المتفيقهون يشبّهون المتوسلين بالمشركين!
استدلالًا بآية ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾، فهل يصح تحويل الخلاف الفقهي إلى اتهام بالشرك وفساد العقيدة؟
من أعجب ما نراه في النقاشات الدينية أن يتوسّع بعض الناس في إطلاق أحكام الشرك على المسلمين، ويجعلوا من مسائل الخلاف بين العلماء معيارًا للحكم على عقائد الناس، حتى أصبح من يتوسل بالنبي ﷺ أو بالصالحين عندهم شبيهًا بعبدة الأصنام!
وما إن يُفتح موضوع التوسل حتى يُسارعوا إلى الاستشهاد بقول الله تعالى:
﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ۚ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ﴾ [الزمر: 3].
ثم ينقلون كلام الإمام البغوي رحمه الله في تفسير الآية، ويجعلون منه دليلًا على أن كل من توسّل بالنبي ﷺ أو بأحد الصالحين قد وقع في الشرك نفسه الذي وقع فيه المشركون!
لكن هل يصح هذا الاستدلال؟ وهل كل من توسّل إلى الله صار عابدًا لغيره؟ وهل يجوز تحويل مسألة اختلف فيها العلماء إلى تهمة تمسّ أصل عقيدة المسلم؟
هذه أسئلة لا تكفي للإجابة عنها الشعارات، ولا مجرد تكرار الآيات دون تحرير محل النزاع وفهم وجه الاستدلال بها.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
🔹 أولًا: نعم، المشركون اتخذوا معبوداتٍ يتقربون بها إلى الله، ولكن أين وجه التطابق؟
لا ننكر أن مشركي العرب كانوا يقرّون بأن الله هو الخالق والرازق والمدبّر، ومع ذلك وقعوا في الشرك؛ لأن إقرارهم بربوبية الله لم يمنعهم من عبادة غيره.
وقد حكى الله عنهم قولهم:
﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ﴾.
والآية واضحة في ذمّهم، ولا ينكر مسلم أن عبادة غير الله شرك.
لكن لاحظوا جيدًا: الآية تتحدث عن قومٍ وصفوا فعلهم بأنه عبادة لمعبوداتهم، ثم جعلوا غاية هذه العبادة التقرب إلى الله.
فهل يكفي أن يشترك فعلٌ مع فعلٍ آخر في معنى اتخاذ الوسيلة حتى تتطابق حقيقتهما وحكمهما الشرعي؟
أم يجب أولًا أن نبحث: ما حقيقة الفعل الذي يقوم به المسلم؟ وهل هو عبادة لغير الله، أم دعاء لله مع التوسل إليه بوسيلة يرى مشروعيتها؟
إن مجرد التشابه في بعض الأوصاف لا يكفي وحده لإثبات تطابق الأحكام.
فكون المشركين عبدوا أصنامهم بحجة التقرب إلى الله لا يثبت بمجرده أن كل من توسّل بالنبي ﷺ أو بالصالحين قد عبدهم.
وهذه هي النقطة التي ينبغي أن يناقشها من يستدل بالآية، بدل أن يفترض أن كل توسّل عبادة، ثم يستشهد بالآية لإثبات ما افترضه ابتداءً!
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
🔹 ثانيًا: هل كل وسيلة إلى الله شرك؟
يقول بعضهم: المشركون اتخذوا وسائط بينهم وبين الله، والمتوسلون يتخذون النبي ﷺ أو الصالحين وسائط، إذن فالجميع سواء!
لكن هذا الاستدلال يتضمن قفزةً لا بد من بيان دليلها.
فلفظ «الوسيلة» لا يعني في ذاته عبادةً لغير الله، وإنما يتوقف الحكم على حقيقة الوسيلة وصورتها ودليل مشروعيتها.
قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: 35].
وهذه الآية لا تعني أن كل ما يسميه الناس وسيلة مشروع، لكنها تدل على أن الوسيلة إلى الله ليست مذمومة في ذاتها، بل لا بد من النظر في نوعها وحكمها.
فالتوسل بالإيمان والعمل الصالح، وطلب الدعاء من الصالح الحي، والتوسل بجاه النبي ﷺ أو بذاته، ومسائل الاستغاثة وطلب الدعاء بعد الوفاة، ليست صورًا متطابقة حتى يصح إعطاؤها جميعًا حكمًا واحدًا دون تفصيل.
منها ما هو مشروع، ومنها ما وقع فيه خلاف بين العلماء، ومنها صور أخرى تحتاج إلى بحث مستقل في حقيقتها وأدلتها.
فليس كل ما سُمّي توسّلًا جائزًا، كما أن مجرد تسمية الفعل توسّلًا لا تكفي للحكم عليه بالشرك.
وهنا يظهر الفرق بين البحث الفقهي المنضبط، وبين إطلاق الأحكام العامة على الناس دون تحرير للمسألة.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
🔹 ثالثًا: التوسل بالنبي ﷺ خلافٌ بين العلماء، فلماذا يُحوَّل إلى قضية شرك وعقيدة؟
هذه هي القضية الأساسية التي ينبغي ألا تضيع وسط الجدل.
لقد وقع الخلاف بين العلماء في بعض صور التوسل بالنبي ﷺ، ومنهم من أجاز صورًا منه، ومنهم من منعها، وتنوعت أدلتهم وطرق استدلالهم.
فكيف يصح أن يُقال للمسلم الذي أخذ بقول عالم معتبر في صورة من صور التوسل: إنك تشبه المشركين، أو إن عقيدتك فاسدة، لمجرد أنك أخذت بقول يخالف ما ترجّحه أنت؟
إن وجود الخلاف الفقهي المعتبر لا يعني أن كل الأقوال صحيحة، لكنه يعني أن المسألة تحتاج إلى بحث علمي، لا إلى توزيع أحكام الشرك على المخالفين.
وليس المقصود أن كل ما يُسمّى توسّلًا يخرج بالضرورة عن مسائل العقيدة، أو أن جميع صور الاستغاثة لها حكم واحد؛ بل المقصود أن الصور المختلف فيها لا يجوز جمعها في حكم واحد دون تفصيل، وأن مجرد الأخذ بقول معتبر في مسألة خلافية لا يكفي للحكم على صاحبه بالشرك.
وهناك فرق كبير بين أن تقول: «أرى أن هذه الصورة من التوسل غير مشروعة، وهذه أدلتي»، وبين أن تقول: «كل من فعلها مشرك كعبدة الأصنام».
الأول نقاش علمي يمكن أن تُعرض فيه الأدلة وتُناقش، أما الثاني فيحتاج إلى برهان يناسب خطورة الحكم، ولا يكفي فيه مجرد التشبيه أو الاستدلال العام.
فليس كل خطأ فقهي شركًا، وليس كل خلاف في كيفية الدعاء خلافًا في أصل التوحيد، ولا يجوز أن نجعل اجتهادنا الشخصي ميزانًا نحكم به على عقائد المسلمين.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
🔹 رابعًا: وماذا عن قوله تعالى: ﴿فإني قريب﴾؟
ومن الحجج التي يكررها المانعون من التوسل قول الله تعالى:
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186].
ويقولون: ما دام الله قريبًا من عباده، يسمع دعاءهم ويجيبهم، فلماذا يتوسلون بالنبي ﷺ أو بالصالحين؟
ونحن نؤمن بأن الله قريب من عباده، يسمع دعاءهم، ولا يحتاج إلى من يبلّغه أصواتهم أو يعرّفه بحاجاتهم، وأن المسلم يستطيع أن يدعو ربه مباشرة في كل وقت.
لكن السؤال هو: هل كون الله قريبًا من عباده يثبت وحده أن كل صورة من صور التوسل ممنوعة؟
الجواب أن الآية تثبت قرب الله وإجابته للدعاء، لكنها لا تتناول بلفظها جميع الصور المختلف فيها من التوسل، ولا تكفي وحدها لحسم أحكامها.
فإثبات أن العبد يستطيع دعاء الله مباشرة لا يستلزم، بمجرده، تحريم كل صورة أخرى من صور التوسل؛ بل لا بد من دراسة كل صورة وأدلتها.
وفي المقابل، لا يصح الاستدلال بآية القرب على جواز جميع صور التوسل؛ فلكل مسألة أدلتها التي ينبغي النظر فيها.
وهكذا ينبغي أن يكون النقاش: نثبت ما دل عليه النص، ثم نبحث ما إذا كان يدل على الحكم المختلف فيه، بدل تحميل الآيات ما لا تدل عليه بمفردها.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
🔹 خامسًا: هل يكفي أن يقول المتوسل إن الله وحده هو النافع والضار؟
هنا أيضًا لا بد من الإنصاف.
فليس كل فعل يصح بمجرد أن يقول صاحبه: «أنا أعتقد أن الله وحده هو النافع والضار»، لأن الاعتقاد الصحيح بربوبية الله لا يجعل كل قول أو فعل مشروعًا.
وقد كان مشركو العرب يقرّون بأن الله هو الخالق، ومع ذلك لم ينفعهم هذا الإقرار حين صرفوا العبادة لغيره.
لكن لا يصح في المقابل أن نجعل كل توسّل بالنبي ﷺ أو بالصالحين عبادةً لهم لمجرد وقوع التوسل.
بل يجب أن نميّز بين الدعاء الموجّه إلى الله، والتوسل إليه بوسيلة مختلف في حكمها، وبين توجيه العبادة إلى غير الله؛ وأن نبحث حقيقة كل صورة وما تتضمنه من أقوال واعتقادات.
فلا يكفي حسن القصد وحده لتصحيح كل فعل، ولا يكفي التشابه الظاهري للحكم على كل فعل بأنه شرك.
وهذا هو مقتضى العدل العلمي: أن نناقش الفعل بدليله، وأن نفرّق بين المسائل التي تختلف حقائقها وأحكامها.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
🔹 سادسًا: أين الإنصاف في التعامل مع أقوال العلماء؟
إذا كانت المسألة محل خلاف بين أهل العلم، فمن الإنصاف أن نعرض أقوالهم وأدلتهم، وأن نناقشها دون تحريف أو انتقاء.
فلا يجوز أن نعرض رأيًا واحدًا على أنه إجماع، ولا أن نتجاهل أقوال العلماء المخالفين، ولا أن نجعل رأيًا فقهيًا واحدًا هو المعيار الذي يُقاس به إيمان الناس وتوحيدهم.
ومن أراد ترجيح المنع في صورة من صور التوسل، فله أن يعرض أدلته ويناقش أدلة المجيزين، لكن ليس من حقه أن يقفز من ترجيح فقهي إلى الحكم على كل مخالف بالشرك وفساد العقيدة دون تفصيل.
كما ينبغي التفريق بين الحكم على قول أو فعل، والحكم على شخص بعينه؛ فلكل باب شروطه وضوابطه.
فالخلاف العلمي لا يُحسم بالتشنيع، والعقيدة لا تُصان بالتسرع في إطلاق الأحكام، وإنما بالعلم والعدل وفهم النصوص على وجهها.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
⚖️ الخلاصة: ناقشوا التوسل بالدليل، لا بالتشبيه بعبدة الأصنام!
نحن لا ننكر أن الله وحده المستحق للعبادة، ولا ننكر أن المشركين عبدوا معبوداتهم زاعمين أنها تقرّبهم إلى الله.
لكننا نرفض أن تتحول هذه الحقيقة إلى ذريعة للحكم على كل من توسّل بالنبي ﷺ أو بالصالحين بأنه مشرك؛ دون التفريق بين صور التوسل، ودون مناقشة أدلة العلماء الذين أجازوا بعض صوره.
فالآية التي تتحدث عن عبادة المشركين لمعبوداتهم لا تُغني عن إثبات أن الصورة المعينة التي يُناقش حكمها تدخل في العبادة التي ذمّها الله.
وآية قرب الله من عباده تثبت أنه يسمع دعاءهم ويجيبهم، لكنها لا تحسم وحدها جميع الأحكام المتعلقة بصور التوسل المختلف فيها.
فإذا أردت أن تثبت أن صورة معينة من التوسل محرّمة أو شركية، فناقش حقيقتها وأدلتها، ولا تكتفِ بتشبيه أصحابها بعبدة الأصنام.
إن نصرة التوحيد لا تكون بالخلط بين المسائل، ولا بتحويل كل خلاف فقهي إلى معركة في العقيدة، ولا باتهام المسلمين لمجرد مخالفتهم اجتهادًا فقهيًا.
بل تكون بالعلم والإنصاف، والتمييز بين الخطأ والشرك، وبين الخلاف الفقهي وأصل الاعتقاد، والرجوع إلى الأدلة وأقوال أهل العلم.
فليس كل متوسل عابدًا لمن يتوسل به، وليس كل خلاف في التوسل دليلًا على فساد العقيدة.
والواجب أن نزن الأقوال والأفعال بميزان العلم والعدل، لا أن نزن عقائد الناس بمدى موافقتهم لاجتهاداتنا.
والله تعالى أعلم.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق