غلاة التجريح والشيعة الروافض
حين يتحول الولاء إلى امتحان… والجرح إلى منهج!
ليس المقصود من هذه المقارنة القولَ بأن غلاة التجريح والشيعة متماثلون في العقائد والأحكام؛ فهذا غير صحيح.
وإنما المقصود التنبيه إلى تشابه بعض الأساليب والمنطلقات في التعامل مع المخالف؛ حين يتحول الولاء لشخص أو جماعة إلى اختبارٍ دائم، وحين يصبح الطعن في الآخرين معيارًا للانتماء، وحين يُحمَل الكلام المحتمل على أسوأ الوجوه، ثم تُبنى عليه أحكام قاسية.
ومن أبرز أوجه الشبه:
01 | البداية من الطعن في أهل الفضل
اشتهر الغلاة من الشيعة بالطعن في عدد كبير من الصحابة رضي الله عنهم، حتى صار الطعن في السابقين من أعلام الأمة جزءًا من منظومتهم العقدية عند طوائف منهم.
وفي المقابل، نجد عند بعض غلاة التجريح انتقالًا من الطعن في المتقدمين إلى الطعن في العلماء والدعاة المعاصرين، حتى أصبح الاشتغال بتتبع الأخطاء والتصنيف والتبديع شغلًا دائمًا.
فالاختلاف في الأشخاص لا ينبغي أن يتحول إلى منهج قائم على إسقاط أهل العلم والدعوة.
02 | حمل الكلام المحتمل على أسوأ المحامل
من الأساليب التي تُنتقد عند الغلاة: أخذ نص أو عبارة محتملة، ثم حملها على أسوأ معنى ممكن، وإغفال السياق والقرائن وبقية كلام المتكلم.
وهذا الأسلوب قد يظهر كذلك عند بعض غلاة التجريح؛ فتجد العبارة التي تحتمل أكثر من معنى تُفسَّر بالمعنى الذي يحقق الإدانة، ثم تُبنى عليها أحكام كبيرة.
والعدل يقتضي أن يُفسَّر كلام المسلم بأحسن ما يحتمل ما دام السياق يسمح بذلك، وألا يتحول الاشتباه إلى يقين، ولا الاحتمال إلى حكم.
03 | «كان صالحًا… لكن تلاميذه انحرفوا!»
من المقولات المشهورة في بعض الخطابات الطائفية تصورٌ مفاده أن الأصل كان صالحًا، ثم إن معظم من حوله انحرفوا بعده.
وهذا المعنى يمكن أن يظهر عند بعض غلاة التجريح في صورة أخرى:
الشيخ الكبير صالح وعالم جليل،
لكن معظم تلاميذه ومن أخذوا عنه قد انحرفوا،
ولم يبقَ على الطريق الصحيح إلا قلة قليلة!
وهنا ينبغي أن نتساءل:
هل يُقاس الحق بعدد الأشخاص الذين بقوا مع الشيخ أو فارقوه؟
أم أن الحق يُعرف بالدليل، ويُنظر في كل عالم أو داعية بما يقول ويفعل، دون تحويل الأشخاص إلى معسكرات مغلقة؟
04 | احتكار فهم القرآن والسنة
من أخطر مظاهر الغلو أن تتحول جماعة أو مدرسة أو مجموعة من الأشخاص إلى المرجع الوحيد لفهم الكتاب والسنة.
وهذا المعنى لا يختص بطائفة بعينها؛ فقد يقع فيه أي تيار إذا أصبح يقول ضمنيًا:
نحن الذين نفهم النصوص،
ونحن الذين نفهم العلماء،
ومن خالف فهمنا فقد خالف السنة!
ثم يتطور الأمر إلى مرحلة أخطر:
لا يكفي أن تقرأ كلام العالم بنفسك، بل لا بد أن تعرف أولًا ماذا قال «أئمتنا» في كلامه!
وهنا يتحول الاتباع من اتباع الدليل إلى اتباع قراءة الجماعة للدليل.
05 | الحكم على النيات وشق الصدور
وهذه من أخطر النقاط.
فالحكم على قول الإنسان أو فعله شيء، والحكم على نيته الباطنة شيء آخر.
قد يقول شخص قولًا خاطئًا، فنناقشه ونرد عليه.
وقد يقع في خطأ، فنبيّن خطأه.
لكن أن نقول:
قال ذلك لأنه يريد كذا.
فعل ذلك لأنه يخفي كذا.
أظهر السلفية وهو في الحقيقة صاحب بدعة.
لبس كذا ليعطي الناس انطباعًا معينًا.
استضاف فلانًا لأنه يريد تمرير فكرته.
فهنا ننتقل من نقد الظاهر إلى ادعاء معرفة الباطن.
وهذا باب خطير؛ لأن النيات لا يعلمها إلا الله، وما في القلوب ليس مجالًا للتخمينات والاتهامات.
ومن الأمثلة على ذلك أن يُحمَل كلام أحد المشايخ على معنى لم يقله، ثم يُحكم عليه بأنه قصد معنى معينًا، أو أن تُنقل عنه عبارة مبتورة، ثم يُبنى عليها حكم شديد.
والأشد من ذلك أن يصل الأمر إلى الجزم بما كان في قلب المتكلم أو السائل:
«لم يخطر بباله كذا…»
فمن أين عُرف ما خطر بباله وما لم يخطر؟
هل أصبحت القلوب كتابًا مفتوحًا لمن يريد إصدار الأحكام؟
06 | الحب لا يكفي… لا بد من البراءة من «الآخر»
في بعض الخطابات الطائفية لا يكفي أن تقول:
أنا أحب النبي ﷺ، وأحب عليًا رضي الله عنه.
بل يُطلب منك أن تثبت ولاءك أكثر:
تبرأ من أبي بكر وعمر!
وهذا الأسلوب يمكن أن يتكرر بصورة أخرى عند بعض غلاة التجريح:
قد تقول:
أنا أحب الشيخ الألباني رحمه الله، وأحترم علمه، وأنتفع بكلامه.
فيأتيك السؤال:
وماذا تقول في فلان وفلان من تلاميذه؟
فإن لم توافق على إسقاطهم أو تبديعهم أو الطعن فيهم، أصبحت أنت نفسك موضع اتهام.
وهنا يتحول الولاء من محبة واحترام إلى اختبار براءة واصطفاف.
07 | «من لم يطعن فيهم فهو منهم»
وهذه من أخطر صور الغلو.
في بعض البيئات الطائفية:
من لم يتبرأ من الشخص الذي نطعن فيه، فهو على ضلال.
وعند بعض غلاة التجريح تظهر صورة قريبة:
من لم يبدّع فلانًا، أو لم يحذر منه، أو لم يوافقنا في إسقاطه، فهو مبتدع أو متعاطف مع أهل البدع.
وهنا يصبح الإنسان مطالبًا لا بمجرد بيان موقفه العلمي، وإنما بالاشتراك في إسقاط الآخرين.
فتتحول المسألة من:
ما الدليل على خطأ فلان؟
إلى:
لماذا لم تطعن في فلان مثلنا؟!
وهذا فرق كبير.
08 | الاعتقاد أولًا… ثم البحث عن الأدلة
من أخطر الأخطاء المنهجية أن يبدأ الإنسان بالحكم، ثم يبحث بعد ذلك عن الأدلة التي تؤيده.
فيقرر أولًا:
فلان مبتدع.
فلان إخواني.
فلان متستر.
فلان منحرف.
ثم يبدأ في جمع المقاطع والعبارات والأخطاء التي يمكن توظيفها لإثبات الحكم السابق.
والمنهج العلمي الصحيح ينبغي أن يكون بالعكس:
ننظر في الأدلة أولًا، ونفهم الكلام في سياقه، ونجمع القرائن، ثم نصل إلى الحكم.
وقد نبّه ابن القيم رحمه الله إلى خطر أن يعتقد الإنسان الحكم أولًا ثم يستدل له؛ لأن ذلك من مسالك الهوى.
الخلاصة
المشكلة ليست في أن نختلف مع عالم أو داعية.
وليست المشكلة في أن نرد على خطأ أو نحذر من منهج نراه منحرفًا.
إنما المشكلة حين يتحول النقد إلى صناعة، والتجريح إلى هوية، والتبديع إلى معيار للولاء، والاختلاف العلمي إلى امتحان للأشخاص.
عندها يصبح المطلوب من المسلم ليس أن يعرف الدليل، وإنما أن يعرف:
من نطعن فيه؟
ومن نمدحه؟
ومن يجب أن نحذر منه؟
ومن يجب أن نتبرأ منه؟
وهنا يفقد النقد وظيفته العلمية، ويتحول إلى منظومة للفرز والإقصاء.
والواجب على طالب العلم أن يتعلم العدل مع الموافق والمخالف، وأن يفرق بين الخطأ والانحراف، وبين نقد القول والحكم على صاحبه، وبين الحكم على الظاهر والدخول في النيات.
فليس كل من أخطأ مبتدعًا،
وليس كل من خالفنا ضالًا،
وليس كل من لم يوافقنا في الحكم على شخص صار من أتباعه.
والحق لا يحتاج إلى شق الصدور، ولا إلى تصفية الحسابات، ولا إلى امتحان الناس في الأشخاص؛ وإنما يحتاج إلى علمٍ ودليلٍ وعدل.
نسأل الله أن يهدي من اغتر بالغلو في التجريح، وأن يرزقنا جميعًا الإنصاف، والعدل، وحسن الظن، واتباع الحق حيث كان.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق