🟥 خدعوك فقالوا: رسلان «شيخ المحنة»!
أيشبه الإمام أحمد بن حنبل… أم أحمد بن أبي دؤاد؟
ما زال بعض أتباع التيار الرسلاني يكررون مقولةً عجيبة، وهي وصف الشيخ محمد سعيد رسلان بأنه «شيخ المحنة»، في تشبيهٍ له بالإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، وكأن الرجلين عاشا التجربة نفسها، ووقفا الموقف نفسه، وتحملّا التبعات نفسها.
لكن…
هل يصح هذا التشبيه أصلًا؟
إذا أردنا أن نقارن، فعلينا أن نقارن المواقف لا الألقاب، والوقائع لا الشعارات.
🔹 أولًا: ما كانت محنة الإمام أحمد؟
كانت محنة خلق القرآن من أشهر المحن في التاريخ الإسلامي.
وقد ثبت الإمام أحمد رحمه الله على ما يعتقده حقًا، ولم يغيّر موقفه تحت ضغط السلطة، رغم ما تعرض له من السجن والضرب والإيذاء.
ولم يكن موقفه متعلقًا بشخص الخليفة، ولا بحزب سياسي، ولا بخلاف شخصي مع أحد.
بل كان موقفًا علميًا عقديًا واضحًا:
القرآن كلام الله غير مخلوق.
وظل ثابتًا على ذلك، حتى انتهت المحنة، وانكشف بطلان القول الذي أُجبر العلماء على اعتناقه.
وهنا تحديدًا تكمن عظمة موقف الإمام أحمد:
أنه لم يجعل قربه من السلطة معيارًا للحق، ولم يجعل رضا الحاكم ميزانًا للحكم على العلماء.
🔹 ثانيًا: أين هي «المحنة» التي ثبت عليها رسلان؟
السؤال هنا ليس سبًّا ولا تشهيرًا، وإنما هو سؤال منطقي:
ما هي القضية التي دخل فيها رسلان محنةً مع السلطة، وثبت فيها حتى تحمل السجن والتعذيب والأذى، كما وقع للإمام أحمد؟
الإمام أحمد كان في مواجهة سلطةٍ تريد إلزام العلماء بموقف عقدي معين.
أما تشبيه رسلان به فيحتاج إلى إثبات أن هناك موقفًا مماثلًا من حيث طبيعة العلاقة بالسلطة، وحجم التضحية، ونوع القضية، والثبات عليها.
وإلا أصبح لقب «شيخ المحنة» مجرد شعارٍ يُرفع لإضفاء هالة تاريخية على شخصية معاصرة.
🔹 ثالثًا: الإمام أحمد لم يكن يزن الحق برضا الحاكم
من أعظم الفروق بين التجربتين أن الإمام أحمد لم يجعل مخالفة الحاكم جريمةً في ذاتها.
فقد ثبت على موقفه رغم أن السلطة كانت تضغط عليه لتغيير رأيه.
أما الخطاب الذي يُنسب إلى التيار الرسلاني في مسائل الحكام، فقد اشتهر بالتشديد الشديد في منع نقدهم، والتحذير من الكلام عليهم، واعتبار كثير من صور الاعتراض عليهم من أبواب الفتنة والخروج.
وهنا يظهر السؤال:
كيف يصح تشبيه من جعل طاعة الحاكم وحفظ مكانته محورًا في خطابه، بإمامٍ اشتهر بثباته أمام سلطةٍ كانت تضغط عليه لتغيير موقفه العلمي؟
المقارنة هنا لا تستقيم بمجرد إطلاق لقب «شيخ المحنة».
🔹 رابعًا: الإمام أحمد لم يجعل العلماء خصومًا لمجرد مخالفتهم
الإمام أحمد كان عالمًا من علماء الأمة، وكانت له مواقف علمية وفقهية، وكان الخلاف معه أو منه جزءًا من الحياة العلمية الطبيعية.
أما ظاهرة التوسع في التجريح والتبديع والتصنيف، وتحويل الخلاف بين الدعاة والعلماء إلى معارك في الولاء والبراء، فهي قضية أخرى تحتاج إلى نقد مستقل.
فالعالم الذي يحمل همَّ الأمة ينبغي أن يكون همه:
جمع الكلمة، وتقليل الخصومة، وحفظ مكانة العلماء، وفتح أبواب الاجتهاد والخلاف السائغ.
لا أن يصبح كل مخالف مشروعَ تصنيفٍ وتجريح.
🔹 خامسًا: والأغرب أن التشبيه يقود إلى شخصية أخرى!
إذا كان المقصود من تشبيه رسلان بالإمام أحمد أنه كان قريبًا من السلطة، وأنه يدافع عن موقفها، وأنه يواجه العلماء والدعاة المخالفين لها، فهنا تصبح المقارنة التاريخية أكثر إثارة للتأمل.
فبدل أن نبحث عن أوجه الشبه مع الإمام أحمد بن حنبل، قد يجد القارئ نفسه أمام صورة مختلفة تمامًا، وهي صورة أحمد بن أبي دؤاد، أحد أبرز الشخصيات المرتبطة بمحنة خلق القرآن.
وليس المقصود مساواة الرجلين في كل شيء، فهذا يحتاج إلى دليل مستقل، وإنما المقصود:
أن معيار المقارنة ينبغي أن يكون الموقف من السلطة والعلماء، لا مجرد ادعاء التعرض للمحنة.
فابن أبي دؤاد كان من الشخصيات التي ارتبط اسمها بالمحنة، وكان له نفوذ لدى السلطة، وشارك في توجيهها ضد مخالفيها من العلماء.
وهنا يصبح السؤال أكثر دقة:
من الذي يقف أمام السلطة دفاعًا عن استقلال العلماء؟ ومن الذي يقف مع السلطة في مواجهة العلماء؟
هذه هي النقطة التي ينبغي أن تُناقش.
🔹 سادسًا: الإمام أحمد لم يكن «شيخ المحنة» لأنه عُذِّب فقط
العبرة ليست في السجن وحده، ولا في الضرب وحده، ولا في إطلاق لقب «شيخ المحنة».
العبرة في:
لماذا عُذِّب؟
وماذا كان موقفه؟
وهل غيّر موقفه لإرضاء السلطة؟
وهل جعل قربه من الحاكم معيارًا للحكم على العلماء؟
هذه الأسئلة هي التي تحدد حقيقة التشابه أو الاختلاف.
فالإمام أحمد لم ترفع مكانته لأنه تعرض للأذى فحسب، وإنما لأنه ثبت على ما يراه حقًا، ولم يبع موقفه العلمي مقابل السلامة أو رضا السلطة.
🔥 الخلاصة
لا يكفي أن نقول:
«فلان شيخ المحنة»
ثم نضع إلى جواره اسم الإمام أحمد بن حنبل.
فالإمام أحمد ليس لقبًا يُستعار، ولا صورةً تاريخية تُستخدم لتجميل مواقف المعاصرين.
الإمام أحمد مدرسة في استقلال العالم عن السلطة، والثبات على الموقف العلمي، وتحمل تبعات الكلمة.
ومن أراد أن يشبه أحدًا بالإمام أحمد، فعليه أن يقارن:
المواقف بالمواقف،
والثبات بالثبات،
والعلاقة بالسلطة بالعلاقة بالسلطة،
والتعامل مع العلماء بالتعامل مع العلماء.
أما مجرد إطلاق لقب «شيخ المحنة»، فلا يصنع محنةً، كما أن تكرار التشبيه لا يصنع تشابهًا.
ولذلك نقول:
خدعوك فقالوا: رسلان «شيخ المحنة»!
فإذا كانت المقارنة بالإمام أحمد، فليُعرض علينا الموقف الذي يشبه موقف الإمام أحمد، لا مجرد اللقب.
والله يهدي الجميع إلى الحق والإنصاف.
.png)


