آفة السلفية المدخلية:
رواية بلا فقه، وجرأة على الفتوى بلا تأهُّل!
📌 حين تتحول معرفة بعض الأحاديث إلى جرأة على تخطئة الأئمة، وإصدار الأحكام دون استيعاب فقه الخلاف وأصول الاستنباط!
🔴 مقدمة: حين يتصدر غير المؤهلين للفتوى
بين الحين والآخر، يتواصل معي بعض الأصدقاء ليسألوا عن أحكام فقهية سمعوها من أشخاص يتصدَّرون للعلم، ويقدِّمون أنفسهم باعتبارهم من أهل الحديث أو من أهل السنة والسلفية والأثر.
وحين أراجع بعض تلك الفتاوى، أجد أن المسألة قد تكون من مسائل الخلاف الفقهي المعتبر، أو أن الحكم المنقول قد أغفل أقوالًا أخرى للعلماء، أو أن صاحبه لم يُحسن فهم النصوص والجمع بينها.
والأخطر من ذلك أن بعض هذه المسائل لا تقف عند حدود الاختلاف في الرأي؛ بل تتحول إلى اتهام المخالف بالجهل أو البدعة أو الضلال، وقد يصل الأمر إلى التكفير، مع أن المسألة قد تكون اجتهادية، ولها تفصيلها وأقوال أهل العلم فيها!
وهنا يبرز السؤال:
كيف يتجرأ بعض المتصدرين على تخطئة الأئمة والفقهاء، وربما الطعن في دين المخالف، دون أن يستوعبوا المسألة، أو يعرفوا أدلتها، أو يحيطوا بمناهج العلماء في الاستنباط؟
إن من أبرز المشكلات التي ينبغي نقدها في بعض الخطابات المدخلية، حين تظهر فيها هذه الممارسة، اختزال العلم الشرعي في معرفة بعض النصوص والروايات، ثم التعامل مع الفهم الشخصي لها وكأنه القول الوحيد الذي لا تجوز مخالفته!
ولكي تتضح خطورة هذا المسلك، فلننظر إلى موقف أئمة الحديث أنفسهم من العلاقة بين الرواية والفقه.
📚 أولًا: ابن وهب يعترف بفضل مالك والليث
أورد القاضي عياض في كتابه ترتيب المدارك خبرًا عن عبد الله بن وهب، أحد كبار أصحاب الإمام مالك ومن أئمة الحديث والفقه، أنه قال:
«لولا أن الله أنقذني بمالك والليث لضللت».
فقيل له: كيف ذلك؟
فذكر أنه أكثر من الحديث حتى تحيَّر، فكان يعرض ما عنده على الإمام مالك والليث، فيبيِّنان له ما يُؤخذ به وما يُترك.
تأملوا هذه الدلالة!
إن ابن وهب لم يكن رجلًا جاهلًا بالحديث، بل كان من كبار المشتغلين به، ومع ذلك أدرك أن كثرة الروايات لا تعني بالضرورة القدرة على استنباط الأحكام منها، وأن الفقيه قد يملك من أدوات الفهم والترجيح ما يحتاج إليه المحدث.
فقد يرد الحديث في مسألة، وترد أحاديث أخرى تتصل بها، ويكون بينها تخصيص أو تقييد أو تعارض ظاهري يحتاج إلى الجمع والترجيح، أو يكون في المسألة إجماع أو خلاف أو قرائن لا تظهر لمن اكتفى بقراءة نص منفرد.
فإذا كان هذا شأن أحد كبار المحدثين مع أئمة الفقه، فكيف بمن يقرأ بعض الأحاديث، ثم يتصدر للفتوى، ويخطِّئ الأئمة، وربما يبدِّع المخالفين؟!
إن العبرة ليست بكثرة ما تحفظ، بل بما تفهم، وبقدرتك على توظيف علمك في موضعه الصحيح.
⚖️ ثانيًا: رواية الحديث ليست هي فقه الحديث
من الضروري أن نميّز بين علم الرواية وعلم الدراية والاستنباط.
فعلم الحديث يبحث في ثبوت الروايات وأسانيدها ورجالها وعللها، أما استنباط الأحكام فيحتاج، إلى جانب معرفة النصوص، إلى أدوات أخرى؛ منها أصول الفقه، ودلالات الألفاظ، والجمع بين الأدلة، ومعرفة العام والخاص، والمطلق والمقيّد، والناسخ والمنسوخ، ومراتب الأدلة ووجوه الترجيح.
وهذه العلوم متكاملة، وليست متعارضة.
فقد يصح الحديث من جهة الإسناد، لكن لا يصح أن يُستدل به على حكم معين بالطريقة التي يتصورها بعض الناس؛ لأن دلالته قد تكون مخصوصة، أو مقيّدة، أو متعلقة بسياق معين، أو لأن هناك أدلة أخرى يجب النظر فيها قبل إصدار الحكم.
وقد يظن القارئ أن حديثًا ما يعارض حديثًا آخر، بينما يتمكن العالم من الجمع بينهما، فيعمل بهما معًا، بدل أن يرد أحدهما أو يهمل دلالته.
وهنا تظهر قيمة الفقه وأصوله.
فليس كل من عرف الحديث عرف حكمه، وليس كل من استحضر الدليل أحسن الاستدلال به.
ولا يعني هذا أن المحدث لا يكون فقيهًا، أو أن الفقيه مقدم دائمًا على المحدث؛ فكثير من أئمة الإسلام جمعوا بين العلم بالحديث والفقه، وإنما المقصود أن لكل عملية علمية أدواتها، وأن الانتساب إلى علم من العلوم لا يمنح صاحبه تلقائيًا أهلية جميع التخصصات.
🩺 ثالثًا: الفقهاء أطباء والمحدثون صيادلة
من العبارات المشهورة في التراث العلمي تشبيه الفقهاء بالأطباء، والمحدثين بالصيادلة؛ وهو تشبيه يراد به بيان تكامل الوظائف العلمية، لا الانتقاص من منزلة أهل الحديث.
وقد أورد ابن حبان في كتابه الثقات خبرًا يُنسب إلى الأعمش، أحد كبار المحدثين، في حواره مع الإمام أبي حنيفة.
ومما يُروى في هذا السياق أن الأعمش كان يسأل أبا حنيفة عن بعض المسائل، فإذا أجابه سأله عن مستنده، فيذكر له أبو حنيفة الحديث الذي رواه الأعمش نفسه، فيقول الأعمش، بحسب الرواية المشهورة:
«أنتم يا معشر الفقهاء الأطباء، ونحن الصيادلة».
ومعنى التشبيه أن الصيدلي قد يعرف الأدوية وخصائصها، لكن الطبيب يحتاج إلى تشخيص الحالة، ومعرفة أسباب المرض، واختيار العلاج المناسب.
وكذلك قد يحفظ المحدث الروايات ويميز أسانيدها، لكن استنباط الأحكام منها يحتاج إلى معرفة بوجوه الدلالة، ومجموع الأدلة، ومناهج العلماء في الترجيح.
وقد ورد عن الإمام أحمد بن حنبل كلام في المعنى نفسه، مع الإشادة بالإمام الشافعي، ونُقل في كتب التراجم، ومنها تاريخ دمشق لابن عساكر.
والمغزى من هذه الأخبار ليس أن المحدثين عاجزون عن الفقه، بل أن العلم الشرعي يتكامل بتكامل أدواته.
فما أحوجنا إلى من يجمع بين صحة الرواية ودقة الدراية، بدل أن يجعل أحدهما ذريعة للطعن في الآخر!
🚨 رابعًا: آفة بعض المتصدرين في الخطاب المدخلي
من المشكلات التي تستحق النقد في بعض الخطابات المدخلية المعاصرة، كما في غيرها من الخطابات المتشددة، التعامل مع المسائل الفقهية وكأنها لا تحتمل إلا قولًا واحدًا، ثم تصوير المخالف وكأنه خالف السنة عمدًا أو قدَّم رأيه على حديث رسول الله ﷺ.
فإذا عرضت مسألة خلافية، بحث بعضهم عن حديث يستدل به لرأيه، ثم ظن أن مجرد العثور على الحديث قد حسم النزاع، من غير أن يبحث في بقية الأدلة، أو يعرف كيف فهمه الأئمة، أو يدرس أسباب اختلافهم في المسألة.
ثم ينتقل من ترجيح قول فقهي إلى اتهام المخالف، ومن مناقشة الدليل إلى الطعن في المنهج، وربما إلى التبديع والتضليل!
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.
فليس كل خلاف فقهي خلافًا في اتباع السنة، وليس كل من خالف ما ترجح عندك قد خالف الحديث عمدًا، كما أن الاستشهاد بحديث صحيح لا يجعل كل استدلال به صحيحًا بالضرورة.
إن من حق طالب العلم أن يناقش أقوال الأئمة، وأن يرجح بالدليل، وأن يخالف اجتهادًا فقهيًا إذا ظهر له ما يقتضي ذلك؛ لكن ليس من حقه أن يجعل قصور معرفته حجة على الأئمة، أو أن يحوّل كل خلاف إلى معركة تصنيف وتبديع.
والأخطر أن يتحول ضعف التفقه إلى ثقة مفرطة بالنفس، ثم تتحول هذه الثقة إلى أحكام قاسية على المخالفين!
فالعلم يورث صاحبه التواضع والتثبت، لا الجرأة على الناس بغير بينة.
📖 خامسًا: قصة المرأة التي سألت عن غسل الميت
من القصص التي تُذكر في هذا الباب ما أورده الرامهرمزي في المحدّث الفاصل، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد، في خبر امرأة كانت تعمل في غسل الموتى.
وتذكر الحكاية أن المرأة مرّت بمجلس اجتمع فيه يحيى بن معين وأبو خيثمة وخلف بن سالم وجماعة من أهل الحديث، فسمعتهم يتذاكرون الروايات والأسانيد.
فسألتهم عن حكم غسل المرأة الحائض للميت، فلم يجبها أحد في ذلك المجلس.
ثم أُشير عليها بسؤال الفقيه أبي ثور، فلما سألته أجابها بالجواز، وذكر ما استدل به من الأخبار، ومنها ما يتعلق بقول عائشة رضي الله عنها إنها كانت تفرّق رأس رسول الله ﷺ بالماء وهي حائض.
ثم استدل بالمعنى، موضحًا أن الحيض لا يمنع المرأة من مباشرة الماء بيدها، وأن المسألة تحتاج إلى فهم الدليل لا مجرد حفظ الروايات.
وفي ختام الحكاية، يُنقل عن المرأة أنها قالت لهم:
«فأين كنتم إلى الآن؟»
إن هذه القصة، بصرف النظر عن تفاصيلها ودرجة ثبوت ألفاظها، تُروى للدلالة على الفرق بين معرفة الروايات والقدرة على توظيفها في الإجابة عن سؤال فقهي عملي.
فقد يعرف الإنسان أسانيد كثيرة، لكنه يحتاج إلى الفقه حتى يحسن فهم السؤال، وتحرير محل النزاع، واستنباط الحكم المناسب.
ولذلك ينبغي التثبت من أصل الرواية وألفاظها قبل الاحتجاج بها، وألا نجعل حكاية منقولة وحدها أساسًا لتعميم الأحكام على أهل الحديث أو غيرهم.
فالمقصود ليس المفاضلة المطلقة بين المحدث والفقيه، وإنما بيان أن العلم لا يكتمل إلا بفهم النصوص وحسن الاستدلال بها.
🧭 سادسًا: هل يكفي أن تقول: قال رسول الله ﷺ؟
تُتداول حكاية أخرى في هذا المعنى، يُسأل فيها أحد أهل العلم: هل تريدين الجواب بحديث النبي ﷺ أم برأي الإمام مالك؟
فتجيبه المرأة بما معناه: أريد حديث النبي ﷺ، ولكن بفهم الإمام مالك، لا بفهمك أنت؛ لأن الإمام مالكًا كان أعلم منك بوجوه الاستدلال.
وهذه الحكاية، بصرف النظر عن ثبوت نسبتها، تعبّر عن معنى مهم يستحق التأمل.
فلا أحد من أئمة المذاهب الأربعة يقدّم قوله على رسول الله ﷺ لمجرد أنه قوله، ولا يصح أن نجعل المذهب بديلًا عن السنة.
لكن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه طالب العلم هو:
من الذي يفهم الحديث فهمًا أدق؟ ومن الذي يعرف طرقه، وسياقه، وسائر النصوص المتعلقة به، ومناهج العلماء في الاستدلال منه؟
إن احترام الأئمة لا يعني اعتقاد عصمتهم، كما أن اتباع الحديث لا يعني أن كل قارئ يستطيع أن يستخرج منه الحكم الصحيح من دون تأهل.
والمنهج العلمي الرصين هو أن نرجع إلى الأدلة، ونفهمها بأدواتها، ونستفيد من اجتهادات العلماء، ونرجح بالحجة، ونتجنب ادعاء العلم فيما لا نحسنه.
أما أن يظن أحدهم أن فهمه الشخصي هو المعنى الوحيد للحديث، وأن كل من خالفه قد خالف السنة، فذلك من التعجل الذي ينبغي التحذير منه.
📌 سابعًا: لماذا نحتاج إلى فقه المذاهب الأربعة؟
إن المذاهب الفقهية الأربعة ليست مجرد أسماء أو انتماءات اجتماعية، بل هي مدارس علمية تراكمت فيها جهود أجيال من العلماء في فهم الكتاب والسنة، واستنباط الأحكام، وتحرير مسائل الخلاف.
وقد اختلف الأئمة في بعض المسائل لا لأن أحدهم كان حريصًا على السنة والآخر كان معرضًا عنها، بل لاختلافهم في ثبوت بعض الروايات، أو فهم دلالاتها، أو الجمع بينها، أو تقدير القرائن المؤثرة في الحكم.
ومن ثم، فإن دراسة المذاهب الأربعة تمنح طالب العلم قدرة على فهم الخلاف الفقهي، ومعرفة أسبابه، والتمييز بين المسائل المتفق عليها والمسائل المختلف فيها، وتجنب نسبة الأقوال إلى الأئمة بغير تثبت.
ولا يعني ذلك أن كل ما في المذاهب الأربعة صواب، أو أن الاجتهاد انتهى عندها، أو أن العالم لا يجوز له ترجيح قول خارج عنها؛ وإنما يعني أن تجاهل تراثها العلمي، ثم ادعاء اكتشاف الحق في كل مسألة بمجرد قراءة حديث أو حديثين، ليس منهجًا علميًا سليمًا.
ومن أراد نقد الأئمة، فليعرف أقوالهم وأدلتهم أولًا؛ ومن أراد ترجيح قول، فليمتلك أدوات الترجيح؛ ومن أراد الفتوى، فليتأهل لها قبل أن يتصدر مجالها.
⚠️ ثامنًا: من الخطأ في الفتوى إلى التبديع والتكفير
من أخطر نتائج ضعف التفقه أن تتحول المسائل الاجتهادية إلى معايير للحكم على إيمان الناس واستقامتهم.
فقد يخطئ طالب علم في فهم حديث، أو يرجح قولًا ضعيفًا، أو يخالف ما عليه جمهور الفقهاء؛ وهذه أمور تُناقش بالحجة والبرهان، ولا تبرر تلقائيًا تبديعه أو تضليله.
كما أن إطلاق أحكام التكفير ليس أمرًا هيّنًا، ولا يجوز أن يُبنى على مجرد مخالفة فقهية أو اجتهاد مختلف فيه؛ فله ضوابط وشروط وموانع، وليس مجالًا للأحكام المتعجلة أو الانفعالات الشخصية.
ومن هنا ينبغي أن نفرق بين نقد القول ونقد القائل، وبين بيان الخطأ والحكم على صاحبه، وبين ترجيح اجتهاد فقهي وتحويل المخالف إلى خصم في دينه.
وإذا كان العلماء قد اختلفوا في مسائل كثيرة، وناقش بعضهم بعضًا بالحجة، مع بقاء حرمة العلم وأهله، فكيف يليق بمن لم يستوعب هذه المسائل أن يجعل رأيه الشخصي ميزانًا لتصنيف الناس والحكم عليهم؟
إن أخطر الجهل ليس أن تخطئ في مسألة، بل أن تجهل مقدار ما لا تعرف، ثم تتصدر للحكم على الآخرين وكأنك لا تحتمل الخطأ.
✅ تاسعًا: ما الواجب على طالب العلم والمتلقي؟
أمام هذه الظاهرة، ثمة أمور لا بد من التأكيد عليها:
1️⃣ احترام التخصص والتأهل للفتوى
فمن أراد التصدي للفتوى، فعليه أن يمتلك الأدوات العلمية اللازمة، وأن يدرس الفقه وأصوله، ويعرف مناهج الاستدلال، وأسباب اختلاف العلماء. ولا يكفي أن يكون تخصصه الأصلي في الحديث أو غيره ما لم يكن مؤهلًا للفتوى التي يتصدى لها.
2️⃣ عدم اختزال السنة في فهم فرد واحد
فالسنة النبوية أوسع من أن تُختزل في فهم شخص بعينه، مهما بلغ علمه. ويجب أن يكون الاحتجاج بها قائمًا على معرفة ثبوت النص ودلالته، وجمع الأدلة المتعلقة بالمسألة.
3️⃣ الاستفادة من المذاهب الفقهية المعتبرة
فهي تراث علمي عظيم، لا يجوز تجاهله أو تصويره على أنه خصم للسنة. ويمكن مناقشة اجتهادات الأئمة وترجيح غيرها، لكن بالحجة والبحث، لا بالدعاوى المجردة.
4️⃣ التمييز بين الخلاف الفقهي والافتراق في الأصول
فليس كل خلاف معتبر، وليس كل قول صحيحًا، لكن لا يجوز أيضًا تسوية جميع الخلافات أو تحويل كل مسألة اجتهادية إلى قضية ولاء وبراء وتبديع وتكفير.
5️⃣ التثبت من أهلية المفتي
فليس كل من اشتهر في وسائل التواصل عالمًا مؤهلًا، ولا كل من أكثر من الاستشهاد بالأحاديث قادرًا على إصدار الفتاوى. ينبغي للمتلقي أن يسأل عن علم الشخص ومنهجه، وأن يرجع في المسائل المشكلة إلى أهل الاختصاص.
6️⃣ التواضع وقول: لا أعلم
فالعلماء الراسخون يعرفون أن لكل علم حدوده، وأن الإحالة إلى من هو أعلم ليست نقصًا، بل أمانة. أما الجرأة على إصدار الأحكام دون معرفة كافية، فهي التي تعرض الناس للاضطراب وتسيء إلى صورة العلم الشرعي.
✍️ الخاتمة: السنة لا تحتاج إلى متعالمين، بل إلى علماء يحسنون فهمها
إن نقد بعض الممارسات في الخطاب المدخلي لا يعني الطعن في كل من ينتسب إلى السلفية، ولا الانتقاص من علماء الحديث، ولا الدفاع عن كل قول مذهبي لمجرد أنه منسوب إلى أحد الأئمة.
إنما القضية أعمق من ذلك: إنها قضية منهج في طلب العلم، وفهم النصوص، والتعامل مع الخلاف، وحدود التأهل للفتوى.
فالسنة النبوية لا تُخدم بمجرد كثرة الاستشهاد بالأحاديث، ولا بترديد شعارات اتباع السلف، وإنما تُخدم بصحة الرواية، ودقة الفهم، وحسن الاستنباط، واحترام جهود العلماء، والتواضع أمام الحق.
رواية بلا فقه قد تؤدي إلى فهم ناقص، وفتوى بلا تأهل قد تضلل السائل، وجرأة بلا علم قد تحول الخلاف الفقهي إلى خصومة دينية لا مبرر لها.
فلا تغتروا بكثرة الاستشهاد بالنصوص قبل النظر في طريقة فهمها، ولا تجعلوا الانتساب إلى منهج معين دليلًا كافيًا على صحة كل ما يصدر عن صاحبه.
واعلموا أن العالم لا يُعرف بكثرة ما يردده من النصوص فحسب، بل بقدرته على فهمها، والجمع بينها، ومعرفة مراتب الأدلة، والتمييز بين مواضع الاتفاق والخلاف.
فالحديث يحتاج إلى فقه، والفتوى تحتاج إلى تأهل، والخلاف يحتاج إلى إنصاف، والحكم على الناس يحتاج إلى علم وتثبت.
📢 انشروا هذا التذكير؛ فحماية الناس من الفتاوى غير المنضبطة تبدأ بنشر الوعي، واحترام التخصص، وردّ المسائل إلى أهلها.
والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق