أوهام في طريق الدعوة: حين تختلط حقائق الإسلام بعادات المجتمع
حين نقدّم للناس عاداتنا على أنها من صميم الدين، ونشغلهم بالمظاهر قبل أن نعرّفهم بحقائق الإسلام ومقاصده، فهل نكون قد أحسنّا الدعوة، أم حجبنا عنهم بعض جمال الرسالة التي نريد لهم أن يعرفوها؟
🔹 أولًا: أندعو الناس إلى الإسلام أم إلى صورتنا عن الإسلام؟
من أشد ما يؤلم الغيور على دينه أن يرى إنسانًا يبحث بصدق عن الحقيقة، ويتطلع إلى دين يجيب عن أسئلته الكبرى، ويمنح حياته معنى، ويهدي عقله إلى الحق وقلبه إلى الطمأنينة؛ ثم يجد أمامه خطابًا يخلط بين الإسلام وعادات بيئة معينة، وبين أحكام الشريعة ومظاهر اجتماعية لا يلزم الداخل في الإسلام أن يتبناها.
إن الإسلام ليس دينًا بلا أصحاب، ولا رسالة بلا من يحمل أمانة بيانها، ولكن المشكلة تبدأ حين يقصّر بعض المنتسبين إليه في تقديمه كما هو: عقيدةً توحّد الله، وعبادةً تزكّي النفس، وشريعةً تقيم العدل، وأخلاقًا تحفظ الكرامة، ومنهجًا يصلح علاقة الإنسان بربه وبنفسه وبالناس.
إن الباحث عن الإسلام لا يحتاج إلى أن يتحول إلى نسخة اجتماعية من الداعية الذي يرشده، ولا إلى أن يتخلى عن كل ملامح ثقافته السابقة؛ وإنما يحتاج إلى أن يعرف الحق، ويفهم ما يلزمه من أحكامه، ويدخل في الدين عن اقتناع وبصيرة.
فالإسلام رسالة عالمية، وليس هويةً عرقية، ولا زيًّا محليًا، ولا تقاليد بيئة بعينها.
🔹 ثانيًا: الإسلام ليس زيًّا عربيًا!
من الأخطاء التي ينبغي أن يتنبه لها العاملون في الدعوة أن يُقدَّم اللباس العربي، أو نمط معين من المظهر الاجتماعي، وكأنه جزء لازم من حقيقة الإسلام، بحيث يشعر الداخل الجديد في الدين أنه مطالب بالتخلي عن لباس قومه، والتشبه ببيئة الداعية، حتى يُعترف بصدق إسلامه أو استقامته.
وهنا يحق لنا أن نسأل:
هل ندعو الناس إلى الإسلام، أم ندعوهم إلى تقاليدنا الاجتماعية باسم الإسلام؟
إن الشريعة لها أحكامها وضوابطها في اللباس والستر والاحتشام، وهذه الأحكام ينبغي بيانها بوضوح وأمانة. لكن ذلك لا يعني أن كل لباس عربي واجب شرعًا، أو أن كل لباس غير عربي مرفوض، أو أن اتخاذ زيّ بعينه دليل على التقوى والاستقامة.
فقد يكون الإنسان مسلمًا صادق الإيمان، حسن الخلق، طاهر السلوك، وهو يرتدي لباس قومه المعتاد، ما دام ملتزمًا بالضوابط الشرعية ذات الصلة.
والأولى بالداعية أن يشرح للناس ما أوجبه الله عليهم، ويميز ذلك مما جرى به العرف، وألا يجعل الأعراف المحلية حواجز إضافية أمام من يريد الدخول في الإسلام.
ليس المطلوب أن يصبح المسلم الجديد عربيّ المظهر، بل أن يكون مسلمًا صحيح الاعتقاد، مستقيم السلوك، حسن الخلق.
🔹 ثالثًا: الحجاب الشرعي شيء، والتشدد في مسائل الخلاف شيء آخر
ومن الأمثلة التي تكشف خطورة الخلط بين الأحكام الشرعية والاجتهادات الفقهية مسألة لباس المرأة، ولا سيما تغطية الوجه.
فالحجاب الشرعي له أحكامه وضوابطه التي يجب بيانها، لكن الفقهاء اختلفوا في حكم تغطية وجه المرأة، وتفاصيل المسألة وشروطها، ولا يصح أن يُعرض أحد الأقوال الاجتهادية على أنه محل إجماع، أو أن يُجعل تبنّيه شرطًا لصحة إسلام المرأة.
كما لا يجوز أن تتحول النصيحة الشرعية إلى إهانة أو سبّ أو تحقير؛ فالدعوة إلى الله تقوم على العلم والحكمة وحسن الخطاب، لا على كسر كرامة الناس وتنفيرهم.
إن من يختلف مع غيره في مسألة فقهية ينبغي أن يبيّن حجته، ويعرض قوله بأدب، ويعرف مواضع الاتفاق والخلاف، ولا يحوّل المسألة الاجتهادية إلى ساحة لتوزيع التهم والألقاب.
فالغيرة على الدين لا تبرر الجهل بأحكامه، والتمسك بالحكم الشرعي لا يبيح إساءة الخطاب إلى الناس.
🔹 رابعًا: المسلم الجديد لا يحتاج إلى تغيير هويته الاجتماعية كي يثبت إيمانه
تأملوا حال رجل نشأ في بيئة غربية، ثم قادته رحلة البحث والتأمل إلى الإيمان بالله وحده، فاختار الإسلام بعد أن وازن بين التصورات الدينية التي عرفها، واقتنع بما وجده فيه من وضوح التوحيد، وعدل المسؤولية الفردية، واتساق العلاقة بين الإنسان وربه.
ماذا نطلب منه بعد ذلك؟
أن نساعده على فهم عقيدته الجديدة، وأن نعلّمه عباداته وأحكامه، وأن نفتح له أبواب العلم والصحبة الصالحة، وأن نعينه على الثبات والاستقامة.
أما أن نجعل نجاحه في الإسلام مرهونًا بارتداء زيّ ثقافي لا يلزمه شرعًا، أو بتقليد هيئة اجتماعية مخصوصة، فذلك خلط بين الدين والعرف، لا مصلحة للدعوة فيه.
ولا يعني هذا أن المسلم الجديد لا يتعلم أحكام اللباس أو غيره من الأحكام الشرعية، بل يعني أن يُعلَّم ما يجب عليه بدليله، وأن يُفرَّق بين الواجب والمستحب والمباح والعرف، وألا يُحمَّل من التكاليف ما ليس من الدين.
كذلك، لا ينبغي أن يُختزل نجاحه في أن يصبح إمام مسجد أو بائع كتب دينية؛ فقد يكون طبيبًا أو مهندسًا أو معلمًا أو موظفًا أو صاحب مهنة نافعة، ويكون في عمله وأمانته وحسن معاملته نموذجًا مشرفًا للمسلم.
فالمجتمع لا يحتاج إلى أصحاب المظاهر وحدها، بل يحتاج إلى أصحاب الكفاءة والضمير والإخلاص.
وقد جعل القرآن الكريم التفاضل الحقيقي قائمًا على التقوى والعمل الصالح، فقال تعالى:
﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2].
فليس مظهر الإنسان وحده هو الذي يعرّف الناس بحقيقة الدين، بل صدقه وأمانته وعدله وإتقانه وإحسانه.
🔹 خامسًا: لا تجعلوا المرأة شاهدًا على الصورة المشوهة للإسلام
ومن الأخطاء التي تسيء إلى الدعوة أن يُقدَّم الإسلام وكأنه ينتقص من المرأة، أو ينظر إليها باعتبارها إنسانًا أقل كرامة من الرجل، أو أن تُحمَّل أحكام الدين ما صنعته بعض الأعراف من ظلم وإقصاء.
إن القرآن الكريم يخاطب الرجال والنساء باعتبارهم عبادًا لله، ويقرر وحدة أصلهم الإنساني، ويجعل الكرامة والتكليف والمسؤولية أمام الله أمورًا لا تُختزل في الجنس أو النسب أو اللون.
قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [النساء: 1].
وقال سبحانه:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13].
وفي القرآن نماذج لنساء بلغن منزلة رفيعة في الإيمان، كما في امرأة فرعون ومريم ابنة عمران، وفي المقابل عرض القرآن نموذج امرأة نوح وامرأة لوط للتحذير من أن القرابة لا تنفع صاحبها من دون إيمان.
وهذه المعاني تكشف أن قيمة الإنسان لا تُحدَّد بمجرد جنسه أو موقعه الاجتماعي، وإنما ترتبط بإيمانه وعمله ومسؤوليته أمام الله.
ومن ثم، فإن على الداعية أن يشرح أحكام الإسلام المتعلقة بالمرأة شرحًا علميًا متوازنًا، وأن يميّز بين النصوص الشرعية، والاجتهادات الفقهية، والأعراف الاجتماعية التي قد تصيب وقد تخطئ.
ولا يكفي أن نردّد أن الإسلام كرّم المرأة؛ بل ينبغي أن يظهر أثر هذا التكريم في خطابنا، وفي تعاملنا، وفي رفضنا للظلم والإهانة والتمييز الجائر.
إن الدفاع عن مكانة المرأة في الإسلام لا يكون بتجميل كل ممارسة تُنسب إلى المسلمين، بل بتمييز ما يقرره الدين مما قد تفرضه العادات أو ينتجه سوء الفهم.
🔹 سادسًا: أحكام الميراث لا تُشرح بالشعارات والتعميمات
ومن المسائل التي يكثر حولها الجدل مسألة ميراث المرأة، إذ يُختزل الحكم أحيانًا في عبارة مفادها أن المرأة ترث نصف الرجل لأنها لا تنفق، بينما ينفق الرجل عليها.
والأدق أن يقال: إن الشريعة رتبت أنصبة الميراث وفق أحكام وتفصيلات متعددة، وقرنت ذلك بمنظومة من الحقوق والواجبات المالية، ومنها النفقة والمهر في مواضعهما.
ولا يصح أن نعمم القول بأن كل امرأة ترث نصف كل رجل؛ فالأنصبة تختلف باختلاف صلة القرابة، ووجود الورثة الآخرين، وأحوال المسألة، وقد ترث المرأة مثل الرجل، أو أكثر منه، أو ترث ولا يرث نظيرها من الرجال في بعض الصور.
كما أن تفسير كل حالة من حالات الميراث بعلة واحدة، من دون مراعاة تفاصيلها، لا يفي بحقيقة النظام التشريعي.
والواجب في مثل هذه القضايا أن نعرض الأحكام بأمانة، ونشرح ما نعلمه من حكمها ومقاصدها، ونتجنب التعميم الذي قد يضعف الحجة بدل أن يقويها.
أما مسائل الاجتهاد في تنظيم الحقوق والواجبات، فينبغي بحثها بعلم، لا بتحويلها إلى شعارات متقابلة، أو اتهام المخالفين بسوء القصد.
🔹 سابعًا: لا تخلطوا بين أحكام الدين وموروثات الجاهلية
ومن المؤسف أن تبقى في بعض البيئات آثار من احتقار المرأة، أو تفضيل الذكور لمجرد كونهم ذكورًا، مع أن القرآن الكريم ذمّ موقف الجاهلية من ولادة الأنثى، فقال تعالى:
﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ﴾ [النحل: 58-59].
فكيف يُنسب إلى الإسلام ما جاء القرآن أصلًا بإنكاره؟
إن وجود ممارسات ظالمة في بعض المجتمعات المسلمة لا يجعلها أحكامًا شرعية، كما أن وجود نصوص شرعية لا يعني أن كل ما يمارسه الناس باسمها يمثل فهمًا صحيحًا لها.
وهنا تظهر مسؤولية العلماء والدعاة: أن يواجهوا الأعراف المخالفة للعدل، وأن يبيّنوا للناس الفرق بين الوحي والاجتهاد، وبين الحكم الشرعي والتقاليد الاجتماعية.
فليس كل موروث مقدسًا، وليس كل شائع صحيحًا، وليس كل ما اعتاده الناس دليلًا على مشروعيته.
🔹 ثامنًا: لا تعطلوا مصالح الناس بسبب خلاف فقهي
ومن صور الجمود أن يتحول الخلاف الفقهي إلى باب لتعطيل المصالح، أو أن يُقدَّم رأي واحد على أنه الإسلام كله، مع وجود أقوال معتبرة لأهل العلم.
ومن الأمثلة على ذلك مسألة تولي المرأة القضاء، وهي من المسائل التي وقع فيها خلاف فقهي معروف، وتفصيلاتها محل بحث بين الفقهاء.
فقد ذهب بعض أهل العلم إلى المنع، وذهب آخرون إلى جواز تولي المرأة القضاء في نطاقات معينة، وتوسع بعضهم في ذلك. ولا يصح عرض المسألة على أنها محل اتفاق، أو اتهام كل مخالف في هذا الباب بأنه يعادي النساء أو يرفض أحكام الله.
لكن الدرس الأهم هنا أن الخلاف الفقهي ينبغي أن يُدار بمنهج العلم، لا بمنطق الإقصاء، وأن تُبحث أهلية المتولي للمنصب، وطبيعة الولاية، وشروطها، ومصالح الناس، والأدلة ذات الصلة.
فإذا كان في المسألة قول معتبر، فلا يجوز تجاهله لمجرد أن بعض الناس لم يألفوه، كما لا يجوز اتخاذ الرغبة في التيسير ذريعة إلى إلغاء الأدلة أو تجاوز مناهج الاستنباط.
ليس من خدمة الشريعة أن نضيّق ما وسّع فيه الاجتهاد المعتبر، ولا أن نوسّع ما ضيّقته النصوص؛ وإنما خدمتها في فهم أدلتها، ومعرفة مراتب أحكامها، ووضع كل مسألة في موضعها.
🔹 تاسعًا: الدعوة الناجحة تُظهر محاسن الإسلام ولا تحجبها
إن الدعوة إلى الإسلام ليست معركة لإثبات تفوق ثقافة على ثقافة، ولا منافسة بين لباس محلي ولباس وافد، ولا اختبارًا لمدى قدرة المسلم الجديد على تقليد البيئة التي دخل فيها.
إنها دعوة إلى معرفة الله وعبادته، وإلى العدل والرحمة، وإلى الصدق والأمانة، وإلى تحمل الإنسان مسؤولية عمله، وإلى بناء حياة مستقيمة تقوم على الحق والإحسان.
ولهذا، فإن الداعية الناجح هو من يميّز بين أصول الدين وفروعه، وبين الواجب والمستحب والمباح، وبين النص الشرعي والاجتهاد البشري، وبين الحكم الديني والعرف الاجتماعي.
وهو الذي يعرف متى يعلّم، ومتى يحاور، ومتى يوضح موضع الخلاف، ومتى يصحح الفهم الخاطئ، من غير أن يجعل كل مسألة فرعية معركةً تمتحن بها إيمان الناس.
كما أن الدعوة لا تكتمل بالكلام وحده؛ فالأمانة في المعاملة، والرحمة بالضعيف، وإتقان العمل، واحترام الناس، والعدل مع المخالف، كلها صور عملية تُظهر للناس أثر الإيمان في حياة صاحبه.
وقد يكون موقف صادق من داعية، أو عدل من مسلم، أو رحمة في موضعها، أبلغ في تعريف الناس بجمال الإسلام من خطب طويلة لا يصدقها السلوك.
✦ الخلاصة: قدّموا الإسلام كما هو، لا كما صنعته العادات
إن أخطر ما يواجه الخطاب الدعوي ليس مجرد اختلاف الناس في فهم بعض المسائل، وإنما أن تتحول اجتهادات البشر وأعراف المجتمعات إلى حواجز تُحجب بها مقاصد الدين، أو أن يُحمَّل الإسلام مسؤولية ممارسات لا يقرها، أو أن يُقدَّم للباحث عن الحقيقة في صورة ضيقة لا تمثل سعة شريعته وتنوع تراثه الفقهي.
فلنحرص على أن ندعو الناس إلى الإسلام بعلم وبصيرة، وأن نوضح أحكامه من غير غلو ولا تفريط، وأن نحفظ للفقهاء اجتهاداتهم، وللناس كرامتهم، وللدعوة حكمتها.
ولنتذكر دائمًا أن المسلم الجديد لا يحتاج إلى أن يتخلى عن كل ملامح حياته السابقة، ولا أن يتشبه بقوم بعينهم؛ بل يحتاج إلى أن يتعلم دينه، ويعبد ربه، ويحسن عمله، ويترجم إيمانه إلى سلوك نافع.
فلا تجعلوا العادات حجابًا بين الناس وحقيقة الإسلام، ولا تجعلوا الخلاف الفقهي سببًا للتنفير، ولا تختزلوا الدين في مظاهر لا تمثل جوهره.
ادعوا إلى الإسلام كما جاء به الوحي، واشرحوه بعلم ورحمة وحكمة؛ فمهمتنا أن نفتح للناس أبواب الهداية، لا أن نضيف إليها حواجز من صنع أيدينا.

