الخميس، 22 أكتوبر 2026

أدعياء السلفية ومنهج التجريح… لماذا صار التحذير من الدعاة أهم من نصرة الدين؟

 

السلفية المدخلية… حين يتحوّل التحذير من الأخطاء إلى مشروع لهدم الدعاة وتمزيق الصف الإسلامي

#نافذة_للوعي | قراءة نقدية في التجريح والتصنيف واختلال الأولويات

ليس كل من رفع شعار السلفية قد أحسن فهم منهج السلف، وليس كل من أكثر من التحذير من المخالفين صار بذلك حارسًا على العقيدة والسنة؛ فالعبرة ليست بالشعارات التي يرفعها الإنسان، وإنما بصحة علمه، وعدله في أحكامه، والتزامه بأخلاق الإسلام في خلافه مع الآخرين.

ومن أخطر ما يمكن أن يصيب العمل الإسلامي أن يتحول الخلاف العلمي من مجال للنقاش والاجتهاد إلى معركة مفتوحة لتصنيف الدعاة، وتتبع عثراتهم، وإسقاط مكانتهم، وتحذير الناس منهم؛ حتى يصبح السؤال عن الأشخاص أهم من السؤال عن الأدلة، ويصبح الموقف من شيخ معين معيارًا للحكم على سلفية الإنسان واستقامته.

وهنا يحق لنا أن نتساءل:

هل الغاية من الدعوة إلى الله هداية الناس وبناء الوعي الديني، أم الانشغال الدائم بتصنيف الدعاة والتحذير منهم؟

أولًا: حين يتحوّل الجرح العلمي إلى سلاح للتشهير

لا خلاف في أن نقد الأخطاء العلمية، والتحذير من الانحرافات الحقيقية، وبيان مخالفة الأقوال للأدلة الشرعية، أمور قد تكون واجبة أو مشروعة بحسب الحال.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتجاوز النقد حدوده، فيتحول من مناقشة الأقوال إلى الطعن في الأشخاص، ومن تصحيح الخطأ إلى إسقاط صاحبه، ومن التحذير المنضبط إلى حملة مستمرة لتشويه الدعاة والمصلحين.

فتجد بعض الخطابات لا تكاد تذكر داعية إلا مقرونًا بأوصاف مثل: مبتدع، أو ضال، أو مميع، أو منحرف عن المنهج؛ وقد تتسع دائرة الاتهام حتى تشمل من يخالف رأيًا اجتهاديًا، أو يتبنى وسيلة مختلفة في الدعوة والإصلاح.

والأخطر من ذلك أن بعض العبارات المجملة، مثل: «ليس على منهج السلف»، قد تُستخدم أحيانًا وكأنها حكم نهائي بإخراج المخالف من أهل السنة، دون بيان دقيق للمخالفة، أو تحرير لمحل النزاع، أو مراعاة للفروق بين الخطأ والاجتهاد والبدعة المكفّرة وغير المكفّرة.

إن نقد القول لا يستلزم إسقاط قائله، والخطأ في مسألة لا يعني سقوط كل ما عند صاحبه من علم وفضل.

فالعدل يقتضي أن نزن الأقوال بالأدلة، وأن نميز بين الخطأ العارض والمنهج المنحرف، وألا نجعل الخلاف في المسائل الاجتهادية بابًا للطعن في الدين والاستقامة.

ثانيًا: هل أصبح تتبّع العثرات أهم من تحصيل العلم؟

من المؤشرات المقلقة في بعض البيئات الدعوية أن يقضي طالب العلم وقتًا طويلًا في جمع أخطاء العلماء والدعاة، وتسجيل مقاطعهم، وتتبع عباراتهم، والبحث عن زلاتهم؛ بينما لا يحظى تحصيل العلم الشرعي، وفهم القرآن والسنة، ودراسة أصول الفقه، وتعلم آداب الخلاف، بالعناية نفسها.

وقد يصبح السؤال المتكرر:

من أخطأ؟ ومن تراجع؟ ومن حُذِّر منه؟ ومن يجوز الاستماع إليه؟

أكثر حضورًا من الأسئلة التي ينبغي أن تشغل طالب العلم:

ما الدليل؟ وما وجه الاستدلال؟ وما أقوال العلماء في المسألة؟ وكيف نفهم النصوص في ضوء قواعد العلم وأصوله؟

ولا يعني ذلك أن دراسة أخطاء الدعاة ممنوعة، أو أن كل تحذير منهم باطل؛ وإنما المقصود أن تتحول هذه الممارسة إلى هاجس دائم يستهلك طاقة الشباب، ويصرفهم عن العلم والعمل والإصلاح.

وقد يخرج المرء من سنوات طويلة في هذا المناخ وهو يعرف أسماء المختلفين، وقوائم المحذَّر منهم، وتفاصيل الخصومات الدعوية، لكنه لم يكتسب من العلم ما يؤهله لفهم كثير من المسائل التي يخوض فيها.

فما قيمة أن يتعلم الشاب كيف يجرّح الآخرين قبل أن يتعلم كيف يفهم الأدلة، ويضبط لسانه، ويعرف مراتب الخلاف؟

ثالثًا: بين النصيحة والفضيحة

النصيحة عبادة عظيمة، وهي من حقوق المسلمين بعضهم على بعض، لكن النصيحة ليست مجرد ادعاء حسن القصد؛ بل تحتاج إلى علم، وعدل، وحكمة، ومعرفة بالمصلحة والمفسدة.

فليس كل خطأ يستوجب التشهير، وليس كل خلاف يستدعي التحذير العام، وليس كل زلة تبرر إسقاط تاريخ طويل من العمل والعلم.

وقد يكون الواجب أن يُنصح المخطئ سرًا، أو أن تُناقش المسألة في إطارها العلمي، أو أن يُبيَّن الخطأ للناس عند الحاجة، مع حفظ حق صاحبه وعدم تحميل كلامه ما لا يحتمل.

وفي المقابل، لا يجوز أن نجعل الدعوة إلى الرفق ذريعة إلى كتمان الحق، أو تعطيل النقد العلمي، أو منع التحذير من الأخطاء التي يترتب عليها ضرر حقيقي.

فالمنهج العادل لا يقدّس الأشخاص، ولا يطعن فيهم بلا حق.

قال الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾.

والقسط مطلوب مع الموافق والمخالف، ومع من نحب ومن نكره.

أما أن نبحث عن أخطاء المخالف، ونضخمها، ونتجاهل محاسنه، ثم نبحث عن الأعذار للموافق ولو وقع في الخطأ نفسه؛ فذلك ميزان مختل لا ينسجم مع العدل الذي أمر الله به.

رابعًا: ازدواجية المعايير في التعامل مع العلماء والدعاة

من المشكلات التي تستحق التأمل أن تتحول مواقف بعض الأشخاص من العلماء إلى معايير متغيرة بحسب موافقة العالم لهم أو مخالفته.

فإذا وافقت فتوى عالم رأيهم، احتجوا بمكانته، وأكدوا وجوب الرجوع إلى العلماء.

فإذا خالفت فتواه موقفهم في مسألة اجتهادية، بدأ التشكيك في فهمها، أو في تنزيلها على الواقع، أو في ملابساتها، وقد تُطرح أقوال أخرى لتجاوز دلالتها.

ولا شك أن الفتاوى تختلف باختلاف الأدلة والوقائع، وأن من حق أهل العلم مناقشة اجتهادات بعضهم بعضًا؛ لكن الإشكال هو غياب المعيار الثابت في قبول الأقوال وردها.

فإذا كان الدليل هو المعيار، فلماذا يتغير الميزان بتغير اسم القائل وموقفه؟

وإذا كان العالم يُصيب ويُخطئ، فلماذا يُطلب من الناس التسليم لاجتهاده حين يوافق رأيًا معينًا، ثم يُمنعون من الاستفادة من اجتهاده حين يخالفه؟

إن احترام العلماء لا يعني تعطيل النظر في الأدلة، كما أن مناقشة اجتهاداتهم لا تبيح الانتقاص منهم.

والمنهج العلمي يقتضي أن نناقش القول بحجته، لا أن نجعل مكانة قائله أو موقعه من الخصومات معيارًا وحيدًا للحكم عليه.

خامسًا: امتحان الناس بالأشخاص وتمزيق الصف الإسلامي

من أخطر صور الغلو في التصنيف أن يُمتحن طالب العلم بموقفه من داعية أو عالم معين، ثم يُحكم عليه بالانحراف لمجرد أنه لم يوافق حكمًا صدر في ذلك الشخص.

فبدل أن يكون السؤال: هل هذا القول صحيح أم خاطئ؟ يصبح السؤال: هل أنت معنا أم مع فلان؟

وبدل أن يُناقش الدليل، يُختبر الولاء.

وبدل أن يبقى الخلاف في حدوده العلمية، يتحول إلى خصومة اجتماعية، وقطيعة، وهجر، وتبادل للاتهامات.

وقد يؤدي ذلك إلى نشوء جماعات صغيرة داخل الجماعة الواحدة، لكل منها قائمة بأسماء المقبولين والمرفوضين، ولكل منها معيار خاص في الحكم على الآخرين.

ولا يعني هذا أن كل موقف من عالم أو داعية يجب أن يكون واحدًا، أو أن الخلاف في تقويم الأشخاص غير معتبر؛ وإنما يعني أن الخلاف لا ينبغي أن يتحول إلى امتحان شامل للدين والاستقامة، ولا أن تُجعل المحبة والموالاة والمعاداة قائمة على كل اجتهاد أو حكم بشري.

وقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، في مجموع الفتاوى (28/15-16)، النهي عن أن يحزّب المعلمون الناس ويفرقوهم بما يلقي بينهم العداوة والبغضاء، والدعوة إلى أن يكونوا إخوة متعاونين على البر والتقوى.

وهذه قاعدة جديرة بالتأمل في واقع الدعوة اليوم.

سادسًا: الهجر والتبديع ليسا وسيلتين مفتوحتين بلا ضوابط

الهجر له أحكامه الشرعية، وقد يُشرع في بعض الأحوال لتحقيق مصلحة معتبرة، لكنه ليس غاية في ذاته، ولا وسيلة تصلح لكل شخص وكل خطأ وكل زمان.

فالحكم على شخص بالبدعة، ثم ترتيب أحكام الهجر والتحذير عليه، يحتاج إلى علم بالمخالفة، وتحقق من نسبتها، وفهم لطبيعتها، ومراعاة للآثار المترتبة على ذلك.

كما أن مسائل البدعة ليست على درجة واحدة، وليست كل مخالفة في مسألة اجتهادية دليلًا على انحراف صاحبها عن أصول أهل السنة.

وقد يكون الشخص مخطئًا في قول، أو متأولًا، أو ناقلًا لاجتهاد معتبر، أو واقعًا في مخالفة تحتاج إلى بيان؛ ولا يلزم من ذلك أن تُهدر جميع حسناته، أو يُمنع الناس من الانتفاع بعلمه النافع.

ومن المهم هنا التفريق بين نقد الخطأ وبين الحكم على المعيّن، وبين بيان مخالفة قول لأصل شرعي وبين إصدار حكم شامل على صاحبه.

فليس كل من أخطأ في مسألة مبتدعًا، وليس كل من وُصف بالبدعة يستحق الهجر في كل حال.

إنما تُبحث هذه المسائل بأدلتها وضوابطها، مع مراعاة المصالح والمفاسد، لا بالأهواء والخصومات.

سابعًا: لماذا يُختزل الدين أحيانًا في أخطاء الدعاة؟

الأمة الإسلامية تواجه تحديات متعددة: الجهل، والفساد، والظلم، وضعف التعليم، والتخلف العلمي، ومشكلات الاقتصاد، والتحديات الفكرية والثقافية، وما يتعرض له المسلمون في بلدان مختلفة من حروب واضطهاد.

ومع ذلك، قد يطغى في بعض الخطابات الدعوية الاشتغال بأخطاء الدعاة والمخالفين على بقية هذه القضايا، حتى يبدو كأن إصلاح الساحة الإسلامية يبدأ وينتهي عند تصنيف الأشخاص والتحذير منهم.

ولا يصح أن نُسقط من حسابنا أهمية تصحيح الأخطاء العقدية والمنهجية؛ فذلك جزء من الإصلاح. لكن لا يصح أيضًا أن تتحول هذه المهمة إلى ذريعة لإهمال سائر الواجبات.

فالدعوة إلى الله تشمل التعليم والتزكية والإصلاح، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومقاومة الظلم بالوسائل المشروعة، وخدمة المجتمع، وبناء الوعي، وحماية الناس من الفساد والانحراف.

ومن هنا ينبغي أن نسأل:

هل تُمنح الأخطاء الاجتهادية للدعاة حجمًا أكبر من حجمها، بينما تُهمَل قضايا أشد أثرًا في حياة الناس؟ وهل يُنفق من الجهد والوقت في تتبع الخلافات ما كان يمكن أن يُنفق في التعليم والإصلاح والعمل النافع؟

إن ترتيب الأولويات من فقه الدعوة، وليس من الحكمة أن تتحول كل مسألة خلافية إلى معركة تستنزف الطاقات وتبدد الجهود.

ثامنًا: طاعة الحكام لا تعني تعطيل النصيحة والأمر بالمعروف

ومن القضايا التي تحتاج إلى خطاب متوازن مسألة العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وحدود الطاعة، وواجب النصيحة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

فالسمع والطاعة في المعروف أصل شرعي، كما أن النصيحة، والعدل، ورفض الظلم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصول معتبرة كذلك.

ولا يصح أن يُعرض جانب من هذه الأصول وكأنه يمثل الدين كله، مع إغفال بقية الجوانب.

فالنصيحة للحاكم لا تعني الخروج عليه، كما أن تجنب الفتنة لا يعني أن يصبح الظلم أمرًا لا يُنكر، أو أن تُعطّل النصوص المتعلقة بالعدل والمسؤولية.

ويجب التفريق بين الإنكار المشروع والوسائل المحرمة، وبين الإصلاح المنضبط والتحريض الذي يفضي إلى مفسدة أكبر، كما يجب التفريق بين الخطأ في بعض الأحكام والسياسات وبين المسائل التي يترتب عليها حكم شرعي مختلف.

أما إطلاق أحكام عامة في التكفير أو التبديع على الحكام أو غيرهم، فليس أمرًا يُترك للانفعال أو الخصومة؛ بل له ضوابط وشروط وموانع، ولا يجوز التساهل فيه.

فالمنهج المتوازن لا يجعل الطاعة ذريعة إلى إسكات النصيحة، ولا يجعل الإنكار ذريعة إلى الفوضى والاعتداء.

تاسعًا: لا تجعلوا الخلاف مع الدعاة معركة مع الدين

من الأخطاء المنهجية أن يُرفض قول لمجرد أن جماعة أو داعية يخالفه يقول به، أو أن يُقبل قول لمجرد أن الخصوم يرفضونه.

فالحق لا يُعرف بمجرد أسماء أصحابه، والباطل لا يصير حقًا لأن مخالفًا أخطأ في إنكاره.

وإذا كان قول ما صحيحًا، فلا ينبغي رده لأن شخصًا غير محبوب قال به؛ وإذا كان خاطئًا، فلا ينبغي قبوله لأن صاحبه ينتمي إلى الجماعة التي ننتسب إليها.

وهذه قاعدة يحتاج إليها الجميع، لا تيار واحد فقط.

كما أن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن بعض الانتقادات قد تكون صحيحة، وأن بعض التحذيرات قد تكون واجبة، وأن بعض الدعاة قد يقعون في أخطاء مؤثرة. لكن ذلك كله لا يبرر تحويل النقد إلى خصومة دائمة، ولا إهدار الحسنات، ولا الحكم على النيات بلا بينة.

فالمعيار هو الدليل والعدل، لا المحبة المطلقة ولا العداوة المطلقة.

عاشرًا: ما طريق السلامة من فتنة التجريح والتصنيف؟

إذا أردنا أن نستعيد روح العلم والإصلاح في العمل الإسلامي، فلا بد من مراجعة مجموعة من الممارسات:

1. الاشتغال بالعلم قبل الاشتغال بالرجال.

على طالب العلم أن يعطي القرآن والسنة والفقه وأصول الاستدلال وآداب الاختلاف الأولوية التي تستحقها، وألا يجعل تتبع الخلافات شغله الأكبر.

2. التفريق بين الخطأ وصاحبه.

يُبيَّن الخطأ بدليله، ويُنصح صاحبه بما يناسب حاله، ولا تُهدر حسناته لمجرد مخالفة في مسألة أو اجتهاد.

3. التثبت قبل نقل الاتهامات.

لا يجوز بناء الأحكام على مقاطع مبتورة، أو عبارات محتملة، أو أخبار غير موثوقة. بل يجب الرجوع إلى الكلام في سياقه، وفهم مراد صاحبه، والتحقق من صحة النسبة.

4. رفض امتحان الناس بالولاء للأشخاص.

لا ينبغي أن يصبح موقف المرء من داعية معين معيارًا وحيدًا للحكم على دينه أو استقامته، ولا أن تُبنى الخصومات على مجرد عدم موافقة حكم اجتهادي.

5. مراعاة ضوابط النقد والهجر.

يجب أن يقوم النقد على العلم والعدل، وأن تُراعى المصالح والمفاسد، وألا يُستعمل الهجر أداة لتصفية الحسابات أو تفريق المسلمين.

6. ترتيب الأولويات الدعوية.

لا بد من توجيه الجهد إلى التعليم، والتربية، والإصلاح، وخدمة المجتمع، ومقاومة الفساد، ومعالجة المشكلات الحقيقية، من غير إهمال للنقد العلمي حين تدعو إليه الحاجة.

7. العدل مع الموافق والمخالف.

من الإنصاف أن نذكر المحاسن كما نذكر الأخطاء، وأن نقبل الحق ممن جاء به، وأن نرفض الباطل ولو صدر ممن نحب.


الخلاصة: السلفية ليست شعارًا يُحتكر، ولا خصومةً لا تنتهي

إن الانتساب إلى السلف لا يُثبت بمجرد كثرة التحذير من المخالفين، ولا بقياس الناس على المواقف من الأسماء والأشخاص، وإنما يُختبر صدق المنهج بالعلم، والعدل، والاتباع، وحسن الخلق، والإنصاف في الخلاف.

ومن حق العلماء والدعاة أن يُنقدوا، بل قد يكون النقد واجبًا في بعض الأحوال؛ لكن من حقهم أيضًا ألا يُظلموا، وألا تُشوَّه أقوالهم، وألا تتحول أخطاؤهم إلى وسيلة لإسقاط كل ما قدموه من خير.

وليس من نصرة السنة أن نغلق أبواب الانتفاع بالعلماء والدعاة بسبب خلافات اجتهادية، ولا من تعظيم الحق أن نجعل آراءنا الخاصة ميزانًا وحيدًا للحكم على الناس.

إن الأمة بحاجة إلى علماء يعلّمون، ودعاة يصلحون، وطلاب علم يطلبون الحق بتواضع، وناصحين يجمعون بين الصراحة والحكمة، وبين الغيرة على الدين والعدل مع المسلمين.

فإذا تحول التحذير إلى غاية، والتصنيف إلى هوية، والهجر إلى سلاح دائم، والخصومة إلى بديل عن العلم والعمل؛ فقدنا شيئًا من مقاصد الدعوة التي نرفع شعارها.

فلنراجع مناهجنا، ولنزن أقوالنا وأحكامنا بميزان العلم والعدل، ولنحذر من أن نُنشغل بهدم بعضنا عن بناء ما ينفع المسلمين.

قال الله تعالى:

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾.

فالعدل مع المخالف ليس تنازلًا عن الحق، والإنصاف مع الدعاة ليس تزكيةً لأخطائهم، والنقد العلمي ليس حربًا على الأشخاص.

إنما هي قواعد لا يستقيم الإصلاح إلا بها.

#نافذة_للوعي

ملاحظة تحريرية: هذا المقال نقدٌ لممارسات وخطابات منسوبة إلى التيار المدخلي، وليس حكمًا على كل من ينتسب إلى السلفية، كما أن المسائل العقدية والسياسية الواردة فيه تحتاج، عند التفصيل، إلى بحث مستقل وتوثيق لأدلتها ونقولها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق