مسائل فقهية :
هل تصح صلاة الفرض داخل السيارة ( باص أو بولمان أوطائرة ونحو ذلك ) وهل عليه الإعادة إذا صلى ؟ ؟ سواء كان ضمن الوقت أو خارجه
الجواب :
نعم عند الحنفية تصح الصلاة المكتوبة منفرداً أو جماعة في السيارة أو في الطائرة بالإيماء ولا يعيد وإن وصل وفي الوقت سعة فلا إعادة
ولا يشترط له استقبال القبلة فيصلي حيث توجهت الراحلة
وكل ذلك في حال العذر كالمطر والطين والثلج والخوف من عدو أو سبع او خوف من قطاع الطرق إذا نزل من الراحلة أو صعوبة توقف وسيلة النقل وخاصة في وقتنا الحالي فإن شركات النقل لا تقف لأحد من اجل الصلاة وقد تفوته الصلاة قبل ان يصل إلى البلد الذي سافر إليه
فعن عمرو بن عثمان بن يعلى بن مرة عن أبيه عن جده : أنهم كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في مسير فانتهوا إلى مضيق وحضرت الصلاة فمُطروا ، السماء من فوقهم والبلة من أسفل منهم فأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على راحلته وأقام فتقدم على راحلته فصلى بهم يومئ إيماء يجعل السجود أخفض من الركوع . رواه الترمذي /٤١١/ .
وعن أنس بن سيرين قال : أقبلنا مع أنس بن مالك من الكوفة حتى إذا كنا بأطط أصبحنا والأرض طين ماء فصلى المكتوبة على دابته ثم قال : ما صليت المكتوبة قط على دابتي قبل اليوم . رواه الطبراني في الكبير /٦٨٠/ .
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على راحلته في السفر حيثما توجهت به ( وكان ابن عمر يفعل ذلك) . رواه النسائي /٤٩١/ .
وعن ابن عمر قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وهو مقبل من مكة إلى المدينة على راحلته حيث كان وجهه قال وفيه نزلت ( فأينما تولوا فثم وجه الله) . رواه مسلم /٧٠٠/ .
قال الله تعالى :{{ قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين }} [يوسف الآية: 108].
الأربعاء، 16 يونيو 2021
من هم القبوريون ... ؟ !!
من هم #القبوريون ... ؟ !!
المتمسلفة الوهابيون " سُعاة فتنة " ، لم يكد يسلم من شرورهم أحد ، هم أهل شغب ولغب ، فإن لم تكن منهم بلحية طويلة عريضة ، وقميصك إلى نصف ساقك ، ألصقوا بك كل أنواع التهم ، وألوان الإفتراء ... فأنت إما صوفي ، أو إخواني ، أو تبليغي ، أو أشعري ، أو مشرك ، أو كافر ، أو مبتدع ، أو فاسق ، أو ضال ، أو مقلد متعصب ، أو حزبي متسيس ، أو ماسوني متستر ، أوديمقراطي خرف ، أو شيوعي ملحد ، أو زنديق وافد ... وإن نقبوا في البلاد ، وفتشوا في العباد ولم يجدوا لك تهمة ، أو عثرة ، أو زلة ، تصيدوا لك العثرات ، وأوجدوا لك الزلّات ... بالشبهات الواهية ، والألفاظ المحتملة ... وإن أفلست جهودهم من ذلك كله ، بحثوا لك عن نقيصة في قاموس الشتائم حتى يجدوها ، فإذا ظفروا بها ، فلكأنما ظفروا بالعشيق في خدر الفتاة ، أو الزجاجة في جيب الغلام ... وإذا رأوا كاتبًا ، أو عالمًا ، أو داعية ، أو إمامًا ...لا يتفق معهم في دينهم الوهابي الجديد ، قالوا "فلان يترصد الزعامة "، أو "فلان يتقمص شخصية الكبار" ، وإن ترفقوا به قالوا " محترف علم " هذا إذا لم يجدوا له شبهة ترميه بالشرك ، والضلال ، والتبديع ، والتفسيق ... المتمسلفة الوهابيون يعارضون كل البدع إلا البدعة الكبرى التي تمزق شمل المسلمين ، وتكسر شوكتهم ، وتذهب بريحهم ، فهم أهل السبق والريادة فيها ... وما أكثر أهل العلم في بلاد المسلمين الذين صنّفهم الوهابية في خانة الضالين ، والقبوريين ، والأشعريين ، والمبتدعين ، والفسقة و.. و .. وغيرها من التهم ... المتمسلفة الوهابيون لا تكاد مجالسهم تخلوا من وقيعة في العلماء وأهل الفضل ، والسخرية منهم ، والإستهزاء بهم .. يسلقونهم بألسنة حداد ويحسبون أنهم يحسنون صنعًا ، يغتابون ، ويبهتون ، ولا يزال إبليس يُلبّس عليهم حتى تنالهم حرب الله التي لا تُرد عن القوم الذين يناصبون العداء لأولياء الله ... ولعل أكثر الذين نالهم الطعن ، والغمز ، والهمز ، واللمز ، والوقيعة في أعراضهم ، هم تلامذة الزوايا ، ومشايخ الزوايا ، والمنتسبين للطرق الصوفية ... وقد وجب علينا أن نَذُبَّ عن أعراضهم ، ونَرُدَّ الأذى عنهم ، بألفاظ مقدودة على قدودها ، بلا طول ، ولا قصر ... المتمسلفة الوهابيون يصفون تلامذة الزوايا ، ومشايخ الزوايا ، والمنتسبين للطرق الصوفية بـ " القبوريون " أي الذين يشدون الرّحال إلى زيارة القبور ، ويتمسحون بها ، ويطوفون حولها ، ويرجون النفع والضر من صاحب القبر ، ويتوجهون بالدعاء إليه ... وهو شرك محض .. هذه افتراءاتهم ، وهذا بهتانهم العظيم ... كل مَن زار قبر ، حتى ولو كانت زيارته شرعية ، غير بدعية ، اتهموه بالشرك دون ثبوت بيّنة شرعية ، ومن دون أدلة يقينية ... فإذا انتَسَبتَ للزوايا والطرق الصوفية وزُرتَ قبر أحدٍ من المسلمين فأنت لا محالة قبوري مشرك ... وهذا لعمري هو البُهت ، والإثم ، الإجرام بعينه ، لأن اللوثة التي تقينتها أنفسهم ظلمًا وعدوانًا هي تصنيف المسلمين ، فما دُمتَ من المنتسبين للزوايا ، والطرق الصوفية ، فأنت قبوري " مشرك " ... وشغلوا بهذه الأوهام ، والآثام ، والتشهير ، والتنفير ، أغرارًا من الناس حتى غدت " القبورية " تهمة تلازم المنتسبين للزوايا والطرق الصوفية ... بل قالوا عن " الصوفية " بأنهم فرقة ضالة مثل الرافضة ، والقرامطة ، والجهمية ، والمعتزلة ... ولعياذ بالله ... المتمسلفة الوهابيون غمسوا ألسنتهم في عقائد المسلمين ، وراحوا يفتشوا عنها حتى في دواخل نفوسهم ، وخلجات صدورهم ، وتفسير مقاصدهم ، ونيانتهم ... وسيعلم الله مَن هم أصحاب التوحيد الخالص يوم تُمَحَّص الضمائر ، وتُبلى السرائر ... " عقيدة التوحيد " في الزوايا هي أحد أهم المقررات الدراسية التي يتعلمها الصبيان ، كما يتعلمون السورة من القرآن ... ومن أوراد ـ تلامذة الزوايا ، ومشايخ الزوايا ـ الصباحية والمسائية [ اللهم إنّا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئا نعلمه ، ونستغفرك لما لا نعلمه ] ... وأذكارهم التي لا يفترون عنها بليل أو نهار هي "لا إله إلا الله ، محمد رسول الله " ، أو " لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، يحيي ويميت ، وهو على كل شيء قدير " يقولونها مئات بل آلاف المرات بخشوع وحضور قلب ... ويحاولون في خشوعهم عند الذكر الترقي في معرفة معاني لا إله إلا الله ... ثم بعد ذلك لا يستحي المتمسلفة المغرورين المخدوعين أن يصفوا المسلمين الموحدين لله بالمشركين ... الشرك بالنسبة إليهم تهمة " جاهزة " يجفلون إليها إجفالاً ، ويأتون إليها أَرسَالاً... ويتهافتون عليها تهافت الفراش على اللهب ، دونما تمحيص أوتدقيق ... المتمسلفة الوهابيون هم بلاء هذه الأمة ، لأن من أكبر شهواتهم الجامحة ، وملذاتهم الطافحة ...هي الوقيعة في أهل السنة ، وعلماء الأمة ، ممن لا يسدلون لحاهم ـ مثلهم ـ ويقصرون قمصانهم إلى نصف الساق ـ مثلهم ـ ويطعنون في كل مَن يخالفم ـ مثلهم ـ ... أما " القبوريون " فهي ليست شتيمة ، بل فضيلة من الفضائل ، فقد قال سيدنا رسول الله صل الله عليه وسلم : [ ألا وقد نهيتكم عن زيارة القبور ؟ ألا فزوروها ] ، و" الأشعرية " ليست تهمة ولا مسَبّة ، عقيدة أبو الحسن الأشعري هي عقيدة أهل السنة والجماعة ، وهي عقيدة كبار علماء المسلمين من عهد أبا الحسن الأشعري وإلى يوم الناس هذا ، و" التصوف " ليس بدعة ولا معايرة يُعيّر بها المتصوفة ، التصوف هو تزكية النفوس ، وهو مرتبة الإحسان التي تأتي بعد مرتبة الإسلام والإيمان ... لكن المتمسلفة الوهابيون أصحاب غرور واستعلاء ، وأهل أحقاد وضغائن على كل من ينتقدهم ويختلف معهم ... شتائمهم ، وتجريحهم ، ووقيعتهم بالمسلمين ... يرونها دين يتعبدون به ربهم ولعياذ بالله من انطماس البصيرة ... ولو حَسُن إسلامهم ، لسلم المسلمون من ألسنتهم الحادة ... لكن تأبى أنفسهم إلا التربص بالمسلمين ، و التوثب على أعراضهم ، وهو مسلك شائن وَسّع جراح الأمة ، وزاد فتوقها ، وقطع أرحامها ... وجرّها إلى فتن عظيمة جسيمة ... إن لم يتداركها المولى عز وجل بلطفه ، كانت ساحقة ماحقة ... لأن الأحقاد والضغائن ، وتضارب القلوب قد يؤدي إلى الاقتتال باسم الله ورسوله ، كما نرى ونسمع في ليبيا ، وتونس ، واليمن ، وسوريا ... لا قدّر الله .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بقلم : أ. محمد رميلات
قضاء النوافل والسنن الراتبة ?!
السؤال: شيخنا أنا اصلي في مكان العمل الفرض فقط دون السُنن لضيق الوقت، فهل أستطيع أن اقضي السنن الراتبة عندما أرجع الى البيت ؟ جزاكم الله خيرا.
الجواب: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعـد:
فقد اختلف الفقهاء في جواز قضاء النوافل والسنن الراتبة اذا انشغل عنها المصلي بعارضٍ ما حتى خرج وقتُها على قولين :
واستدلوا بما يأتي:
1- بما روي في الصحيحين عَنْ ام المؤمنين ام سلمة –رضي الله عنها- ((أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- صَلَّى رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ فَسَأَلَتْهُ عَنْهُمَا فَقَالَ : إِنَّهُ أَتَانِي نَاسٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ فَشَغَلُونِي عَنْ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ فَهُمَا هَاتَانِ)).
2- ولما روي عَنْ ام المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- : ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إِذَا لَمْ يُصَلِّ أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ صَلَّاهُنَّ بَعْدَهُ)) رواه الترمذي وحسنه الشيخ الألباني.
3- ولما روي في صحيح مسلم عن انس –رضي الله عنه- ان النبي – صلى الله عليه وسلم قال : ((مَنْ نَسِيَ صَلَاةً أَوْ نَامَ عَنْهَا، فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي})). فالسنن الرواتب صلاة مؤقتة فتدخل في هذا العموم ، فتقضى كالفرائض.
4- وكذلك لما روي في الحديث الصحيح عن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- : (( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا نَامَ مِنَ اللَّيْلِ، أَوْ مَرِضَ صَلَّى بِالنَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً )) رواه احمد في مسنده وابن حبان في صحيحه.
فقضى عليه الصلاة والسلام صلاة الليل مع أنها نافلة ، فدل هذا على مشروعية قضاء النوافل .
قال الامام النووي -رحمه الله تعالى- في المجموع [4/43 ] :(الصحيح عندنا : استحباب قضاء النوافل الراتبة ، وبه قال محمد –الشيباني-، والمزني ، وأحمد في رواية عنه ، وقال أبو حنيفة ومالك وأبو يوسف في أشهر الرواية عنهما : لا يقضي ، ودليلنا هذه الأحاديث الصحيحة) .
وقال الامام ابن قدامة المقدسي –رحمه الله تعالى- في المغني [2/89]: (وأما قضاء السنن الراتبة بعد العصر، فالصحيح جوازه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعله، فإنه قضى الركعتين اللتين بعد الظهر بعد العصر في حديث أم سلمة، وقضى الركعتين اللتين قبل العصر بعدها في حديث عائشة، والاقتداء بما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم – متعين).
وقال الامام المرداوي الحنبلي -رحمه الله تعالى- في الانصاف [2/187 ]: (ومن فاته شيء من هذه السنن سن له قضاؤها هذا المذهب -يعني مذهب الإمام أحمد- والمشهور عند الأصحاب).
وعن الامام ابي حنفية وابي يوسف تُقضى السُنن تبعا للفرائض الفائتة ولا تقضى منفردة عنها .
قال الامام بدر الدين العيني الحنفي –رحمه الله تعالى- في البناية شرح الهداية [2/574] : (ولهما – الامام وابو يوسف-أن الأصل في السُنّة أن لا تُقضى لاختصاص القضاء بالواجب، والحديث ورد في قضائهما تبعا للفرض فبقي ما رواه على الأصل، وإنما تقضى تبعا له.... وأما سائر السنن سوى سنة الفجر، فلا تقضى بعد الوقت وحدها ،أي إذا كانت بدون الفرضية ).
وقال القاضي عبدالوهاب البغدادي المالكي –رحمه الله تعالى- في الإشراف على نكت مسائل الخلاف [1/287 ] : (السُنن من الصلاة لا تقضى بعد انقضاء أوقاتها خلافاً لأحد قولي الشافعي لأنها صلاة نفل، فوجب أن تسقط بفوات وقتها كالكسوف؛ ولأنها سنة كالأضحى إذا انقضت أيام النحر، وكالتسمية إذا فرغ من الذبح).
هو ما ذهب اليه اصحاب القول الاول من أنه يُشرع قضاء النوافل والسنن الراتبة الفائتة بعذر، كالنوم أو النسيان أو الانشغال عنها فلم تُصلَّ في أوقاتها ، فتُقضى ولو في أوقات النهي على الراجح من كلام أهل العلم -جزاهم الله خيرا .
ولكن ينبغي على المسلم الحرص قدر الامكان على أداء صلاة النوافل والسنن الرواتب في أوقاتها المحدودة بالسُنّة الشريفة ، لأن هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- هو المواظبة عليها في أوقاتها . والله تعالى اعلم.
الأحد، 13 يونيو 2021
القرآن وحده لا يكفي !!
القرآن وحده لا يكفي !!
يقول الله عزّ وجلّ في كتابه: { وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل : 89]
أفلا نكتفي إذن بالقرآن لنعرف أمور ديننا ونترك ما سواه من "تراث" خلّفه لنا التاريخ، بما في ذلك السنة النبوية؟
أليس هذا هو الحلّ للتخلّص من الخلافات الكثيرة؟
فالقرآن كماوصفه الله عزّ وجلّ: {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت : 42](. فلم يدخله التحريف ولا النقص، ومن ثم يمكننا الاكتفاء به ولسنا
بحاجة إلى مرويّات السنة الكثيرة كي نفهم دين الله ونعمل به. هكذا يقولون.
سأجيب في هذا الفصل الموجز عن السؤال التالي: لماذا يستحيل الاكتفاء بالقرآن الكريم؟
حيث سأبيّن استحالة ذلك علميّا استنادا إلى ثلاثة مستويات من النقاش تكفي العقلاء في كشف تهافت هذه الدعوى.
#المستوى_الأول: كونهم عالة على التراث
إنّ هؤلاء الذين يدّ عون الاكتفاء بالقرآن، هم في الواقع لا يكتفون به، ولا يمكنهم فهم ما فيه من دون استخدام أدوات أخرى نقلها لنا سلفنا من علماء الأمة عبر العصور، وهم
يستخدمونها فعلا في كل خطاب يسطرونه.
وأول هذه الأدوات علوم اللغة العربية؛
فمنأين لهم أن يعرفوا معاني المفردات بل والتراكيب النحوية وأثرها على الدلالة والمعاني
البلاغية لولا ذلك التراث الضخم الذي نقله لنا علماء الأمة عبر التاريخ؟
ثم كيف سيعرفون دلالة الكثير من الآيات من دون أن يعرفوا أسباب نزولها؟
وهذه الأسباب موجودة في روايات السنة التي نقلها لنا علماء الأمة فيما يسمّونه هم ب"ال تراث"!
بل إنّ النصّ القرآنيّ نفسه مخدوم عبر العصور من علماء الأمة، ولولا هذه الخدمة"التراثية" لأصبح نصّا مستغلقا على الفهم؛ فكل علوم القراءات وكيفية تلاوة الكتاب
وتفسيره وشكلِ الأحرف وغير ذلك.. كلّ ذلك ممّا خلّفه لنا علماء الأمة في تراثنا الإسلامي الغنيّ.
ولو سلبنا هؤلاء المطالبين بالاكتفاء بالقرآن كلَّ ما ذكرناه من مرويّات السنة، ومن ضمنها أسباب النزول، مع القواميس والمعاجم وكتب النحو واللغة والبلاغة والحديث والتفسير وسائر علوم القرآن، وأزلنا النقاط والحركات عن المصاحف، وغير ذلك ممّ ا خلّفه
علماء الأمة من تراثٍ لخدمة كتاب الله؛ لبق ي القرآن أمامهم نصّا مستغلقا على الفهم، لا يمكنهم إعراب ألفاظه وفهمها فضلا عن التعامل معه كرسالة وخطاب يصوغ حياتهم.
فهُم في الواقع عالةٌ على التراث الذي يطالبون بالاستغناء عنه، ولا يمكنهم فهم القرآن من
دونه!
#المستوى_الثاني: القرآن يأمرنا بما لم يفصّل كيفيّة أدائه
تُعتبر دعوى الاكتفاء بالقرآن أيضا دعوى غير منطقية ولا يمكن تطبيقها؛ ذلك أنّ النصّ القرآنيّ المجرّد لا يُسعفنا في معرفة الكثير من أحكام هذا الدين وأسسه، فهو يأمرنا بإقامة
عبادات وشرائع لم يبيّن لنا كيفية أدائها.
فقد قال لنا الله في كتابه: }وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعيْ{. فما
هي الصلاة التي أمر بها الله في القرآن؟ وما هذه الصلوات الخمس التي نصلّيها كل يوم
وشروطُها وأركانُها غير موجودة في القرآن؟ وما هي الزكاة المأمور بها في القرآن؟ ومن أين أتت كل تلك الأحكام التفصيلية في الزكاة إلى أن أصبحت نظاما اجتماعيا يستخلص إعجا زه
كبارُ المتخصّصين في الاقتصاد؟
وقال لنا سبحانه في كتابه: } كتب عليكم الصيام{. فكيف سنطبّق هذا الأمر الإلهي
وأحكامُه ليست مفصّلة في القرآن؟
وقال لنا عزّ وجلّ }ولله على الناس حجّ البيت من استطاع إليه سبيلا{. فكيف
سنطبّق الأمر بالحج وأحكامُه ليست مفصّلة كلّها في القرآن؟
هذا في أركان الإسلام، فكيف إذا علمنا أنّ الكثير من الأحكام الأخرى التي يمارسها
المسلمون يوميا في حياتهم ومعاملاتهم، والتي لا يمكنهم القيام بدينهم من دون معرفتها
والعمل بها؛ غير مفصّلة في القرآن وبيانُها في السنة؟
بهذا يتّضح أنّ هناك الكثير من أسس الدين التي أمر بها كتابُ الله بينما لا نجد تفصيلها
فيه، فكيف يمكننا الاكتفاء به كما يدّعي هؤلاء؟ وكيف يأمرنا الله بشيء دون أن يفصّ ل لناكيفية أدائه؟!
لا مناص إذن من الإقرار بضرورة التزام السنة.
#المستوى_لثالث: القرآن يخبرنا بضرورة التزام السنّة
بالإضافة إلى ما ذكرنا سابقا، فإنّ من يقرأ كتاب الله يعلم تمامًا أنّ فيه آيات واضحةبيّنة ترشدنا إلى ضرورة اتّباع السنة، وإلى أنّ نصوص القرآن لا يمكن فهمها والعمل بها
من دون السنة.
يقول الله تعالى{بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل : 44]
والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلّم، يقول الإمام البغوي رحمه الله: "أراد بالذكر الوحي، وكان النبي صلى الله عليه وسلم مبيِّنًا للوحي، وبيان الكتاب يُطلب من السنة" اه.
ماذا يعني إلغاء هذا البيان (السنّة) والقول بأننا لسنا بحاجة إليه؟
يعني ببساطة تكذيب كتاب الله والزعم بأنّ الرسول صلى الله عليه وسلّم لم يبيّن ما
أنزل الله إليه للناس!
ويعني من جهة أخرى تكذيب الله عزّ وجلّ الذي قال في كتابه [ انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون )الحجر: 9(. فكيف يكون هذا الكتاب محفوظًا إذا ضاع بيانُه الذي بضياعه تندرس معالم هذا الدين؟!
ويقول تعالى: } {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} [البقرة : 151] .
والآية
واضحة في أنّ وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلّم ليست مجرّد بلاغ آيات الكتاب وتلاوتها، بل بالإضافة إلى ذلك: التزكية، تعليم الكتاب والحكمة. ولو اقتصرت الآية على قوله تعالى:
[ ويعلّمكم الكتاب ] لكانت حاسمة في أنّه لا يمكن الاكتفاء بالقرآن من دون تعاليم الرسولصلّى الله عليه وسلّم، فهي بيان القرآن. ولكنّ الآية لا تترك لصاحب شبهة مجالا لإنكاروجوب التزام السنة، فقد قال سبحانه: [ ويعلّمكم الكتاب والحكمة] ومهما تأوّلنا
المقصود ب"الحكمة" فالمعنى الواضح أنّها شيء زائد عن مجرّد إبلاغ آيات الكتاب، أي إنّهاتعاليم زائدة على ما في كتاب الله، وهو ما اصطلح العلماء على تسميته بالسنّة.
وهذه الآيات واضحة في وجوب اتّباع سنّة الرسول صلى الله عليه وسلّم، ومن هنا يظهر
#تهافت استدلالهم بقوله تعالى: [ ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لك ل شيء ] النحل: 89
علىعدم الحاجة إلى السنة، فالقرآن نفسه يخبرنا ويبيّن لنا أنّكم أيها المسلمون لن تتمكّنوا من
فهم كتاب الله كاملا والعمل بما أمر الله فيه إلا باتّباع السنّة التي جاء بها النبيّ صلى الله
عليه وسلم، ويكون هذا داخلا في معنى قوله سبحانه }تبيانًا لكلّ شَء{؛ فقد أمرنا
بالصلاة والزكاة والصيام والحج وغيرها، وجاءت كيفية القيام بها في سنّة الرسول صلى
الله عليه وسلّم، التي أخبرنا عزّ وجلّ في كتابه بضرورة اتّباعها، أي أنّ الكتاب بيّن لنا من
أين نعرف تفاصيل أحكام الدين وكيفية أدائها.
والآيات في ضرورة اتّباع سنّة الرسول صلى الله عليه وسلّم كثيرة، كقوله سبحانه: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء : 80]
80 (. وكقوله تعالى{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء : 59]
ولكن ما ذكرته في السابق يكفي
لإبراز تهافت دعوى الاكتفاء بالنصّ القرآني.
من هنا نفهم معنى ما رُو ي عن التابعي الشهير مكحول الشامي أنّه قال: "القرآن أحو ج إلَّ السنّة من السنّة إلَّ القرآن". فهي جملة مختصرة تعبّر عن فهم أولئك السلف الأوائل الراسخ والعميق لكتاب الله، وللعلاقة الصحّية الدقيقة بينه وبين السنّة النبوية. فلو
أنّ إنسانًا جلس أمام النبيّ صلى الله عليه وسلّم وهو يصلّّ ليوثّق كيفية صلاته، وصلاتُه عليه الصلاة والسلام سنّة واجبة الاتباع، فهو القائل: "وصلّوا كما رأيتموني أصلّّ"صحيح البخاري
هل سيحتاج إلى قول الله عزّ وجلّ }وأقيموا الصلاة{؟ بينما لو قرأ
مسلم قوله سبحانه }وأقيموا الصلاة{، لاحتاج بالضرورة إلى معرفة كيفية إقامتها منسنّة الرسول صلى الله عليه وسلّم
بقلم الاستاذ شريف محمد جابر
الجمعة، 11 يونيو 2021
منهجية في التعامل !
منهجية في التعامل !
هذه كلمات علمية عملية من إمام كبير وعلامة نحرير له سعة اطلاع وقوة فهم للنصوص واستنباط عجيب يخرج لنا بهما دررا وجواهر من القواعد والجمل والكلمات ..
قال الله تعالى
" وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ ۗ
إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا "
وجاء فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ لَمَّا اجْتَازَ بِدِيَارِ ثَمُودٍ قَالَ:
{لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُعَذَّبِينَ إلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ؛
فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ لِئَلَّا يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ}
قال شيخ الاسلام رحمه الله :
" فَنَهَى عَنْ عُبُورِ دِيَارِهِمْ إلَّا عَلَى وَجْهِ الْخَوْفِ الْمَانِعِ مِنْ الْعَذَابِ. وَهَكَذَا السُّنَّةُ فِي مُقَارَنَةِ الظَّالِمِينَ وَالزُّنَاةِ وَأَهْلِ الْبِدَعِ وَالْفُجُورِ وَسَائِرِ الْمَعَاصِي:
لَا يَنْبَغِي لِأَحَدِ أَنْ يُقَارِنَهُمْ وَلَا يُخَالِطَهُمْ إلَّا عَلَى وَجْهٍ يَسْلَمُ بِهِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَأَقَلُّ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مُنْكَرًا لِظُلْمِهِمْ مَاقِتًا لَهُمْ شَانِئًا مَا هُمْ فِيهِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ: {مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ
فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ}
وَقَالَ تَعَالَى:
{وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ} الْآيَةُ.
وَكَذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ عَنْ يُوسُفَ الصِّدِّيقِ وَعَمَلِهِ عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ لِصَاحِبِ مِصْرَ لِقَوْمِ كُفَّارٍ.
وَذَلِكَ أَنَّ مُقَارَنَةَ الْفُجَّارِ إنَّمَا يَفْعَلُهَا الْمُؤْمِنُ فِي مَوْضِعَيْنِ:
أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ مُكْرَهًا عَلَيْهَا
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي مَصْلَحَةٍ دِينِيَّةٍ رَاجِحَةٍ عَلَى مَفْسَدَةِ الْمُقَارَنَةِ
أَوْ أَنْ يَكُونَ فِي تَرْكِهَا مَفْسَدَةٌ رَاجِحَةٌ فِي دِينِهِ
فَيَدْفَعُ أَعْظَمَ الْمَفْسَدَتَيْنِ بِاحْتِمَالِ أَدْنَاهُمَا
وَتَحْصُلُ الْمَصْلَحَةُ الرَّاجِحَةُ بِاحْتِمَالِ الْمَفْسَدَةِ الْمَرْجُوحَةِ.
وَفِي الْحَقِيقَةِ فَالْمُكْرَهُ هُوَ مَنْ يَدْفَعُ الْفَسَادَ الْحَاصِلَ بِاحْتِمَالِ أَدْنَاهُمَا وَهُوَ الْأَمْرُ الَّذِي أُكْرِهَ عَلَيْهِ قَالَ تَعَالَى: {إلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} .." الفتاوى (15/ 324)
وقال ابن تيمية رحمه الله تعالى :
" وَالْمُؤْمِنُ مَشْرُوعٌ لَهُ مَعَ الْقُدْرَةِ أَنْ يُقِيمَ دِينَ اللَّهِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ بِالْمُحَارَبَةِ وَغَيْرِهَا
وَمَعَ الْعَجْزِ يُمْسِكُ عَمَّا عَجَزَ عَنْهُ مِنْ الِانْتِصَارِ
وَيَصْبِرُ عَلَى مَا يُصِيبُهُ مِنْ الْبَلَاءِ مِنْ غَيْرِ مُنَافَقَةٍ،
بَلْ يُشْرَعُ لَهُ مِنْ الْمُدَارَاةِ وَمِنْ التَّكَلُّمِ بِمَا يُكْرَهُ عَلَيْهِ مَا جَعَلَ اللَّهُ لَهُ فَرَجًا وَمَخْرَجًا
وَلِهَذَا كَانَ أَهْلُ السُّنَّةِ مَعَ أَهْلِ الْبِدْعَةِ بِالْعَكْسِ إذَا قَدَرُوا عَلَيْهِمْ لَا يَعْتَدُونَ عَلَيْهِمْ بِالتَّكْفِيرِ وَالْقَتْلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، بَلْ يَسْتَعْمِلُونَ مَعَهُمْ الْعَدْلَ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ " الفتاوى الكبرى
وقال رحمه الله :
" من أعان ظالما في الأفعال فإن الأفعال لا تقع إلا عن إرادة ;
فالظالم يطرد إرادته فيصيب من أعانه أو يصيب ظلما لا يختاره هذا
فيريد المعين أن ينقض الطرد ويخص علته
ولهذا يقال : من أعان ظالما بلي به ... " الفتاوى 4/48
وقال رحمه الله:
« ﻳﺤﺮﻡ ﻋﻠﻰ اﻹﻧﺴﺎﻥ ﺃﻥ ﻳﺬﻫﺐ ﺇﻟﻰ ﺣﻴﺚ ﻳﺤﺼﻞ ﻟﻪ ﺿﺮﺭ ﻓﻲ ﺩﻳﻨﻪ،
ﻓﺄﻣﺮﻩ ﺑﺎﻟﻜﻒ ﻋﻦ اﻟﺬﻫﺎﺏ ﺣﺘﻰ ﻳﻈﻬﺮ ﺃﻭ ﻳﺘﺒﻴﻦ ﻟﻪ ﻓﻲ اﻟﺒﺎﻃﻦ ﺃﻥ ﻫﺬا ﻣﺼﻠﺤﺔ؛
ﻷﻧﻪ ﺇﺫا ﻟﻢ ﻳﺘﺒﻴﻦ ﻟﻪ ﺃﻥ اﻟﺬﻫﺎﺏ ﻭاﺟﺐ ﺃﻭ ﻣﺴﺘﺤﺐ ﻟﻢ ﻳﻨﺒﻎ ﻟﻪ ﻓﻌﻠﻪ،
ﻭﺇﺫا ﺧﺎﻑ اﻟﻀﺮﺭ ﻳﻨﺒﻐﻲ ﻟﻪ ﺗﺮﻛﻪ، ﻓﺈﺫا ﺃﻛﺮﻩ ﻋﻠﻰ اﻟﺬﻫﺎﺏ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻋﻠﻴﻪ ﺣﺮﺝ ﻓﻼ ﻳﺆاﺧﺬ ﺑﺎﻟﻔﻌﻞ.
ﺑﺨﻼﻑ ﻣﺎ ﺇﺫا ﻓﻌﻠﻪ ﺑﺎﺧﺘﻴﺎﺭﻩ ﺃﻭ ﺷﻬﻮﺗﻪ؛ ﻭﺇﺫا ﺗﺒﻴﻦ ﻟﻪ ﺃﻧﻪ ﻣﺼﻠﺤﺔ ﺭاﺟﺤﺔ ﻛﺎﻥ ﺣﺴﻨﺎ.
ﻭﻗﺪ ﺟﺎءﺕ ﺷﻮاﻫﺪ اﻟﺴﻨﺔ: ﺑﺄﻥ ﻣﻦ اﺑﺘﻠﻲ ﺑﻐﻴﺮ ﺗﻌﺮﺽ ﻣﻨﻪ ﺃﻋﻴﻦ، ﻭﻣﻦ ﺗﻌﺮﺽ ﻟﻠﺒﻼء ﺧﻴﻒ ﻋﻠﻴﻪ ﻣﺜﻞ ﻗﻮﻟﻪ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ﻟﻌﺒﺪ اﻟﺮﺣﻤﻦ ﺑﻦ ﺳﻤﺮﺓ :
"ﻻ ﺗﺴﺄﻝ اﻹﻣﺎﺭﺓ ﻓﺈﻧﻚ ﺇﻥ ﺃﻋﻄﻴﺘﻬﺎ ﻋﻦ ﻣﺴﺄﻟﺔ ﻭﻛﻠﺖ ﺇﻟﻴﻬﺎ ﻭﺇﻥ ﺃﻋﻄﻴﺘها ﻋﻦ ﻏﻴﺮ ﻣﺴﺄﻟﺔ ﺃﻋﻨﺖ ﻋﻠﻴﻬﺎ".
ﻭﻣﻨﻪ ﻗﻮﻟﻪ: ﻻ ﺗﺘﻤﻨﻮا ﻟﻘﺎء اﻟﻌﺪﻭ، ﻭاﺳﺄﻟﻮا اﻟﻠﻪ اﻟﻌﺎﻓﻴﺔ، ﻓﺈﺫا ﻟﻘﻴﺘﻤﻮﻫﻢ؛ ﻓﺎﺻﺒﺮﻭا ». الفتاوى 10/ 521
وقال رحمه الله:
"فالمؤمن إذا كان بين الكفار والفجار لم يكن عليه أن يجاهدهم بيده مع عجزه، ولكن إن أمكنه بلسانه وإلا فبقلبه،
مع أنه لا يكذب ويقول بلسانه ما ليس في قلبه،
إما أن يظهر دينه، وإما أن يكتمه، وهو مع هذا لا يوافقهم على دينهم كله، بل غايته أن يكون كمؤمن آل فرعون، وامرأة فرعون،
وهو لم يكن موافقا لهم على جميع دينهم، ولا كان يكذب،
ولا يقول بلسانه ما ليس في قلبه، بل كان يكتم إيمانه،
وكتمان الدين شيء وإظهار الدين الباطل شيء آخر،
فهذا لم يبحه اللَّه إلا لمن أكره بحيث أبيح له النطق بكلمة الكفر،
واللَّه تعالى قد فرق بين المنافق والمكره. . .
بل المسلم يكون أسيرا أو منفردا في بلاد الكفر،
ولا أحد يكرهه على كلمه الكفر ولا يقولها، ولا يقول بلسانه ما ليس في قلبه،
وقد يحتاج إلى أن يلين لناس من الكفار؛ ليظنوه منهم،
وهو مع هذا لا يقول بلسانه ما ليس في قلبه، بل يكتم ما في قلبه،
وفرق بين الكذب، وبين الكتمان،
فكتمان ما في النفس يستعمله المؤمن حيث يعذره اللَّه في الإظهار،
كمؤمن آل فرعون،وأما الذي يتكلم با لكفر فلا يعذره، إلا إذا أكره،
والمنافق الكذاب لا يعذر بحال، ولكن في المعاريض مندوحة عن الكذب،
ثم ذلك المؤمن الذي يكتم إيمانه يكون بين الكفار الذين لا يعلمون دينه،
وهو مع هذا مؤمن عندهم يحبونه ويكرمونه؛لأن الإيمان الذي في قلبه يوجب
أن يعاملهم بالصدق والأمانة والنصح وإرادة الخير بهم،
وإن لم يكن موافقا لهم على دينهم،
كما كان يوسف الصديق يسير في أهل مصر، وكانوا كفارا،
وكما كان مؤمن آل فرعون يكتم إيمانه، ومع هذا كان يعظم موسى
وَيَقُولُ: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ}" منهاج السنة
رحم الله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة واسعة واسكنه فسيح جناته
اللهم سددنا والهمنا رشدنا وعلمنا وزدنا علما وانفعنا وانفع بنا .
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
هذا اختصار لكلمات ابن تيمية التي نقلتها لكم في المقال السابق ( منهجية التعامل ) .. !
* ان كان ولابد من مخالطة الظلمة والعصاة فعلى المسلم ان يكون منكرا عليهم ظلمهم ومعاصيهم بقلبه وهذا اضعف الإيمان الواجب عليه فعله .
** وجواز اختلاطك بهم إما مكرها أو لأجل مصلحة دينية ترجوها
والمكره هنا حاله انه أخذ أدنى المفسدتين وليس تشهيا ودنيا
*** وعلى المسلم المستضعف او العاجز عن الإنتصار ان يصبر على البلاء الذي هو فيه ويحذر النفاق
وله ان يداري بكلامه لسلامة نفسه ودينه
وفرق بين المداراة والنفاق والمداهنة .
قال القرطبي رحمه الله في الفرق بينهما: (أنَّ المدَاراة: بذل الدنيا لصلاح الدنيا أو الدين أو لهما معًا، وهي مباحة وربما استحبت. والمداهنة: ترك الدين لصلاح الدنيا).
في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها: " أن رجلاً استأذن على النبي صلى الله عليه و سلم فلما رآه قال: بئس أخو العشيرة وبئس ابن العشيرة،
فلما جلس تطلق النبي صلى الله عليه وسلم في وجهه وانبسط إليه!!
فلما انطلق الرجل قالت له عائشة: يا رسول الله حين رأيت الرجل قلت له كذا وكذا ثم تطلقت في وجهه وانبسطت إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عائشة متى عهدتني فحاشاً؟! إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره."
" والنبي صلى الله عليه وسلم إنما بذل له من دنياه حسن عشرته والرفق في مكالمته ومع ذلك فلم يمدحه بقول، فلم يناقض قوله فيه فعله، فإن قوله فيه قول حق وفعله معه حسن عشرة. " فتح الباري لابن حجر
**** وعلى المسلم ان يعلم ان ارادة الظالم ظلم الناس قد تصيب من يعينه فإرادة الظلم قد تنال من هو معه وقريب منه
فليحذر إعانته حتى لايبتلى به فيقع عليه ظلمه .
ولهذا قيل من اعان ظالما ابتلي به
***** وعلى المسلم ان لا يذهب الى شيء إلا إذا كان له فيه مصلحة راجحة
فهناك أشياء او أحوال إن قُدّرَت عليك من غير سعي منك لها يعينك الله عليها
وإن أنت تعرضت لها توكل لها .. والمسلم من غير عون الله له يخذل في سعيه.
****** ولايجوز في وقت الاستضعاف استعمال الكذب واظهار الكفر من غير إكراه
بل للمسلم كتم إيمانه لأجل سلامته
وقد يكون تعامل المسلم الذي يكتم إيمانه مع القوم الذين يعيش بينهم بصدق ونصح وأمانة وإرادة الخير لهم
فيكون هذا الخلق منه سببا في إكرامهم له ومحبتهم له
اللهم سددنا والهمنا رشدنا اللهم احفظنا في ديننا ودنيانا يارب العالمين
وصل يارب وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
كيف ظهرت مدرستان في التعامل وفهم النص الشرعي ؟!
( لا يصلين احد منكم العصر الا في بني قريضة )
منذ الانطلاقة الاولى للاسلام ظهرت مدرستان
في التعامل وفهم النص الشرعي
المدرسة الاولى :
هي المدرسة الحرفية ان صح التعبير والتي تفهم أن ظاهر النص هو الغاية التي ينبغي تحقيقها
المدرسة الثانية :
هي المدرسة المقاصدية التي تنظر الى ما وراء النص وتعمل على تحقيق المقاصد والمآلات من النص .
كلا المدرستين يأخذ من الاخر احيانا ولكن المشكلة حين ظهر التعصب فصار اهل المدرسة الاولى يرمون الثانية بالبدعة
وصار الاخرون يرمون خصومهم بالجمود والانغلاق ...
نحن اليوم بعد قرون مديدة من تشكل هذه المدارس لن نستطيع قطعا ان نصهرها في بوتقة واحدة وليس هذا مطلوب منا اصلا ..
لكن ينبغي ان يحترم كل طرف وجهة نظر الاخر ولا يسفهها ..
المطلوب ليس ان نتحد على الفروع وانما على الاصول .
انتقاد الحركة الإسلامية الفلسطينية!!؟
انتقاد الحركة الإسلامية الفلسطينية!!
حركة المقاومة الإسلامية ذات تاريخ معروف، وشعبية كبيرة بين أبناء الأمة الإسلامية والعربية، وأحرار العالم، سواء الحركة، أم قادتها ورموزها، وليس خافيا على أحد تاريخ الحركة، وسيرة قيادات وأفراد الداخل والخارج معا.
ولفترات طويلة كانت عبارات الانتقاد للحركة قليلة جدا، بل نادرة، لكن حدثا معينا فتح باب الانتقاد؛ وذلك عندما قام أبو العبد الأستاذ إسماعيل هنية بالعزاء في قاسم سليماني، وقال عبارته التي أثارت الجدل، منذ هذه اللحظة ولا ينتهي النقاش والنقد للحركة من حيث عبارات عزائها، وليس من حيث العزاء في حد ذاته.
ولست هنا في مقام النقاش لصحة أو خطأ ما قام به قيادات الحركة في عزاء هذا أو ذاك، أو تحية هذا أو ذاك، فقد كفاني في ذلك من قاموا بالكتابة في الأمر، والنقاشات التي دارت على مواقع التواصل الاجتماعي، أعتقد أن حجم النقاش كان كبيرا وهائلا، وذلك لما تمثله الحركة عند الأمة من اعتبار وثقل، يقر به العدو قبل الصديق، والكاره قبل المحب.
في المرة الأولى التي قام هنية بالعزاء في سليماني، قامت موجة انتقاد كبيرة له وللحركة معا، سواء من أبناء الحركة، أم من مؤيديها والمتعاطفين معها، وتناقل البعض وقتها: أن هناك سعيا من بعض قيادات الحركة، لمحاسبة من قاموا بانتقاد أبو العبد، ولكن غلب صوت العقل، وانتهى هذا التوجه الذي لا يتسم بأي درجة من الحكمة.
لكن هذه المرة بعد انتصار غزة والمقاومة، بعد أزمة حي الشيخ جراح والأقصى، زادت التصريحات، وزاد الانتقاد، ولم تعد التبريرات مقبولة من تصريحات بعض قيادات الحركة، في شكرها لأنظمة لها جرائم كبرى، ضد مدنيين عزل، وضد شعوبهم، ورأينا ضيقا من عدد من المحسوبين على الحركة، ناسين أن النقد الموجه لها هو من محبين لا كارهين، ومن حريصين على رصيدها من التآكل، أو الانتهاء، وربما نسوا هؤلاء سبب قيام الحركة ونشأتها.
إن أساس قيام ونشأة (الحركة الإسلامية للمقاومة في فلسطين)، كان بسبب انتقاد عدد كبير من أبناء الإخوان المسلمين في التنظيم الفلسطيني لقرار أصدره القيادات، فقد كان قرار الإخوان المسلمين (التنظيم الفلسطيني) بعد نكبة 1967م، أنهم أصدروا قرارا تنظيميا، بحظر انضمام أي أحد من أعضاء الإخوان لأي تنظيم جهادي يقاتل العدو الصهيوني، وبمنع الإخوان من أي عمل جهادي ضد المحتل آنذاك، لأسباب فصلوها في مذكرة من أربع صفحات (لدي نسخة كاملة منها)، وصدر القرار عن إخوان فلسطين بتاريخ: 12 من ذي القعدة سنة 1387هـ - 11 فبراير (شباط) سنة 1968م بالتالي: (امتناع الإخوان عن القيام بالعمل المسلح في فلسطين في ظل الظروف الراهنة). وهو قرار قامت به اللجنة التنفيذية بالإجماع كما ذكرت.
ظل القرار ساريا لسنوات طويلة داخل الإخوان الفلسطينيين، حتى قامت مجموعة من الشباب ممن درسوا وعاشوا في الخليج وبلاد أخرى، تستنكر مثل هذا القرار، إذ كيف نعيش بين بقية الفصائل الفلسطينية الأخرى، يفاخر العضو في حركة (فتح) وغيرها بحاضره، ويفاخر العضو الإخواني بماضيه، ويخجل من حاضره؟! ونتج عن هذه الانتقادات والضغوط أن صححت الجماعة الأوضاع، وسمحت للشباب وغيرهم بتأسيس حركة المقاومة الإسلامية، ثم اكتشف الكبار خطأهم فاعتذروا عن قرارهم، وعن وقوفهم عقبة أمام هذا الإصلاح الكبير للجماعة، ولفلسطين.
الحقيقة أن الراصد لتاريخ الإخوان المسلمين الفلسطينيين سيجد تاريخ لقياداتهم في النقد الذاتي للجماعة، فإن أول من امتلك شجاعة نقد المفكرين الكبار للإخوان كان من التنظيم الفلسطيني، فأول من انتقد أفكار الشهيد سيد قطب رحمه الله، كان الأستاذ عبد الله أبو عزة، وقد كان وقتها المراقب العام للإخوان الفلسطينيين، وكتب سلسلة مقالات مهمة كانت أول من فتح أعين الناس على أفكار سيد قطب المختلف عليها، فكتب سلسلة مقالات بعنوان: (الحركة الإسلامية في الدوامة)، انتقد فيها تفكير الإخوان، وأنه تفكير عاطفي، ولا يتسم بالتخطيط والعقلانية المطلوبة للمرحلة، أدعو قيادات الحركة والإخوان بوجه عام لقراءة مقالات الرجل في هذه المرحلة، والتي شرَّحت العقل الإخواني تشريحا علميا، يتسم بالجرأة في الطرح، والنظرة الثاقبة للعلاج المطلوب.
الحقيقة التي لا بد أن تفهمها الحركة بكل مستوياتها أنها ليست مؤسسة فلسطينية مقصورة على أعضائها، بل هي مؤسسة من مؤسسات الأمة الإسلامية، هذا هو التوصيف الصحيح لها، سواء نص على ذلك أهلها أم لم ينصوا، ومؤسسات الأمة ملك للأمة كلها، ورصيدها الحقيقي يأتي من جماهير الأمة، ومن تأييدهم لها، ولو وقف هذا التأييد على الدعم المعنوي فقط، أو كان محدودا وقليلا، لكنها النواة الصلبة التي لا وجود للحركة بدونها.
على حركة المقاومة أن تتسع صدورها قادة وأفرادا لكل نقد، مهما كان قاسيا، ومهما كان زائدا عن الحد، وأن تعيد النظر في تصريحات قيادتها، وفي ممارساتها السياسية، فهذا ما ينتظره كل محب لهم، وكل حريص على ترشيد أفعالها وأقوالها، حتى لو كان من باب المجاملات السياسية، فلا بد من إعادة بوصلة الحركة لتحسن وضع كل عبارة في موضعها الصحيح، لا يزيد ولا ينقص، كما كان معهودا من قبل فيها.
أعقتد أن واجب الوقت على الحركة الآن، هو ذلك، حتى لا يتسع الشرخ الذي وجد بينها وبين جماهير أمتها في بلاد كثيرة، فلا شك هناك شرخ بدأ في الاتساع للأسف في الآونة الأخيرة، وعليها العمل على رتق هذا الشرخ. وأول العلاج: جلوس الحركة مع نفسها ومع المقربين منها، تمارس فيه النقد الذاتي بكل أمانة وحيدة، وتجمع كل ما قيل بحقها مؤخرا، وتعمل على علاجه.
لماذا لم يُدفن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - في يوم وفاته؟
سؤال وجيه:
لماذا لم يُدفن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - في يوم وفاته؟
المطلوب هو التعجيل بالدفن للميت المسلم.
في شأن الدفن والتجهيز ردّ القرآن الشأن كله إلى أهل المتوفى، وليس لأحد معهم سلطان،
{وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله..}، وفي حالة النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - تولى أهل بيته هذا الامر، وعلى رأسهم عمه العباس عليه الرضوان، فهو كان صاحب القرار في هذا، وعليه فتأخير الدفن كان قرارا من آل البيت ولا علاقة للصحابة به، بل لا علاقة لأقرب الصحابة كأبي بكر وعمر عليهما الرضوان، وعلى ذلك وافق الصحابة ولم يعترض أحد أبدا، فكان ذلك إجماعا وحجة على صوابية الفعل، والسؤال: لماذا قرر العباس - عليه الرضوان - وبقية آل البيت - عليهم السلام - تأخير الدفن إلى ليلة الأربعاء؟
إن المظنون بهم - عليهم الرضوان - أنهم كانوا تحتَ صدمةِ الوفاة، وكانت المدينة من حولهم لا تصدق أن الوفاة حصلت، ويكفي أن عمر - رضي الله عنه - قال أنه سيقتل كل من يقول أنه - صلى الله عليه وآله وسلم - قد مات، وكان يعتقد أنه غائب كما غاب موسى عليه السلام عن قومه ثم عاد، فالتعجيل بالدفن مع شعور الصدمة وتكذيب الخبر ما كان ملائما، وهذه السيدة فاطمة - رضي الله عنها - لم تحتمل الدفن بعد ثلاثة أيام فقالت لأنس: (يا أنس أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - التراب؟)؟ فلو تُرك الأمر لها ما سمحت بدفنه عليها السلام، وكان بقاء الجسد الطاهر على سريره تلك المدة أنسا لنساء بيت النبوة، حتى قالت إحداهن: (كنا نستأنس برؤيته على السرير)، وجاء في الموطأ عن أم سلمة أم المؤمنين - رضي الله عنها - أنها كانت تقول: (ما صدقت بموت النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - حتى سمعت وقع الكرازين)، أي: الحفارين.
ثم دل الفعل على اختلاف شأنه - صلى الله عليه وآله وسلم - عن شأن بقية البشر، فالميت يُخشى عليه التغير، بخلاف حاله صلى الله عليه وآله وسلم، ولهذا كان بقاء جسده الشريف دون أي تغير في عز الصيف من معجزاته صلى الله عليه وآله وسلم، وتبين به معنى اسمه (الطاهر) و(الطيب)، ودل على صدقه - صلى الله عليه وآله وسلم - في قوله: (إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء)، وقد كان جسده الشريف طيبا ليلة دفن كصبيحة مات صلى الله عليه وآله وسلم، وقالها الصديق - كما في البخاري - وهو يقبّل الجسد الطاهر غداة الوفاة: (بأبي أنت وأمي، طبْتَ حيا وميتا)، وأكد ذلك حدث غسله من يوم الثلاثاء، ففي سيرة ابن هشام: (وعلي يغسله، قد أسنده إلى صدره وعليه قميصه يدلكه به من ورائه، لا يفضى بيده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعليٌّ يقول: بأبي أنت وأمي، ما أطيبك حيا وميتا، ولم يُر من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيء مما يرى من الميت).
وأمر آخر أهم وهو إعطاء فرصة لكل من أراد إلقاء نظرة أخيرة عليه، والصلاة عليه فرادى، وبعد التجهيز قال ابن هشام: ( ثم دخل الناس على رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يصلون عليه أرسالا، دخل الرجال، حتى إذا فرغوا أدخل النساء، حتى إذا فرغ النساء أدخل الصبيان، ولم يؤم الناس على رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - أحد ..)، وهذا يحتاج وقتا طويلا، وأظنهم ما دفنوه - صلى الله عليه وآله وسلم - إلا بعد أن رآه آخر مؤمن يومها في المدينة.
وأما القول أن التأخير كان بسبب الانشغال بالبيعة وشأن الخلافة فقد صرت أستبعده للأسباب السالفة، وذلك أنه لا شأن للخليفة بالتجهيز والدفن كما سبق، ولو تم أمر الخلافة والبيعة من أول ساعة الوفاة لكانت الأسباب السابقة داعية إلى تأجيل الدفن، فالربط بين الدفن وشأن الخلافة ربط لم يعد سائغا.
صلى الله وسلم وبارك على من طاب حيا وميتاا وعلى آله وصحبه أجمعين.
الثلاثاء، 8 يونيو 2021
هل يجوز قضاء صيام الستة ايام من شوال بعد انقضاء الشهر ؟!
السؤال: شيخنا هل يجوز قضاء صيام الستة ايام من شوال بعد انقضاء الشهر بسبب انشغاله عنها بعمله او بعذر مشروع ؟ جزاكم الله خيرا.
الجواب: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعـد:
فقد اختلف الفقهاء في جواز قضاء صيام ست من شوال بعد انقضائه لمن فاتته لعذر او انشغال وهل يحصل على فضلها اذا قضاها، وذلك على ثلاثة اقوال:
وفي شرح مختصر خليل للخرشي المالكي [2/243]: (وَإِنَّمَا قَالَ الشَّارِعُ مِنْ شَوَّالٍ لِلتَّخْفِيفِ بِاعْتِبَارِ الصَّوْمِ لَا تَخْصِيصِ حُكْمِهَا بِذَلِكَ الْوَقْتِ فَلَا جَرَمَ أَنَّ فِعْلَهَا فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ مَعَ مَا رُوِيَ فِي فَضْلِ الصِّيَامِ فِيهِ أَحْسَنُ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ مَعَ حِيَازَةِ فَضْلِ الْأَيَّامِ الْمَذْكُورَةِ، بَلْ فِعْلُهَا فِي ذِي الْقِعْدَةِ حَسَنٌ أَيْضًا، وَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلَّ مَا بَعُدَ زَمَنُهُ كَثُرَ ثَوَابُهُ لِشِدَّةِ الْمَشَقَّةِ).
وقال الامام ابن مفلح الحنبلي -رحمه الله تعالى- في الفروع [3/108] : (تَحْصُلُ الْفَضِيلَةُ بِصَوْمِهَا فِي غَيْرِ شَوَّالٍ, وِفَاقًا لِبَعْضِ الْعُلَمَاءِ, ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ, لِأَنَّ فَضِيلَتَهَا كَوْنُ الْحَسَنَةِ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا, كَمَا فِي خَبَرِ ثَوْبَانَ, وَيَكُونُ تَقْيِيدُهُ بِشَوَّالٍ لِسُهُولَةِ الصَّوْمِ لِاعْتِيَادِهِ رُخْصَةً, وَالرُّخْصَةُ أَوْلَى )
وفي تحفة المحتاج في شرح المنهاج لابن حجر الهيتمي [3/360 ] : (عَلَى مَا أَفْتَى بِهِ شَيْخُنَا الشِّهَابُ الرَّمْلِيُّ لَكِنَّهُ أَرْجَأَهَا بِمَا مَرَّ مِنْ إفْتَائِهِ بِقَضَاءِ سِتٍّ مِنْ الْقِعْدَةِ عَنْ سِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ مُعَلِّلًا لَهُ بِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ قَضَاءُ الصَّوْمِ الرَّاتِبِ ).
وقد سُئل الشيخ العلامة ابن عثيمين –رحمه الله تعالى- كما في مجموع فتاويه : (لو لم يتمكن من صيام الأيام الستة في شوال لعذر كمرض أو قضاء رمضان كاملا حتى خرج شوال، فهل يقضيها ويكتب له أجرها أو يقال هي سنة فات محلها فلا تقضى؟
الجواب: يقضيها ويكتب له أجرها كالفرض إذا أخره عن وقته لعذر وكالراتبة إذا أخرها لعذر حتى خرج وقتها، فإنه يقضيها كما جاءت به السُنة).
قال الامام ابن حجر الهيتمي المكي في تحفة المحتاج [3/456] : ( من صامها مع رمضان كل سنة تكون كصيام الدهر فرضا بلا مضاعفة ، ومن صام ستةً غيرها كذلك تكون كصيامه نفلا بلا مضاعفة) .
قال الامام البهوتي في كشاف القناع عن متن الاقناع [2/338]: (وَلَا تَحْصُلُ الْفَضِيلَةُ بِصِيَامِهَا أَيْ: السِّتَّةِ أَيَّامٍ فِي غَيْرِ شَوَّالٍ لِظَاهِرِ الْأَخْبَارِ ) .
قال الشيخ العلامة ابن باز -رحمه الله تعالى- في مجموع فتاويه: (ولا يشرع قضاؤها بعد انسلاخ شوال؛ لأنها سُنّة فات محلها، سواء تركت لعذر أو لغير عذر ) .
هو ما ذهب اليه اصحاب القول الاول من جواز قضاء صوم الست من شوال لمن انشغل عنها بعذر، وأن الفضيلة تحصل لمن صام ستة أيام في شوال أو بعده ، لان الحديث الصحيح في صيام ست من شوال، إنما ذكر شوال من باب التيسير على المكلف ، ولأن صومها بعد رمضان أسهل من صومها بعد ذلك .
وكذلك لما روي في الصحيحين عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ أَو لرجل آخر: ((أصمت من سَرَرَ [وسط] شهر شَعْبَانَ شَيْئًا؟ قَالَ: لَا قَالَ: فَإِذَا أَفْطَرْتَ فَصم يَوْمَيْنِ)) .
فهذا الرجل كان من عادته ان يصوم اياما من شعبان ، لكنه لم يصمها ذلك العام لعارض، فأرشده النبي - صلى الله عليه وسلم - بالصيام بعد رمضان.
وفي ذلك دلالة واضحة على جواز قضاء النافلة من الصوم لمن عادته أنه يصوم الست من شوال، لكن وجد عذراً استمر معه طيلة شوال، او انشغل بشاغل ولم يستطع أن يصوم هذه الست، ثم زال هذا العذر بعد شوال، فلا بأس أن يقضي الست من شوال في شهر ذي القعدة ويحصل على فضيلتها . والله تعالى اعلم
السبت، 5 يونيو 2021
هل هناك فرق بين مغفرة الذنوب وتكفير السيئات ؟!
سؤال مهم:
هل هناك فرق بين مغفرة الذنوب وتكفير السيئات ؟!
نعم بينهما فرق :
بينه العلامة ابن القيم رحمه الله بيانا شافيا فقال في شرح منازل السائرين:
[فَصْلٌ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ تَكْفِيرِ السَّيِّئَاتِ وَمَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ]
وَقَدْ جَاءَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُمَا مُقْتَرِنَيْنِ، وَذِكْرُ كُلًّا مِنْهُمَا مُنْفَرِدًا عَنِ الْآخَرِ،
فَالْمُقْتَرِنَانِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى حَاكِيًا عَنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ: {رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ} [آل عمران: 193] ،
وَالْمُنْفَرِدُ كَقَوْلِهِ: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ} [محمد: 2]
وَقَوْلِهِ فِي الْمَغْفِرَةِ: {وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ} [محمد: 15] وَكَقَوْلِهِ: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا} [آل عمران: 147]. وَنَظَائِرِهِ.
●
فَهَا هُنَا أَرْبَعَةُ أُمُورٍ: ذُنُوبٌ، وَسَيِّئَاتٌ، وَمَغْفِرَةٌ، وَتَكْفِيرٌ.
فَالذُّنُوبُ: الْمُرَادُ بِهَا الْكَبَائِرُ، وَالْمُرَادُ بِالسَّيِّئَاتِ: الصَّغَائِرُ، وَهِيَ مَا تَعْمَلُ فِيهِ الْكَفَّارَةُ، مِنَ الْخَطَأِ وَمَا جَرَى مَجْرَاهُ، وَلِهَذَا جُعِلَ لَهَا التَّكْفِيرُ، وَمِنْهُ أُخِذَتِ الْكَفَّارَةُ، وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا سُلْطَانٌ وَلَا عَمَلٌ فِي الْكَبَائِرِ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ، فَلَا تَعْمَلُ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ، وَلَا فِي الْيَمِينِ الْغَمُوسِ فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَأَبِي حَنِيفَةَ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ السَّيِّئَاتِ هِيَ الصَّغَائِرُ وَالتَّكْفِيرِ لَهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا}. [النساء: 31]. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ» .
وَلَفْظُ الْمَغْفِرَةِ أَكْمَلُ مِنْ لَفْظِ التَّكْفِيرِ وَلِهَذَا كَانَ مِنَ الْكَبَائِرِ، وَالتَّكْفِيرُ مَعَ الصَّغَائِرِ، فَإِنَّ لَفْظَ الْمَغْفِرَةِ يَتَضَمَّنُ الْوِقَايَةَ وَالْحِفْظَ، وَلَفْظَ التَّكْفِيرِ يَتَضَمَّنُ السَّتْرَ وَالْإِزَالَةَ، وَعِنْدَ الْإِفْرَادِ يَدْخُلُ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي الْآخَرِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ} [محمد: 2]. يَتَنَاوَلُ صَغَائِرَهَا وَكَبَائِرَهَا، وَمَحْوَهَا وَوِقَايَةَ شَرِّهَا، بَلِ التَّكْفِيرُ الْمُفْرَدُ يَتَنَاوَلُ أَسْوَأَ الْأَعْمَالِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا} [الزمر: 35] . انتهى.
●
وحاصله أن السيئات والذنوب لفظان إذا اجتمعا في اللفظ افترقا في المعنى، واختص لفظ الذنوب بالكبائر والسيئات بالصغائر، وإذا افترقا اجتمعا فدخل كل منهما في الآخر.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)
