الأحد، 25 أكتوبر 2026

ما رأيكم في كتاب سيد قطب ( في ظلال القرآن ) ؟! الشيخ محمد بن عثيمين

 

ما رأيكم في كتاب سيد قطب ( في ظلال القرآن )  ؟!

 

الشيخ محمد بن عثيمين

 

 

يسأل المستفتي: ما رأيكم في كتاب سيد قطب في ظلال القرآن مع أن العلم أن في هذا الكتاب عقيدة وحدة الوجود ؟!

 

أجاب الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :

 

هذه دعوى أن في الكتاب عقيدة وحدة الوجود ، لأن هذا لو ثبت لكان من أعظم الكفر، لكن نقول لهذا القائل المدعي : هات البينة .. هات البينة على ما قلت أن هذا الكتاب فيه القول بوحدة الوجود أو تقرير وحدة الوجود .

   

 الكتاب على كل حال أنا لم أقرأه ، لكن قرأت بعض المؤاخذات عليه من بعض علمائنا الأفاضل، وهو في بعض المباحث له مباحث جيدة حسب ما نسمع من بعض الإخوان ، وفي بعض الأشياء له أخطاء .

 

وقد قال – ابن رجب رحمه الله – وهو من علماء الحنابلة من تلاميذ ابن القيم قال في كتابه القواعد الفقهية ( يأبى الله العصمة لكتاب غير كتابه ، والمنصف من اغتفر قليل خطأ المرء في كثير صوابه ) هذا المنصف .

     

من يسلم من الخطأ ؟! كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون الرجّاعون إلى الحق ، فالكتاب فيه أخطاء ، وفيه صواب ، فنقبل الخطأ ونـرد.. [ يصحح الشيخ ] فنقبل الصواب ونرد الخطأ.

 

يسأل المستفتي : [ غير واضح كلام السائل ، يبدوا أنه عن تفسيره سورة ( قل هو الله أحد ) ]
الشيخ ابن عثيمين : تفسيره سورة ( قل هو الله أحد ) أنا قلت أنا ما قرأت الكتاب ، لكن أعطنا إياه الآن ننظر ..

 

يقاطع المستفتي : بكلام غير واضح

الشيخ ابن عثيمين : هاه ؟! كيف ؟!   السائل مستمر بالمقاطعة بكلام غير واضح...

الشيخ ابن عثيمين : على كل حال ما نقول شيء ، لا نقول شيئاً حتى نشهد بأعيننا لأن المسألة خطيرة جداً، وأنا أقول لكم إذا صدر من عالم معروف بالنصح للأمة ، إذا صدر منه ما يوهم الحق وما يوهم الباطل ، فاحمله على أحسن المحملين...

 

يقاطع المستفتي : ..عقيدة يا شيخ !!...

الشيخ ابن عثيمين : عقيدة أو غير عقيدة!! ، إذا ما عرف بالنصح للأمة ؛ وكلامه محتمل مهوب صريـح ، احمله على أحسن المحملين ، اعتباراً بحال الرجل ؛ اعتباراً بحال الرجل.

  

وأنا أقول لكم بالمناسبة: يوجد الآن أناس نسأل الله لنا ولهم الهداية ، يتتبعون السيئات من العلماء ؛ ثم يبرزونها ويسكتون عن الحسنات التي هي أضعاف أضعاف هذه السيئات...


يقاطع المستفتي: ... عقيدة يا شيخ!!!

يستمر الشيخ ابن عثيمين : هذا خطأ .. هذا خطأ ، العقيدة – بارك الله فيك – كغيرها ، من حيث أنه قد يقع فيها الخطأ ،

 

ألم تعلم أن العلماء اختلفوا في أبَدِيَّة النار؟!! هل هي أبدية.. هل هي مؤبدة أو غير مؤبدة؟! من السلف و الخلف وهذه عقيدة أو غير عقيدة ؟!! أسألك !! عقيدة و اختلفوا فيها.

 

[يستمر الشيخ ابن عثيمين] : الصراط الذي يوضع على جهنم هل هو صراط طريق؟ كغيره من الطرق؟! أو أدق من الشعره وأحد من السيف؟! فيه خلاف.

 

يقاطع المستفتي : !!!!

يستمر الشيخ ابن عثيمين : اسمع ، الذي يوزن يوم القيامة هل هو الأعمال أو صاحب العـمل أو صحائف الأعمال  ؟

 

يقاطع السائل : بكلام غير واضح

يـجيب الشيخ ابن عثيمين : أنا أحكي لكم الخلاف ، هل رأى الرسول ربه أم لم يره؟! هل تعاد الروح إلى البدن في القبر ويكون عذابها على البدن والروح أو على الروح وحدها ؟! كل هذي مسائل عقيدة .

يسأل المستفتي: بكلام غير واضح.

يـجيب الشيخ ابن عثيمين : طيب . أنا أريد أن أعطيكم قاعدة في مسألة نفي الاستواء وغيرها من الصفات. من نفى الصفات نفي إنكار فهو مكذب للقرآن ، ومن نفاها نفي تأويل ؛ فينظر في تأويله.

 

يسأل الشيخ السائل : عرفت؟!  يعني مثلاً إذا قال قائل: إن الله لم يستو على العرش!

يسأل الشيخ ابن عثيمين: هذا نفي إيش؟!

إنكار أو تأويل؟!

يـجيب المستفتي: إنكار .

يصحح إجابته الشيخ ابن عثيمين : إنكار ، هذا كافر لأنه كذب القرآن ، ومن قال إن الله استوى على العرش لكن استوى بمعنى استولى يسأل الشيخ: هذا نفي..؟!

يـجيب أحدهم : تأويل.

يصححه الشيخ ابن عثيمين : تأويل ، فينظر هل يوجب تأويله هذا الكفر أو الفسوق أو يعذر فيه ، ينظر ، إي نعم.  

 

( كلام غير واضح)

 

يسأل المستفتي : هل يـجوز الترحم عليه ؟! ... على سيد.

يـجيب الشيخ ابن عثيمين : أقول : بالنسبة للتسرع في التبديع والتفسيق والتكفير حرام لا يـجوز، كما أن التسرع في التـحليل والتـحريم حرام.  احذر أن تقول على الله ما لا تعلم ، فإن الله حرم ذلك ( قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله مالم ينزل به سلطاناً وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ).

 

والحكم بالتكفير ، تكفير الشخص ، يتعلق به أمران لا بد منهما :

الأمر الأول: أن نعرف أن الأدلة دلت على أن هذا الذي كفرناه من أجله كفر ، وكم من أشياء يظن الإنسان أنها كفر وليست بكفر ، فلا بد أن نعلم أن الأدلة دلت على أن هذا الفعل أو هذا القول كفر.

الشيء الثاني: أن نعلم أن هذا القائل لهذا المقالة أو الفاعل لهذا الفعل لا يعذر بقوله ، ولا بفعله ، لأنه قد يقول الإنسان مقالة الكفر فيكون معذوراً إما بجهل أو تأويل أو حال طرأت عليه، كغضب شديد أو فرح شديد أو ما أشبه ذلك ، ولاتكون الكلمة بحقه كفراً ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال : لله أشد فرحاً ... ( ينتهي التسجيل )    

المرجع للاستماع:    http://www.IslamGold.com 

 

المتفيقهون يشبّهون المتوسلين بالمشركين! هل كل وسيلة إلى الله شرك؟

  

المتفيقهون يشبّهون المتوسلين بالمشركين!

استدلالًا بآية ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾، فهل يصح تحويل الخلاف الفقهي إلى اتهام بالشرك وفساد العقيدة؟

من أعجب ما نراه في النقاشات الدينية أن يتوسّع بعض الناس في إطلاق أحكام الشرك على المسلمين، ويجعلوا من مسائل الخلاف بين العلماء معيارًا للحكم على عقائد الناس، حتى أصبح من يتوسل بالنبي ﷺ أو بالصالحين عندهم شبيهًا بعبدة الأصنام!

وما إن يُفتح موضوع التوسل حتى يُسارعوا إلى الاستشهاد بقول الله تعالى:

﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ۚ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ﴾ [الزمر: 3].

ثم ينقلون كلام الإمام البغوي رحمه الله في تفسير الآية، ويجعلون منه دليلًا على أن كل من توسّل بالنبي ﷺ أو بأحد الصالحين قد وقع في الشرك نفسه الذي وقع فيه المشركون!

لكن هل يصح هذا الاستدلال؟ وهل كل من توسّل إلى الله صار عابدًا لغيره؟ وهل يجوز تحويل مسألة اختلف فيها العلماء إلى تهمة تمسّ أصل عقيدة المسلم؟

هذه أسئلة لا تكفي للإجابة عنها الشعارات، ولا مجرد تكرار الآيات دون تحرير محل النزاع وفهم وجه الاستدلال بها.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

🔹 أولًا: نعم، المشركون اتخذوا معبوداتٍ يتقربون بها إلى الله، ولكن أين وجه التطابق؟

لا ننكر أن مشركي العرب كانوا يقرّون بأن الله هو الخالق والرازق والمدبّر، ومع ذلك وقعوا في الشرك؛ لأن إقرارهم بربوبية الله لم يمنعهم من عبادة غيره.

وقد حكى الله عنهم قولهم:

﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ﴾.

والآية واضحة في ذمّهم، ولا ينكر مسلم أن عبادة غير الله شرك.

لكن لاحظوا جيدًا: الآية تتحدث عن قومٍ وصفوا فعلهم بأنه عبادة لمعبوداتهم، ثم جعلوا غاية هذه العبادة التقرب إلى الله.

فهل يكفي أن يشترك فعلٌ مع فعلٍ آخر في معنى اتخاذ الوسيلة حتى تتطابق حقيقتهما وحكمهما الشرعي؟

أم يجب أولًا أن نبحث: ما حقيقة الفعل الذي يقوم به المسلم؟ وهل هو عبادة لغير الله، أم دعاء لله مع التوسل إليه بوسيلة يرى مشروعيتها؟

إن مجرد التشابه في بعض الأوصاف لا يكفي وحده لإثبات تطابق الأحكام.

فكون المشركين عبدوا أصنامهم بحجة التقرب إلى الله لا يثبت بمجرده أن كل من توسّل بالنبي ﷺ أو بالصالحين قد عبدهم.

وهذه هي النقطة التي ينبغي أن يناقشها من يستدل بالآية، بدل أن يفترض أن كل توسّل عبادة، ثم يستشهد بالآية لإثبات ما افترضه ابتداءً!

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

🔹 ثانيًا: هل كل وسيلة إلى الله شرك؟

يقول بعضهم: المشركون اتخذوا وسائط بينهم وبين الله، والمتوسلون يتخذون النبي ﷺ أو الصالحين وسائط، إذن فالجميع سواء!

لكن هذا الاستدلال يتضمن قفزةً لا بد من بيان دليلها.

فلفظ «الوسيلة» لا يعني في ذاته عبادةً لغير الله، وإنما يتوقف الحكم على حقيقة الوسيلة وصورتها ودليل مشروعيتها.

قال الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: 35].

وهذه الآية لا تعني أن كل ما يسميه الناس وسيلة مشروع، لكنها تدل على أن الوسيلة إلى الله ليست مذمومة في ذاتها، بل لا بد من النظر في نوعها وحكمها.

فالتوسل بالإيمان والعمل الصالح، وطلب الدعاء من الصالح الحي، والتوسل بجاه النبي ﷺ أو بذاته، ومسائل الاستغاثة وطلب الدعاء بعد الوفاة، ليست صورًا متطابقة حتى يصح إعطاؤها جميعًا حكمًا واحدًا دون تفصيل.

منها ما هو مشروع، ومنها ما وقع فيه خلاف بين العلماء، ومنها صور أخرى تحتاج إلى بحث مستقل في حقيقتها وأدلتها.

فليس كل ما سُمّي توسّلًا جائزًا، كما أن مجرد تسمية الفعل توسّلًا لا تكفي للحكم عليه بالشرك.

وهنا يظهر الفرق بين البحث الفقهي المنضبط، وبين إطلاق الأحكام العامة على الناس دون تحرير للمسألة.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

🔹 ثالثًا: التوسل بالنبي ﷺ خلافٌ بين العلماء، فلماذا يُحوَّل إلى قضية شرك وعقيدة؟

هذه هي القضية الأساسية التي ينبغي ألا تضيع وسط الجدل.

لقد وقع الخلاف بين العلماء في بعض صور التوسل بالنبي ﷺ، ومنهم من أجاز صورًا منه، ومنهم من منعها، وتنوعت أدلتهم وطرق استدلالهم.

فكيف يصح أن يُقال للمسلم الذي أخذ بقول عالم معتبر في صورة من صور التوسل: إنك تشبه المشركين، أو إن عقيدتك فاسدة، لمجرد أنك أخذت بقول يخالف ما ترجّحه أنت؟

إن وجود الخلاف الفقهي المعتبر لا يعني أن كل الأقوال صحيحة، لكنه يعني أن المسألة تحتاج إلى بحث علمي، لا إلى توزيع أحكام الشرك على المخالفين.

وليس المقصود أن كل ما يُسمّى توسّلًا يخرج بالضرورة عن مسائل العقيدة، أو أن جميع صور الاستغاثة لها حكم واحد؛ بل المقصود أن الصور المختلف فيها لا يجوز جمعها في حكم واحد دون تفصيل، وأن مجرد الأخذ بقول معتبر في مسألة خلافية لا يكفي للحكم على صاحبه بالشرك.

وهناك فرق كبير بين أن تقول: «أرى أن هذه الصورة من التوسل غير مشروعة، وهذه أدلتي»، وبين أن تقول: «كل من فعلها مشرك كعبدة الأصنام».

الأول نقاش علمي يمكن أن تُعرض فيه الأدلة وتُناقش، أما الثاني فيحتاج إلى برهان يناسب خطورة الحكم، ولا يكفي فيه مجرد التشبيه أو الاستدلال العام.

فليس كل خطأ فقهي شركًا، وليس كل خلاف في كيفية الدعاء خلافًا في أصل التوحيد، ولا يجوز أن نجعل اجتهادنا الشخصي ميزانًا نحكم به على عقائد المسلمين.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

🔹 رابعًا: وماذا عن قوله تعالى: ﴿فإني قريب﴾؟

ومن الحجج التي يكررها المانعون من التوسل قول الله تعالى:

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186].

ويقولون: ما دام الله قريبًا من عباده، يسمع دعاءهم ويجيبهم، فلماذا يتوسلون بالنبي ﷺ أو بالصالحين؟

ونحن نؤمن بأن الله قريب من عباده، يسمع دعاءهم، ولا يحتاج إلى من يبلّغه أصواتهم أو يعرّفه بحاجاتهم، وأن المسلم يستطيع أن يدعو ربه مباشرة في كل وقت.

لكن السؤال هو: هل كون الله قريبًا من عباده يثبت وحده أن كل صورة من صور التوسل ممنوعة؟

الجواب أن الآية تثبت قرب الله وإجابته للدعاء، لكنها لا تتناول بلفظها جميع الصور المختلف فيها من التوسل، ولا تكفي وحدها لحسم أحكامها.

فإثبات أن العبد يستطيع دعاء الله مباشرة لا يستلزم، بمجرده، تحريم كل صورة أخرى من صور التوسل؛ بل لا بد من دراسة كل صورة وأدلتها.

وفي المقابل، لا يصح الاستدلال بآية القرب على جواز جميع صور التوسل؛ فلكل مسألة أدلتها التي ينبغي النظر فيها.

وهكذا ينبغي أن يكون النقاش: نثبت ما دل عليه النص، ثم نبحث ما إذا كان يدل على الحكم المختلف فيه، بدل تحميل الآيات ما لا تدل عليه بمفردها.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

🔹 خامسًا: هل يكفي أن يقول المتوسل إن الله وحده هو النافع والضار؟

هنا أيضًا لا بد من الإنصاف.

فليس كل فعل يصح بمجرد أن يقول صاحبه: «أنا أعتقد أن الله وحده هو النافع والضار»، لأن الاعتقاد الصحيح بربوبية الله لا يجعل كل قول أو فعل مشروعًا.

وقد كان مشركو العرب يقرّون بأن الله هو الخالق، ومع ذلك لم ينفعهم هذا الإقرار حين صرفوا العبادة لغيره.

لكن لا يصح في المقابل أن نجعل كل توسّل بالنبي ﷺ أو بالصالحين عبادةً لهم لمجرد وقوع التوسل.

بل يجب أن نميّز بين الدعاء الموجّه إلى الله، والتوسل إليه بوسيلة مختلف في حكمها، وبين توجيه العبادة إلى غير الله؛ وأن نبحث حقيقة كل صورة وما تتضمنه من أقوال واعتقادات.

فلا يكفي حسن القصد وحده لتصحيح كل فعل، ولا يكفي التشابه الظاهري للحكم على كل فعل بأنه شرك.

وهذا هو مقتضى العدل العلمي: أن نناقش الفعل بدليله، وأن نفرّق بين المسائل التي تختلف حقائقها وأحكامها.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

🔹 سادسًا: أين الإنصاف في التعامل مع أقوال العلماء؟

إذا كانت المسألة محل خلاف بين أهل العلم، فمن الإنصاف أن نعرض أقوالهم وأدلتهم، وأن نناقشها دون تحريف أو انتقاء.

فلا يجوز أن نعرض رأيًا واحدًا على أنه إجماع، ولا أن نتجاهل أقوال العلماء المخالفين، ولا أن نجعل رأيًا فقهيًا واحدًا هو المعيار الذي يُقاس به إيمان الناس وتوحيدهم.

ومن أراد ترجيح المنع في صورة من صور التوسل، فله أن يعرض أدلته ويناقش أدلة المجيزين، لكن ليس من حقه أن يقفز من ترجيح فقهي إلى الحكم على كل مخالف بالشرك وفساد العقيدة دون تفصيل.

كما ينبغي التفريق بين الحكم على قول أو فعل، والحكم على شخص بعينه؛ فلكل باب شروطه وضوابطه.

فالخلاف العلمي لا يُحسم بالتشنيع، والعقيدة لا تُصان بالتسرع في إطلاق الأحكام، وإنما بالعلم والعدل وفهم النصوص على وجهها.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

⚖️ الخلاصة: ناقشوا التوسل بالدليل، لا بالتشبيه بعبدة الأصنام!

نحن لا ننكر أن الله وحده المستحق للعبادة، ولا ننكر أن المشركين عبدوا معبوداتهم زاعمين أنها تقرّبهم إلى الله.

لكننا نرفض أن تتحول هذه الحقيقة إلى ذريعة للحكم على كل من توسّل بالنبي ﷺ أو بالصالحين بأنه مشرك؛ دون التفريق بين صور التوسل، ودون مناقشة أدلة العلماء الذين أجازوا بعض صوره.

فالآية التي تتحدث عن عبادة المشركين لمعبوداتهم لا تُغني عن إثبات أن الصورة المعينة التي يُناقش حكمها تدخل في العبادة التي ذمّها الله.

وآية قرب الله من عباده تثبت أنه يسمع دعاءهم ويجيبهم، لكنها لا تحسم وحدها جميع الأحكام المتعلقة بصور التوسل المختلف فيها.

فإذا أردت أن تثبت أن صورة معينة من التوسل محرّمة أو شركية، فناقش حقيقتها وأدلتها، ولا تكتفِ بتشبيه أصحابها بعبدة الأصنام.

إن نصرة التوحيد لا تكون بالخلط بين المسائل، ولا بتحويل كل خلاف فقهي إلى معركة في العقيدة، ولا باتهام المسلمين لمجرد مخالفتهم اجتهادًا فقهيًا.

بل تكون بالعلم والإنصاف، والتمييز بين الخطأ والشرك، وبين الخلاف الفقهي وأصل الاعتقاد، والرجوع إلى الأدلة وأقوال أهل العلم.

فليس كل متوسل عابدًا لمن يتوسل به، وليس كل خلاف في التوسل دليلًا على فساد العقيدة.

يستدل بعض المانعين من التوسل بحديث النبي ﷺ: «الدعاء هو العبادة»، ثم يقولون: من طلب شيئًا من صاحب القبر فقد عبده؛ لأن الدعاء عبادة، ودعاء غير الله شرك.

ولا شك أن الحديث أصل مهم في بيان منزلة الدعاء، وأن صرف العبادة لغير الله لا يجوز. لكن الاستدلال به على جميع صور التوسل والاستغاثة يحتاج إلى تفصيل.

فأول ما ينبغي التنبه إليه أن التوسل إلى الله بالنبي ﷺ، وطلب الدعاء من شخص، وتوجيه الدعاء إلى الميت نفسه، ليست تعبيرات مترادفة عن فعل واحد؛ بل هي صور مختلفة، ولكل صورة بحثها وحكمها وأدلتها.

كما أن الحديث لا يعفينا من تحديد حقيقة الفعل الذي نتحدث عنه، ولا من بيان وجه انطباقه على الصورة المعينة. فلا يكفي أن نذكر قاعدة صحيحة، ثم نُدخل تحتها جميع الصور المختلف فيها دون برهان.

وفي المقابل، لا يصح أن نجعل اعتقاد المرء بأن الله وحده هو النافع والضار مبررًا لتصحيح كل طلب يوجّهه إلى ميت؛ فبعض صور الدعاء والاستغاثة قد تتضمن صرف ما هو من خصائص الله لغيره، وهذه لا تُسوّى بغيرها لمجرد تسميتها توسّلًا.

إذن، المسألة ليست في قبول حديث «الدعاء هو العبادة» أو رده، بل في فهم دلالته، وتحديد صورة الفعل، وإقامة الدليل على حكمها.

ومن هنا ينبغي التفريق بين التوسل المختلف فيه، وبين عبادة غير الله، وألا يُحكم على كل من أخذ بقول فقهي معتبر في بعض صور التوسل بأنه مشرك لمجرد مخالفته لاجتهاد فقهي آخر.

والواجب أن نزن الأقوال والأفعال بميزان العلم والعدل، لا أن نزن عقائد الناس بمدى موافقتهم لاجتهاداتنا.

والله تعالى أعلم.

أدعياء السلفية المغالين في التبديع والتكفير يشبّهون المتوسلين بالمشركين! فهل يصح تحويل الخلاف الفقهي إلى اتهام بالشرك وفساد العقيدة؟

 

المتفيقهون يشبّهون المتوسلين بالمشركين!

استدلالًا بآية ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾، فهل يصح تحويل الخلاف الفقهي إلى اتهام بالشرك وفساد العقيدة؟

من أعجب ما نراه في النقاشات الدينية أن يتوسّع بعض الناس في إطلاق أحكام الشرك على المسلمين، ويجعلوا من مسائل الخلاف بين العلماء معيارًا للحكم على عقائد الناس، حتى أصبح من يتوسل بالنبي ﷺ أو بالصالحين عندهم شبيهًا بعبدة الأصنام!

وما إن يُفتح موضوع التوسل حتى يُسارعوا إلى الاستشهاد بقول الله تعالى:

﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ۚ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ﴾ [الزمر: 3].

ثم ينقلون كلام الإمام البغوي رحمه الله في تفسير الآية، ويجعلون منه دليلًا على أن كل من توسّل بالنبي ﷺ أو بأحد الصالحين قد وقع في الشرك نفسه الذي وقع فيه المشركون!

لكن هل يصح هذا الاستدلال؟ وهل كل من توسّل إلى الله صار عابدًا لغيره؟ وهل يجوز تحويل مسألة اختلف فيها العلماء إلى تهمة تمسّ أصل عقيدة المسلم؟

هذه أسئلة لا تكفي للإجابة عنها الشعارات، ولا مجرد تكرار الآيات دون تحرير محل النزاع وفهم وجه الاستدلال بها.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

🔹 أولًا: نعم، المشركون اتخذوا معبوداتٍ يتقربون بها إلى الله، ولكن أين وجه التطابق؟

لا ننكر أن مشركي العرب كانوا يقرّون بأن الله هو الخالق والرازق والمدبّر، ومع ذلك وقعوا في الشرك؛ لأن إقرارهم بربوبية الله لم يمنعهم من عبادة غيره.

وقد حكى الله عنهم قولهم:

﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ﴾.

والآية واضحة في ذمّهم، ولا ينكر مسلم أن عبادة غير الله شرك.

لكن لاحظوا جيدًا: الآية تتحدث عن قومٍ وصفوا فعلهم بأنه عبادة لمعبوداتهم، ثم جعلوا غاية هذه العبادة التقرب إلى الله.

فهل يكفي أن يشترك فعلٌ مع فعلٍ آخر في معنى اتخاذ الوسيلة حتى تتطابق حقيقتهما وحكمهما الشرعي؟

أم يجب أولًا أن نبحث: ما حقيقة الفعل الذي يقوم به المسلم؟ وهل هو عبادة لغير الله، أم دعاء لله مع التوسل إليه بوسيلة يرى مشروعيتها؟

إن مجرد التشابه في بعض الأوصاف لا يكفي وحده لإثبات تطابق الأحكام.

فكون المشركين عبدوا أصنامهم بحجة التقرب إلى الله لا يثبت بمجرده أن كل من توسّل بالنبي ﷺ أو بالصالحين قد عبدهم.

وهذه هي النقطة التي ينبغي أن يناقشها من يستدل بالآية، بدل أن يفترض أن كل توسّل عبادة، ثم يستشهد بالآية لإثبات ما افترضه ابتداءً!

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

🔹 ثانيًا: هل كل وسيلة إلى الله شرك؟

يقول بعضهم: المشركون اتخذوا وسائط بينهم وبين الله، والمتوسلون يتخذون النبي ﷺ أو الصالحين وسائط، إذن فالجميع سواء!

لكن هذا الاستدلال يتضمن قفزةً لا بد من بيان دليلها.

فلفظ «الوسيلة» لا يعني في ذاته عبادةً لغير الله، وإنما يتوقف الحكم على حقيقة الوسيلة وصورتها ودليل مشروعيتها.

قال الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: 35].

وهذه الآية لا تعني أن كل ما يسميه الناس وسيلة مشروع، لكنها تدل على أن الوسيلة إلى الله ليست مذمومة في ذاتها، بل لا بد من النظر في نوعها وحكمها.

فالتوسل بالإيمان والعمل الصالح، وطلب الدعاء من الصالح الحي، والتوسل بجاه النبي ﷺ أو بذاته، ومسائل الاستغاثة وطلب الدعاء بعد الوفاة، ليست صورًا متطابقة حتى يصح إعطاؤها جميعًا حكمًا واحدًا دون تفصيل.

منها ما هو مشروع، ومنها ما وقع فيه خلاف بين العلماء، ومنها صور أخرى تحتاج إلى بحث مستقل في حقيقتها وأدلتها.

فليس كل ما سُمّي توسّلًا جائزًا، كما أن مجرد تسمية الفعل توسّلًا لا تكفي للحكم عليه بالشرك.

وهنا يظهر الفرق بين البحث الفقهي المنضبط، وبين إطلاق الأحكام العامة على الناس دون تحرير للمسألة.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

🔹 ثالثًا: التوسل بالنبي ﷺ خلافٌ بين العلماء، فلماذا يُحوَّل إلى قضية شرك وعقيدة؟

هذه هي القضية الأساسية التي ينبغي ألا تضيع وسط الجدل.

لقد وقع الخلاف بين العلماء في بعض صور التوسل بالنبي ﷺ، ومنهم من أجاز صورًا منه، ومنهم من منعها، وتنوعت أدلتهم وطرق استدلالهم.

فكيف يصح أن يُقال للمسلم الذي أخذ بقول عالم معتبر في صورة من صور التوسل: إنك تشبه المشركين، أو إن عقيدتك فاسدة، لمجرد أنك أخذت بقول يخالف ما ترجّحه أنت؟

إن وجود الخلاف الفقهي المعتبر لا يعني أن كل الأقوال صحيحة، لكنه يعني أن المسألة تحتاج إلى بحث علمي، لا إلى توزيع أحكام الشرك على المخالفين.

وليس المقصود أن كل ما يُسمّى توسّلًا يخرج بالضرورة عن مسائل العقيدة، أو أن جميع صور الاستغاثة لها حكم واحد؛ بل المقصود أن الصور المختلف فيها لا يجوز جمعها في حكم واحد دون تفصيل، وأن مجرد الأخذ بقول معتبر في مسألة خلافية لا يكفي للحكم على صاحبه بالشرك.

وهناك فرق كبير بين أن تقول: «أرى أن هذه الصورة من التوسل غير مشروعة، وهذه أدلتي»، وبين أن تقول: «كل من فعلها مشرك كعبدة الأصنام».

الأول نقاش علمي يمكن أن تُعرض فيه الأدلة وتُناقش، أما الثاني فيحتاج إلى برهان يناسب خطورة الحكم، ولا يكفي فيه مجرد التشبيه أو الاستدلال العام.

فليس كل خطأ فقهي شركًا، وليس كل خلاف في كيفية الدعاء خلافًا في أصل التوحيد، ولا يجوز أن نجعل اجتهادنا الشخصي ميزانًا نحكم به على عقائد المسلمين.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

🔹 رابعًا: وماذا عن قوله تعالى: ﴿فإني قريب﴾؟

ومن الحجج التي يكررها المانعون من التوسل قول الله تعالى:

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186].

ويقولون: ما دام الله قريبًا من عباده، يسمع دعاءهم ويجيبهم، فلماذا يتوسلون بالنبي ﷺ أو بالصالحين؟

ونحن نؤمن بأن الله قريب من عباده، يسمع دعاءهم، ولا يحتاج إلى من يبلّغه أصواتهم أو يعرّفه بحاجاتهم، وأن المسلم يستطيع أن يدعو ربه مباشرة في كل وقت.

لكن السؤال هو: هل كون الله قريبًا من عباده يثبت وحده أن كل صورة من صور التوسل ممنوعة؟

الجواب أن الآية تثبت قرب الله وإجابته للدعاء، لكنها لا تتناول بلفظها جميع الصور المختلف فيها من التوسل، ولا تكفي وحدها لحسم أحكامها.

فإثبات أن العبد يستطيع دعاء الله مباشرة لا يستلزم، بمجرده، تحريم كل صورة أخرى من صور التوسل؛ بل لا بد من دراسة كل صورة وأدلتها.

وفي المقابل، لا يصح الاستدلال بآية القرب على جواز جميع صور التوسل؛ فلكل مسألة أدلتها التي ينبغي النظر فيها.

وهكذا ينبغي أن يكون النقاش: نثبت ما دل عليه النص، ثم نبحث ما إذا كان يدل على الحكم المختلف فيه، بدل تحميل الآيات ما لا تدل عليه بمفردها.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

🔹 خامسًا: هل يكفي أن يقول المتوسل إن الله وحده هو النافع والضار؟

هنا أيضًا لا بد من الإنصاف.

فليس كل فعل يصح بمجرد أن يقول صاحبه: «أنا أعتقد أن الله وحده هو النافع والضار»، لأن الاعتقاد الصحيح بربوبية الله لا يجعل كل قول أو فعل مشروعًا.

وقد كان مشركو العرب يقرّون بأن الله هو الخالق، ومع ذلك لم ينفعهم هذا الإقرار حين صرفوا العبادة لغيره.

لكن لا يصح في المقابل أن نجعل كل توسّل بالنبي ﷺ أو بالصالحين عبادةً لهم لمجرد وقوع التوسل.

بل يجب أن نميّز بين الدعاء الموجّه إلى الله، والتوسل إليه بوسيلة مختلف في حكمها، وبين توجيه العبادة إلى غير الله؛ وأن نبحث حقيقة كل صورة وما تتضمنه من أقوال واعتقادات.

فلا يكفي حسن القصد وحده لتصحيح كل فعل، ولا يكفي التشابه الظاهري للحكم على كل فعل بأنه شرك.

وهذا هو مقتضى العدل العلمي: أن نناقش الفعل بدليله، وأن نفرّق بين المسائل التي تختلف حقائقها وأحكامها.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

🔹 سادسًا: أين الإنصاف في التعامل مع أقوال العلماء؟

إذا كانت المسألة محل خلاف بين أهل العلم، فمن الإنصاف أن نعرض أقوالهم وأدلتهم، وأن نناقشها دون تحريف أو انتقاء.

فلا يجوز أن نعرض رأيًا واحدًا على أنه إجماع، ولا أن نتجاهل أقوال العلماء المخالفين، ولا أن نجعل رأيًا فقهيًا واحدًا هو المعيار الذي يُقاس به إيمان الناس وتوحيدهم.

ومن أراد ترجيح المنع في صورة من صور التوسل، فله أن يعرض أدلته ويناقش أدلة المجيزين، لكن ليس من حقه أن يقفز من ترجيح فقهي إلى الحكم على كل مخالف بالشرك وفساد العقيدة دون تفصيل.

كما ينبغي التفريق بين الحكم على قول أو فعل، والحكم على شخص بعينه؛ فلكل باب شروطه وضوابطه.

فالخلاف العلمي لا يُحسم بالتشنيع، والعقيدة لا تُصان بالتسرع في إطلاق الأحكام، وإنما بالعلم والعدل وفهم النصوص على وجهها.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

⚖️ الخلاصة: ناقشوا التوسل بالدليل، لا بالتشبيه بعبدة الأصنام!

نحن لا ننكر أن الله وحده المستحق للعبادة، ولا ننكر أن المشركين عبدوا معبوداتهم زاعمين أنها تقرّبهم إلى الله.

لكننا نرفض أن تتحول هذه الحقيقة إلى ذريعة للحكم على كل من توسّل بالنبي ﷺ أو بالصالحين بأنه مشرك؛ دون التفريق بين صور التوسل، ودون مناقشة أدلة العلماء الذين أجازوا بعض صوره.

فالآية التي تتحدث عن عبادة المشركين لمعبوداتهم لا تُغني عن إثبات أن الصورة المعينة التي يُناقش حكمها تدخل في العبادة التي ذمّها الله.

وآية قرب الله من عباده تثبت أنه يسمع دعاءهم ويجيبهم، لكنها لا تحسم وحدها جميع الأحكام المتعلقة بصور التوسل المختلف فيها.

فإذا أردت أن تثبت أن صورة معينة من التوسل محرّمة أو شركية، فناقش حقيقتها وأدلتها، ولا تكتفِ بتشبيه أصحابها بعبدة الأصنام.

إن نصرة التوحيد لا تكون بالخلط بين المسائل، ولا بتحويل كل خلاف فقهي إلى معركة في العقيدة، ولا باتهام المسلمين لمجرد مخالفتهم اجتهادًا فقهيًا.

بل تكون بالعلم والإنصاف، والتمييز بين الخطأ والشرك، وبين الخلاف الفقهي وأصل الاعتقاد، والرجوع إلى الأدلة وأقوال أهل العلم.

فليس كل متوسل عابدًا لمن يتوسل به، وليس كل خلاف في التوسل دليلًا على فساد العقيدة.

والواجب أن نزن الأقوال والأفعال بميزان العلم والعدل، لا أن نزن عقائد الناس بمدى موافقتهم لاجتهاداتنا.

والله تعالى أعلم.

آفة الغلو في الانتساب إلى السلفية

 


آفة الغلو في الانتساب إلى السلفية

«رأينا صواب لا يحتمل الخطأ، ورأي غيرنا خطأ لا يحتمل الصواب!»

حين يتحول الاعتزاز بالمنهج إلى احتكار للحقيقة، ويصبح المخالف متهمًا مهما بلغ من العلم والفهم والحكمة.


✦ مقدمة: حين يصبح الانتساب شهادةً بالحق المطلق!

من أخطر الآفات التي تصيب بعض المنتسبين إلى التيارات الدينية أن يتحول اعتزازهم بمنهجهم إلى اعتقاد راسخ بأنهم وحدهم على الحق، وأن مخالفيهم لا يملكون من العلم إلا ما يوافقهم، ولا من الفهم إلا ما يقرّ اجتهاداتهم، ولا من الحكمة إلا ما يؤيد مواقف شيوخهم.

وهنا تتحول العبارة الشهيرة: «رأينا صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب» من قاعدة في التواضع العلمي إلى شعار مقلوب في الممارسة:

رأينا صواب لا يحتمل الخطأ، ورأي غيرنا خطأ لا يحتمل الصواب!

فإذا وافقهم العالم رفعوا قدره، وإذا خالفهم انتقصوا منه؛ وإذا صدر الاجتهاد عن شيخهم قبلوه، وإذا صدر عن غيره بحثوا عن مآخذه ومزالقه؛ وإذا أخطأ من يحبونه التمسوا له الأعذار، وإذا أخطأ من يخالفونه جعلوا خطأه دليلًا على فساد منهجه وانحرافه.

وهكذا يصبح الانتماء إلى الجماعة معيارًا للحكم على الأقوال، بدل أن يكون الدليل هو المعيار الذي تُوزن به الأقوال والجماعات والأشخاص.

وليس هذا نقدًا للسلفية بوصفها دعوة إلى اتباع القرآن والسنة وفهم السلف الصالح، ولا إنكارًا لفضل العلماء الذين اجتهدوا في خدمة الدين؛ وإنما هو نقد لآفة الغلو في الانتساب، حين يتحول الشعار الديني إلى وسيلة لاحتكار الحق وإقصاء المخالفين.

فالمشكلة ليست في أن تعتقد أنك على الحق، بل في أن تعتقد أن الحق لا يمكن أن يوجد عند غيرك، وأن الخطأ لا يمكن أن يصدر ممن تنتسب إليه.

ومن هنا تبدأ الحكاية؛ حكاية التدين الذي يرفع الشعارات، لكنه قد يتعثر في امتحان العلم والأخلاق والإنصاف والعمل.


أولًا: القلوب… حين تنشغل بمحاكمة الآخرين عن إصلاح النفس

من أعظم مقاصد الدين تزكية النفوس، وإصلاح القلوب، وتطهيرها من الكبر والعجب والحسد والبغضاء، وتربيتها على الرحمة والتواضع والإنصاف.

وقد جعل القرآن الكريم تزكية النفس طريقًا للفلاح، فقال تعالى:

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ۝ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾.

لكن بعض الخطابات الدينية التي تستغرق في التبديع والتضليل والتصنيف تدفع أصحابها إلى الانشغال الدائم بأخطاء الآخرين، حتى يصبح تتبع الزلات جزءًا من حياتهم اليومية، وتتحول الخصومة الفكرية إلى حالة مستمرة من التوتر والارتياب.

فلا يكاد يمر يوم دون التحذير من داعية، أو إسقاط عالم، أو التشكيك في جماعة، أو تفتيش كلام المخالف بحثًا عن عبارة تُحمل على أسوأ المحامل.

وإذا لم يجدوا في كلامه ما يستوجب الإنكار، فقد يبحث بعضهم في نيته ومقصده، وكأن مخالفة اجتهاداتهم قرينة على فساد الباطن!

والأخطر من ذلك أن ينشأ الشاب على تصور أن كثرة التحذير من الناس دليل على سلامة منهجه، وأن قسوة العبارة علامة على قوة التمسك بالسنة، وأن الرحمة بالمخالف تساهل، والإنصاف له تنازل عن الحق.

وهنا نسأل:

أين نصيب هذه النفوس من محاسبة الذات؟ وأين أثر العلم في تهذيب الأخلاق؟ وكيف يصبح الإنسان حارسًا لأخطاء الآخرين، بينما لا يمنح أخطاء نفسه القدر نفسه من الاهتمام؟

إن سلامة القلب ليست أمرًا ثانويًا في الدين، كما أن حسن الخلق ليس زينة إضافية يمكن الاستغناء عنها بعد تحصيل المسائل العلمية.

وليس المقصود أن نترك الإنكار أو نتساهل في الباطل، وإنما أن نعرف الفرق بين إنكار الخطأ واحتقار المخطئ، وبين النصيحة والتشهير، وبين الغيرة على الدين والتشفي بالخصوم.

فليس كل من اشتد على المخالف كان أقرب إلى الحق، وليس كل من أكثر الحديث عن العقيدة قد استكمل أسباب تزكية النفس.

إن العلم الذي يزيد صاحبه كبرًا وعجبًا واحتقارًا للناس يحتاج إلى مراجعة أثره في النفس؛ فالمقصود من العلم ليس أن يزداد الإنسان استعلاءً على الخلق، بل أن يزداد معرفة بقدر نفسه، وبحاجته إلى رحمة الله، وبمسؤوليته عن العدل مع عباده.


ثانيًا: العقول… حين يصبح الولاء للأشخاص بديلًا عن الدليل

من أخطر مظاهر الغلو أن يتنازل الإنسان تدريجيًا عن استقلاله في الفهم والنظر، فيصبح ما يقوله الشيخ الذي يثق به حقًا بمجرد صدوره عنه، وما يقوله مخالفه موضع ريبة قبل أن يعرف حجته.

وهكذا يتحول احترام العلماء إلى تسليم مطلق، والثقة بهم إلى عصمة عملية، والانتماء إلى تيار معين إلى ميزان يُقبل به القول أو يُرد.

فبدل أن يسأل المرء: ما الدليل؟ وما وجه الاستدلال؟ وهل تنطبق هذه القاعدة على الواقعة؟ وما أقوال أهل العلم في المسألة؟ يصبح سؤاله الأول: من الذي قال هذا؟ وهل هو من جماعتنا أم من خصومها؟

فإن كان من جماعتهم قُبل قوله، وربما دافعوا عنه ولو ظهر ضعف حجته؛ وإن كان من مخالفيهم رُفض قوله، وربما فُتش عن أخطائه القديمة لتُتخذ حجة على بطلان كلامه الجديد.

وهذه ليست طريقة سليمة في طلب العلم، بل هي صورة من صور التعصب الذي قد يحجب الإنسان عن رؤية الحق إذا جاءه من طريق لا يوافق هواه.

ولا يعني ذلك أن كل مسلم مطالب بالاجتهاد في جميع أبواب الشريعة؛ فغير المتخصص مأمور بسؤال أهل العلم، ومن حقه أن يثق بمن يعرف علمه وأمانته. لكن هناك فرقًا كبيرًا بين سؤال العالم طلبًا للبيان، وبين تحويل أقواله إلى أحكام لا تقبل المراجعة.

العالم يُحترم، لكنه ليس معصومًا؛ والاجتهاد يُقدّر، لكنه ليس وحيًا؛ والانتماء لا يمنح صاحبه حصانة من الخطأ.

وتظهر خطورة هذا الخلل عندما تتبدل المواقف السياسية أو الفتاوى، فيُبرَّر كل تحول يصدر عن الشيخ أو التيار الموثوق، بينما يُستنكر التحول نفسه إذا صدر عن مخالف.

قد يُرفض العمل الحزبي في سياق، ثم يُقبل في سياق آخر، أو تُشدَّد الأحكام في قضية سياسية، ثم تُخفَّف في قضية مشابهة، من غير بيان واضح للفارق في الأدلة أو الوقائع أو المصالح والمفاسد.

ولا يصح أن نسمي كل اختلاف تناقضًا؛ فقد تتغير الفتوى لتغير الظروف، وقد تختلف الأحكام لاختلاف العلل والملابسات. لكن الواجب أن يكون هذا التغير مفهومًا ومبنيًا على اجتهاد معتبر، لا على ازدواجية المعايير أو الولاء للأشخاص.

وكذلك لا يجوز أن تُستخدم النصوص الشرعية لتبرير موقف سياسي مسبق، ثم تُهمل النصوص نفسها عندما لا تخدم ذلك الموقف.

إن القرآن الكريم يدعونا إلى التدبر والتفكر والنظر، ويحمّل الإنسان مسؤولية اتباع الحق بحسب علمه وقدرته، لا مسؤولية ترديد مواقف جماعته دون فهم.

ومن الوفاء للعلماء أن نعرف فضلهم ونحفظ مكانتهم، لا أن ننسب إليهم العصمة، أو نجعل الدفاع عن أخطائهم جزءًا من الوفاء لهم.

فمن كان صادقًا في طلب الحق، لم يجعل اسم القائل أهم من قوة الدليل، ولم يجعل مخالفة شيخه جريمة، ولا موافقته شهادة نهائية بالصواب.


ثالثًا: الألسنة… حين يتحول الجرح والتعديل إلى سلاح للخصومة

إذا أردت أن تعرف أثر العلم في صاحبه، فانظر إلى لسانه حين يختلف مع الآخرين.

هل ينقل أقوالهم بأمانة؟ هل يرد على حججهم أم يطعن في نياتهم؟ هل يفرق بين الخطأ وصاحبه؟ وهل يستطيع أن ينتقد عالمًا أو داعية من غير أن يحط من قدره أو يتجاوز حدود العدل؟

هذه أسئلة ينبغي أن يطرحها كل من يرفع شعار اتباع السنة والسلف الصالح.

فمن المؤسف أن تتحول بعض المنابر والحسابات الدينية إلى ساحات للتشهير والتنازع، وأن تُستسهل فيها أوصاف التبديع والتضليل والاتهام، وأن يُقتطع الكلام من سياقه، ثم يُبنى عليه حكم شامل في حق صاحبه.

وقد يكثر بعض الناس من الاستشهاد بأحاديث حفظ اللسان، ومنها قول النبي ﷺ:

«ليس المؤمن بالطعّان، ولا اللعّان، ولا الفاحش، ولا البذيء».

لكن العبرة ليست بحفظ الحديث وترديده، بل بظهور أثره في الخطاب والسلوك.

فما قيمة الاستشهاد بالنصوص التي تنهى عن الفحش إذا كانت الخصومة تجعل صاحبها يتساهل في أعراض المخالفين؟

وهنا لا بد من التمييز بين علم الجرح والتعديل، وهو علم أصيل من علوم الحديث، خدم به العلماء السنة النبوية، وبين إساءة استعمال مصطلحاته في الخصومات المعاصرة.

فالجرح والتعديل ليسا رخصة مفتوحة للطعن في كل مخالف، ولا لقبًا يمنح صاحبه حق تصنيف العلماء والدعاة، ولا وسيلة لتصفية الحسابات الشخصية والفكرية.

إن الحكم على الرجال يحتاج إلى علم وتثبت وعدالة، ومعرفة بمراتب الأخطاء، والتمييز بين الزلة العارضة والمنهج المستقر، وبين الخطأ المحتمل والخطأ الذي تقوم عليه حجة واضحة.

وليس كل من حفظ أسماء الرواة ومصطلحات المحدثين مؤهلًا للحكم على المعاصرين، كما أن امتلاك حساب واسع الانتشار أو القدرة على كتابة منشورات حادة لا يجعل المرء مرجعًا في الجرح والتعديل.

وقد يقع بعض المتصدرين في خطأ أشد من الخطأ الذي ينتقدونه؛ إذ يعيبون على مخالفيهم كلمة أو اجتهادًا، ثم يطلقون هم أحكامًا قاسية لا يراعون فيها الإنصاف ولا التثبت ولا التناسب بين الخطأ والحكم عليه.

ومن حق الباحث أن يرد على كتاب أو فتوى، وأن يكشف ضعف الاستدلال، وأن يناقش المناهج والأفكار، لكن ذلك كله لا يبيح الكذب أو البهتان أو التشهير أو تحريف كلام المخالف.

قوة الحجة لا تحتاج إلى قبح العبارة، وصحة المنهج لا تثبت بكثرة الخصوم، وكثرة التحذيرات لا تجعل كل تحذير صحيحًا.

وإذا كان العلماء قد اختلفوا عبر القرون، ورد بعضهم على بعض، فإن ذلك لم يكن مبررًا لمحو فضل المخالف أو إنكار علمه كله.

فقد يخطئ العالم في مسألة، ويصيب في مسائل أخرى، ويكون له فضل في التعليم والتأليف والإصلاح؛ والعدل أن يُعطى كل جانب قدره، لا أن يتحول الخطأ إلى ذريعة لإسقاط الشخص بأكمله.

ومن هنا فإن إساءة استعمال الجرح والتعديل لا تسيء إلى المخالفين وحدهم، بل تسيء أيضًا إلى العلم الذي يُرفع اسمه لتبرير تلك الممارسات.


رابعًا: السلوك… حين ينتصر الجدل على العمل والإصلاح

قد تجد إنسانًا حريصًا على الصلاة، مهتمًا بمظهره الديني، كثير الحديث عن السنن والبدع، شديد العناية بالمسائل الجزئية؛ وهذه أمور ينبغي أن تُوزن بميزان الشرع، ولا يصح الاستهانة بما كان منها مشروعًا.

لكن السؤال الذي لا بد منه هو: ما أثر هذا التدين في حياة صاحبه؟ وما نصيبه من خدمة أسرته ومجتمعه؟ وما إسهامه في تعليم الجاهل، وإعانة المحتاج، وإصلاح ذات البين، وبناء المشاريع النافعة؟

ليس المقصود أن كل مسلم مطالب بالانخراط في حزب أو جمعية بعينها، ولا أن كل عمل جماعي مشروع لمجرد أنه جماعي؛ فالأعمال تُقوّم بمقاصدها ووسائلها ونتائجها.

إنما موضع النقد هو أن يتحول التحذير من بعض التنظيمات إلى رفض عام لكل تعاون منظم، أو أن يستغرق الجدل الديني حياة الإنسان حتى لا يبقى لديه وقت للعمل النافع.

فكم من ساعة تُستهلك في سجال طويل حول مسألة جزئية، بينما يمكن أن تُصرف في تعليم طفل، أو إعانة أسرة محتاجة، أو إصلاح مسجد، أو نشر علم موثوق، أو المساهمة في معالجة مشكلة اجتماعية!

وكم من طاقة تُهدر في تتبع أخطاء الدعاة، بينما يحتاج المجتمع إلى من يعلّم أبناءه، ويرعى ضعفاءه، ويخفف آلام فقرائه، ويقدم صورة مشرقة عن أخلاق الإسلام!

إن خدمة الدين لا تقتصر على الكلام عنه، كما أن نصرة السنة لا تقتصر على الرد على مخالفيها؛ بل من نصرتها أن تتحول معانيها إلى صدق وأمانة ورحمة وإحسان وعمل نافع.

ولا ينبغي أن نخلط بين نقد العمل الجماعي من جهة شرعية معتبرة، وبين رفض كل مؤسسة أو مبادرة أو مشروع لمجرد وجود خلاف فكري مع القائمين عليه.

وفي المقابل، لا بد من الاعتراف بأن العمل الجماعي قد ينحرف إذا غابت عنه الشفافية والمحاسبة، أو استُخدم لتحقيق مصالح ضيقة؛ فالمعيار ليس الفردية ولا الجماعية في ذاتهما، وإنما صلاح المقصد والوسيلة والأثر.

والأمر نفسه ينطبق على التعاملات المالية: فالاختلاف المذهبي لا يُسقط حرمة الأموال، ولا يبيح الغش أو الخيانة أو أكل أموال الناس بالباطل.

ولا يصح أن ننسب استباحة الأموال أو التوسع في المحرمات إلى تيار كامل من غير أدلة محددة، لكن القاعدة الشرعية واضحة: لا يجوز للإنسان أن يستحل الحرام لأن صاحبه يخالفه، ولا أن يتخلى عن الأمانة لأن الطرف الآخر لا ينتمي إلى جماعته.

وهذا هو الاختبار الحقيقي للأخلاق الدينية: أن تبقى عادلًا مع من تختلف معه، أمينًا مع من لا تحبه، منصفًا لمن لا يوافقك.

فإذا كانت الخصومة تُسقط العدل، والانتماءات تُبيح الظلم، والخلافات تُعطل العمل النافع، فما الذي بقي من الثمار التي يُفترض أن يحققها التدين؟


خامسًا: فقه الأولويات… هل تُصلح الأمة بكثرة التصنيف والجدل؟

لا شك أن العقيدة والعبادات والسنن والبدع مسائل مهمة في الدين، ولا يجوز التقليل من شأنها أو الدعوة إلى إهمالها.

لكن الخلل يبدأ عندما تتحول بعض الجزئيات إلى محور الحياة الدينية كلها، بينما تُهمَل قضايا التعليم والفقر والجهل والفساد والتفكك الأسري وضعف المؤسسات وغياب المشاريع النافعة.

إن فقه الأولويات لا يعني إهمال المسائل الصغيرة، وإنما يعني وضع كل مسألة في موضعها، وإعطاء الواجبات والمصالح الكبرى ما تستحقه من جهد ووقت واهتمام.

فليس من المعقول أن تنشغل جماعة من الشباب سنوات طويلة في معارك لا تنتهي حول تصنيف هذا الداعية أو تبديع ذاك العالم، ثم لا يكون لهم إسهام يُذكر في تعليم الناس أو إصلاح مشكلاتهم أو تخفيف معاناتهم.

وليس من الحكمة أن تتحول الغيرة على السنة إلى خصومة دائمة مع المجتمع، أو أن يصبح الاشتغال بأخطاء الآخرين بديلًا عن بناء النفس وتأهيلها للقيام بواجباتها.

كما أن إحياء السنة لا يكون بتكرار الشعارات وحدها، بل بفهمها وتطبيقها، والاقتداء بالنبي ﷺ في عبادته وأمانته ورحمته وعدله وحسن معاملته للناس.

ومن الخطأ أيضًا أن نحمل تيارًا دينيًا كاملًا مسؤولية نشأة العنف أو التطرف دون دراسة موثقة للأسباب والمسارات والأدوار المختلفة؛ لكن من المشروع نقد كل خطاب يبرر العنف أو يغذي الكراهية أو يحتكر تمثيل الإسلام أو يقدم الأحكام المتسرعة على العلم والتثبت.

فالإصلاح لا يُقاس بعدد الخصومات التي نخوضها، ولا بعدد الأشخاص الذين نحذر منهم، بل بمقدار العلم النافع، والعدل، والرحمة، والعمل الذي نقدمه للناس.

وإذا كان الشاب قد انضم إلى تيار ديني طلبًا لنصرة الإسلام وخدمة السنة، فمن واجب المربين والعلماء أن يساعدوه على تحويل هذه النية إلى علم راسخ وعمل نافع، بدل أن يُترك أسيرًا لمعارك التصنيف والخصومة.


سادسًا: من يملك الحق؟ ومن يملك حق الحكم على الناس؟

من أخطر نتائج الغلو أن يختلط الدين بالجماعة، فيصبح نقد الجماعة نقدًا للدين، ومخالفة شيوخها مخالفة للسنة، والخروج عن اجتهاداتها خروجًا عن منهج السلف.

وحين يحدث ذلك، يصبح الاعتراف بالخطأ ضعفًا، والاعتذار هزيمة، والحوار تنازلًا، والإنصاف للمخالف خذلانًا للجماعة.

وهذه آفة لا تخص تيارًا واحدًا؛ فقد يقع فيها كل من جعل الولاء للأشخاص بديلًا عن الدليل، أو احتكر الحقيقة لنفسه، أو استباح كرامة المخالف بحجة الدفاع عن الحق.

أما منهج العلم والإنصاف فيقتضي أن نفرق بين النص الشرعي وفهمنا له، وبين العالم وقوله، وبين الخطأ وصاحبه، وبين النقد العلمي والطعن الشخصي.

فقد يصيب من نختلف معه في مسألة، وقد يخطئ من نوافقه في أخرى؛ وقد يكون عند العالم الذي ننتقده علم وخير لا يجوز إنكارهما، كما قد يكون عند العالم الذي نحبه خطأ ينبغي بيانه بالدليل والأدب.

وليس في ذلك تنازل عن الحق، ولا تسوية بين الصواب والخطأ، وإنما هو اعتراف بأن البشر غير معصومين، وأن الإنصاف واجب حتى مع المخالف.

إن أخطر التعصب ليس أن تخطئ في مسألة، بل أن تفقد القدرة على الاعتراف بإمكان خطئك، وأن تجعل انتماءك حائلًا بينك وبين رؤية الحق إذا ظهر لك من غير جماعتك.


الخاتمة: السلفية ليست احتكارًا للحقيقة، بل مسؤولية في العلم والعدل والأخلاق

إن السلفية التي تستحق المحبة والتقدير ليست مجرد شعار يُرفع، ولا قائمة أسماء يُوالى أصحابها ويُعادى مخالِفوهم، وإنما هي انتساب يُختبر بصدق الاتباع، وصحة الفهم، وعدالة الحكم، وحسن الخلق، ونفع الناس.

وليس المطلوب أن نتخلى عن العقيدة، أو نتساهل في الحق، أو نلغي النقد العلمي؛ بل المطلوب أن نعيد لكل شيء قدره، وأن نجعل العلم طريقًا إلى الهداية لا وسيلة للخصومة، وأن نجعل الغيرة على الدين باعثًا على الإصلاح لا مبررًا للإقصاء.

إننا بحاجة إلى شباب يتعلمون كيف يفهمون النصوص، ويميزون بين الثوابت والاجتهادات، ويعرفون قدر العلماء من غير تقديس، ويحترمون المخالف من غير أن يتنازلوا عن قناعاتهم، ويشتغلون ببناء المجتمع كما يشتغلون بنقد أخطائه.

وبحاجة إلى خطاب ديني يعلّم الناس أن الخلاف لا يبيح الظلم، وأن الرد على الخطأ لا يستلزم إسقاط صاحبه، وأن قوة الإيمان لا تُقاس بقسوة العبارة، وأن اتباع السلف لا يتحقق بمجرد مخالفة الآخرين.

أما الشباب الذين استنزفتهم المعارك الفكرية، وأصبح همهم الأكبر تصنيف الناس وتتبع أخطائهم، فلا ينبغي أن يكون التعامل معهم قائمًا على الشماتة والإقصاء، بل على النصيحة والحوار وفتح أبواب العلم والعمل النافع أمامهم.

فكم من طاقة يمكن أن تتحول من الخصومة إلى البناء، ومن التشهير إلى التعليم، ومن الجدل إلى الإصلاح، إذا وجدت من يأخذ بيدها ويوجهها إلى ما ينفع الدين والناس.

وفي النهاية، لنسأل أنفسنا جميعًا:

هل نبحث عن الحق لنتبعه، أم نبحث عما يؤيد مواقفنا لننتصر لأنفسنا؟

هل نزن الأقوال بأدلتها، أم نزن الأدلة بأسماء أصحابها؟

هل نريد إصلاح الأمة، أم نكتفي بتصنيف أبنائها؟

فالسؤال الأهم ليس: كم شخصًا خالفتُ دفاعًا عن الحق؟ بل: كم مرة أنصفتُ مخالفًا، وكم خطأً أصلحتُ في نفسي، وكم نفعًا قدمتُ للناس؟

هناك يبدأ الإصلاح الحقيقي، وهناك يظهر الفرق بين من يتخذ الانتساب إلى السلف شعارًا للخصومة، ومن يجعله مسؤولية في العلم والعدل والعمل.

والله ولي التوفيق.