الأحد، 12 مايو 2024

هل من فرقة ناجية اليوم؟

 

هل من فرقة ناجية اليوم؟

أ.د/ طه جابر العلواني

قال الرئيس الأمريكيُّ جورج بوش الأب غداة انتهاء ما عرف بـ«حرب الخليج الثانية» أو «حرب تحرير الكويت»“كنت أظنُّ أنَّ العالم الإسلاميَّ أسد نائم، وكنت شديد الخوف من إيقاظه، ولكن حربنا ضد صدام أثبتت أنَّ هذا الأسد لم يكن نائمًا، بل كان أسدًا من قش أو تبن”. لقد سقط كل ما هدَّد به «صدام حسين» وغيره في حينه، فلا أم المعارك ولا خالتها أغنت عنه شيئًا أمام بأس الأمريكان وبطشهم.

وتطايرت نياشينه ونياشين قادته الفحول التي جمعوها في تلك المعارك الوهميَّة ضد فصائل شعبهم من أكراد وغيرهم، وكل منهم يصلح أن يقال له وفيه:

أسدٌ عليَّ وفي الحروب نعامةٌ فتخاءُ تفزعُ من صفيرِ الصافرِ

ومع ذلك فهناك سؤال لا بد من طرحه ومناقشته؛ وهو كيف ولماذا صمد الجيش الصدَّاميُّ البعثيُّ بوجه إيران وقاتلها ثمانية أعوام، ونال منها ونالت منه؟ واستمر الكرُّ والفرُّ بينهما كل تلك الفترة الطويلة؟ ثم كيف ولماذا اجتاح «سيف العرب!! وصدَّام العرب البعثيِّ» الكويت في أربع ساعات، ثم لم يستطع أن يصمد لمثلها أمام الأمريكان؟! واستقبلهم بدخان «النفط الأسود» وأسلم “خمسين ومائة ألف” من عسكره من شباب العراق للقتل في خنادقهم سحقًا تحت جنازير الدبابات الأمريكيَّة؟ أهي «نفسيَّة العبيد»؟ فالعبد يجترئ على من يرى أنَّه مثله أو نظيره، ويهرب من وجه السيِّد ولو بدون قتال. فمجرَّد إدراك العبد بأنَّه في مواجهة سيِّد، أيّ سيِّد كان، حتى لو لم يكن سيّده هو، مجرّد ذلك كاف لانهياره وهزيمته! وذلك شأن «نفسيَّة العبد» كما قال الجاحظ!! ربَّما. أو هو الرصيد الثقافيّ المغرور المغشوش ورواسبه، يجعل “الطغام في أرضنا يستأسد، وعلينا يتنمر، وأمام أعدائنا يستخذي”؟ أو هو مجموع الرصيد الفكريِّ والفنيِّ والعقليِّ والثقافيِّ –بمجموعه المختلط- دمَّر النفس العراقيَّة، وهدم الوعي، وخلط الأوراق، وأحدث عمى القلوب، وهو عمى دونه بكثير عمى الأبصار؟ أو هو مجموع ذلك كلّه، قد حدث لمن ذهب ولمن جاء بعده؟!

إنَّ القرآن المجيد كان ولا يزال وسيبقى إلى يوم الدين مصدر النور والهدى، وبؤرة الإشعاع الهادي ومنطلق الهداية، ليس فيه حرف أو نبرة يمكن أن تبرز أو تعزز ثقافة مغشوشة خليطًا، كالتي تعشش في عقول وبيئآت غالبيَّة المسلمين وجمهرتهم، والسنَّة النبويَّة تتبع القرآن وتدور حوله حيث دار، منه تستمد نورها كما يستمد القمر نوره وضياءه من الشمس، فهي بريئة حين تصح عن الصادق الأمين –صلى الله عليه وآله وسلم- من كل زيف، خالية من كل اختلال أو اضطراب، فأين وكيف ومن أين جاءت كل تلك الأفكار المختلطة، والمذاهب المغشوشة، لتحتل عقول المسلمين، وتسوق بهم إلى ذلك الدمار الذي صار المشترك الأعظم بينهم، بحيث لا تكاد ترى الناجي أو تميزه من الهالك؟!

أهي الطريقة الحماريَّة في حمل الكتاب الكريم؟!

لحمل هداية القرآن طريقان؛ طريق حماريٌّ وطريق إنسانيٌّ.

فالطريق الحماريُّ: هو ما أوضحه القرآن المجيد في الآية الخامسة من سورة الجمعة: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.

وهذه الآية الكريمة سبقتها آيات امْتَنَّ الله -تبارك وتعالى- بها على الشعوب الأمِّيَّة، بأن أرسل فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياته (فيتعلمون منه القراءة الصحيحة السليمة)، ويزكيهم (فتحدث القراءة أثرها فيهم وتؤتي ثمرتها، وهي التزكية)، ويعلمهم الكتاب والحكمة التي بها يتمكنون من فقه الاستخلاف العمرانيِّ والقيام بمهامِّه بأحسن وجه وأتمه.

وتلك هي الطريقة الثانية، الطريقة الإنسانيَّة في حمل الكتاب: وهي التي أشارت إليها الآيات التي بيَّنت وظائف ومهام الرسول –الذي بعث في الأميِّين –صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه.

وإذا كان بنو إسرائيل قد حمِّلوا التوراة، ثم لم يحملوها إلا بالطريقة الحماريَّة، فذلك لم يكن شأنًا خاصًّا بهم؛ بل هناك أمم أخرى حمِّلت كتبًا سماويَّة ورسالات إلهيَّة، فلم تحملها إلا بـ«الطريقة الحماريَّة» ولم تفهمها إلا وفقًا لـ«أصول الفقه البقريِّ» الذي أصَّلت له يهود.


الأمة والجماعة:

إنَّ «الجماعة» -في كل ما صح عنه صلوات الله وسلامه عليه- لا يمكن أن يراد بها إلا «الأمَّة»؛ لأنَّ الشذوذ أو الخروج عن الجماعة في عهده –صلى الله عليه وآله وسلّم- خروج عن الأمَّة وتجاوز للملَّة؛ فالأمَّة هي التي امتنَّ الله -تبارك وتعالى- على المسلمين بجمعهم فيها، وضمهم تحت لوائها، وهي التي تعلَّقت بها الخيريَّة والوسطيَّة، وسائر الفضائل، وهي التي حرص -عليه الصلاة والسلام- على التحذير من الخروج عليها، أو الشذوذ عنها، وهي التي ألَّف الله -تبارك وتعالى- بين القلوب المؤمنة ليبنيها ويشكِّلها؛ ولذلك فإنَّه ليس من السهل حملها على طائفة أو فرقة، فالطائفة أو الفرقة أو المذهب جزء من الأمّة، إن هي أحسنت، وليست جِمَاعها أو مجموعها. والله أعلم.

حديث افتراق الأمة:

إنَّ حديث «افتراق الأمَّة»، والفرقة الناجية والفرق الهالكة حديث يصلح نموذجًا لتلك الأحاديث الضعيفة التي جرت تقويتها، ومنحها الشهرة، وتصويرها بصورة الصحيح المشهور لخدمة وتكريس الاتجاهات الطائفيَّة والأيديولوجيَّة. فقد استعمل هذا الحديث المحاط بالقوادح في إسناده ومتنه[1] لتعزيز «الفُرْقَةَ والاختلاف وتدمير وحدة الأمَّة والتأصيل لفرقتها»، فهو حديث في أصله ضعيف، لكن كل فرقة من الفرق وجدت فيه ما يمكن أن تستنصر به على الفرق والطوائف الأخرى؛ لتعتبر نفسها «الفرقة الناجية»، وكل ما عداها فرق هالكة ذاهبة إلى النار، وشهروه بتلك الطريقة، ثم استغنوا بشهرته عن طلب الإسناد له، بل لعل «علم الملل والنحل والفرق» ما ظهر، ولا أخذ كل ذلك الاهتمام والانتشار، لولا هذا الحديث المحمَّل بكل تلك العلل، ناهيك عن آثاره الخطيرة في علم الكلام. والحديث أخرجه مرويًّا عن أم المؤمنين عائشة –رضي الله عنها- ابن ماجة، وأخرجه عن عوف ابن مالك كما رواه أبو داود والترمذي والنسائيُّ وابن ماجة أيضًا، وهو ضعيف في روايته، وقد حاول البعض تقويته بأحاديث أخرى أسيء فهمها، أو جرى تأويلها لتقوِّي هذا الحديث، وما هي بمقوية له، وتلك هي الروايات المتعددة لقوله صلى الله عليه وآله وسلّم: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق حتى يأتي أمر الله».

فقد اعتبروا قوله صلى الله عليه وآله وسلّم: «لا تزال طائفة» أنَّ المراد بها الفرقة المشار إلى نجاتها في الحديث الضعيف.

والحديث الأخير صحيح متفق عليه، وهو يفيد أنَّ هذه الأمَّة -خلافًا لكثير من الأمم التي سبقتها- لن تصاب بالانحراف الجماعي الشامل كما حدث لبني إسرائيل حين ارتدُّوا ردَّة جماعيَّة وعبدوا العجل عدا هارون وموسى.

يؤيد هذا الفهم أحاديث: «لا تجتمع أمَّتي على خطأ» أو: «… على ضلالة».

وإذا تجاوزنا ضعف الإسناد في حديث الفرق، فإنَّه يحمل مجموعة مشكلات في المتن، فهو يشير إلى أنَّ هذه الأمَّة أسوأ من اليهود والنصارى، فقد زاد عدد فرقها على الطائفتين قبلها، وزاد عدد الفرق الذاهبة إلى النار منها على فرق اليهود والنصارى.

والله -تعالى- قد وصف هذه الأمَّة بقوله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ (فاطر:32).

ولم يُخرج أيًّا منهم من دائرة الأمَّة، والحديث يُنافي آيات الاعتصام بحبل الله ونبذ الفرقة، وكأنَّه يُقر هذه الفرقة؛ بل ويؤصِّل لها[2].

القلوب الغُلْفُ والنبوَّة:

كانت النبوات قد تجمَّع تراثها وتبلور في الظاهرة الإسرائيليَّة، لكي تكون نموذجًا للبشريَّة، تقتدي به وتتأسى بنظام حياته، ولكن بني إسرائيل الذين سلخوا من أعمارهم فترة طويلة في ظل الاستبداد والاستعباد الفرعوني واستحمار الفراعنة لهم، بحيث أورثوا طبيعة حماريَّة، تضافر على تشكيلها استعباد واستبداد واستحمار واستضعاف، فاستقبلت الرسالات بذلك المركب العقلي العجيب، الذي طبع مناهجها وطرائقها في الاستفادة من رسالات الأنبياء؛ ولذلك فإنَّهم حين حملوا التوراة لم يحملوها إلا كمثل الحمار يحمل أسفار، فهي  ألفت التعامل مع تراث النبوَّات تعامل الحمير، فهي تحمل ذلك التراث على ظهورها لا في قلوبها وعقولها، فعقولها وقلوبها غلف، وقد افتخروا بتلك القلوب: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ (البقرة:88) ومنغلقة أمام ذلك التراث، لا تسمح له أن يخالط بشاشتها، والحمار قد يزهو ببردعته الجديدة الجميلة التي تقي ظهره تأثير ما تحمل، ولكن لا يغيِّر ذلك من حماريَّته شيئًا، فخصائص الحماريَّة ثابتة فيه؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (الجمعة:5).

فالبرَدايم (paradigm) القائم على القوَّة والاستضعاف يُعيد إلى الذاكرة الاستقواء اليهوديَّ بالرومان على قتل السيد المسيح عليه السلام، وهو نموذج يُعين إلى حدٍّ كبير على حسن تحديد العلاقة -اليوم- بين إسرائيل وأمريكا، فرمز الشعب الفلسطينيّ الشيخ أحمد ياسين نصف جسد، وكأنَّ النصف المفقود من جسمه عُوِّض بطاقة عقليَّة وروحيَّة جعلته مخيفًا لجبروت أهل القوة الماديَّة، والسيد المسيح أعزل قابل للاستضعاف، طاقته كلّها جاءت من اصطفاء الله له نبيًّا ورسولًا، ومن تمثيله لتلك النبوة في سلوكه وسيرته وحياته.

أمَّا وسائل الدجَّال الأساسيَّة -التي تكمن في القدرة على إعطاء صور مغايرة لحقائقها على مستوى: الرب، والجنَّة، والنار، والنعيم، والعقاب، والعذاب… وما إليها- فهي الوسائل التي يستخدمها الإعلام الصهيونيُّ.

والمسيهوديُّون لعبوا هذا الدور بتفوُّق؛ فهم قد غيَّروا وبدَّلوا الوحي، وانحرفوا في معنى الوعد الإلهيِّ، وكذلك العهد الإلهيّ والأمانة وغير ذلك. وقد نبَّه القرآن المجيد إلى قدرتهم على ذلك بتحذير المسلمين المؤمنين من مجاراتهم في لغتهم: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (البقرة:104).

«علم الاجتماع» عند ابن خلدون يمثِّل تصورًا لمشروع تغيري عمراني للأمَّة المسلمة، يحتاج إلى إعادة قراءة في ضوء هذا الفهم لطبيعة الأمم في تلقِّي الهداية والأفكار والمعارف البنَّاءة.

إنَّ هناك منطلقًا آخر في فهم ما يجري، وهو منطلق قرآنيٌّ، يعتمد بالدرجة الأولى على فهم وتدبُّر الآيات العشر الأولى من «سورة الإسراء»، في ارتباط تام مع آيات «سورة الحشر»، ثم «سورة الجمعة»، دون غفلة عن «الوحدة البنائيَّة» للقرآن الكريم، التي تستدعي تتبُّع كل ما يتعلق بـ«التجربة الإسرائيليَّة» في كل سور القرآن المجيد للخروج بتصور دقيق عنها.

ونحن في عصر جعل القوى العظمى المهيمنة على مصير البشريَّة بعد الله (تعالى) تعلي أمن إسرائيل على أمنها وأمن الدنيا كلها؛ ولذلك فقد صار أمن إسرائيل يمثل البردايم (paradigm) الكامن وراء سائر السياسات الغربيَّة خاصَّة في أمريكا وأوروبا، فمواقفهم اليوم من شعوب الأرض كلها في سلمه وحربه مهما استقرأنا أسبابه فإنَّنا لابد أن نضع أمن إسرائيل في مقدمة ومؤخرة رؤوس صنَّاع القرار هناك، وهذا سوف يساعدنا كثيرًا على تفسير تلك المواقف المحيِّرة في بعض الأحيان، خاصَّة من قضايانا العربيَّة، وبصورة أخص قضايا البلدان والأقطار المحيطة بإسرائيل، وأي غفلة من صنَّاع القرار في هذه البلدان عن هذا العنصر الفاعل المؤثر تجعلنا نقع في كثير من الأخطاء، وتوجد بيننا وبين التصورات الدقيقة ضبابًا كثيفًا يحجب الرؤية، فحين تتدخل الدول الكبرى في العراق وتنهي وجود دولته وتفكك كل مؤسَّساتها، وتعمل في سوريا على إطالة فترة الاضطراب، وتتحرك يمينًا ويسارًا فيما يعد في نظرها مجالًا حيويًّا للأمن الإسرائيلي، فإنَّها قد تتجاهل قيمًا ومصالح وحقوق، وأمورًا كثيرة، ويقف الإنسان الذي لا يضع في حسبانه هذا العامل متحيرًا؛ لذلك فإنَّ أهم ما ينبغي التأكيد عليه في بناء حالة الوعي الجديد لدى أمتنا أنَّ مشكلاتنا لم تعد مشكلات تواجهها فئة واحدة من فئآت أي شعب، فالشيعة وحدهم في العراق لا يمكن أن يعالجوا مشكلاته، ولا أن يعيدوا له لحمته، ومثلهم السنة، لم يستطيعوا وحدهم بأي حال من الأحوال أن يعيدوا بناء ما هدم من تلك البلاد وحدهم، وكذلك الكرد، أو التركمان، ولا المسلمون في العراق وحدهم يستطيعون أن يعيدوا بناءه دون ملاحظة الأقليَّات الأخرى، خاصَّة وأن عصرنا هذا لا يعتمد على الكثرة العدديَّة ولا القلة، بل صار العدد أمرًا ثانويًّا أمام اعتبارات أخرى ومؤثرات أخرى.

لقد حكم السنغال التي يتجاوز عدد المسلمين فيها أكثر من التسعين في المائة شاعر نصراني، جدد السنغاليُّون انتخابه عدة مرات، وما تركوا الرجل يخلد إلى الراحة إلا بعد أن شاخ وكبر، ولم يقل أحد: كيف تختار هذه الأكثريَّة المسلمة هذا الشاعر النصراني (ليبولد سنغور) لرئاستها؟

فإذا ألغي تأثير العدد، والناحية العدديَّة، يبقى المقياس شيء آخر، وليكن من يستطيع أن يحقق لشعبه أو لأمته النجاح والفلاح، ويعينهم على بلوغ حالة الحياة الطيبة، ﴿.. فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً .. (النحل:97) والحياة الطيبة عنوان شامل لقضايا كثيرة جدًا، في مقدمتها تحقيق المصالح، ودرء المفاسد، وتحقيق الحماية، والأمن، والسلم الاجتماعي، وحماية أرواح الناس وعقولهم، وأموالهم، وأعراضهم، وحريَّاتهم في العبادة والتدين، وسلوكيَّاتهم القويمة، وأداء الأمانة، والحكم بالعدل، إلى غير ذلك، وهذا لا يتحقق بالانتماء إلى فئة، أو مؤسَّسة، أو قبيلة، أو طائفة أو مذهب، بل هي صفات وقيم يستوحيها الناس من مكونات عقولهم وقلوبهم، والمؤثرات في بناء شخصيَّاتهم.

ولقد زعمت يهود أنَّهم أبناء الله وأحباؤه، وكذَّبهم الله (جل شأنه) في ذلك، ونفى البنوَّة عنهم، بل قد نفاها عن رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (الأحزاب:40). إذن فلابد لنا من إعادة النظر في كثير من مفاصل الثقافة والتكوين العقلي والنفسي الذي أثَّر في شخصيَّة المسلم المعاصر، وجعلها شخصيَّة فيها كل هذه المعايب والمشكلات التي نلحظها ونستهجنها. والله الموفق.

[1] كتب المحدث اليمني محمد سالم عزَّان كتابًا في بيان علل الحديث ومصائبه طبع ونشر، فليرجع إليه.

[2] يربط بأحاديث المحصول التي خرجناها بهامش كتاب الإجماع فيه.

الخميس، 9 مايو 2024

الرد على كذب الوهابية السلفية بأن أبيات البرده للإمام البوصيري أنها أبيات شركيه .!

 شرح بعض أبيات البرده للإمام البوصيري رحمه الله.


التى يزعم الوهابية أنها أبيات شركيه.
#فمن_الأبيات_التي_اتهمت بالغلو، وهي من ذلك براء،
#قول صاحب البردة: محمد سيد الكونين والثقليـ ... ـن والفريقين من عرب ومن عجم والمعنى المقصود من هذا البيت هو بيان مكانة رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- بأنه سيد أهل الدنيا والآخرة، وسيد الإنس والجن، وسيد العرب والعجم، وهذا أمر مجمع عليه بين المسلمين، قال -صلى الله عليه وآله وسلم-: «أنا سيد الناس يوم القيامة». متفق عليه.
#ومنها قوله: يا أكرم الرسل ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم والمقصود بالحادث العمم هنا هو يوم القيامة، حين يتجه الناس إلى الأنبياء لطلب الشفاعة، كما ورد في حديث الشفاعة المتفق على صحته: «فيأتون آدم ونوحا وإبراهيم وموسى عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، فيعتذرون وكلهم يحيل على غيره، حتى يأتوا سيدنا عيسى عليه السلام فيقول: ائتوا محمدا -صلى الله عليه وآله وسلم- عبدا قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: فيأتوني، فأستأذن على ربي فيؤذن لي، فإذا أنا رأيته وقعت ساجدا، فيدعني ما شاء الله، فيقال: يا محمد، ارفع رأسك، قل تسمع، سل تعطه، اشفع تشفع، فأرفع رأسي، فأحمده بتحميد يعلمنيه، ثم أشفع، فيحد لي حدا، فأدخلهم الجنة، ثم أعود إليه فإذا رأيت ربي مثله ثم أشفع، فيحد لي حدا، فأدخلهم الجنة، ثم أعود الرابعة فأقول: ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن ووجب عليه الخلود».متفق عليه.
#ومنها قوله: فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم حيث اعترض على هذا البيت بأنه جعل الدنيا والآخرة من جود النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وجعل اللوح والقلم بعض علومه -صلى الله عليه وآله وسلم- فماذا بقي لله عز وجل من الجود والعلم وهذا الاعتراض ناشئ عن الجهل بالله تعالى؛ فإن جود الله تعالى لا ينحصر؛ لأنه لا نهاية لكرمه وجوده سبحانه ولا حد لهما، ولا ينكر كون الدنيا والآخرة من جوده صلى الله عليه وآله وسلم؛ فإنه الدال على الخير فيهما، لا على أنه خالق الجود، فإن هذا لا يقول به مسلم، وإنما على أن الله أجراه على يديه، فهو مقسمه والله معطيه، كما جاء في الصحيحين عنه -صلى الله عليه وآله وسلم- من حديث معاوية -رضي الله عنه-: «إنما أنا قاسم والله يعطي»، وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: «ما أعطيكم ولا أمنعكم؛ إنما أنا قاسم أضع حيث أمرت». فصح على هذا المعنى أنهما من جوده عليه الصلاة والسلام.
وفي هذا المعنى يقول الإمام الشافعي -رضي الله عنه- في "الرسالة" ص: 16، 17: "فلم تمس بنا نعمة ظهرت ولا بطنت نلنا بها حظا في دين ودنيا أو دفع بها عنا مكروه فيهما وفي واحد منهما، إلا ومحمد -صلى الله عليه- سببها، القائد إلى خيرها، والهادي إلى رشدها، الذائد عن الهلكة وموارد السوء في خلاف الرشد، المنبه للأسباب التي تورد الهلكة، القائم بالنصيحة في الإرشاد والإنذار فيها، فصلى الله على محمد وعلى آل محمد كما صلى على إبراهيم وآل إبراهيم إنه حميد مجيد". اهـ.
قال شيخ الإسلام إبراهيم الباجوري الشافعي عند هذا البيت من شرحه على البردة ص132: "وفي كلامه تقدير مضاف، أي: خيري الدنيا هدايته -صلى الله عليه وآله وسلم- للناس، ومن خير الآخرة شفاعته -صلى الله عليه وآله وسلم- فيهم". اهـ.
كما أن علم الله تعالى أزلي أبدي، وهو صفة من صفات ذاته، لا حد له ولا نهاية، وتعالى أن يحيط به مخلوق: لوحا كان أو قلما، فمن المحال إحاطة المخلوق بالخالق سبحانه أو بصفة من صفاته.
#كما أن علمه تعالى غير متوقف على وجود اللوح أو القلم، فقد علمهما قبل أن يوجدهما، والذي ورد في الحديث أن الله تعالى أمر القلم أن يكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، أي أن معلوماته مع كثرتها متناهية محصورة، فلو كانت "من" في كلام الناظم رحمه الله تعالى هنا للتبعيض وكان مراده أن اللوح والقلم بعض علومه -صلى الله عليه وآله وسلم- التي علمها إياه الله تعالى، فليس في هذا مساواة للمخلوق بالخالق أو وصف النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- بما يختص به الله تعالى، ويمكن أن يستدل لهذا القول بالأحاديث التي أخبر فيها النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- بما هو كائن إلى يوم القيامة: فمنها ما رواه البخاري في صحيحه معلقا بصيغة الجزم عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: «قام فينا النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- مقاما فأخبرنا عن بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم وأهل النار منازلهم، حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه».
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" 6/ 291، ط: دار المعرفة: "ودل ذلك على أنه أخبر في المجلس الواحد بجميع أحوال المخلوقات منذ ابتدئت إلى أن تفنى إلى أن تبعث؛ فشمل ذلك الإخبار عن المبدأ والمعاش والمعاد". اهـ.
ومنها ما رواه البخاري عن أسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنهما- «أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- حمد الله وأثنى عليه ثم قال: ما من شيء لم أكن أريته إلا رأيته في مقامي هذا؛ حتى الجنة والنار».
ومنها ما رواه البخاري ومسلم عن حذيفة -رضي الله عنه- قال: «لقد خطبنا النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- خطبة ما ترك فيها شيئا إلى قيام الساعة إلا ذكره؛ علمه من علمه وجهله من جهله».
ومنها ما رواه أحمد بسند صحيح من حديث سمرة -رضي الله عنه- قال: «كسفت الشمس فصلى النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- ثم قال: إني والله لقد رأيت منذ قمت أصلي ما أنتم لاقوه من أمر دنياكم وآخرتكم».
ومنها حديث رؤية النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- رب العزة جل وعلا في المنام، والذي جاء فيه قول النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: «فرأيته وضع كفه بين كتفي، حتى وجدت برد أنامله بين ثديي، فتجلى لي كل شيء وعرفت». رواه الإمام أحمد والترمذي وابن خزيمة والحاكم وصححه الإمام أحمد والبخاري والترمذي وابن خزيمة والحاكم من حديث معاذ بن جبل -رضي الله عنه-، ورواه الترمذي من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- مرفوعا بلفظ: «فعلمت ما بين المشرق والمغرب»، ولفظ الدارقطني في كتاب "الرؤية" من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-: «فعلمت ما بين السماء والأرض»، ورواه الدارقطني في "الرؤية" أيضا والطبراني في "الدعاء" من حديث عبد الرحمن بن عائش الحضرمي -رضي الله عنه- مرفوعا بلفظ: «فعلمت ما في السماء والأرض».
قال الحافظ ابن رجب الحنبلي في كتابه "اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى" -ص: 40 ط: مكتبة دار الأقصى-: "وفيه دلالة على شرف النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وتفضيله بتعليمه ما في السماوات والأرض وتجلي ذلك له مما تختصم فيه الملائكة في السماء وغير ذلك، كما أري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض.
وقد ورد في غير حديث مرفوعا وموقوفا أنه أعطي علم كل شيء خلا مفاتيح الغيب الخمس التي اختص الله عز وجل بعلمها". اهـ.
وفي شرح هذه البيت من البردة يقول الإمام العلامة الجلال المحلي في شرحه على البردة مخطوط ق: 23 أ، ب: "ومن علومك علم اللوح والقلم يقال: إن الله تعالى أطلعه على ما كتب القلم في اللوح المحفوظ، وعلى علوم الأولين والآخرين، وهذا من جاهه عند الله تبارك وتعالى". اهـ.
ويقول شيخ الشافعية في زمنه العلامة ابن حجر الهيتمي في "العمدة في شرح البردة" -ص669، ط: دار الفقيه بالإمارات-: "ووجه كون علم اللوح والقلم من بعض علومه -صلى الله عليه وآله وسلم- أن الله تعالى أطلعه ليلة الإسراء على جميع ما في اللوح المحفوظ وزاده علوما أخر؛ كالأسرار المتعلقة بذاته سبحانه وتعالى وصفاته". اهـ.
ولو نازع منازع في ذلك فغاية ما هنالك نقل هذه المسألة من حيز القطعية إلى الظنية، فلا يكفر المخالف فيها، وليس للمنازع أن ينقل المسألة من حيز الخلاف في ثبوت هذا المعنى في الكتاب والسنة أو عدم ثبوته إلى كونه شركا أو كفرا أو غلوا، على أنه يمكن أن تكون من هنا للجنس؛ أي: وعلم اللوح والقلم من جنس علومك، أي: أنهما علوم لدنية لا كسبية، ومصدرهما واحد وهو الحضرة الربانية، وحينئذ فلا ورود للاعتراض أصلا.
ومنها قوله: وكيف تدعو إلى الدنيا ضرورة من ... لولاه لم تخرج الدنيا من العدم وهذا المعنى قد ورد فيه جملة أحاديث، منها: ما رواه الحاكم في المستدرك والبيهقي في دلائل النبوة من حديث عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: «لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب، أسألك بحق محمد لما غفرت لي، فقال الله: يا آدم، وكيف عرفت محمدا ولم أخلقه؟ قال: يا رب لأنك لما خلقتني بيدك ونفخت في من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك، فقال الله: صدقت يا آدم؛ إنه لأحب الخلق إلي، ادعني بحقه فقد غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتك».
قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، وحسنه الإمام التقي السبكي في "شفاء السقام".
وروى الديلمي في "الفردوس بمأثور الخطاب" عن ابن عباس -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: «أتاني جبريل فقال: قال الله: يا محمد، لولاك ما خلقت الجنة، ولولاك ما خلقت النار».
ورواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" من حديث سلمان الفارسي -رضي الله عنه- بلفظ: «ولقد خلقت الدنيا وأهلها لأعرفهم كرامتك ومنزلتك عندي، ولولاك يا محمد ما خلقت الدنيا».
وروى الحاكم في المستدرك وأبو الشيخ في طبقات الأصفهانيين عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- موقوفا عليه: «أوحى الله إلى عيسى عليه السلام: يا عيسى، آمن بمحمد، وأمر من أدركه من أمتك أن يؤمنوا به؛ فلولا محمد ما خلقت آدم، ولولا محمد ما خلقت الجنة ولا النار، ولقد خلقت العرش على الماء فاضطرب فكتبت عليه: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فسكن». قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
وهذه الأحاديث والآثار وإن كان فيها أو في بعضها ضعف إلا أن معناها صحيح، فمعنى القول بأنه لولا سيدنا محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- ما خلق الله الخلق هو أن الله سبحانه وتعالى قال في كتابه العزيز: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ[٥٦]﴾ [الذاريات: 56].
فتحقيق العبادة هي حكمة الخلق، والعبادة لا تتحقق إلا بالعابدين، فالعبادة عرض قائم بالعابد نفسه، وأفضل العابدين هو سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فهو عنوان العبادة، وعنوان التوحيد، كما أن الآية تتكلم عن الجن والإنس ولا تتكلم عن الخلق أجمعين.
أما باقي ما في السماوات والأرض فهو مخلوق لخدمة الإنسان، قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ[١٣]﴾ [الجاثية: 13].
وسيدنا محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- هو عنوان الإنسانية، بل هو الإنسان الكامل.
وقد نص على صحة هذه المقولة كثير من العلماء؛ كالعلامة ملا علي القاري والعجلوني وغيرهما من الأئمة، وممن ذكر أنها مقبولة إذا فسرت بهذه المعاني الصحيحة في الكتاب والسنة الشيخ ابن تيمية الحنبلي رحمه الله؛ حيث يقول في "مجموع الفتاوى" 11/ 96 98: "وقد ظهر فضل نبينا -صلى الله عليه وآله وسلم- على الملائكة ليلة المعراج لما صار بمستوى يسمع فيه صريف الأقلام، وعلا على مقامات الملائكة.
ومحمد سيد ولد آدم، وأفضل الخلق وأكرمهم عليه؛ ومن هنا قال من قال: إن الله خلق من أجله العالم، أو: إنه لولا هو لما خلق الله عرشا ولا كرسيا ولا سماء ولا أرضا ولا شمسا ولا قمرا. ويمكن أن يفسر بوجه صحيح.
فإذا كان الإنسان هو خاتم المخلوقات وآخرها، وهو الجامع لما فيها، وفاضله هو فاضل المخلوقات مطلقا، ومحمد إنسان هذا العين، وقطب هذه الرحى، وأقسام هذا الجمع كان كأنها غاية الغايات في المخلوقات، فما ينكر أن يقال: إنه لأجله خلقت جميعها، وإنه لولاه لما خلقت، فإذا فسر هذا الكلام ونحوه بما يدل عليه الكتاب والسنة قبل ذلك". اهـ.

هل صحيح هذا القول { أميتوا الباطل بتجاهُلِه } .

 {أميتوا الباطل بتجاهُلِه}

{عملتُم دعاية مجانية للباطل}!
هذه كلمات تُقال عن باطلٍ خفي غير منتشر لا أثر له.
أما كلُ باطل ظاهرٍ وظاهرةٍ آثارُه وخطره
وقد التبس على كثيرٍ من الناس واغتروا به
فلا يقال فيه إلا :
أميتوه بكشفه
ويجب على المُستطيع بيانُه وكشفه وبيان الحق
وكشفُ اللبس.
ومن الكلمات الجامعة هنا قول ابن تيمية رحمه الله:(( ‏فإن بيان العلم والدين عند الاشتباه والالتباس على الناس أفضل ما عُبد الله -عز وجل- به، {هُوَ ٱلَّذِیۤ أَرۡسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلۡهُدَىٰ وَدِینِ ٱلۡحَقِّ لِیُظۡهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّینِ كُلِّهِۦۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِیدࣰا}))
قلتُ:
وكلُّ باطلٍ وشبهة كان عليها مشركو قريش فقد بيّنها القرآن وأبطلها وبيّن الحق وفصَّل الآيات ليستبين سبيلُ المجرمين.
وكما أن الله أحقَّ الحق بكلماته فقد أبطل الباطل بكلماته.
وكثيرٌ من الباطل انتشر واستفحل أمرُه وكثر أتباعه:
-بغفلة الغافلين عنه
-واستهانة من استهان به
-وظنهم أنه سيموتُ بالسكوت عنه .
وكلُّ باطل يُتأخر في الانتباه له والسعي في إبطاله يحتاج جهدا أكبر فيما بعد
ولا يتم حقٌ إلا بالفرقان بينه وبين الباطل
#ويبقى الأصل: بيانُ الإسلام والشريعة ومحكمات الدين
ومعه جنبا إلى جنب: ملاحظة الدعوات المُضلة والاهتمام بها عن كثب ( من المتخصصين في بابها)
تتكامل جهود الدعاة وطلبة العلم في ذلك.

حكم زيارة القبور وقراءة سورة يٰس ؟

 هذا الشيخ التركي مع صعوبة تَكَلُّمِهِ بالعربية إلاّٰ أنَّهُ يُزيل الوَهْم عن قلوب هؤلاء المتطرفين والمتشددين ، الوهم الذي عاشوا فيه طول حياتهم ، والوهم الذي جعلوهُ دين الله تعالى بحيث أنَّ مَنْ خالفهم فهو ضالٌّ مُضِلٌّ مُبْتَدِعٌ وفي نار جهنم .

عُموماً زيارة القبور جائزٌ ومشروعٌ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: ( كُنْتُ نهيتكم عن زيارة القبور ، ألاٰ فَزُوروها فإنها تُذَكِّرُ الآخرة )
رواه مسلم رقم ( ٩٧٧ ) ، والترمذي رقم ( ١٠٥٤ ) ، وأبو داود رقم ( ٣٢٣٥ ) .
وقراءة سورة يٰس على المحتضر اي الذي حضره الموت سنة ثابتة ، وقراءة سورة يس على الذي مات وخرج روحه سنة ثابتة بعد الغسل بدليل هذا الحديث:
عن معقل بن يسار رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: ( إقرءوا يٰس على موتاكم )
رواه ابو داود رقم ( ١٤٤٨ ) ، وابن ماجه رقم ( ٣١٢١ ) ، والبخاري في التاريخ الكبير ( ٨ / ٥٧ ) ، وابن أبي شيبة في المسند ( ٣ / ٢٣٧ ) ، والبيهقي في السنن ( ٣ / ٣٨٣ ) ، والحاكم في المستدرك على الصحيحين ( ١ / ٤٦٥ ) ، وأبو عبيدة في فضائل القران ( ص ١٣٦ ) ، والسيوطي في شَرْح الصدور في أحوال الموتىٰ والقبور ( ص ٤٤ ) ، وغيرُهم .
والميت ينتفع بقراءة القرآن عليه سواء قُبِرَ أم لم يُقْبَر .
قال الإمام النووي: وقال الشافعي والأصحاب: يُسْتَحَبُّ أنْ يقرءوا عنده - أي عند القبر - شيئاً من القرآن ، قالوا: فَإِنْ ختموا القرآنَ كُلَّهُ كانَ حَسَناً ، وروينا في سُنَنِ البيهقي بإسنادٍ حَسَن: ( أنَّ ابنَ عمر استحبَّ أنْ يُقْرَأَ علىٰ القبر بعد الدفن أوَّلُ سورة البقرة وخاتِمَتُها ) .
أنظر: سُنَن البيهقي ( ٤ / ٦ ) ، والأذكار ( ص ٢٧٨ ) ، ورياض الصالحين ( ص ٣٤١ ) والمجموع شرح المَُهذَّب ( ٦ / ٢٦٩ ) ، ودليل الفالحين لطُرق رياض الصالحين ( ٣ /٥٣٠ ) .
وَذَكَرَ الإمام القُرطُبي في كتابه: التَّذْكِرَة بأحوال المَوتَىٰ وأُمور الآخرة ، باباً سَمَّاهُ: باب ما جاء في قراءة القرآن عند القبر حالَةَ الدفن وبعده وأنَّهُ يَصِلُ إلىٰ الميِّت ثَوابُ ما يُقْرَأُ وَيُدْعَىٰ وَيُسْتَغْفَرُ لَهُ وَيُتَصَدَّقُ عليهِ .
أنظر: التذكرة ( ص ٧٦ ) .
وعن عبدالرحمن بن اللّجاج عن أبيه: ( أَنَّهُ أَوْصَىٰ إِذا دُفِنَ أَنْ يُقْرَأَ عند رأسِهِ بفاتحة البقرة وخاتمتها ، وقال: سمعتُ إبنَ عمر يوصي بذلك ) .
رواه الهيثمي في مجمع الزوائد رقم ( ٤٢٤٣ ) كتاب الجنائز ، باب ما يقول عند إدخال الميت القبر ، والطبراني في المُعجَم الكبير رقم ( ١٣٦١٣ ) وقال رجالُهُ موثوقون .
وعن إبن عباس رضي الله عنهما قال: ( مَرَّ النٍَبِيُّ ﷺ على قبرين ، فقال إنَّهما لَيُعَذَّبان ، وما يُعَذَّبان في كبير ، أَمَّا أحَدُهُمُا فكان يمشي بالنميمة ، وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله ، قال: فَدَعا بِعَسيب رَطْبٍ فَشَقَّهُ بإثْنَين ، ثُمَّ غَرَسَ علىٰ هذا واحداً ، وعلىٰ هذا واحداً ، ثُمَّ قال: لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عنهما ما لم يَيْبَسا ) .
رواه البخاري بهذه الأرقام ( ٢١٦ ) ، و ( ٢١٨ ) ، و ( ١٣٦١ ) ، و ( ١٣٧٨ ) ، و ( ٦٠٥٢ ) ، و ( ٦٠٥٥ ) ، ومسلم رقم ( ٢٩٢ ) ، وأبو داود رقم ( ٢٠ ) ، والترمذي رقم ( ٧٠ ) ، والنسائي رقم ( ٣١ ) ، وابن ماجه رقم ( ٣٤٧ ) .
قال الإمام النووي رحمه الله في شرح هذا الحديث: وأمَّا وَضْعُهُ ﷺ الجَرِيْدَتَيْن علىٰ القبر .... لِكَونِهِما يُسَبِّحان ماداما رَطْبَيْن ، وليس لليابس تسبيح ، وهذا مذهب الكثيرين أو الأكثرين من المفسرين في قوله تعالىٰ: ( وإِنْ من شيء إِلاّٰ يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم ) سورة الإسراء آية: ٤٤.
قالوا معناه: وإنْ مِنْ شَيْءٍ حَيْ ، ثُمَّ قالوا: حياةُ كل شيءٍ بِحَسْبِهِ ، فَحَياةُ الخَشَب مالم يَيْبَس ، إلىٰ أنْ قال: وَاسْتَحَّبَ العُلَماءُ قراءةَ القرآن عند القبر لهذا الحديث ، لأَنَّهُ إذا كانَ يُرْجَىٰ التَخفيف بتسبيح الجريد فَبِتِلاوة القرآن أولىٰ .
أنظر: شرح الإمام النووي على صحيح مسلم ( ٣ / ٢٢٥ ) .
هذا الحوار عند قبر سيدنا حمزة بن عبدالمطلب رضي الله عنه الذي أُستُشْهِدَ في معركة أُحُد .
( ١ / ١١ / ١٤٤٥ ) الهجري .
( ٩ / ٥ / ٢٠٢٤ ) الميلادي .


قيد التشغيل الن

الثلاثاء، 7 مايو 2024

السلفية الجامية.. أين تقف من مقاومة الاحتلال والحرب على غزة؟

 

السلفية الجامية.. أين تقف من مقاومة الاحتلال والحرب على غزة؟

مواقف السلفيين تختلف حول قضايا الأمة عموما والقضية الفلسطينية خصوصا..
مواقف السلفيين تختلف حول قضايا الأمة عموما والقضية الفلسطينية خصوصا..
في كلمة حديثة للدكتور عبد العزيز بن ريس الريس، أحد كبار رموز السلفية الجامية في المملكة العربية السعودية، نُشرت في 29 نيسان/ إبريل، تحت عنوان "أحداث غزة بين الائتلاف والاختلاف"، شدد فيها على أن "السلفيين كانوا على كلمة سواء في عدم مشروعية الجهاد في حالة الضعف، لكن طائفة منهم تغيرت اليوم" بحسب قوله.

وحذر أتباع السلفية التي باتت تعرف بالجامية والمدخلية من التفرق والاختلاف، موجها كلامه لهم بالقول "واجمعوا أهل التوحيد والسنة والسلفيين حتى لا تنزلق أقدامهم، والله إنه يخشى مع كل فتنة أن تخرج طائفة من شبابنا ويذهبوا إلى مستنقعات الإخوان المسلمين والسروريين وغير ذلك، وقد حصل هذا".

وأضاف: "لما وقعت هذه الفتنة في حالة غزة..، زل كثير من السلفيين في ذلك" متسائلا "أين هي التأصيلات المتفق عليها.. ولنرجع إلى ما كنا عليه قبل ذلك من أن الجهاد في حالة الضعف ليس مشروعا، وقد كان السلفيون سائرين على هذا ومتفقين، واليوم تغيرت طائفة منهم، فاتقوا الله وتذكروا ما كنتم عليه..".



اللافت في كلام الريس نسبة القول بعدم مشروعية الجهاد في حالة الضعف، حتى لو كان ضد العدو الصائل المحتل المغتصب كما في حالة فلسطين، إلى عامة الاتجاهات السلفية، بلا تفريق بينها، وكأنه حكم متفق عليه ومحل إجماع بينهم كما كرر ذلك في أكثر من موضع من كلمته المشار إليها.

الكاتب والباحث السياسي المصري، المتخصص في الحركات الإسلامية، الدكتور محمد جلال القصاص أرجع ذلك إلى كون عبد العزيز الريس "يرى أن السلفية هم الجامية فقط، الذين يرون عدم مشروعية المقاومة حال الضعف، ويتحدث إليهم وحدهم وكأنهم هم جماعة المسلمين، وهذه مشكلة عند المتحزبين عموما، فهم يرون أنفسهم الممثلين للظاهرة التي ينتمون إليها ويتجهون بعداوتهم لمن قاربهم في ذات الظاهرة الاجتماعية (التدين هنا)".

وأضاف: "فالمتحدث هنا يطالب أهله بالثبات على المبدأ (عدم القتال وقت الضعف)، وأن لا يختلفوا حتى لا يتقوى بخلافهم عدوهم (والعدو هنا هم من جاوره من الإخوان المسلمين والسروريين).. لكننا إذا ما حاولنا أخذ صورة شاملة للسلفيين فإننا سنجد أن السلفية تمتد من أقصى اليمين (الجهاديون التكفيريون كداعش وأخواتها)، إلى أقصى اليسار (من يتفق منهم مع المستبدين، ولا يرون قتال الكافرين بدعوى الضعف)، مرورا بالسلفية الدعوية والسلفية التي تنشط في العمل الاجتماعي (الخيري)".

وواصل القصاص حديثه لـ"عربي21" بالقول: "ففي كل مشهد يوجد سلفيون، والجزء الأكبر سائل متحرك بدافع ديني محافظ لا بفتاوى (الرموز)، ولا ينضبط بأطر حزبية، وعامتهم مع غزة وأهلها ويجاهر بهذا ليل نهار، ولا يشذ إلا القليل من الجامية، ولعل في كلمة الريس هذه دليل على أن الداخل الجامي منقسم على نفسه، وبعضه يؤيد أهل غزة، ويستحضر فتاوى (الألباني) في تأييد الجهاد الأفغاني ـ وقد كان في حالة ضعف أيضا ـ ".


                                  د. محمد جلال القصاص كاتب وباحث سياسي مصري

وتابع "إذا استثنينا الجامية من السلفيين فإن عامتهم منخرطون في المواجهة، فالفكر السلفي مواجه في الميدان الثقافي يرفض العلمانية الوضعية، ويواجه الاستشراق والتنصير، ويقدم أطروحات نقدية، ومن الأمثلة على ذلك ما قدمه الدكتور سفر الحوالي في نقد العلمانية والحضارة الغربية، ومحاولة ترجمة كتاب الجواب الصحيح؛ والفكر السلفي مواجه كذلك في المجال الأخلاقي، إذ نراه يتصدى لمظاهر الانحراف الأخلاقي في المجتمع، ويقدم وعظا يؤسس لقيم أخلاقية مصدرها الكتاب والسنة".

وأردف "وهو كذلك مواجه في المجال السياسي، فبين الثوريين يوجد سلفيون أيضا كحازم صلاح أبو إسماعيل؛ ومواجه في العمل المسلح، فلا تكاد ترصد ميدانا تدافع فيه الأمة عن وجودها إلا وفيه سلفيون.. ولا بد أن نعي جيدا أن الجامية لها خصوصية، فما يقال عنهم لا يصح تعميمه على باقي السلفيين".

وأكمل القصاص فكرته بالقول "والجامية لهم أطر خاصة بهم، فحينا ينطلقون من الحقد على الأقران، وحينا يكون الخلل من الأحادية في الرأي (الفتوى، وفهم النص الشرعي وتحقيق المناط)؛ وحينا يكون الخلل في السياق الذي يصرون على التواجد فيه وهو السياق السلطوي.." وفق رأيه.

من جانبه لفت الباحث الجزائري في الفكر الإسلامي، صهيب بوزيدي إلى أن "مواقف السلفيين تختلف حول قضايا الأمة عموما والقضية الفلسطينية خصوصا، فالجامية بكل فروعها، وعلى رأسها التيار المدخلي يرون الجهاد ممنوعا في زماننا إلا إن كان مع أمريكا ضد صدام حسين، أو مع فرنسا والفاغنر الروسي ضد ليبيا، أو مع السعودية بدعم من أمريكا ضد اليمن".

وتابع "أما الجهاد ضد الإسرائيليين فيصفون أهله بالخوارج والإرهابيين، وقد أفتى المداخلة بتصنيف حماس حركة إرهابية وخارجية ـ كأن سبب وصفهم لهم بالخوارج خروجها على إسرائيل ـ، بينما يدعم أشهر الشيوخ السلفيين المقاومة الفلسطينية ضد الصهاينة كالشيخ الحويني الذي صرح بأن ما تفعله حماس جهاد، وقال "ولا ينكر عليهم إلا المداخلة المبتدعة".


                                            صهيب بوزيدي باحث جزائري في الفكر الإسلامي

وأردف "وكثير من الشيوخ السلفيين في السعودية مسجونون، ومواقفهم من قضايا الأمة معروفة، فكل من الشيخ خالد الراشد، وسلمان العودة، وسفر الحوالي وغيرهم يرون الجهاد ضد الصهاينة من أولويات هذا العصر، لكن المداخلة كذبوا كذبة ثم صدقوها، فأقصوا كثيرا من السلفيين من الساحة ووصفوهم بالسرورية، ثم صدقوا أنهم الممثل الوحيد للسلفية في هذا العصر"ز

وردا على سؤال "عربي21" بشأن رأي السلفية الجامية في عدم مشروعية الجهاد في حالة الضعف، قال بوزيدي "بالنسبة لحالة الضعف قد لا يُفرض الجهاد ويُرخص في تفاديه لكنه لا يحرم، فمن المؤمنين من قد يأخذ بالعزيمة، ومنهم من قد يأخذ بالرخصة، ويجب أن تكون كلمتهم على قلب رجل واحد"ز

وأضاف: "ولو نظرنا إلى تاريخ الجزائر لوجدنا تصريحات القومية والحركي (عملاء فرنسا) آنذاك مطابقة لتصريحات المداخلة اليوم، كلهم كانوا يحتجون بقوة العدو على عدم جواز قتالهم، وها قد نالت الجزائر حريتها، وصار وصف (الڨومية) عارا على أهله، ولم يبق سوى الفخر بتاريخ المجاهدين والشهداء، ولو سمع المجاهدون آنذاك لأقوالهم لما تحررت الجزائر إلى اليوم".

وفي ذات الإطار وصف الأكاديمي المغربي، مدير مركز ابن غازي للأبحاث والدراسات الاستراتيجية، الدكتور إدريس مقبول "التيارات السلفية التي يعترض بعض رموزها اليوم على المقاومة في مسألة شرعية حقها في الدفاع عن فلسطين بداعي ما تسميه الضعف أمام عدوها الصهيوني بأنها تعيش "انفصاما مزدوجا تجاه التراث الذي تستند إليه في تقرير هذا الموقف".

وأردف: "كما تعيش حالة من التناقض المزمن في قبولها بتسلط أعداء الأمة عليها مع ما يترتب عليه من ضياع لحقيقة الأمة المادية والمعنوية حال وقوعها تحت سلطان غيرها، فلا يُتصور بحال قيام لكينونة الأمة ولا لوظيفتها الكونية باعتبارها أمة الشهادة؛ وشاهدة بالقسط وأمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذا لم تكن مستقلة حرة ذات سيادة على نفسها، وعلى أرضها تدفع عن نفسها من باب أخذها بالسنن لقوله تعالى (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض)".

وعن آثار ومآلات مواقف السلفية الجامية من مقاومة الاحتلال رأى مقبول في حواره مع "عربي21" أن "بعض تيارات السلفية بموقفها التخذيلي والانهزامي والتضليلي قد تحولت إلى أداة فساد من حيث حولت الدين نفسه إلى ألعوبة، وتحولت هي نفسها إلى أداة في يد الاحتلال وأنظمة الفساد من حيث تدري أو لا تدري، يزيد بها توهين المقاومة ومن يساندها حين جعلت من دفاع الإنسان عن أرضه وعرضه إهلاكا لها، وتعريضا لها للإتلاف"ز


د. إدريس مقبول، أكاديمي مغربي ومدير مركز ابن غازي للأبحاث والدراسات الاستراتيجية

واستبعد أن "يتم التطبيع مع الاستعمار الصهيوني، وأن يكون واقعا في حياتنا إلا بتزييف الدين في العقول وتحويله إلى مجرد فلكور، وتحويل العلماء إلى راقصين ومشعوذين يعبثون بنصوصه، يمثلون مع المتخلفين في كل عصر دورهم في تثبيط العزائم، وتفريغ الدين من محتواه التحريري والثوري ضد الظلم، في مقابل تقديم صورة عن الدين متساكنة مع الظلم، ومتساكنة مع الاحتلال مبررة لاختلال نظام العالم بفقد شرط القدرة أو العجز، وهذا النمط من الفقه هو عين العجز"ز

وقال "في الأدبيات الفقهية الموروثة هناك إجماع على أن دفع الصائل، أو ما يسمى بجهاد الدفع أو الدفاع عن الوطن بلغة العصر؛ وهو عين ما تقوم به المقاومة الفلسطينية لا خلاف حوله، ولا شرط فيه وبخاصة إذا تعلقت المفاسد فيه بالأعراض وبالأرض وبالأنفس، وإن وقع الخلاف في المال، ومن المعلوم للجميع أن العدو الصهيوني قد جاوز كل الحدود في الإفساد والاغتصاب وانتهاك أعراض الحرائر في كل تراب فلسطين، وفي سجونه كما تؤكد التقارير الحقوقية الأممية".

وتساءل في ختام كلامه "فكيف يتصور إنقاذ آلاف الأسرى عامة، والأسيرات خاصة ممن يعذبون، وتمتهن كرامتهم وإنسانيتهم في سجون العدو من غير آلية الضغط والتبادل التي دأبت عليها المقاومة، وضربت فيها أروع الأمثلة على حنكتها وتفوقها؟ ولهذا فإن ما يجري اليوم في غزة بمنزلة إعلان أخلاقي لواجب دفع الصائل والمعتدي الذي استهدف الأرض والعرض بدون وجه حق".

الأشاعرة هم حُرّاسُ عقيدة أهل السنّة والجماعة .

 إذا سُئلتَ عن السادة الأشاعرة فقل:


هم حُرّاسُ عقيدة أهل السنّة والجماعة، الذين بنوا عقائدهم على الكتاب والسنّة، وأيدوها بالحُجج العقلية، فجعلوا تلك العقيدة صخرة صلبة أمام هجمات الملحدين وغيرهم، نفوا عنها تحريف الغالين وانتحال المبطلين.
ومعظمُ مفسّري القرآن الكريم وشرّاح السنّة النبوية المطهرة وأئمة الفقه وفحول أصول الفقه وعلماء اللغة هم من السادة الأشاعرة، فهم ألوف الألوف من أهل العلم الكبار في هذه الأمة.
فإن قيل لك:
لكن بعض الأئمة قد قال في السادة الأشاعرة كذا وكذا.
فقل:
قضى الله تعالى أن يختلف أهل العلم فيما بينهم، وربّما اشتدّوا في هذا الاختلاف، وربّما بغى بعضهم على بعض، وقد حدث ما هو أشدّ من ذلك بين الصحابة رضي الله عنهم حتى اقتتلوا بالسيوف، ومع ذلك فلا نقول إلا:
"رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ"
فلا نذمُّ أحدًا من أهل العلم، ولا نخرج أئمة أهل السنّة والجماعة من حيّز أهل السنّة والجماعة، والذين يستدعون تلك الخلافات ليذموا السادة الأشاعرة في زماننا هذا ليسوا إلا دعاة فتنة وتفرقة بين المسلمين، وقطّاع طريق بين الأمة وتراثها الذي كتب معظمه الأئمة الأشاعرة.
فاحفظ هذا وكن منه على ذُكرٍ ولا يستخفنّك الذين لا يوقنون.

( الأشاعرة )


السؤال/ يوجد ممن يدّعي العلم بالقران والسنة من يكفر طائفة من المسلمين وهي ((الأشاعرة)) فما هو حكم من كفّرهم وما دور هذه الطائفة ((الأشاعرة)) في خدمة الإسلام؟
الجواب/
الأشاعرة هم أتباع أبي الحسن الأشعري الذي كان له الفضل الأسبق في تنقية عقائد أهل السنة والجماعة من الشوائب التي اعترتها من عقائد المعتزلة، وكان معظم أفذاذ الأمة وفطاحل علمائها من الأشعريين الذين لم يبلغ من يطعن بهم كعبهم علما وورعا وتقوى،منهم إمام الحرمين والغزالي وابن حجر العسقلاني وفخر الدين الرازي،ولم يكن لهم ذنب إلا أنهم حرصوا على دفع شُبَه المجسّمة عن الذات الإلهية التي أثبت له تعالى الجسم من خلال الآيات والأحاديث المتشابهة التي جاءت تحمل بظاهرها أنّ لله يدا وعينا وذراعا وإصبعا ونحو ذلك فقاموا بدحض شبهتهم باللجوء إلى المجاز؛ لأن المُشَبِّه لا يؤمن بنظرية التفويض فلا ترد إلا بنوع من التأويل،وعلى الرغم من ذلك فإنهم كانوا يرون أن التفويض وعدم الخوض في معرفة المراد منها هو الأسلم للعقيدة.
وكانت شُبهة من يكفرهم أنه اتهمهم بأنهم ينفون بعض صفات الله تعالى حيث ظنوا أنّ اليد والرجل والعين هي صفات له تعالى كالقدرة والإرادة والعلم، فكما أنّ له قدرة ليست كقدرتنا وعلما ليس كعلمنا فله يد ليست كيدنا وعين ليست كعيننا.
ولا يخفى أن لفظ اليد والعين والإصبع هي من أسماء الذوات وليست من أسماء الصفات، فإذا أطلقنا اليد تبادر إلى الذهن اليد الجسدية؛ ولكن إذا أطلقنا القدرة لا يتبادر إلى الذهن قدرة جسدية. فالقياس مع الفارق.
فإلقاء الملامة على الأشاعرة في التأويل أمام المشبِّهة اعتداء عليهم وظلم لهم وإنكار لفضلهم على العقيدة فضلا عن تكفيرهم، فإنّ من يكفرهم سيكون مشمولا بقوله (صلى الله عليه وسلم) ((إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما،فإن كان كما قال والا رجعت عليه)) متفق عليه. وبقوله ((من دعا رجلا بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك إلا حار – أي رجع – عليه)) متفق عليه.
وما مثل من يُكفّرهم أو يُكفّر الإمام الأشعري إلا كمثل فراش في مستشفى رأى طبيبا متخصصا ويحمل أعلى شهادة في الطب ويحمل أعلى الألقاب العلمية،وقد قرأ الفراش أو تعلم كيف يضمد الجرح وبعد تعلمه كيف يضمد الجرح يأخذ بالتطاول على الطبيب وينسب إليه الخطأ والجهل ويطعن به ويشكك الناس به وفي معلوماته.
أ.د عبد الملك عبد الرحمن السعدي