🍆 الباذنجانيون الجدد!
حين يصبح رضا الحاكم معيارًا للحق والباطل
تُروى حكاية طريفة عن الأمير بشير الشهابي، حاكم لبنان، أنه قال لخادمه يومًا:
— أشتهي أكلة باذنجان!
فما كان من الخادم إلا أن انطلق في مدح الباذنجان، فقال:
— الباذنجان، بارك الله في الباذنجان! سيد المأكولات، لحم بلا شحم، وسمك بلا حسك! يؤكل مقليًّا ومشويًّا ومحشيًّا ومخللًا ومكدوسًا!
فقال له الأمير:
— لكنني أكلت منه قبل أيام، فتألمت معدتي بسببه!
فانقلب الخادم على الفور، وقال:
— الباذنجان؟! لعنة الله على الباذنجان! إنه ثقيل، غليظ، يسبب النفخة، أسود الوجه!
فتعجب الأمير من سرعة انقلابه، وقال:
— ويحك! أتمدح الشيء ثم تذمه في لحظة واحدة؟!
فأجابه الخادم بجواب يلخص حال المتملقين:
— يا مولاي، أنا خادم للأمير، ولست خادمًا للباذنجان! إذا قلتَ نعم قلتُ نعم، وإذا قلتَ لا قلتُ لا!
وهكذا انتهت الحكاية، وبقيت العبرة!
فالمتملق لا يسأل: ما الحقيقة؟ بل يسأل: ما الذي يرضي صاحب السلطة؟
وهنا تبدأ الحكاية التي تتجاوز الباذنجان إلى عالم السياسة والخطاب الديني!
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
🔴 أولًا: الباذنجان تغيّر في نظر الخادم… أم تغيّر موقف الأمير؟
لم يتغير الباذنجان في لحظة، ولم تتبدل خصائصه بمجرد أن اشتكى الأمير منه؛ الذي تغير هو موقف الخادم، لأنه لم يكن ينطلق من قناعة مستقلة، وإنما كان يراقب اتجاه سيده ليعرف ماذا يقول!
وهذا هو جوهر التملق: أن يصبح موقف الإنسان تابعًا لموقف صاحب النفوذ، لا نتيجة بحثه عن الحقيقة، ولا ثمرة اجتهاده، ولا التزامه بمبدأ ثابت.
فإذا رضي صاحب السلطة، وجد المتملقون في قراراته الحكمة المطلقة، وإذا غضب، اكتشفوا فجأة العيوب التي لم يكونوا يرونها بالأمس!
وإذا مدح سياسةً، تسابقوا في بيان محاسنها، وإذا غيّر موقفه منها، تسابقوا في ذمها، وكأن الحقيقة نفسها تتبدل بتبدل المزاج السياسي!
🔴 ثانيًا: حين يرتدي التملق لباس الدين!
المشكلة ليست في المتملق السياسي وحده، بل فيمن يجعل من الخطاب الديني وسيلة لتبرير كل موقف يصدر عن السلطة، ثم يقدم هذا التبرير للناس على أنه المنهج الشرعي الصحيح الذي لا يجوز مخالفته!
وهنا تبرز الحاجة إلى مناقشة بعض الممارسات التي اشتهرت في أوساط من يُنسبون إلى التيار المدخلي، خصوصًا حين تتحول الدعوة إلى السمع والطاعة من تقرير أصل شرعي منضبط إلى خطاب يُستخدم لتبرير مواقف الحكام، أو التشديد على مخالفيهم، أو إسكات كل نصيحة وانتقاد مشروع.
فبدلًا من أن يكون السؤال:
هل هذا الموقف موافق للشرع والعدل والمصلحة المعتبرة؟
يصبح السؤال:
هل هذا الموقف يوافق السلطة؟ وهل انتقاده يضع صاحبه في دائرة التحذير والتبديع والتصنيف؟
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية!
لسنا نتحدث عن كل من دعا إلى طاعة ولي الأمر، ولا عن كل عالم نصح بالصبر على جور الحكام، وإنما نتحدث عن تحويل هذا الأصل الشرعي إلى أداة انتقائية، تُستخدم بحسب الأشخاص والظروف، ويُضيَّق بها على المخالفين حتى عندما يكون خلافهم متعلقًا باجتهاد معتبر أو نصيحة مشروعة.
🔴 ثالثًا: طاعة ولي الأمر شرعٌ… وليست عبادةً للحاكم!
من أعظم الأخطاء الخلط بين طاعة ولي الأمر في المعروف وبين التسليم بأن كل ما يصدر عنه حق، أو أن كل قرار يتخذه صواب، أو أن انتقاد سياساته خطيئة شرعية في ذاته.
لقد أمر الله تعالى بطاعة أولي الأمر، فقال:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 59].
لكن الآية نفسها تردّ النزاع إلى مرجعية أعلى من الأشخاص والمناصب، إذ يقول الله تعالى بعدها:
﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: 59].
فلم يجعل الله الحاكم مرجعًا معصومًا تُرد إليه جميع الحقائق، بل جعل المرجعية النهائية لكتابه وسنة رسوله ﷺ.
وقال النبي ﷺ:
«إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ».
متفق عليه.
وقال ﷺ:
«لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ».
متفق عليه.
فطاعة ولي الأمر ليست تفويضًا مطلقًا، ولا تعني أن تتحول الأخطاء إلى صواب، أو أن يصبح الظلم عدلًا، أو أن يُمنع العلماء وأهل الرأي من النصيحة والنقد المشروع.
الطاعة الشرعية لها ضوابطها، والنصيحة لها آدابها، والحق لا يتبدل بتبدل أصحاب المناصب.
كما أن النصيحة لا تعني الفوضى، والإنكار لا يعني استباحة الدماء أو الدعوة إلى الفتنة؛ بل لكل مقام أحكامه وضوابطه الشرعية.
🔴 رابعًا: لماذا يُشتدَّد على المخالف، ويُتساهل مع الموافق؟
من الأمور التي تستحق النقد أن يصبح الخلاف مع بعض الأشخاص أو الجماعات سببًا لتشديد الأحكام عليهم، بينما تُفسَّر مواقف أشخاص آخرين بأحسن المحامل، حتى عندما تتشابه الأخطاء أو تتقارب الوقائع.
فإذا انتقد مخالفٌ قرارًا سياسيًّا، اتُّهم بإثارة الفتنة أو منازعة الأمر أهله، وإذا انتقده شخص محسوب على الدائرة نفسها، قيل: إنها نصيحة، أو اجتهاد، أو تقدير للمصلحة!
وإذا أخطأ داعية لا يوافقهم، جرى تضخيم خطئه والتحذير منه، أما إذا صدر الخطأ نفسه عن شخص يوافقهم في توجهه، ظهرت الأعذار والتأويلات!
وهنا ينبغي أن نسأل:
أين الإنصاف الذي أمر الله به؟
وأين العدل الذي لا يجوز أن يمنعنا منه خلافنا مع الآخرين؟
قال الله تعالى:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8].
فالعدل لا يتجزأ، والميزان الشرعي لا يجوز أن يتغير بحسب قرب الأشخاص من جماعتنا أو بعدهم عنها.
إذا كان الخطأ خطأً، فلا ينبغي أن يصبح صوابًا لأن صاحبه يوافقنا، ولا أن يتضاعف لمجرد أن صاحبه يخالفنا.
🔴 خامسًا: هل اتباع السلف يعني تبرير كل موقف للسلطة؟
إن الانتساب إلى السلف لا يتحقق بمجرد ترديد الشعارات، ولا بكثرة التحذير من المخالفين، ولا بجعل طاعة الحكام عنوانًا يُختبر به صدق التدين في كل قضية.
إنما يتحقق باتباع الكتاب والسنة، وفهمهما على أصول العلم، والعدل مع الموافق والمخالف، والتمييز بين النص الشرعي والاجتهاد البشري، وبين الطاعة في المعروف وتبرير الأخطاء.
ولم يكن أئمة الإسلام معصومين، ولم تكن مكانة العالم أو الحاكم كافية لجعل كل قول يصدر عنه حقًّا لا يُناقش.
وقد قرر علماء الإسلام أن كل أحد يؤخذ من قوله ويُترك، وأن العصمة للأنبياء فيما بلّغوه عن الله، وأن الاجتهاد البشري يحتمل الصواب والخطأ.
فكيف يُطلب من الناس أن يتبعوا الدليل، ثم يُلامون إذا ناقشوا استدلالًا، أو سألوا عن وجه الحكم، أو ميّزوا بين النص الشرعي وتفسير بعض الأشخاص له؟
وكيف يصبح نقد موقف سياسي بعينه خروجًا عن المنهج، بينما يُقدَّم الدفاع عن الموقف نفسه، مهما كانت ملابساته، على أنه عين الالتزام بالسنة؟
إن المشكلة ليست في احترام العلماء أو الحكام، بل في منح البشر حصانةً لا يملكونها، وفي تحويل الاجتهادات السياسية إلى أحكام شرعية لا تقبل النقاش.
🔴 سادسًا: الباذنجانيون الجدد… أينما وُجد التملق!
الباذنجانيون ليسوا حكرًا على عصر دون عصر، ولا على جماعة دون أخرى.
قد تجدهم في السياسة، وفي الإعلام، وفي المؤسسات الدينية، وفي كل بيئة يصبح فيها إرضاء صاحب النفوذ أهم من قول الحقيقة.
لكن أخطر أنواع التملق هو الذي يستعير لغة الشرع، ويستشهد بالنصوص، ويرفع شعار السلف، ثم يجعل هذه كلها وسائل لتسويغ موقف جاهز، بدلًا من أن يجعلها معايير يحاكم إليها المواقف جميعًا.
فالقرآن لا يتغير بحسب رغبات الحكام، والسنة لا تتبدل بتبدل التحالفات، والعدل لا يصبح مذمومًا لأن خصمنا دعا إليه، ولا يصبح الظلم مقبولًا لأن صاحبنا مارسه.
ومن كان بالأمس يمدح قرارًا، ثم ذمّه اليوم لمجرد أن السلطة غيّرت موقفها، فليس كافيًا أن نسأله عن سبب تغييره؛ بل من حقنا أن نسأله: هل كان موقفك الأول قائمًا على دليل، أم على رضا صاحب القرار؟
وبالمثل، من غيّر اجتهاده بعد ظهور دليل جديد أو تغير الظروف، فلا يصح اتهامه بالتملق لمجرد أنه غيّر رأيه؛ فالمعيار هو السبب الذي حمله على التغيير، لا مجرد التغيير نفسه.
وهذا هو الفرق بين العالم الذي يجتهد فيصيب أو يخطئ، والمتملق الذي يجعل رضا صاحب السلطة بوصلته الوحيدة.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
✍️ الخلاصة: لسنا خدمًا للباذنجان!
إن العبرة من هذه الحكاية ليست في ذم الباذنجان ولا في مدحه، وإنما في كشف عقلية الإنسان الذي يبيع قناعته مقابل رضا صاحب النفوذ.
وفي واقعنا المعاصر، لا ينبغي أن تتحول طاعة ولي الأمر إلى مبرر لتقديس قراراته، ولا أن يصبح الدفاع عن السلطة معيارًا وحيدًا لقياس استقامة العلماء والدعاة، ولا أن يُتهم كل ناقد بالخروج عن المنهج لمجرد أنه خالف رأيًا سائدًا.
نعم، نحفظ للحكام حقوقهم الشرعية، وندعو إلى الاستقرار، ونرفض الفوضى والاعتداء، ونلتزم بالنصيحة الشرعية وآدابها؛ لكننا في الوقت نفسه نرفض أن يتحول الدين إلى أداة للتملق، أو أن يُستخدم لتبرير الخطأ، أو أن يُمنح أي بشر حق احتكار الحقيقة.
فالحق لا يُعرف بالرجال وحدهم، ولا تُقاس صحة المواقف بمقدار رضا أصحاب السلطة عنها، وإنما يُعرف الحق بالدليل والعدل والإنصاف.
وما أحوجنا اليوم إلى علماء يقولون الحق بعلم وحكمة، لا إلى من يغيّرون مواقفهم بتغيّر الإشارات، ويمدحون حين يُطلب منهم المدح، ويذمون حين يُطلب منهم الذم!
فلا نريد علماء يجعلون الباذنجان حلوًا حين يرضى الأمير، ومرًّا حين يغضب؛ بل نريد علماء يزنون المواقف بميزان الشرع، ويقولون ما يعتقدون أنه الحق، سواء وافق أهواء الحكام أم خالفها.
فلسنا خدمًا للباذنجان… ولسنا خدمًا للأشخاص! إنما نحن عبيد لله، والحق أحق أن يُتَّبع.
والله من وراء القصد.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق