الأربعاء، 28 أكتوبر 2026

4. هل ندعو الناس إلى الإسلام أم إلى عاداتنا الاجتماعية؟

 

أوهام في طريق الدعوة: حين تختلط حقائق الإسلام بعادات المجتمع

حين نقدّم للناس عاداتنا على أنها من صميم الدين، ونشغلهم بالمظاهر قبل أن نعرّفهم بحقائق الإسلام ومقاصده، فهل نكون قد أحسنّا الدعوة، أم حجبنا عنهم بعض جمال الرسالة التي نريد لهم أن يعرفوها؟


🔹 أولًا: أندعو الناس إلى الإسلام أم إلى صورتنا عن الإسلام؟

من أشد ما يؤلم الغيور على دينه أن يرى إنسانًا يبحث بصدق عن الحقيقة، ويتطلع إلى دين يجيب عن أسئلته الكبرى، ويمنح حياته معنى، ويهدي عقله إلى الحق وقلبه إلى الطمأنينة؛ ثم يجد أمامه خطابًا يخلط بين الإسلام وعادات بيئة معينة، وبين أحكام الشريعة ومظاهر اجتماعية لا يلزم الداخل في الإسلام أن يتبناها.

إن الإسلام ليس دينًا بلا أصحاب، ولا رسالة بلا من يحمل أمانة بيانها، ولكن المشكلة تبدأ حين يقصّر بعض المنتسبين إليه في تقديمه كما هو: عقيدةً توحّد الله، وعبادةً تزكّي النفس، وشريعةً تقيم العدل، وأخلاقًا تحفظ الكرامة، ومنهجًا يصلح علاقة الإنسان بربه وبنفسه وبالناس.

إن الباحث عن الإسلام لا يحتاج إلى أن يتحول إلى نسخة اجتماعية من الداعية الذي يرشده، ولا إلى أن يتخلى عن كل ملامح ثقافته السابقة؛ وإنما يحتاج إلى أن يعرف الحق، ويفهم ما يلزمه من أحكامه، ويدخل في الدين عن اقتناع وبصيرة.

فالإسلام رسالة عالمية، وليس هويةً عرقية، ولا زيًّا محليًا، ولا تقاليد بيئة بعينها.

🔹 ثانيًا: الإسلام ليس زيًّا عربيًا!

من الأخطاء التي ينبغي أن يتنبه لها العاملون في الدعوة أن يُقدَّم اللباس العربي، أو نمط معين من المظهر الاجتماعي، وكأنه جزء لازم من حقيقة الإسلام، بحيث يشعر الداخل الجديد في الدين أنه مطالب بالتخلي عن لباس قومه، والتشبه ببيئة الداعية، حتى يُعترف بصدق إسلامه أو استقامته.

وهنا يحق لنا أن نسأل:

هل ندعو الناس إلى الإسلام، أم ندعوهم إلى تقاليدنا الاجتماعية باسم الإسلام؟

إن الشريعة لها أحكامها وضوابطها في اللباس والستر والاحتشام، وهذه الأحكام ينبغي بيانها بوضوح وأمانة. لكن ذلك لا يعني أن كل لباس عربي واجب شرعًا، أو أن كل لباس غير عربي مرفوض، أو أن اتخاذ زيّ بعينه دليل على التقوى والاستقامة.

فقد يكون الإنسان مسلمًا صادق الإيمان، حسن الخلق، طاهر السلوك، وهو يرتدي لباس قومه المعتاد، ما دام ملتزمًا بالضوابط الشرعية ذات الصلة.

والأولى بالداعية أن يشرح للناس ما أوجبه الله عليهم، ويميز ذلك مما جرى به العرف، وألا يجعل الأعراف المحلية حواجز إضافية أمام من يريد الدخول في الإسلام.

ليس المطلوب أن يصبح المسلم الجديد عربيّ المظهر، بل أن يكون مسلمًا صحيح الاعتقاد، مستقيم السلوك، حسن الخلق.

🔹 ثالثًا: الحجاب الشرعي شيء، والتشدد في مسائل الخلاف شيء آخر

ومن الأمثلة التي تكشف خطورة الخلط بين الأحكام الشرعية والاجتهادات الفقهية مسألة لباس المرأة، ولا سيما تغطية الوجه.

فالحجاب الشرعي له أحكامه وضوابطه التي يجب بيانها، لكن الفقهاء اختلفوا في حكم تغطية وجه المرأة، وتفاصيل المسألة وشروطها، ولا يصح أن يُعرض أحد الأقوال الاجتهادية على أنه محل إجماع، أو أن يُجعل تبنّيه شرطًا لصحة إسلام المرأة.

كما لا يجوز أن تتحول النصيحة الشرعية إلى إهانة أو سبّ أو تحقير؛ فالدعوة إلى الله تقوم على العلم والحكمة وحسن الخطاب، لا على كسر كرامة الناس وتنفيرهم.

إن من يختلف مع غيره في مسألة فقهية ينبغي أن يبيّن حجته، ويعرض قوله بأدب، ويعرف مواضع الاتفاق والخلاف، ولا يحوّل المسألة الاجتهادية إلى ساحة لتوزيع التهم والألقاب.

فالغيرة على الدين لا تبرر الجهل بأحكامه، والتمسك بالحكم الشرعي لا يبيح إساءة الخطاب إلى الناس.

🔹 رابعًا: المسلم الجديد لا يحتاج إلى تغيير هويته الاجتماعية كي يثبت إيمانه

تأملوا حال رجل نشأ في بيئة غربية، ثم قادته رحلة البحث والتأمل إلى الإيمان بالله وحده، فاختار الإسلام بعد أن وازن بين التصورات الدينية التي عرفها، واقتنع بما وجده فيه من وضوح التوحيد، وعدل المسؤولية الفردية، واتساق العلاقة بين الإنسان وربه.

ماذا نطلب منه بعد ذلك؟

أن نساعده على فهم عقيدته الجديدة، وأن نعلّمه عباداته وأحكامه، وأن نفتح له أبواب العلم والصحبة الصالحة، وأن نعينه على الثبات والاستقامة.

أما أن نجعل نجاحه في الإسلام مرهونًا بارتداء زيّ ثقافي لا يلزمه شرعًا، أو بتقليد هيئة اجتماعية مخصوصة، فذلك خلط بين الدين والعرف، لا مصلحة للدعوة فيه.

ولا يعني هذا أن المسلم الجديد لا يتعلم أحكام اللباس أو غيره من الأحكام الشرعية، بل يعني أن يُعلَّم ما يجب عليه بدليله، وأن يُفرَّق بين الواجب والمستحب والمباح والعرف، وألا يُحمَّل من التكاليف ما ليس من الدين.

كذلك، لا ينبغي أن يُختزل نجاحه في أن يصبح إمام مسجد أو بائع كتب دينية؛ فقد يكون طبيبًا أو مهندسًا أو معلمًا أو موظفًا أو صاحب مهنة نافعة، ويكون في عمله وأمانته وحسن معاملته نموذجًا مشرفًا للمسلم.

فالمجتمع لا يحتاج إلى أصحاب المظاهر وحدها، بل يحتاج إلى أصحاب الكفاءة والضمير والإخلاص.

وقد جعل القرآن الكريم التفاضل الحقيقي قائمًا على التقوى والعمل الصالح، فقال تعالى:

﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2].

فليس مظهر الإنسان وحده هو الذي يعرّف الناس بحقيقة الدين، بل صدقه وأمانته وعدله وإتقانه وإحسانه.

🔹 خامسًا: لا تجعلوا المرأة شاهدًا على الصورة المشوهة للإسلام

ومن الأخطاء التي تسيء إلى الدعوة أن يُقدَّم الإسلام وكأنه ينتقص من المرأة، أو ينظر إليها باعتبارها إنسانًا أقل كرامة من الرجل، أو أن تُحمَّل أحكام الدين ما صنعته بعض الأعراف من ظلم وإقصاء.

إن القرآن الكريم يخاطب الرجال والنساء باعتبارهم عبادًا لله، ويقرر وحدة أصلهم الإنساني، ويجعل الكرامة والتكليف والمسؤولية أمام الله أمورًا لا تُختزل في الجنس أو النسب أو اللون.

قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [النساء: 1].

وقال سبحانه:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13].

وفي القرآن نماذج لنساء بلغن منزلة رفيعة في الإيمان، كما في امرأة فرعون ومريم ابنة عمران، وفي المقابل عرض القرآن نموذج امرأة نوح وامرأة لوط للتحذير من أن القرابة لا تنفع صاحبها من دون إيمان.

وهذه المعاني تكشف أن قيمة الإنسان لا تُحدَّد بمجرد جنسه أو موقعه الاجتماعي، وإنما ترتبط بإيمانه وعمله ومسؤوليته أمام الله.

ومن ثم، فإن على الداعية أن يشرح أحكام الإسلام المتعلقة بالمرأة شرحًا علميًا متوازنًا، وأن يميّز بين النصوص الشرعية، والاجتهادات الفقهية، والأعراف الاجتماعية التي قد تصيب وقد تخطئ.

ولا يكفي أن نردّد أن الإسلام كرّم المرأة؛ بل ينبغي أن يظهر أثر هذا التكريم في خطابنا، وفي تعاملنا، وفي رفضنا للظلم والإهانة والتمييز الجائر.

إن الدفاع عن مكانة المرأة في الإسلام لا يكون بتجميل كل ممارسة تُنسب إلى المسلمين، بل بتمييز ما يقرره الدين مما قد تفرضه العادات أو ينتجه سوء الفهم.

🔹 سادسًا: أحكام الميراث لا تُشرح بالشعارات والتعميمات

ومن المسائل التي يكثر حولها الجدل مسألة ميراث المرأة، إذ يُختزل الحكم أحيانًا في عبارة مفادها أن المرأة ترث نصف الرجل لأنها لا تنفق، بينما ينفق الرجل عليها.

والأدق أن يقال: إن الشريعة رتبت أنصبة الميراث وفق أحكام وتفصيلات متعددة، وقرنت ذلك بمنظومة من الحقوق والواجبات المالية، ومنها النفقة والمهر في مواضعهما.

ولا يصح أن نعمم القول بأن كل امرأة ترث نصف كل رجل؛ فالأنصبة تختلف باختلاف صلة القرابة، ووجود الورثة الآخرين، وأحوال المسألة، وقد ترث المرأة مثل الرجل، أو أكثر منه، أو ترث ولا يرث نظيرها من الرجال في بعض الصور.

كما أن تفسير كل حالة من حالات الميراث بعلة واحدة، من دون مراعاة تفاصيلها، لا يفي بحقيقة النظام التشريعي.

والواجب في مثل هذه القضايا أن نعرض الأحكام بأمانة، ونشرح ما نعلمه من حكمها ومقاصدها، ونتجنب التعميم الذي قد يضعف الحجة بدل أن يقويها.

أما مسائل الاجتهاد في تنظيم الحقوق والواجبات، فينبغي بحثها بعلم، لا بتحويلها إلى شعارات متقابلة، أو اتهام المخالفين بسوء القصد.

🔹 سابعًا: لا تخلطوا بين أحكام الدين وموروثات الجاهلية

ومن المؤسف أن تبقى في بعض البيئات آثار من احتقار المرأة، أو تفضيل الذكور لمجرد كونهم ذكورًا، مع أن القرآن الكريم ذمّ موقف الجاهلية من ولادة الأنثى، فقال تعالى:

﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ۝ يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ﴾ [النحل: 58-59].

فكيف يُنسب إلى الإسلام ما جاء القرآن أصلًا بإنكاره؟

إن وجود ممارسات ظالمة في بعض المجتمعات المسلمة لا يجعلها أحكامًا شرعية، كما أن وجود نصوص شرعية لا يعني أن كل ما يمارسه الناس باسمها يمثل فهمًا صحيحًا لها.

وهنا تظهر مسؤولية العلماء والدعاة: أن يواجهوا الأعراف المخالفة للعدل، وأن يبيّنوا للناس الفرق بين الوحي والاجتهاد، وبين الحكم الشرعي والتقاليد الاجتماعية.

فليس كل موروث مقدسًا، وليس كل شائع صحيحًا، وليس كل ما اعتاده الناس دليلًا على مشروعيته.

🔹 ثامنًا: لا تعطلوا مصالح الناس بسبب خلاف فقهي

ومن صور الجمود أن يتحول الخلاف الفقهي إلى باب لتعطيل المصالح، أو أن يُقدَّم رأي واحد على أنه الإسلام كله، مع وجود أقوال معتبرة لأهل العلم.

ومن الأمثلة على ذلك مسألة تولي المرأة القضاء، وهي من المسائل التي وقع فيها خلاف فقهي معروف، وتفصيلاتها محل بحث بين الفقهاء.

فقد ذهب بعض أهل العلم إلى المنع، وذهب آخرون إلى جواز تولي المرأة القضاء في نطاقات معينة، وتوسع بعضهم في ذلك. ولا يصح عرض المسألة على أنها محل اتفاق، أو اتهام كل مخالف في هذا الباب بأنه يعادي النساء أو يرفض أحكام الله.

لكن الدرس الأهم هنا أن الخلاف الفقهي ينبغي أن يُدار بمنهج العلم، لا بمنطق الإقصاء، وأن تُبحث أهلية المتولي للمنصب، وطبيعة الولاية، وشروطها، ومصالح الناس، والأدلة ذات الصلة.

فإذا كان في المسألة قول معتبر، فلا يجوز تجاهله لمجرد أن بعض الناس لم يألفوه، كما لا يجوز اتخاذ الرغبة في التيسير ذريعة إلى إلغاء الأدلة أو تجاوز مناهج الاستنباط.

ليس من خدمة الشريعة أن نضيّق ما وسّع فيه الاجتهاد المعتبر، ولا أن نوسّع ما ضيّقته النصوص؛ وإنما خدمتها في فهم أدلتها، ومعرفة مراتب أحكامها، ووضع كل مسألة في موضعها.

🔹 تاسعًا: الدعوة الناجحة تُظهر محاسن الإسلام ولا تحجبها

إن الدعوة إلى الإسلام ليست معركة لإثبات تفوق ثقافة على ثقافة، ولا منافسة بين لباس محلي ولباس وافد، ولا اختبارًا لمدى قدرة المسلم الجديد على تقليد البيئة التي دخل فيها.

إنها دعوة إلى معرفة الله وعبادته، وإلى العدل والرحمة، وإلى الصدق والأمانة، وإلى تحمل الإنسان مسؤولية عمله، وإلى بناء حياة مستقيمة تقوم على الحق والإحسان.

ولهذا، فإن الداعية الناجح هو من يميّز بين أصول الدين وفروعه، وبين الواجب والمستحب والمباح، وبين النص الشرعي والاجتهاد البشري، وبين الحكم الديني والعرف الاجتماعي.

وهو الذي يعرف متى يعلّم، ومتى يحاور، ومتى يوضح موضع الخلاف، ومتى يصحح الفهم الخاطئ، من غير أن يجعل كل مسألة فرعية معركةً تمتحن بها إيمان الناس.

كما أن الدعوة لا تكتمل بالكلام وحده؛ فالأمانة في المعاملة، والرحمة بالضعيف، وإتقان العمل، واحترام الناس، والعدل مع المخالف، كلها صور عملية تُظهر للناس أثر الإيمان في حياة صاحبه.

وقد يكون موقف صادق من داعية، أو عدل من مسلم، أو رحمة في موضعها، أبلغ في تعريف الناس بجمال الإسلام من خطب طويلة لا يصدقها السلوك.


✦ الخلاصة: قدّموا الإسلام كما هو، لا كما صنعته العادات

إن أخطر ما يواجه الخطاب الدعوي ليس مجرد اختلاف الناس في فهم بعض المسائل، وإنما أن تتحول اجتهادات البشر وأعراف المجتمعات إلى حواجز تُحجب بها مقاصد الدين، أو أن يُحمَّل الإسلام مسؤولية ممارسات لا يقرها، أو أن يُقدَّم للباحث عن الحقيقة في صورة ضيقة لا تمثل سعة شريعته وتنوع تراثه الفقهي.

فلنحرص على أن ندعو الناس إلى الإسلام بعلم وبصيرة، وأن نوضح أحكامه من غير غلو ولا تفريط، وأن نحفظ للفقهاء اجتهاداتهم، وللناس كرامتهم، وللدعوة حكمتها.

ولنتذكر دائمًا أن المسلم الجديد لا يحتاج إلى أن يتخلى عن كل ملامح حياته السابقة، ولا أن يتشبه بقوم بعينهم؛ بل يحتاج إلى أن يتعلم دينه، ويعبد ربه، ويحسن عمله، ويترجم إيمانه إلى سلوك نافع.

فلا تجعلوا العادات حجابًا بين الناس وحقيقة الإسلام، ولا تجعلوا الخلاف الفقهي سببًا للتنفير، ولا تختزلوا الدين في مظاهر لا تمثل جوهره.

ادعوا إلى الإسلام كما جاء به الوحي، واشرحوه بعلم ورحمة وحكمة؛ فمهمتنا أن نفتح للناس أبواب الهداية، لا أن نضيف إليها حواجز من صنع أيدينا.

🍆 الباذنجانيون الجدد! حين يصبح رضا الحاكم معيارًا للحق والباطل

 


🍆 الباذنجانيون الجدد!

حين يصبح رضا الحاكم معيارًا للحق والباطل

تُروى حكاية طريفة عن الأمير بشير الشهابي، حاكم لبنان، أنه قال لخادمه يومًا:

— أشتهي أكلة باذنجان!

فما كان من الخادم إلا أن انطلق في مدح الباذنجان، فقال:

— الباذنجان، بارك الله في الباذنجان! سيد المأكولات، لحم بلا شحم، وسمك بلا حسك! يؤكل مقليًّا ومشويًّا ومحشيًّا ومخللًا ومكدوسًا!

فقال له الأمير:

— لكنني أكلت منه قبل أيام، فتألمت معدتي بسببه!

فانقلب الخادم على الفور، وقال:

— الباذنجان؟! لعنة الله على الباذنجان! إنه ثقيل، غليظ، يسبب النفخة، أسود الوجه!

فتعجب الأمير من سرعة انقلابه، وقال:

— ويحك! أتمدح الشيء ثم تذمه في لحظة واحدة؟!

فأجابه الخادم بجواب يلخص حال المتملقين:

— يا مولاي، أنا خادم للأمير، ولست خادمًا للباذنجان! إذا قلتَ نعم قلتُ نعم، وإذا قلتَ لا قلتُ لا!

وهكذا انتهت الحكاية، وبقيت العبرة!

فالمتملق لا يسأل: ما الحقيقة؟ بل يسأل: ما الذي يرضي صاحب السلطة؟

وهنا تبدأ الحكاية التي تتجاوز الباذنجان إلى عالم السياسة والخطاب الديني!

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

🔴 أولًا: الباذنجان تغيّر في نظر الخادم… أم تغيّر موقف الأمير؟

لم يتغير الباذنجان في لحظة، ولم تتبدل خصائصه بمجرد أن اشتكى الأمير منه؛ الذي تغير هو موقف الخادم، لأنه لم يكن ينطلق من قناعة مستقلة، وإنما كان يراقب اتجاه سيده ليعرف ماذا يقول!

وهذا هو جوهر التملق: أن يصبح موقف الإنسان تابعًا لموقف صاحب النفوذ، لا نتيجة بحثه عن الحقيقة، ولا ثمرة اجتهاده، ولا التزامه بمبدأ ثابت.

فإذا رضي صاحب السلطة، وجد المتملقون في قراراته الحكمة المطلقة، وإذا غضب، اكتشفوا فجأة العيوب التي لم يكونوا يرونها بالأمس!

وإذا مدح سياسةً، تسابقوا في بيان محاسنها، وإذا غيّر موقفه منها، تسابقوا في ذمها، وكأن الحقيقة نفسها تتبدل بتبدل المزاج السياسي!

🔴 ثانيًا: حين يرتدي التملق لباس الدين!

المشكلة ليست في المتملق السياسي وحده، بل فيمن يجعل من الخطاب الديني وسيلة لتبرير كل موقف يصدر عن السلطة، ثم يقدم هذا التبرير للناس على أنه المنهج الشرعي الصحيح الذي لا يجوز مخالفته!

وهنا تبرز الحاجة إلى مناقشة بعض الممارسات التي اشتهرت في أوساط من يُنسبون إلى التيار المدخلي، خصوصًا حين تتحول الدعوة إلى السمع والطاعة من تقرير أصل شرعي منضبط إلى خطاب يُستخدم لتبرير مواقف الحكام، أو التشديد على مخالفيهم، أو إسكات كل نصيحة وانتقاد مشروع.

فبدلًا من أن يكون السؤال:

هل هذا الموقف موافق للشرع والعدل والمصلحة المعتبرة؟

يصبح السؤال:

هل هذا الموقف يوافق السلطة؟ وهل انتقاده يضع صاحبه في دائرة التحذير والتبديع والتصنيف؟

وهنا تكمن المشكلة الحقيقية!

لسنا نتحدث عن كل من دعا إلى طاعة ولي الأمر، ولا عن كل عالم نصح بالصبر على جور الحكام، وإنما نتحدث عن تحويل هذا الأصل الشرعي إلى أداة انتقائية، تُستخدم بحسب الأشخاص والظروف، ويُضيَّق بها على المخالفين حتى عندما يكون خلافهم متعلقًا باجتهاد معتبر أو نصيحة مشروعة.

🔴 ثالثًا: طاعة ولي الأمر شرعٌ… وليست عبادةً للحاكم!

من أعظم الأخطاء الخلط بين طاعة ولي الأمر في المعروف وبين التسليم بأن كل ما يصدر عنه حق، أو أن كل قرار يتخذه صواب، أو أن انتقاد سياساته خطيئة شرعية في ذاته.

لقد أمر الله تعالى بطاعة أولي الأمر، فقال:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 59].

لكن الآية نفسها تردّ النزاع إلى مرجعية أعلى من الأشخاص والمناصب، إذ يقول الله تعالى بعدها:

﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: 59].

فلم يجعل الله الحاكم مرجعًا معصومًا تُرد إليه جميع الحقائق، بل جعل المرجعية النهائية لكتابه وسنة رسوله ﷺ.

وقال النبي ﷺ:

«إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ».

متفق عليه.

وقال ﷺ:

«لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ».

متفق عليه.

فطاعة ولي الأمر ليست تفويضًا مطلقًا، ولا تعني أن تتحول الأخطاء إلى صواب، أو أن يصبح الظلم عدلًا، أو أن يُمنع العلماء وأهل الرأي من النصيحة والنقد المشروع.

الطاعة الشرعية لها ضوابطها، والنصيحة لها آدابها، والحق لا يتبدل بتبدل أصحاب المناصب.

كما أن النصيحة لا تعني الفوضى، والإنكار لا يعني استباحة الدماء أو الدعوة إلى الفتنة؛ بل لكل مقام أحكامه وضوابطه الشرعية.

🔴 رابعًا: لماذا يُشتدَّد على المخالف، ويُتساهل مع الموافق؟

من الأمور التي تستحق النقد أن يصبح الخلاف مع بعض الأشخاص أو الجماعات سببًا لتشديد الأحكام عليهم، بينما تُفسَّر مواقف أشخاص آخرين بأحسن المحامل، حتى عندما تتشابه الأخطاء أو تتقارب الوقائع.

فإذا انتقد مخالفٌ قرارًا سياسيًّا، اتُّهم بإثارة الفتنة أو منازعة الأمر أهله، وإذا انتقده شخص محسوب على الدائرة نفسها، قيل: إنها نصيحة، أو اجتهاد، أو تقدير للمصلحة!

وإذا أخطأ داعية لا يوافقهم، جرى تضخيم خطئه والتحذير منه، أما إذا صدر الخطأ نفسه عن شخص يوافقهم في توجهه، ظهرت الأعذار والتأويلات!

وهنا ينبغي أن نسأل:

أين الإنصاف الذي أمر الله به؟

وأين العدل الذي لا يجوز أن يمنعنا منه خلافنا مع الآخرين؟

قال الله تعالى:

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8].

فالعدل لا يتجزأ، والميزان الشرعي لا يجوز أن يتغير بحسب قرب الأشخاص من جماعتنا أو بعدهم عنها.

إذا كان الخطأ خطأً، فلا ينبغي أن يصبح صوابًا لأن صاحبه يوافقنا، ولا أن يتضاعف لمجرد أن صاحبه يخالفنا.

🔴 خامسًا: هل اتباع السلف يعني تبرير كل موقف للسلطة؟

إن الانتساب إلى السلف لا يتحقق بمجرد ترديد الشعارات، ولا بكثرة التحذير من المخالفين، ولا بجعل طاعة الحكام عنوانًا يُختبر به صدق التدين في كل قضية.

إنما يتحقق باتباع الكتاب والسنة، وفهمهما على أصول العلم، والعدل مع الموافق والمخالف، والتمييز بين النص الشرعي والاجتهاد البشري، وبين الطاعة في المعروف وتبرير الأخطاء.

ولم يكن أئمة الإسلام معصومين، ولم تكن مكانة العالم أو الحاكم كافية لجعل كل قول يصدر عنه حقًّا لا يُناقش.

وقد قرر علماء الإسلام أن كل أحد يؤخذ من قوله ويُترك، وأن العصمة للأنبياء فيما بلّغوه عن الله، وأن الاجتهاد البشري يحتمل الصواب والخطأ.

فكيف يُطلب من الناس أن يتبعوا الدليل، ثم يُلامون إذا ناقشوا استدلالًا، أو سألوا عن وجه الحكم، أو ميّزوا بين النص الشرعي وتفسير بعض الأشخاص له؟

وكيف يصبح نقد موقف سياسي بعينه خروجًا عن المنهج، بينما يُقدَّم الدفاع عن الموقف نفسه، مهما كانت ملابساته، على أنه عين الالتزام بالسنة؟

إن المشكلة ليست في احترام العلماء أو الحكام، بل في منح البشر حصانةً لا يملكونها، وفي تحويل الاجتهادات السياسية إلى أحكام شرعية لا تقبل النقاش.

🔴 سادسًا: الباذنجانيون الجدد… أينما وُجد التملق!

الباذنجانيون ليسوا حكرًا على عصر دون عصر، ولا على جماعة دون أخرى.

قد تجدهم في السياسة، وفي الإعلام، وفي المؤسسات الدينية، وفي كل بيئة يصبح فيها إرضاء صاحب النفوذ أهم من قول الحقيقة.

لكن أخطر أنواع التملق هو الذي يستعير لغة الشرع، ويستشهد بالنصوص، ويرفع شعار السلف، ثم يجعل هذه كلها وسائل لتسويغ موقف جاهز، بدلًا من أن يجعلها معايير يحاكم إليها المواقف جميعًا.

فالقرآن لا يتغير بحسب رغبات الحكام، والسنة لا تتبدل بتبدل التحالفات، والعدل لا يصبح مذمومًا لأن خصمنا دعا إليه، ولا يصبح الظلم مقبولًا لأن صاحبنا مارسه.

ومن كان بالأمس يمدح قرارًا، ثم ذمّه اليوم لمجرد أن السلطة غيّرت موقفها، فليس كافيًا أن نسأله عن سبب تغييره؛ بل من حقنا أن نسأله: هل كان موقفك الأول قائمًا على دليل، أم على رضا صاحب القرار؟

وبالمثل، من غيّر اجتهاده بعد ظهور دليل جديد أو تغير الظروف، فلا يصح اتهامه بالتملق لمجرد أنه غيّر رأيه؛ فالمعيار هو السبب الذي حمله على التغيير، لا مجرد التغيير نفسه.

وهذا هو الفرق بين العالم الذي يجتهد فيصيب أو يخطئ، والمتملق الذي يجعل رضا صاحب السلطة بوصلته الوحيدة.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

✍️ الخلاصة: لسنا خدمًا للباذنجان!

إن العبرة من هذه الحكاية ليست في ذم الباذنجان ولا في مدحه، وإنما في كشف عقلية الإنسان الذي يبيع قناعته مقابل رضا صاحب النفوذ.

وفي واقعنا المعاصر، لا ينبغي أن تتحول طاعة ولي الأمر إلى مبرر لتقديس قراراته، ولا أن يصبح الدفاع عن السلطة معيارًا وحيدًا لقياس استقامة العلماء والدعاة، ولا أن يُتهم كل ناقد بالخروج عن المنهج لمجرد أنه خالف رأيًا سائدًا.

نعم، نحفظ للحكام حقوقهم الشرعية، وندعو إلى الاستقرار، ونرفض الفوضى والاعتداء، ونلتزم بالنصيحة الشرعية وآدابها؛ لكننا في الوقت نفسه نرفض أن يتحول الدين إلى أداة للتملق، أو أن يُستخدم لتبرير الخطأ، أو أن يُمنح أي بشر حق احتكار الحقيقة.

فالحق لا يُعرف بالرجال وحدهم، ولا تُقاس صحة المواقف بمقدار رضا أصحاب السلطة عنها، وإنما يُعرف الحق بالدليل والعدل والإنصاف.

وما أحوجنا اليوم إلى علماء يقولون الحق بعلم وحكمة، لا إلى من يغيّرون مواقفهم بتغيّر الإشارات، ويمدحون حين يُطلب منهم المدح، ويذمون حين يُطلب منهم الذم!

فلا نريد علماء يجعلون الباذنجان حلوًا حين يرضى الأمير، ومرًّا حين يغضب؛ بل نريد علماء يزنون المواقف بميزان الشرع، ويقولون ما يعتقدون أنه الحق، سواء وافق أهواء الحكام أم خالفها.

فلسنا خدمًا للباذنجان… ولسنا خدمًا للأشخاص! إنما نحن عبيد لله، والحق أحق أن يُتَّبع.

والله من وراء القصد.