيف اليمن والشؤم إليها إضافة مكان ومحل ، وهما صادران عن مشيئة الله سبحانه )[33] .
الجواب السابع :
أن المراد بذلك ليس ثبوت الشؤم في هذه الأمور مطلقا ، وإنما ما يكون منها من أعيان ممحوقة البركة ، فيكون الشر غالبا فيها ، وهي لطول ملازمة المرء لها يظل أثر ذلك ملازما له ، فيقضي حياته معذبا بذلك .
والإسلام جاء رحمة للعباد ، فرخص لمن هذه حاله مفارقة ما يكون شؤمه غالبا على نفسه ؛ حتى تطيب نفسه ، ويزول عنه ما يكره .
ولذلك فليس المقصود بذلك مطلق المرأة ومطلق الدار ومطلق الفرس ، كيف والنبي صلى الله عليه وسلم قد أمر الذين تشاءموا من دارهم بالتحول إلى دار غيرها ! وكذلك لا يمكن أن يعيش المرء بلا دار ، ولم يكن هذا في الشرع أبدا !
وكذلك قد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة ، وقد شرع لأمته أن يتزوجوا ، وحث الشباب على ذلك ، فلو كانت كل امرأة مشؤومة لكان في هذا إبطال لذلك كله .
وكذلك الخيل قد أخبر صلى الله عليه وسلم أنها تكون مباركة لصاحبها حين يراعي حق الله تعالى فيها ، فقال : ( الخيل لرجل أجر ، ولرجل ستر ، وعلى رجل وزر ، فأما الذي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله فأطال بها في مرج أو روضة فما أصابت في طيلها ذلك من المرج أو الروضة كانت له حسنات ، ولو أنه انقطع طيلها فاستنت شرفا أو شرفين كانت آثارها وأرواثها حسنات له ، ولو أنها مرت بنهر فشربت منه ولم يرد أن يسقي كان ذلك حسنات له ، فهي لذلك أجر ، ورجل ربطها تغنيا وتعففا ثم لم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها فهي لذلك ستر ، ورجل ربطها فخرا ورياء ونواء لأهل الإسلام فهي على ذلك وزر )[34] .
وقال عليه الصلاة والسلام : ( البركة في نواصي الخير )[35] .
فالمراد إذً ليس هو مطلق هؤلاء الثلاث ، وإنما ما قد يكون في ذلك من السوء مما يجعله شؤما ملازما لمن صاحبه .
ومما يدل على ذلك ما رواه سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من سعادة ابن آدم ثلاثة ، ومن شقوة بن آدم ثلاثة ، من سعادة بن آدم : المرأة الصالحة ، والمسكن الصالح ، والمركب الصالح ، ومن شقوة بن آدم : المرأة السوء ، والمسكن السوء ، والمركب السوء )[36] .
فالحديث دال دلالة صريحة على معنى الشؤم الذي يكون بهؤلاء الثلاث ، وأنه ليس من الرمي بالغيب كما هو حال الطيرة والشؤم المنهي عنه ، ولكنه سبب بيّن معلوم ، كما لو قلت : المعاصي شؤم على مرتكبها ، وسوء الخلق شؤم على صاحبه ، والابن العاق شؤم على والديه ... وهكذا .
فما دام أن الشؤم الذي قد يقع بهؤلاء الثلاث قد جاء مفسرا بما هو سبب ظاهر له فلا يكون من باب الطيرة التي كان عليها أهل الجاهلية ، والتي هي من القذف بالغيب ، وخوض المرء بما ليس له به علم ، ولا له عليه دليل من الوحي المنزل أو الأسباب القدرية التي جعلها الله تعالى سننا للعباد يربطون بها الأسباب بمسبَّباتها .
ولقد جاء عن بعض السلف تفسير ذلك الشؤم المذكور في هذه الثلاث ، فقد روى عبدالرزاق في مصنفه عن معمر : سمعت من يفسر هذا الحديث يقول : شؤم المرأة إذا كانت غير ولود ، وشؤم الفرس إذا لم يغز عليه ، وشؤم الدار جار السوء .[37]
قال الإمام ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ : ( وبالجملة فإخباره بالشؤم أنه يكون في هذه الثلاثة ليس فيه إثبات الطيرة التي نفاها ، وإنما غايته أن الله سبحانه قد يخلق منها أعيانا مشؤومة على من قاربها وسكنها ، وأعيانا مباركة لا يلحق من قاربها منها شؤم ولا شر ، وهذا كما يعطى سبحانه الوالدين ولدا مباركا يريان الخير على وجهه ، ويعطى غيرهما ولدا مشؤما نذلا يريان الشر على وجهه ، وكذلك ما يعطاه العبد من ولاية أو غيرها ، فكذلك الدار والمرأة والفرس ، والله سبحانه خالق الخير والشر ، والسعود والنحوس ، فيخلق بعض هذه الأعيان سعودا مباركة ويقضى سعادة من قارنها وحصول اليمن له والبركة ، ويخلق بعض ذلك نحوسا يتنحس بها من قارنها ، وكل ذلك بقضائه وقدره كما خلق سائر الأسباب وربطها بمسبباتها المتضادة والمختلفة ، فكما خلق المسك وغيره من حامل الأرواح الطيبة ولذذ بها من قارنها من الناس ، وخلق ضدها وجعلها سببا لإيذاء من قارنها من الناس ، والفرق بين هذين النوعين يدرك بالحس ، فكذلك في الديار والنساء والخيل ، فهذا لون والطيرة الشركية لون آخر )[38] .
قلت : وأظهر ما تقدم من جواب هو في الأول والثاني والسابع ، والله تعالى أعلم .
وبذا يصان الحديث عن الظنون الكاذبة التي يدعيها الأعداء ويقبلها الجهلاء .
والله ولي التوفيق .
-------------------------------------
[1]) رواه البخاري في الطب ـ باب لا عدوى ـ رقم 5772 ، ومسلم في السلام ـ باب الطيرة والفأل وما يكون فيه الشؤم ـ رقم 2225 عن ابن عمر رضي الله عنهما .
[2]) البخاري في النكاح ـ باب ما يتقى من شؤم المرأة ـ رقم 5093 ، ومسلم في السلام ـ باب الطيرة والفأل وما يكون فيه الشؤم ـ رقم 2225 عن ابن عمر رضي الله عنهما .
[3]) البخاري في النكاح ـ باب ما يتقى من شؤم المرأة ـ رقم 5094 ، ومسلم في السلام ـ باب الطيرة والفأل وما يكون فيه الشؤم ـ رقم 2225 عن ابن عمر رضي الله عنهما . .
[4]) مسلم في السلام ـ باب الطيرة والفأل وما يكون فيه الشؤم ـ رقم 2225 عن ابن عمر رضي الله عنهما .
[5]) مسلم في السلام ـ باب الطيرة والفأل وما يكون فيه الشؤم ـ رقم 2225 عن جابر رضي الله عنه .
[6]) مالك في الموطأ ـ كتاب الاستئذان ـ باب ما يتقى من الشؤم 2/972 ، وعبدالرزاق في المصنف 10/411 .
[7]) رواه أحمد في المسند 6/150 ، 240 ، والطحاوي في مشكل الآثار 1/341 .
[8]) رواه أحمد في المسند 6/246 ، والحاكم في المستدرك 2/521 وصححه ووافقه الذهبي . وصححه الألباني كما في سلسلة الأحاديث الصحيحة 2/594 .
[9]) رواه أبو داود الطيالسي في مسنده ص 215 ورقم 1537 ، والطبراني في مسند الشاميين 4/343 .
[10]) السلسلة الصحيحة 2/594
[11]) انظر : تقريب التهذيب لابن حجر ص 559 .
[12]) انظر : تهذيب التهذيب لابن حجر 9/367 .
[13]) تهذيب الآثار 3/27 رقم 70 .
[14]) مفتاح دار السعادة 2/254 .
[15]) فتح الباري 6/61 .
[16]) الإجابة فيما استدركته عائشة على الصحابة ص 128 .
[17]) رواه البخاري في الجهاد والسير ـ باب ما يذكر من شؤم الفرس ـ رقم 2859 ، ومسلم في السلام ـ باب الطيرة والفأل وما يكون فيه الشؤم ـ رقم 2226 .
[18]) رواه أحمد في المسند 1/180 ، وابن حبان في صحيحه 13/497 ، والطحاوي في شرح معاني الآثار 4/313 .
[19]) تقدم تخريجه ص
[20]) رواه ابن حبان في صحيحه 13/492 .
[21]) رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار 4/314 .
[22]) نهذيب الآثار 3/34 .
[23]) شرح معاني الآثار 4/314 .
[24]) سلسلة الآحاديث الصحيحة 443 .
[25]) نيل الأوطار 7/209 .
[26]) فتح الباري 6/72 ، وانظر مفتاح دار السعادة لابن القيم 2/256 .
[27] انظر : مختلف الحديث لابن قتيبة ص 104 وما بعدها .
[28]) المفهم 5/629 .
[29]) تقدم تخريجه ص
[30]) انظر : مفتاح دار السعادة 2/256 .
[31]) التمهيد 9/284 .
[32]) انظر : مفتاح دار السعادة 2/257 .
[33]) أعلام الحديث للخطابي 2/1379 .
[34]) رواه البخاري في المساقاة ـ باب شرب الناس والدواب من الأنهار ـ رقم 2371 ، ومسلم في الزكاة ـ باب إثم مانع الزكاة ـ رقم 987 عن أبي هريرة رضي الله عنه .
[35]) رواه البخاري في الجهاد والسير ـ باب الجهاد معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة ـ رقم 2851 ، ومسلم في الإمارة ـ باب الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة ـ رقم 1874 .
[36]) رواه أحمد في المسند 1/168 وأبو داود الطيالسي في مسنده ص 29 رقم 210 ، والحاكم في المستدرك 2/157 وصححه ووافقه الذهبي .
[37]) مصنف عبدالرزاق 10/411 .
[38]) مفتاح دار السعادة 2/257 .

حكم قراءة الفاتحة في استفتاح الدعاء أو اختتامه أو في قضاء الحوائج أو في بداية مجالس الصلح أو مجالس الفواتح او الزواج والخطبة او الرقية والتداوي وغير ذلك؟!

 قراءة الفاتحة في استفتاح الدعاء أو اختتامه أو في قضاء الحوائج أو في بداية مجالس الصلح أو مجالس الفواتح او الزواج والخطبة او الرقية والتداوي وغير ذلك من مهمات الناس هو أمر مشروع بعموم الأدلة الدالة على استحباب قراءة القرآن من جهة، وبالأدلة الشرعية المتكاثرة التي تدل على خصوصية الفاتحة في إنجاح المقاصد وقضاء الحوائج وتيسير الأمور من جهة أخرى.

فأما الأدلة العامة: فكقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾
وكقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه» رواه مسلم من حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه... إلى غير ذلك من النصوص المطلقة،
ومن المقرر في علم الأصول أن الأمر المطلق يقتضي العموم البدلي في الأشخاص والأحوال والأزمنة والأمكنة، وإذا شرع الله تعالى أمرا على جهة العموم أو الإطلاق فإنه يؤخذ على عمومه وسعته ولا يصح تخصيصه ولا تقييده بوجه دون وجه إلا بدليل، وإلا كان ذلك بابا من أبواب الابتداع في الدين بتضييق ما وسعه الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
كما أن فعل النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- لبعض أفراد العموم الشمولي أو البدلي ليس مخصصا للعموم ولا مقيدا للإطلاق طالما أنه -صلى الله عليه وآله وسلم- لم ينه عما عداه، وهذا هو الذي يعبر عنه الأصوليون بقولهم: "الترك ليس بحجة"؛ أي أن ترك النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- لأمر ما لا يدل على عدم جواز فعله، وهو أمر متفق عليه بين علماء المسلمين سلفا وخلفا،
حتى إن العلامة ابن تيمية الحنبلي رحمه الله -مع توسعه في مفهوم البدعة المذمومة- قد فهم هذا المعنى في تعبده؛ فكان يجعل الفاتحة وردا له، فقد نقل عنه تلميذه أبو حفص البزار في كتابه "الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية" (ص: 38، المكتب الإسلامي) أنه كان يقرأ الفاتحة ويكررها من بعد الفجر إلى ارتفاع الشمس، ولو كان الترك حجة لعد بفعله هذا مبتدعا مخالفا للسنة، ولكن لما كان أمر الذكر والقراءة على السعة، وكانت العبرة فيه حيث يجد المسلم قلبه، كان هذا الفعل جائزا شرعا.
هذا من جهة عموم كون الفاتحة قرآنا وذكرا مشروعا تلاوته على كل حال ما لم يرد نهي عن ذلك بخصوصه، كالنهي عن تلاوة القرآن حال الجنابة مثلا.
وأما من جهة خصوصها في إنجاح المقاصد وقضاء الحوائج وتيسير الأمور وإجابة الدعاء: فقد دلت الأدلة الشرعية على أن فيها من الخصوصية ما ليس في غيرها: فالله تعالى يقول: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ
والنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- يقول: «﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته» رواه البخاري
ويقول لجابر بن عبد الله رضي الله عنهما: «يا جابر، أخبرك بخير سورة نزلت في القرآن؟» قال: بلى يا رسول الله، قال: «فاتحة الكتاب»، قال راوي الحديث: وأحسبه قال: «فيها شفاء من كل داء» رواه البيهقي في شعب الإيمان.
ويقول عليه الصلاة والسلام: «أم القرآن عوض من غيرها، وليس غيرها منها عوض» رواه الدارقطني والحاكم
وقد جاء الشرع الشريف بمشروعية قراءة الفاتحة في كل ركعة من الصلاة المفروضة والمسنونة، وهي ركن للصلاة عند جماهير أهل العلم، كما جاء الشرع بمشروعية قراءتها في الصلاة على الجنازة دون غيرها من سائر القرآن.
وهذه الخصوصية للفاتحة هي التي حملت سيدنا أبا سعيد الخدري -رضي الله عنه- على الرقية بها دون أن يبتدئه النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- بالإذن أو يعهد إليه بشيء في خصوص الرقية بها وقراءتها على المرضى، فلما أخبر النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- بما فعل لم ينكر عليه ولم يجعل ما فعله من قبيل البدعة، بل استحسنه وصوبه وقال له: «وما يدريك أنها رقية» متفق عليه، وفي البخاري أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال لهم: «قد أصبتم».
وجاء عن الصحابة الحث على قراءة الفاتحة في بعض المواضع مع عدم ورود نص بخصوصه في ذلك؛ فروى ابن أبي شيبة في المصنف (7/ 98، ط. دار الفكر) عن أسماء بنت أبي بكر الصديق -رضي الله عنهما- قالت: "من قرأ بعد الجمعة فاتحة الكتاب وقل هو الله أحد وقل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس حفظ ما بينه وبين الجمعة".
كما أن في خصوص الاستفتاح بها تأسيا بالكتاب العزيز؛ فإنها ما سميت فاتحة إلا لأن القرآن فتح بها، وفاتحة الشيء أوله، وقراءتها في استفتاح الأمور طلب للهداية والمعونة من الله تعالى فيها.
وفي ذلك يقول العلامة ابن القيم الحنبلي -رحمه الله تعالى- في "زاد المعاد" (4/ 347- 348، مؤسسة الرسالة): "فاتحة الكتاب، وأم القرآن، والسبع المثاني، والشفاء التام، والدواء النافع، والرقية التامة، ومفتاح الغنى والفلاح، وحافظة القوة، ودافعة الهم والغم والخوف والحزن؛ لمن عرف مقدارها وأعطاها حقها وأحسن تنزيلها على دائه وعرف وجه الاستشفاء والتداوي بها والسر الذي لأجله كانت كذلك.
ولما وقع بعض الصحابة على ذلك رقى بها اللديغ فبرأ لوقته، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «وما أدراك أنها رقية».
وقد استدل العلماء على قراءة الفاتحة لقضاء الحوائج بحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- الذي رواه الإمام مسلم وغيره عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: «قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل؛ فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ]﴾،قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قال الله تعالى: أثنى علي عبدي، وإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ قال: مجدني عبدي -وقال مرة: فوض إلي عبدي-، فإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ:قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل».
وعلى ذلك جرى فعل السلف الصالح من غير نكير: فأخرج أبو الشيخ في "الثواب" عن عطاء -رحمه الله تعالى- أنه قال: "إذا أردت حاجة فاقرأ بفاتحة الكتاب حتى تختمها تقضى إن شاء الله".
قال العلامة ملا علي القاري في "الأسرار المرفوعة" (ص: 253،: "وهذا أصل لما تعارف الناس عليه من قراءة الفاتحة لقضاء الحاجات وحصول المهمات".
وهذا هو المعتمد عند أصحاب المذاهب المتبوعة: فنص الحنفية مثلا على استحسان قراءة الفاتحة على الطعام: قال العلامة الخادمي الحنفي في "بريقة محمودية" وهو يتحدث عن آداب الطعام (4/ 111،: "أما قراءة الفاتحة: فعن بعض العلماء عن شرح مختصر الإحياء لعلي القاري: وقول قراءة سورة الفاتحة المشتملة على التحميد والدعاء بالاستقامة كما هو المتعارف بين العامة مستحسن خلافا لمن منعه.
والمعتمد عندهم جواز قراءة الفاتحة في أدبار الصلوات المكتوبة: قال العلامة الخادمي في "بريقة محمودية" (1/ 98): "وأما قراءة الفاتحة أدبار المكتوبات فكثير فيها أقاويل الفقهاء: فعن "معراج الدراية" أنها بدعة، لكنها مستحسنة للعادة، ولا يجوز المنع، …..وفي "التتارخانية" و"القنية" و"الأشباه": الاشتغال بقراءة الفاتحة أولى من الأدعية المأثورة في أوقاتها، ومن الأوقات المأثورة: أدبار الصلوات؛ إذ ورد أدعية كثيرة أعقاب الصلوات عن سيد السادات عليه أفضل الصلوات وأكمل التحيات، وفي "فصول الأسروشني": وقراءة الفاتحة أولى من الأدعية المأثورة في أوقاتها.
والذي تحرر من هذه النقول: ترجيح جانب الجواز؛ لكثرة قائله،
ونص المالكية على جواز قراءتها عند الوداع في السفر: قال العلامة الصاوي في "حاشيته على الشرح الصغير" (1/ 487،: "وما يقع من قراءة الفاتحة عند الوداع فأنكره الشيخ عبد الرحمن التاجوري، وقال: إنه لم يرد في السنة، وقال الأجهوري: بل ورد فيها ما يدل لجوازه، وهو غير منكر".
وعند الشافعية: جاء في فتاوى العلامة الشهاب الرملي الشافعي (1/ 160- 161،: "(سئل) عن قراءة الفاتحة عقب الدعاء بعد الصلوات؛ هل لها أصل في السنة أم هي محدثة لم تعهد في الصدر الأول؟ وإذا قلتم محدثة: فهل هي حسنة أو قبيحة؟ وعلى تقدير الكراهة: هل يثاب قائلها أم لا؟ (فأجاب) بأن لقراءة الفاتحة عقب الدعاء بعد الصلوات أصلا في السنة، والمعنى فيه ظاهر، لكثرة فضائلها، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: «فاتحة الكتاب معلقة في العرش ليس بينها وبين الله حجاب».
وفيها من الصفات ما ليس في غيرها، حتى قالوا: إن جميع القرآن فيها، وهي خمس وعشرون كلمة تضمنت علوم القرآن؛ لاشتمالها على الثناء على الله عز وجل بأوصاف كماله وجماله، وعلى الأمر بالعبادات، والإخلاص فيها، والاعتراف بالعجز عن القيام بشيء منها إلا بإعانته تعالى، وعلى الابتهال إليه في الهداية إلى الصراط المستقيم، وعلى بيان عاقبة الجاحدين، ومن شرفها: أن الله تعالى قسمها بينه وبين عبده، ولا تصح القراءة في الصلاة إلا بها، ولا يلحق عمل بثوابها؛ وبهذا المعنى صارت أم القرآن العظيم، وأيضا فلكثرة أسمائها، وكثرة الأسماء تدل على شرف المسمى، ولأن من أسمائها: أنها سورة الدعاء، وسورة المناجاة، وسورة التفويض، وأنها الراقية، وأنها الشفاء، والشافية؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «إنها لكل داء»، وقالوا: إذا عللت أو شكيت فعليك بالفاتحة؛ فإنها تشفي".
وذكر العلامة ابن حجر الهيتمي الشافعي في "الفتاوى الفقهية الكبرى" (4/ 29، ط. المكتبة الإسلامية) أنه يستحب قراءة الفاتحة عند وقوع الطاعون؛ لأنها شفاء من كل داء.
وكذلك عند الحنابلة: فقد كان الإمام أحمد بن حنبل يستعمل كتابة الفاتحة في التمائم الشرعية، قال العلامة ابن مفلح الحنبلي في "الآداب الشرعية" (2/ 455،: "قال المروذي: شكت امرأة إلى أبي عبد الله أنها مستوحشة في بيت وحدها، فكتب لها رقعة بخطه: بسم الله، وفاتحة الكتاب، والمعوذتين، وآية الكرسي".
وهذا العلامة ابن القيم الحنبلي يستحسن قراءة الفاتحة للمفتي عند الإفتاء، وينقل ذلك عن بعض السلف، مع عدم ورود شيء من ذلك بخصوصه في السنة، فيقول في كتابه "إعلام الموقعين عن رب العالمين" (4/ 198،: "حقيق بالمفتي أن يكثر الدعاء بالحديث الصحيح «اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم»، وكان بعض السلف يقول عند الإفتاء: سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا؛ إنك أنت العليم الحكيم، وكان بعضهم يقرأ الفاتحة، وجربنا نحن ذلك فرأيناه أقوى أسباب الإصابة".
وعلى ذلك جرى عمل السلف والخلف حتى صنف الشيخ العلامة يوسف بن عبد الهادي الحنبلي الشهير بابن المبرد رسالة في ذلك سماها "الاستعانة بالفاتحة على نجاح الأمور" نقل فيها كلام العلامة ابن القيم السابق إيراده من كتابه "زاد المعاد"، ثم يقول معقبا عليه: "وهو كلام عظيم، ولكنه من فضلها كغمسة عصفور منقره في البحر أو قطرة شربها منه، وقد كان شيخنا أبو الفرج بن الحبال في كثرة استعمالها لقضاء الحوائج ونجاح أمرها على أمر عظيم؛ بحيث إنه إذا كتب لأحد حرزا كتبها أولا، ثم قرأ عليه، ثم قرأها عند طيه، وكان إذا كتب لأحد رسالة قرأها عليها.
وقد شاهدت أنا من نجاح الأمور بها أمرا عظيما؛ فقل حاجة من الحوائج تعرض لي -من الحوائج الدنيوية والأخروية- فأقرؤها عليها إلا قضيت ونجح أمرها، وكم من حاجة تعسرت، واستدت طرقها، وحال دونها الموانع، فقرأتها لنجاحها فقضيت وعادت أتم ما كانت، وكم من أمر تعسر فقرأتها له فتقشعت غيومه، وزالت سحبه، وأنارت شموسه، وهي سورة عظيمة؛ فعليك -رحمك الله- بالإكثار منها على أمورك وحوائجك وأدوائك ومهماتك وكل ما عرض لك، وتأمل ذلك تجد منه ما يظهر لك.
وأما الآراء المخالفة لما عليه عمل الأمة سلفا وخلفا والتي تظهر بين الناس بين الفينة والفينة لتضيق عليهم المجال في ذكر الله تعالى في بيوتهم ومجالسهم ومنتدياتهم وتجمعاتهم فما هي في الحقيقة إلا مشارب بدعة، ومسالك ضلالة -بغض النظر عن نوايا منتحليها-؛ لأن الدعوة إلى القضاء على أعراف المسلمين التي بنتها الحضارة الإسلامية على مر الزمان وشكلتها في سلوكياتهم وعاداتهم وتقاليدهم -انطلاقا من كون الشرع الشريف هو محور حياتهم- هو أمر خطير، غفل الداعون إليه أو تغافلوا عن أنه سيؤدي بهم في النهاية إلى فقد المظاهر الدينية من المحافل العامة، واستبعاد ذكر الله تعالى من الحياة الاجتماعية ومنظومة الحضارة، وهو عين ما يدعو إليه الملاحدة والماديون من البشر.
فليتق الله أولئك الذين يهرفون بما لا يعرفون، وليتركوا الفتوى لأهلها الذين يدركون مرارة الواقع، ويعقلون مآلات الأحكام.